أخبار عاجلة

سورة قريش من تفسير البينة رقم 27 في التنزيل

السورة بصيغة PDF :

سورة قريش 27

[ نزلت في قريش، لأنه كان معاشهم من الرحلتين: رحلة في الشتاء إلى اليمن، و رحلة في الصيف إلى الشام، و كانوا يحملون من مكة الأدم و اللب، و ما يقع من ناحية البحر من الفلفل و غيره، فيشترون بالشام الثياب و الدرمك و (الدَّرْمَك : دُقاق كلَّ شيءٍ أو التُّرابُ الناعم الدَّرْمَك : الدقيقُ الأبيضَ) و الحبوب، و كانوا يتآلفون في طريقهم، و يثبتون في الخروج في كل خرجة رئيسا من رؤوساء قريش، و كان معاشهم من ذلك، فلما بعث الله رسوله (صلى الله عليه و آله) استغنوا عن ذلك، لأن الناس وفدوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و حجوا إلى البيت، فقال الله: { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ } فلا يحتاجون أن يذهبوا إلى الشام { وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } يعني خوف الطريق. – تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني ] .

وفي تفسير الدر المنثور :

[أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت { لإِيلاف قريش } بمكة.

وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الخلافيات عن أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم، ولا يعطيها أحداً بعدهم: إني فيهم وفي لفظ النبوّة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل، وعبدوا الله سبع سنين، وفي لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم { لإِيلاف قريش “} – الدر المنثور ] .

وهذا لا يصح لتعارضه مع السورة الكريمة التي تبكتهم وتذكرهم بمنة الله تعالى عليهم و فضله وهذا لا يكون إلا لمن أنكروا نعم الله تعالى و فضله عليهم بعد أن حاولوا قتل النبي عشرات المرات فأنقذه الله تعالى وعصمه منهم حتى أكمل دينه تعالى :

بعض الآيات القرآنية التي نزلت في كفار قريش، مع بيان سبب نزولها:

  • قال الله -تعالى-:(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا* وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا* وَبَنِينَ شُهُودًا* وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ* كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا* سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا* إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ* فَقَالَ إِنْ هَـذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ* إِنْ هَـذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ)، “المدثر: 11-25”.

نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة عندما سمع تلاوة القرآن الكريم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتأثر بسماع القرآن الكريم، وهو المُنكر له والمتصدّي له، فوصل ما حدث مع الوليد بن مغيرة إلى أبي جهل، فخشي أبو جهل من دخول الوليد في الإسلام.

وذهب أبو جهل للمغيرة فعرض عليه المال والجاه؛ مقابل أن ينسى ما سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينشر الإساءة بين الناس، بإخبارهم أن ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما هو إلّا سحرٌ وشعرٌ؛ ففعل ذلك  .

  • قال الله -تعالى-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)، “المسد: 1-5”.

نزلت الآيات عندما جمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل مكة المكرمة؛ ليُخبرهم بدعوته لتوحيد الله -سبحانه وتعالى-، فما كان من عمّه أبي لهب إلّا أن شتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استنكاراً منه، وتكذيباً له؛ بسبب جمعه لهم قائلاً له: تباً لك  .

وثبت عن الصحابي الجليل عبدالله بن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: (قالَ أبو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ألِهذا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ} إلى آخِرِهَا)، “أخرجه البخاري”.

  • [ قال الله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، “الكافرون: 1-5”.

نزلت الآيات في أربعة من صناديد قريش، قيل بأنهم:

  • الوليد بن المغيرة المخزومي.
  • العاص بن وائل السهمي.
  • أمية بن خلف الجمحي.
  • الأسود بن المطلب.
  • فقد عرضوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- أن يقوم بعبادة آلهتهم مدّة عامٍ كاملٍ، مقابل أن يعبدوا الله -تعالى- مدّة عامٍ كاملٍ، فإن رأى الكفار خيراً في التوحيد اتّبعوه، وإن رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيراً في الشرك، بقي على شركهم، فنزلت الآيات؛ لتبرئة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ميله إلى الكفر أو الشرك –  السهيلي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد ،الروض الأنف ج 3  ص 322  –  بيروت ] .
  • وما نزل في في بني أمية من أنهم الشجرة الملعونة في القرآن تصرف الآية عن كونها مكرمة لقريش وفي الأحاديث دعا النبي عليهم صلى الله عليه وآله قائلاً [ اللهم كما اذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم نوالاً – أخرجه الترمذي (3908) واللفظ له، وأحمد (2170) و ابن حجر العسقلاني في هداية الرواة  5/380  ] .

