تفسير سورة البروج رقم (25) في التنزيل من تفسير البينة

 بقلم :

خالد محيي الدين الحليبي

السورة الكريمة بصيغة ملفات PDF :

سورة البروج 25

السورة الكريمة بصيغة ورد :

 ورد في في تفسير مجمع البيان للطبرسي :

[ الأخدود في اللغة : الشق العظيم في الأرض ومنه ما روي في معجز النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا الشجرة فجعلت تخدّ الأرض خدّاً حتى أتته ومنه الخدّ لمجاري الدموع وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق والوقود ما تشتعل به النار من الحطب وغيره بفتح الواو والوُقود بالضم الإيقاد يقال فتنت الشيء أحرقته والفتين حجارة سود كأنها محرقة وأصل الفتنة الامتحان ثم يستعمل في العذاب.
الإعراب: قال الفراء: قتل أصحاب الأخدود جواب القسم كما كان جواب { والشمس وضحاها – الشمس 1 }  { قد أفلح من زكاها  -الشمس 9 }  وقيل: إن جواب القسم محذوف وتقديره انَّ الأمر حقّ في الجزاء على الأعمال. وقيل: جواب القسم قوله {إن الذين فتنوا المؤمنين} الآية. وقيل: جواب القسم قوله {إن بطش ربك لشديد} النار بدل من الأخدود وهو بدل الاشتمال لأن الأخدود يشتمل على ما فيه من النار أي النار منه وذات الوقود صفة للنار ويسأل على هذا فيقال كيف خصَّت هذه النار بذا وكل نار لها وقود وأجيب عنها بجوابين.
أحدهما: أنه قد يكون نار ليست بذات وقود كنار الحجر ونار الكبد والآخر: أن الوقود معرف فصار مخصوصاً كأنه وقود بعينه كما قال {  وقودها الناس والحجارة  -البقرة 24 }   فكأن الوقود هنا أبدان الناس, إذ هم عليها قعود إذ مضاف إلى الجملة وهي ظرف لقوله {قتل أصحاب الأخدود} إذا كان إخباراً لا دعاء وأن يؤمنوا في موضع نصب قوله {نقموا} والتقدير وما نقموا إلا إيمانهم. فرعون وثمود في موضع جرّ بدل من الجنود ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار فعل كأنه قال أعني فرعون وثمود.
قصة أصحاب الأخدود
روى مسلم في الصحيح عن هدية بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كان ملك فيمن كان قبلكم له ساحر فلما مرض الساحر قال إني قد حضر أجلي فادفع إليَّ غلاماً أعلمه السحر فدفع إليه غلاماً وكان يختلف إليه وبين الساحر والملك راهب فمرَّ الغلام بالراهب فاعجبه كلامه وأمره فكان يطيل عنده القعود فإذا أبطأ عن الساحر ضربه وإذا أبطأ عن أهله ضربوه فشكا ذلك إلى الراهب فقال يا بني إذا استبطأك الساحر فقل حبسني أهلي وإذا استبطأك أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو ذات يوم إذا بالناس قد حبستهم دابة عظيمة فظيعة فقال اليوم أعلم أمر الساحر أفضل أم أمر الراهب فأخذ حجراً فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة فرمى فقتلها ومضى الناس.
فأخبر بذلك الراهب فقال أي بني إنك ستبتلى وإذا ابتليت فلا تدل عليَّ وجعل يداوي الناس فيبرىء الأكمه والأبرص فبينما هو كذلك إذ عمي جليس للملك فأتاه وحمل إليه مالاً كثيراً فقال اشفني ولك ما ها هنا فقال إني لا أشفي أحداً ولكن الله يشفي فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك قال فآمن فدعا الله له فشفاه فذهب فجلس إلى الملك فقال يا فلان من شفاك قال ربي قال أنا قال لا ربي وربك الله قال أو إن لك رباً غيري قال نعم ربي وربك الله فأخذه فلم يزل به حتى دلَّه على الغلام فبعث إلى الغلام فقال لقد بلغ من أمرك أن تشفي الأكمه والأبرص قال ما أشفي أحداً ولكن الله ربي يشفي قال أو إن لك رباً غيري قال نعم ربي وربك الله فأخذه.