ولا ننسى أن هذا من قبيل الخاص على العام فالخاص هم رجال قريش والعام ذريتهم المؤمنه كما في السيرة النبوية حينما قذفوه صلى الله عليه وآله بالحجارة الفطائف حتى أدموا قدماه وجاءه ملك الجبال قائلاً لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين فقال لا ولكني أدعوا الله أن يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله واليوم الآخر .

[ عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- : (أنَّها قالَتْ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ قالَ: لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، فقالَ ذلكَ فِيما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا) – رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين  ] .

[ عن عائشة أم المؤمنين  : أنَّها قالتْ لرسولِ اللَّهِ – صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ – : هل أتَى عليكَ يومٌ كانَ أشدَّ مِن يومِ أحدٍ ؟ فقالَ : لقد لقيتُ مِن قومِكِ ، وَكانَ أشدَّ ما لقيتُ منهُم يومَ العقبةِ إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلَ بنِ عبدِ كلالٍ ، فلَم يجبْني إلى ما أردتُ ، فانطلقتُ وأَنا مَهْمومٌ علَى وجهي ، فلَم أستفِقْ إلَّا وأَنا بقرنِ الثَّعالبِ ، فرفعتُ رأسي ، فإذا بسحابةٍ قد أظلَّتني ، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليهِ السَّلامُ ، فَناداني فقالَ : يا محمَّدُ ، إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ ، قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ ، وما ردُّوا عليكَ ، وقد بعثَ اللَّهُ ملَكَ الجبالِ لتأمرَهُ بما شئتَ فيهِم قالَ : فَناداني ملَكُ الجبالِ : فسلَّمَ عليَّ ، ثمَّ قالَ : يا محمَّدُ : إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ ، وأَنا ملَكُ الجبالِ ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ ، وبما شئتَ ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا – التوحيد لابن خزيمة ج 1 ص 111 ] .

  • إعراض قريش وإنذار الله تعالى لهم أنه سيهلكهم كما أهلك عاد وثمود تؤكد أنهم ليسوا أصحاب مكرمة مع النبي لقوله تعالى { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود – فصلت }
  • توعده الله تعالى لهم بعذابين مثل بني إسرائيل في أول ظهور الإسلام وآخر الزمان لتؤكد استمراية عداوتهم للنبي وأهل بيته كما في قوله تعالى { سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم – التوبة }

 

وبالتالي كل روايات فضل الله قريشاً : [ فضل الله قريشاً بسبع خصال. فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم وهي { لإِيلاف قريش } وفضلهم بأن فيهم النبوّة والخلافة والحجابة والسقاية”. – أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن الزبير بن العوّام ] مطعون فيها صراحة لتعارضها مع القرآن الكريم وإن كان منهم المؤمنون الأكارم والأفاضل من الصحابة المهاجرين و لكن هذا من قبيل الخاص على عموم موقف سادة و كبراء قريش ممن حاربوه وقاتلوه ثم أكملوا حربهم بعد موته على أهل بيته عليهم السلام فحاولوا إبادتهم ومنع حقهم في المال والحكم في كل مناصب الدولة العسكرية والمدنية حيث تم استبعادهم منها عن عمد في فترة الخلافة الراشدة ثم أكمل الأمويون والعباسيون الحرب عليهم ولكن الله تعالى خذلهم على غير إرادة منهم  ومن كان منهم مؤمناً فهو الذي فضله الله تعالى على غيره .

أهـ .

بسم الله الرحمن الرحيم

  • لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2)

وهنا :

لإيلاف قريش إيلافهم :

[ وألفت الشيئ : كفهم وآلفه إلفاً آنست به وأحببته وآلفني إياه إيلافاً جعلني أحبه وأنس به وإيلاف لم يجيئ منها إلا المصدر – معجم الأفاظ القرآن بال الهمزة فصل اللام والفاء ] .

وفي اللغة : [ اسم علم مؤنث عربي، ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ- قريش 1-2 ﴾ . من الفعل آلفَهُ الشيءَ: ألزمه. وآلفتُ الموضعَ أُولَفُه إيلافاً: لزمتُه وألفته. والإيلاف شبه الإجازه بالخُفارة. وأصحاب الإيلاف أربعة : هاشم ، وعبد شمس ، والمطَّلب، ونوفل بنو عبد مناف، وكانوا يؤلِّفون الجوارَ: أي يُتْبعون بعضَه بعضاً. وفي اللسان: الإيلاف مَن يُؤْلفون، أي يهيئِّون ويُجَهزون. والمعنى: لتؤلف قريش الرحلتين فتتصلان ولا تنقطعان – قاموس المعاني ص 27 ] .

قال تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم – التوبة 60 } و هنا كأنه يقول تعالى لنا بأن رحلة الشاء والصيف لتجارة قريش كان يقوم عليها كبراء القبائل ووجهائها من المؤلفة قلوبهم في قريش .

وأما :

(قريش)

[ وقريش هى القبيلة المعروفة المنسوبة لولد النضر بن كنانة وهو إسم منقول من تصغير قرش وهو دابة عظيمة بالبحر تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار فشبهوا بها لأنها تأكل ولا تؤكل وتعلوا ولا تُعلى وصغر الإسم بالياء للتعظيم – كنز الدقائق ج 11 ص 450 للشيخ محمد رضا القمي المشهدي ] .

وهذه القبيلة ذكرها المولى عز وجل في سورة بإسمهم تذكرهم بمنة الله تعالى عليهم تقريعاً وتبكيتاً لعلمه بما سيقعوا فيه من الإنشغال بالتجارة والمال وفي صدر الدعوة ونزول الوحي كانوا حرباً على رسول الله صلى الله عليه وآله فمنهم القائل { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم }

[عن أنس بن مالك قال : هو أبو جهل بن هشام قال : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فنزلت ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) الآية .رواه البخاري عن أحمد ومحمد بن النضر ، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة ، به .وأحمد هذا هو : أحمد بن النضر بن عبد الوهاب . قاله الحاكم أبو أحمد ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، والله أعلم .وقال الأعمش ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم – الأنفال 32 ) قال : هو النضر بن الحارث بن كلدة ، قال : فأنزل الله : ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع –المعارج 1-2 )  وكذا قال مجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والسدي : إنه النضر بن الحارث – تفسير القرآن العظيم ابن كثير  – تفسير سورة الأنفال الآية 32 ] و [ النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف العبدري القُرشي وكنيته أبو فائد، (توفيّ 2 هـ – 624 م) سيد من أسياد قبيلة قريش ووجوهها، وأحد أعتى وأشرس أعداء النبي محمد ودين الإسلام خلال الوقت المُبكر من تاريخه، اشتُهِر في التاريخ الإسلامي لمعاداته النبي محمد بالتكذيب والأذى. وهو والد الصحابي المهاجر النُضَير بن النضر بن الحارث العبدري. – أسد الغابة في معرفة الصحلبة ص 301 – المكتبةة الشاملة ] .

ولذلك قال تعالى لهم هنا في السورة الكريمة {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب ههذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف }  .

وأما :

(رحلة)

[ ورحل من مكان إلى مكان : انتقل  والرحل : البعير ما يوضع عليه الركائب والبضائع ] قال تعالى { رحلة الشتاء والصيف } والرحلة للتجارة هنا يكون بها رحل ورحال قال تعالى في سورة يوسف (عليه السلام) { وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون – يوسف 62 } .  وهنا يبين تعالى أن هذه الرحلة برحالهم ورحلهم كانتو واحدة بالشتاء وأخرى بالصيف قال تعالى هنا { رحلة الشتاء والصيف } .

وأما :

(الشتاء والصيف)

و [ الشتاء : الفَصْلُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ فَصْلِ الخَرِيفِ وَتَكْثُرُ فِيهِ الأمْطَارُ، وَيَشْتَدُّ بَرْدُهُ يَبْتَدِئُ مِنَ الثَّانِي وَالعِشْرِينَ مِنْ دِيسمبر، كَانُونِ الأَوَّلِ وَيَنْتَهِي فِي الحَادِي وَالعِشْرِينَ مِنْ مَارِسَ، آذَار – معجم المعاني  ]

والصيف : [ ثالث فصول السَّنة ، يأتي بعد الرّبيع، ويليه الخريفُ، ويبدأ من 21 يونية/ حَزيران، وينتهي في 22 سبتمبر/ أيلول ، وفيه ترتفع معدَّلات درجات الحرارة تمام الرّبيع الصّيف،- معجم المعاني ] . وهذان اللفظان مما لم يأتيان في مواضع أخرى من كتاب الله تعالى فقال تعالى هنا { رحلة الشتاء والصيف } .