فلم يزل به حتى دلَّه على الراهب فوضع المنشار عليه فنشره حتى وقع شقين وقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فأرسل معه نفراً وقال: اصعدوا به جبل كذا وكذا فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه منه قال فعلوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت قال فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعون وجاء إلى الملك فقال ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله فأرسل به مرة أخرى قال انطلقوا به فلججوه في البحر فإن رجع وإلا فغرّقوه فانطلقوا به في قرقور فلما توسَّطوا به البحر قال اللهم أكفنيهم بما شئت قال فانكفأت بهم السفينة وجاء حتى قام بين يدي الملك فقال ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله.
ثم قال إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به اجمع الناس ثم اصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضعه على كبد القوس ثم قل باسم رب الغلام فإنك ستقتلني.
قال فجمع الناس وصلبه ثم أخذ سهماً من كنانته فوضعه على كبد القوس وقال باسم رب الغلام ورمى فوقع السهم في صدغه ومات فقال الناس آمنّا برب الغلام فقيل له أرأيت ما كنت تخاف قد نزل والله بك آمن الناس فأمر بالأخدود فخددت على أفواه السكك ثم أضرمها ناراً فقال من رجع عن دينه فدعوه ومن أبى فاقتحموه فيها فجعلوا يقتحمونها وجاءت امرأة بابن لها فقال لها يا أمه اصبري فإنك على الحق” .
وقال ابن المسيب كنا عند عمر بن الخطاب إذ ورد عليه أنهم احتفروا فوجدوا ذلك الغلام وهو واضع يده على صدغه فكلما مدَّت يده عادت إلى صدغه فكتب عمر واروه حيث وجدتموه.
وروى سعيد بن جبير قال لما انهزم أهل اسنفندهان قال عمر بن الخطاب ما هم يهود ولا نصارى ولا لهم كتاب وكانوا مجوساً فقال علي بن أبي طالب (ع) بل قد كان لهم كتاب ولكنه رفع وذلك أن ملكاً لهم سكر فوقع على ابنته أو قال على أخته فلما أفاق قال لها كيف المخرج مما وقعت فيه قالت تجمع أهل مملكتك وتخبرهم أنك ترى نكاح البنات وتأمرهم أن يحلّوه فجمعهم فأخبرهم فأبوا أن يتابعوه فخدَّ لهم أخدوداً في الأرض وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار ومن أجاب خلّى سبيله.
وقال الحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أمامه أصحاب الأخدود تعوَّذ بالله من جهد البلاء وروى العياشي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال أرسل علي (ع) الى أسقف نجران يسأله عن أصحاب الأخدود فأخبره بشيء فقال (ع) ليس كما ذكرت ولكن سأخبرك عنهم إن الله بعث رجلاً حبشياً نبياً وهم حبشة فكذبوه فقاتلهم فقتلوا أصحابه وأسروه وأسروا أصحابه ثم بنوا له حَيْراً ثم ملؤوه ناراً ثم جمعوا الناس فقالوا من كان على ديننا وأمرنا فليعتزل ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار معه فجعل أصحابه يتهافتون في النار فجاءت امرأة معها صبي لها ابن شهر فلما هجمت على النار هابت ورقت على ابنها فناداها الصبي لا تهابي وارمي بي وبنفسك في النار فإن هذا والله في الله قليل فرمت بنفسها في النار وصبيها وكان ممن تكلم في المهد.
وبإسناده عن هيثم التمار قال سمعت أمير المؤمنين (ع) وذكر أصحاب الأخدود فقال كانوا عشرة وعلى مثالهم عشرة يقتلون في هذا السوق وقال مقاتل: كان أصحاب الأخدود ثلاثة واحد بنجران والآخر بالشام والآخر بفارس حرقوا بالنار أما الذي بالشام فهو أنطياخوس الرومي وأما الذي بفارس فهو بخت نصر وأما الذي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس فأما من كان بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآناً وأنزل في الذي كان بنجران وذلك أن رجلين مسلمين ممن يقرؤون الإنجيل أحدهما: بأرض تهامة والآخر: بنجران اليمن أجر أحدهما نفسه في عمل يعمله فجعل يقرأ الإنجيل فرأت ابنة المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل فذكرت لأبيها فرمق حتى رآه فسأله فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام فتابعه مع سبعة وثمانين إنساناً من رجل وامرأة وهذا بعدما رفع عيسى إلى السماء فسمع يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تبع الحميري فخدَّ لهم في الأرض وأوقد فيها فعرضهم على الكفر فمن أبى قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذف فيها وإذا امرأة جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت فقال لها يا أماه إني أرى أمامك ناراً لا تطفى فلما سمعت من ابنها ذلك قذفها في النار فجعلها الله وابنها في الجنة وقذف في النار سبعة وسبعون إنساناً قال ابن عباس: من أبى أن يقع في النار ضرب بالسياط فأدخل الله أرواحهم في الجنة قبل أن تصل أجسامهم إلى النار.
المعنى: إن الله سبحانه أقسم بالسماء فقال {والسماء ذات البروج} فالبروج المنازل العالية والمراد هنا منازل الشمس والقمر والكواكب وهي اثنا عشر برجاً يسير القمر في كل برج منها يومين وثلاث وتسير الشمس في كل برج شهراً {واليوم الموعود} يعني يوم القيامة في قول جميع المفسرين وهو اليوم الذي يجازى فيه الخلائق ويفصل فيه القضاء {وشاهد ومشهود} فيه أقوال:
أحدها: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة عن ابن عباس وقتادة وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمي يوم الجمعة شاهداً لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه وفي الحديث: “ما طلعت الشمس على يوم ولا غربت على يوم أفضل منه وفيه ساعة لا يوافقها من يدعو فيها الله بخير إلا استجاب له ولا استعاذ من شّر إلاّ أعاذه منه” ويوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحج وتشهده الملائكة.
وثانيها: أن الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة عن إبراهيم.
وثالثها: أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة عن ابن عباس في رواية أخرى وسعيد بن المسيب وهو المروي عن الحسن بن علي وروي أن رجلاً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رجل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فسألته عن الشاهد والمشهود فقال نعم الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كأن وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أخبرني عن شاهد ومشهود فقال أما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وسلم وأما المشهود فيوم القيامة أما سمعته سبحانه يقول { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً  – الفتح 8 }  وقال ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود فسألت عن الأول فقالوا ابن عباس وسألت عن الثاني فقالوا ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا الحسن بن علي (ع) .
ورابعها: أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة وإن أحداً لا يصلي عليَّ إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ منها قال فقلت وبعد الموت فقال: إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبيّ الله حيٌّ يرزق” .
وخامسها : أن الشاهد الملك يشهد على بني آدم والمشهود يوم القيامة عن عكرمة وتلا هاتين الآيتين { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد – ق 21 }  { ذلك يوم مشهود  – هود 103 } وقد قيل في ذلك أقوال أخر كقول الجبائي الشاهد الذين يشهدون على الناس والمشهود هم الذين يشهد عليهم وقول الحسين بن الفضل الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم لقوله { لتكونوا شهداء على الناس – البقرة 143 } وقيل : الشاهد أعضاء بني آدم والمشهود هم لقوله { يوم تشهد عليهم ألسنتهم- النور24 }  . وقيل: الشاهد الحجر الأسود والمشهود الحاج. وقيل: الشاهد الأيام والليالي والمشهود بنو آدم وينشد للحسين بن علي (ع) :