ثم يقول تعالى :

  • فليعبدوا رب هذا البيت (3)

وهنا يبين تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعاهم لعبادة الله تعالى وحده كما في قوله تعالى { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين – النمل 91-92 } . وهنا كأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين – الزخرف 81 } .فلما حاربوه صلى الله عليه وآله أنزل الله تعالى سوة الكافرون فقال تعالى { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ – الكافرون }

وأما :

(رب)

أي أنه يقول تعالى لهم أنه عز وجل رب السماوات والأرض قال تعالى { رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا – مريم 65 } . فلما عاندوا رسول الله صلى الله عليه وآله وحاربوه قال تعالى { قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار – الرعد 16 } .

وأما :

(هذا)

وهذا اللفظ يبين أن نبي الله إبراهيم دعا لساكني هذه البقعة المباركة في قوله تعالى { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير- البقرة 126 } وهذه الآية تسقط أيضاً حديث مكرمة قريش بسبع فقد عا نبي الله إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة المكرمة  ويبين تعالى أن أولى الناس بنبي الله إبراهيم عليه السلام هم الذين آمنوا بالله تعالى ثم النبي محمد صلى الله عليه وآله وتولوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه  كما في قوله تعالى { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين –آل عمران 68 } .

وأما :

(البيت)

وهنا يبين تعالى أن سيدنا إبراهيم وإسماعيل هما من رفع ثواعد هذا البيت الحرام قال تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم – البقرة 127 } وهذا البيت جعله الله تعالى مثابة للناس يرجعون إليه كل عام وأمنا وأمر بالصلاة فيه وفي مقام نبي الله إبراهيم عليه السلام  كما في قوله تعالى { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود – البقرة 125 } وهذا البيت له أهل موكولون من الله تعالى عليه وهم أهل البيت الإبراهيمي الذين قال تعالى فيهم { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد – هود 73} وببعثة خاتم النبيين سيدنا محمدصلى الله عليه وآله بين تعالى أن أهل هذا البيت لمن اراد رضاه عز وجل هم الأئمة من ذريته صلى الله عليه وآله الذين قال تعالى فيهم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا – الأحزاب 33 } ولخطورة الاية التي تطهر أهل بيته عليهم السلام وبالتالي نجاسة ورجس  أعدائهم كما في قوله تعالى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون – الأنعام 125 } اجتهدوا بكل طاقتهم لصرف هذه الآية عن أئمة أهل بيت النبي عليهم السلام زاعمين أنها خاصة بزوجاته فقط وهم بالفعل ممن أذهب الله تعالى عنهم الرجس لأن الزوجة من الأهل لقوله تعالى { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } وقال تعالى أيضا في بيان أن لأهل يأتي على الزوجة والولد { فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون- القصص 29 }

والولد من الأهل لقوله تعالى { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين – هود 45 }

والأخ من الأهل وأخو النبي صلى الله عليه وآله وابن عمه هو  الإمام علي عليه السلام لقوله تعالى { واجعل لي وزيرا من أهلي –  طه 29  } ولذلك قال له صلى الله عليه وآله في حديث المنزلة [ أَنْتَ مِنِّي بمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى، إِلَّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي. – رواه مسلم عن سعد بن أب يوقاص ] .

وولد النبي من السيدة فاطمة والإمام علي وذريتهم هم السلالة المحمدية والتي قطعها الله عز وجل من جميع زوجاته بحكمة إلهية ليكون ولد السيدة خديجة فقط هم الذين أمر الله تعالى بولايتهم بعد ولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وآله .

ثم يقول تعالى :

  • الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4)

وهنا :

(الذي أطعمهم)

أي أنه تعالى يبين أنه ماخلق الإنس والجن إلا لعبادته كما في قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ – الذاريات 56-58 }

  • و لذلك يقل تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وآله : { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين – الأنعام 14 } , وهو الذي يطعم الخلق و يسقيهم كما في دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام : { و الذي هو يطعمني ويسقين – الشعراء 79 }. وكما هو يطعم الخلق قال تعالى لقريش هنا مذكراً إياهم بهذه النعمة { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف }

وأما :

(من جوع)

والجوع ضد الشبع قال تعالى لنبي الله آدم { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى – طه 118 } وهذا الجوع والخوف يضربه الله تعالى على القرى الظالمة ومحذراً  أهل مكة والجزيرة العربية بالذات والعالم  من الخروج على أوامر الله تعالى فقال عز وجل : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون – النحل 112 } . وهذا الجوع و الخوف يكون مقدمة لنزول عذاب أكبر وبلاء من الله تعالى ليرجعوا إليه تعالى تائبين منيبين إليه عز وجل فقال تعالى {  ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين – البقرة 155 } فإن لم يتوبوا فالله تعالى يبشرهم بصاعقة نثل صاعقة عاد وثمود كما في قوله تعالى { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم بصاعقة نثل صاعقة عاد وثمود – فصلت }