مَضى أمْسُكَ الْماضِي شَهِيداً مُعَدّلاً وَخُلِفْـتُ فِي يَــوْمٍ عَلَيْــكَ شَهِيـــدُ

فَإنْ أنْـتَ بِــالأَمْسِ اقْتَرَفْتَ إساءَةً فَقَيِّـــدْ بِـــإحْسانٍ وَأنْــــتَ حَمِيدُ

وَلا تُــرْجَ فعــل الخَيْرِ يَوْماً إلى غَدٍ لَعَــلَّ غَداً يَأَتِـــي وَأَنْـــتَ فَقِيـدُ

وقيل: الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم بيانه { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين-  آل عمران 81}  إلى قوله { فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين – آل عمران: 81} . وقيل: الشاهد الله والمشهود لا إله إلا الله بيانه قوله {  شهد الله أنه لا إله إلا هو – آل عمران: 18}  الآية. وقيل: الشاهد الخلق والمشهود الحق وإليه أشار الشاعر بقوله:

أَيا عَجَباً كَيْفَ يُعْصى الإْله أمْ كَيْــــفَ يَجْحَـــدُهُ الْجاحِدُ

وَلِلَّهِ فِــي كُــــلِّ تَحْرِيكــةٍ وَفِـــي كُــلّ تَسْكِينَةٍ شاهِـدُ

وَفِـي كُــلِّ شَـيْءٍ لَــهُ آيةٌ تَــدُلُّ عَلــى أنَّــهُ واحِــدُ

فهذه ثمانية أقوال أخر {قتل أصحاب الأخدود} أي لعنوا بتحريقهم الناس في الدنيا قبل الآخرة والمراد به الكافرون الذين حفروا الأخدود وعذبوا المؤمنين بالنار ويحتمل أن يكون إخباراً عن المسلمين الذين عذبوا بالنار في الأخدود والمعنى أنهم قتلوا بالإحراق في النار ذكرهم الله سبحانه وأثنى عليهم بحسن بصيرتهم وصبرهم على دينهم حتى أحرقوا بالنار لا يعطون التقية بالرجوع عن الإيمان.
{النار ذات الوقود} أي أصحاب النار الذين أوقدوها بإحراق المؤمنين وقوله {ذات الوقود} إشارة إلى كثرة حطب هذه النار وتعظيم لأمرها فإن النار لا تخلو عن وقود {إذ هم عليها قعود} يعني الكفار إذ هم على أطراف هذه النار جلوس يعذّبون المؤمنون عن ابن عباس. وقيل: يعني هم عندها قعود يعرضونهم على الكفر عن مقاتل قال مجاهد: كانوا قعوداً على الكراسي عند الأخدود وهو قوله {وهم} يعني الملك وأصحابه الذين خدُّوا الأخدود {على ما يفعلون بالمؤمنين} من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم.

{شهود} أي حضور قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله وقال الربيع بن أنس: لما ألقوا في النار نجى الله المؤمنين بأن أخذ أرواحهم قبل أن تمسهم النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم. وقيل: إنهم كانوا فرقتين فرقة تعذب المؤمنين وفرقة تشاهد الحال لم يتولوا تعذيبهم لكنهم قعود رضوا بفعل أولئك وكانت الفرقة القاعدة مؤمنة لكنهم لم ينكروا على الكفار صنيعهم فلعنهم الله جميعاً عن أبي مسلم والقعود جمع القاعد وكذلك الشهود جمع الشاهد وهم كل حاضر على ما شاهدوه إما بسمع أو بصر.
{وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله} أي ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا عن ابن عباس. وقيل: ما أنكروا عليهم دينا وما عابوا منهم شيئاً إلا إيمانهم وهذا كقوله { هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله – المائدة 59 } .

عن الزجاج ومقاتل وقال الجبائي: ما فعلوا بهم ذلك العذاب إلا بإيمانهم {العزيز} القادر الذي لا يمتنع عليه شيء القاهر الذي لا يقهر {الحميد} المحمود في جميع أفعاله {الذي له ملك السماوات والأرض} أي له التصرف في السماوات والأرض لا أعتراض لأحد عليه {والله على كل شيء شهيد} أي شاهد عليهم لم يخف عليه فعلهم بالمؤمنين فإنه يجازيهم وينتصف للمؤمنين منهم.
{إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي الذين أحرقوهم وعذَّبوهم بالنار عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومثله}  يوم هم على النار يفتنون  الذاريات: 13}  {ثم لم يتوبوا} من فعلهم ذلك ومن الشرك الذي كانوا عليه وإنما شرط عدم التوبة لأنهم لو تابوا لما توجَّه إليهم الوعيد {فلهم عذاب جهنم} بكفرهم {ولهم عذاب الحريق} بما أحرقوا المؤمنين يسأل فيقال كيف فصّل بين عذاب جهنم وعذاب الحريق وهما واحد. أجيب عن ذلك بأن المراد لهم أنواع العذاب في جهنم سوى الإحراق مثل الزقوم والغسلين والمقامع ولهم مع ذلك الإحراق بالنار. وقيل: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود فأحرقتهم عن الربيع بن أنس وهو قول الكلبي وقال الفراء: ارتفعت النار عليهم فأحرقتهم فوق الأخاديد ونجا المؤمنون.

ثم ذكر سبحانه ما أعدَّه للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال {إن الذين آمنوا} أي صدَّقوا بتوحيد الله {وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} النجاة العظيم والنفع الخالص وإنما وصفه بالكبير لأن نعيم العاملين كبير بالإضافة إلى نعيم من لا عمل له من داخلي الجنة لما في ذلك من الإجلال والإكرام والتبجيل والإعظام.

ثم قال سبحانه متوعداً للكفار والعصاة {إن بطش ربك} يا محمد {لشديد} يعني إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة والجبابرة أليم شديد وإذا وصف البطش وهو الأخذ عنفاً بالشدة فقد تضاعف مكروهه وتزايد إيلامه {إنه هو يبدىء} الخلق يخلقهم أولاً في الدنيا {ويعيد} هم أحياء بعد الموت للحساب والجزاء فليس إمهاله لمن يعصيه لإهماله إياه. وقيل: إنه يبدىء بالعذاب في الدنيا ويعيده في الآخرة عن ابن عباس وذلك لأن ما قبله يقتضيه.

{وهو الغفور} لذنوب المؤمنين من أهل طاعته ومعناه كثير الغفران عادته مغفرة الذنوب {الودود} يودُّ أولياءه ويحبُّهم عن مجاهد قال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولاً بمعنى مفعول كركوب وحلوب ومعناه أن عباده الصالحين يودّونه ويحبّونه لما عرفوا من فضله وكرمه ولما أسبغ من ألآئه ونعمه قال وكلتا الصفتين مدح لأنه سبحانه إن أحبَّ عباده المطيعين فهو فضل منه وإن أحبّوه فلما عرفوه من فضله وإحسانه.

{ذو العرش المجيد} أكثر القراءة في المجيد الرفع لأن الله سبحانه هو الموصوف بالمجد ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى وإن سمع الماجد ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش وروي عن ابن عباس أنه قال يريد العرش وحسنه ويؤيِّده أن العرش وصف بالكرم في قوله { رب العرش الكريم – المؤمنون: 116}  فجاز أيضاً أن يوصف بالمجد لأن معناه الكمال والعلو والرفعة والعرش أكمل كل شيء وأعلاه وأجمعه لصفات الحسن.