وأما :

(وآمنهم)

هنا يبين تعالى أن أمن وأمان قريش والجزيرة العربية والعالم العربي وكل العالم بحرمهم والمؤمنين بالله تعالى فقال عز وجل { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون – العنكبوت 67 } و{ من دخله كان آمنا – آل عمران 97}

وقال تعالى في تفصيل قوة بطش قريشاً بالمؤمنين وظلمهم كما هو وارد بالسيرة النبوية وما فعلوه بآل عمار ابن ياسر وخباب وغيرهم من المؤمنين من قتل وتنكيل لذلك قال تعالى { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون – القصص 57 } .

وهذه الثمرات وهذا الرزق من بيت الله الحرام وأهل بيته عليهم السلام لذلك قال تعالى مذكراً إياهم بنعمة الحرم وأهل بيتت النبي والمؤمنين به تعالى وهم سبب البركة والرزق قال تعالى لذلك { فليعبدوا رب هذا البيت اللذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف – قريش  }

ولورود لفظ الأمن على القرى من اليمن حتى الشام في قوله تعالى {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين – سبأ 18 } فتكون كل هذه القرى واقعة تحت سنن الحرم والبداية تكون فيها ثم ينتقل البلاء إلى كل الجزيرة العربية ومصر إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله تعالى . ولورود هذا اللفظ على مصر في قوله تعالى { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين – يوسف 99 } وقال تعالى أيضاً { وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين – القصص 31 } أن مصر في أمن أمان كبقية بلاد اليمن والشام و العراق ينطبق عليها من الأمن على ما جعله الله تعالى على قريش يرزقهم ببركة بيت الله الحرام ومصر ببركة الأنبياء الذين دخلوها وعاشوا فيها وحكموها فترات من عمر الدنيا  وببركة الشريعة الإسلامية إن طبقوها و إلا سيضربهم الله تعالى أولاً بالجوع فإن لم يتوبوا فبعذاب شديد وسفك دماء وحروب أعاذنا الله تعالى منه ويكون بالذات في جيشها إن مال لنصرة الظلمة على المستضعفين من شعب مصر وهى سنة الله تعالى في مصر حينما قال تعالى { إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين – القصص } وللأسف هذا الخطأ سيتوارثه حكام مصر إلى أن يشاء الله تبارك وتعالى وذلك لأنه قال تعالى في فرعون وملئه لعنهم الله تعالى {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون – القصص 41 } و لذلك إن سار حكامها وفي أبي بلد من بلاد الدنيا على إمامه هذا النهج الفرعوني من الدعوة لطاعتهم المطلقة خارجين عن نصرة دينهم وولاية ربهم ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام فالعاقبة وخيمة على حكامها لعلمه تعالى باستضعاف الفرعو في كل زمان لشعبها إلى أن يشاء الله تعالى ببعثة إمام آخر الزمان وهنا يقول تعالى { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين – القصص 5 } .

وأما

(من خوف)

وهنا :

الخوف يكون من بططش الظلمة لقوله تعالى { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون – الأنفال 26 } والخوف يكون من القتل لقوله تعالى عن سيدنا موسى عليه السلام { فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين – القصص 21 } أي أنه تعالى يقول بأنه جعل لهم حرماً آمنا من الحروب وسفك الدماء والفقر و { من دخله كان آمنا}  فلما نصبوا فيه الأوثان وخرج خلفهم بعد نزول الوحي حاربوا النبي صلة الله عليه وآله ثم جاء المنافقون من خلفهم ليقتلوا أهل بيت النبي والمؤمنين لذلك قال تعالى لهؤلاء { فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } .أهـ

هذا وبالله التوفيق

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

انتهى العمل من هذه السورة الكريمة

في 29 ذو الحجة 1420هـ الموافق 4 أبريل سنة 2000 للميلاد .

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم بمتابعة مستقبل العالم و الأحداث الخطرة و عرض (تفسير البينة) كأول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة وترابطها بالتي قبلها وبعدها للمجامع والمراكز العلمية و الجامعات والعلماء في العالم.

شاهد أيضاً

من تفسير البينة : ميلاد نبي الله يحى و الإمام الحسين عليهما السلام في آخر ربيع أول وليس شعبان من القرآن الكريم

البحث بصيغة PDF : ميلاد نبي الله يحى والإمام الحسين عليهما سورة مريم : الآية …

اترك تعليقاً