{فعال لما يريد} لا يعجزه شيء طلبه ولا يمتنع منه شيء أراده عن عطاء. وقيل: لما يريد من الإبداء والإعادة.
ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال {هل أتاك حديث الجنود} الذين تجندوا على أنبياء الله أي هل بلغك أخبارهم. وقيل: أراد قد أتاك ثم بيَّن سبحانه أصحاب الجنود فقال {فرعون وثمود} والمعنى تذكر يا محمد حديثهم تذكّر مُعتبر كيف كذبوا أنبياء الله وكيف نزل بهم العذاب وكيف صبر الأنبياء وكيف نصروا فَاصْبر كما صبر أولئك ليأتيك النصر كما أتاهم وهذا من الإيجاز البديع والتلويح الفصيح الذي لا يقوم مقامه التصريح {بل الذين كفروا} يعني مشركي قريش {في تكذيب} لك والقرآن قد أعرضوا عما يوجبه الاعتبار وأقبلوا على ما يوجبه الكفر والطغيان {والله من ورائهم محيط} معناه أنهم في قبضة الله وسلطانه لا يفوتونه كالمحاصر المحاط به من جوانبه لا يمكنه الفوات والهرب وهذا من بلاغة القرآن.
{بل هو قرآن مجيد} أي كريم لأنه كلام الرب عن ابن عباس أي ليس هو كما يقولون من أنه شعر أو كهانة وسحر بل هو قرآن كريم عظيم الكرم فيما يعطي من الخير جليل الخطر والقدر. وقيل: هو قرآن كريم لما يعطي من المعاني الجليلة والدلائل النفيسة ولأن جميعه حكم والحكم على ثلاثة أوجه لا رابع لها معنى يعمل عليه فيما يخشى أو يتقى وموعظة تلين القلب للعمل بالحق وحجة تؤدّي إلى تمييز الحق من الباطل في علم دين أو دنيا وعلم الدين أشرفهما وجميع ذلك موجود في القرآن.
{في لوح محفوظ} من التغيير والتبديل والنقصان والزيادة وهذا على قراءة من رفعه فجعله من صفة قرآن ومن جرّه فجعله صفة للوح فالمعنى أنه محفوظ لا يطلع عليه غير الملائكة. وقيل: محفوظ عند الله وهو أمّ الكتاب ومنه نسخ القرآن والكتب وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ وهو من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في جبهة إسرافيل عن أنس. وقيل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش عن مقاتل. – مجمع البيان للطبرسي ]

يقول تعالى :

(1) والسماء ذات البروج (1)

(و)

وهنا الواو للقسم كقوله تعالى { والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها – الشمس }

وأما :

(السماء)

{ والسماء ذات الحبك – اذاريات 7 } [ وأقسم الله تعالى بالسماء ذات الخَلْق الحسن والقسم هنا بالسماء وما بناها كما في قوله تعالى { والسماء و ما بناها – الشمس 5 }  وهذه السماء بناها عز وجل بقوة قال تعالى فيها { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون – الذاريات 47 } وهذا البناء له سقفا محفوظاً قال تعالى فيه { وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون – الأنبياء 32 }

وقد قدر الله تعالى في السماء أن تكون ذات رجع فلا يصعد فيها شيئاً إلى عاد إلى الأرض راجعاً ولا يموت في الأرض عبداً صالحاً إلا رفع إليها راجعاً أيضاً  قال تعالى { والسماء ذات الرجع – الطارق 11} والرجع والرجوع ورد كلفظ في قوله تعالى { وإلى الله ترجعون } فيكون الرجوع للصالحين صعوداً إلى السماء .

وببناء السماء ورفعها وضع الله تعالى الميزان للحساب عز وجل كما في قوله تعالى  { والسماء رفعها ووضع الميزان – الرحمن 7 } ولما بناها عز وجل ورفعها وضع فيها بروجاً  وكواكب قال تعالى فيها  { والسماء ذات البروج – البروج 1 } .

وفي السماء رزق الخلق ينزله تعالى إليهم من السماء كما في قوله تعالى  {هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب – غافر 13 } و أمر الخلائق يدبر من السماء إلى الأرض ثم ترفع أعمالهم إليها بعد تدبير أمرهم بملاكئة موكولة لهذه المهام قال تعالى لذلك { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون – السجدة 5 }

وكل ما وعده الله تعالى للناس في السماء كما في قوله تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون – الذاريات 22 } . ولذلك يقسم الله تعالى بالسماء وما فيها من بروج قال تعالى فيها { والسماء ذات البروج }

وهذه البروج والكواكب  جعلها الله تعالى مصابيح للناس كما في قوله تعالى { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير – الملك 5 } والقسم هنا بالسماء وبروجها : قالت تعالى { والسماء ذات البروج }  وهذه البروج منها الشمس والقمر في قوله تعالى { تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا – الفرقان 61 } وقلنا من قبل في سورة الشمس أنها رمزاً لرسول الله والنور الذي بعث به من عند الله لذلك يقول تعالى فيه { وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاَ منيرا – الأحزاب 46} والسراج هى الشمس في قوله تعالى { وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا  – نوح 16} . ولذلك ورد في تفاسير أهل البيت عليهم السلام :

[ عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ” ذكر الله عز و جل عبادة، و ذكري عبادة، و ذكر علي عبادة، و ذكر الأئمة من ولده عبادة، و الذي بعثني بالنبوة و جعلني خير البرية، إن وصيي لأفضل الأوصياء، و إنه لحجة الله على عباده، و خليفته على خلقه، و من ولده الأئمة الهداة بعدي، بهم يحبس الله العذاب عن أهل الأرض، و بهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، و بهم يمسك الجبال أن تميد بهم، و بهم يسقي خلقه الغيث، و بهم يخرج النبات، أولئك أولياء الله حقا و خلفاؤه صدقا، عدتهم عدة الشهور، و هي اثنا عشر شهرا، و عدتهم عدة نقباء موسى بن عمران (عليه السلام) “. ثم تلا هذه الآية: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }. ثم قال: ” أ تقدر- يا بن عباس- أن الله يقسم بالسماء ذات البروج، و يعني به السماء و بروجها؟ “. قلت:يا رسول الله، فما ذاك، قال: ” أما السماء فأنا، و أما البروج فالأئمة بعدي، أولهم علي و آخرهم المهدي “- البرهان ] .

وقد جعل الله تعالى هذه البروج في السماء الدنيا زينة للناظرين ورجوماً وحفظاً من الشياطين وفيها خزائن الله تعالى قال تعالى { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ  – الحجر 16-21} ومن هذه النجوم الراجمه لشياطين الجن والإنس النجم الطارق كما في قوله تعالى { والسماء والطارق النجم الثاقب – الطارق 1-2 }

وأما :

(ذات )

و هنا : [ ذات : (اسم) الجمع : ذوات وهى اسم بمعنى صاحبة ، مؤنّث (ذو) ] كقوله تعالى { والسماء ذات الحبك – الذاريات 7 } وقال تعالى أيضاً { والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع – الطارق 11-12 } وهنا يبين تعالى أن القسم بالسماء ذات البروج قال تعالى { والسماء ذات البروج }

(البروج )

[ بُرُوج: (اسم) بُرُوج : جمع بُرْج بروج: (اسم) مصدر برَجَ برَجَ: (فعل) برَجَ يَبرُج ، بروجًا ، فهو بارج بَرَجَ: ارتفع وظهر و الجمع : أَبْرَاج و بُروج البُرْج : الحصن البُرْج البيت يُبنى على سور المدينة ، وعلى سُور الحِصْن بناء مُرتَفع على شكل مُستدير أو مُربَّع ويكون مستقلاًّ أو قسمًا مِن بناء عظيم، بُرجا الاعتدالَيْن : (الفلك) أصل الحمل والميزان لأنّ الشَّمس إذا صارت في أولهما استوى اللَّيل والنَّهار ، فالحمل برج الاعتدال الربيعيّ ، والميزان برج الاعتدال الخريفيّ البروج : اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السُّورة رقم 85 في ترتيب المصحف، مكِّيَّة ، عدد آياتها اثنتان وعشرون آية ….  و بروج منازل للكواكب السيّارة كما في سورة : الحجر (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين – الحجر 16 )  و  بُرْجُ : الرُّكْنُ ، والحِصْنُ ، وواحدُ بُروجِ السَّماءِ ]

بروج الكواكب وموقعها بالسموات السبع  من كتاب فتح البيان للقنوجي :

يقول تعالى [ ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِی جَعَلَ فِی ٱلسَّمَاۤءِ بورجاً وَجَعَلَ فِیهَا سِرَ اجا وقمراً  منيرا – الفرقان 61﴾  (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً) المراد بها، بروج النجوم السبعة السيارة ، أي منازلهم ، ومحالها الاثنا عشر، التي تسير فيها.  وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد: هي النجوم الكبار، سميت بروجاً لظهورها ، والأول أولى وأصل البروج : القصور العالية.  لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها ، واشتقاق البروج من التبرج ، وهو الظهور. وقال الزجاج: إن البرج كل مرتفع، فلا حاجة إلى التشبيه، أو النقل، قال ابن عباس في الآية: هي هذه الاثنا عشر برجاً ، أولها الحمل، ويسمى بالكبش، ثم الثور، ثم الجوزاء، ثم السرطان، ثم الأسد، ويسمى بالليث ، ثم السنبلة، ثم الميزان، ثم العقرب، ثم القوس، ثم الجدي، ثم الدلو، ويسمى بالدالي ثم الحوت وقد نظمها بعضهم وفي قوله: ( حمل الثور جوزة السرطان / ورعى الليث سنبل الميزان ورمى عقرب بقوس لجدي / نزح الدلو بركة الحيتان. وهي منازل الكواكب السيارة السبعة، المريخ وله الحمل، والعقرب، والزهرة ولها الثور، والميزان وعطارد، وله الجوزاء، والسنبلة والقمر، وله السرطان. والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس، والحوت وزحل وله الجدي والدلو قاله المحلى. وقد نظم بعضهم هذه السبعة بقوله: زحل شرى مريخه من شمسه/ فتزاهرت لعطارد الأقمار. فزحل نجم في السماء السابعة. والمشتري نجم في السماء السادسة. والمريخ نجم في السماء الخامسة. والشمس في الرابعة والزهرة في الثالثة. وعطارد في الثانية. والقمر في الأولى. والحاصل: إن خمسة من الكواكب السبعة أخذت عشرة بروج كل واحد أخذ اثنين وأن اثنين من السبعة وهما الشمس والقمر كل واحد منهما أخذ واحدًا من البروج المذكورة. { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا –الفرقان }  (وجعل فيها سراجاً) أي شمساً ومثله قوله (وجعل الشمس سراجاً) وقرئ سُرُجاً بالجمع أي النجوم العظام الوقادة ورجح الأولى أبو عبيدة وقال الزجاج في تأويل الثانية: أراد الشمس والكواكب (وقمراً منيراً) أي ينير الأرض إذا طلع، وقرئ قُمْراً بضم القاف وإسكان الميم، وهي قراءة ضعيفة شاذة وخص القمر بالذكر لنوع فضيلة عند العرب لأنها تبني السنة على الشهور القمرية. – من  كتاب فتح البيان للقنوجي  ]

وفي حاشية الصاوي على تفسير الجلالين :

[ قوله: ﴿ بُرُوجاً ﴾ جمع برج وهو الأصل القصر العالي، سميت هذه المنازل بروجاً، لأنها للكواكب السبعة السيارة، كالمنازل الرفيعة التي هي كالقصور لسكانها، فالمراد بالبروج الطرق والمنازل للكواكب السيارة. قوله: (الحمل) أي ويسمى بالكبش. قوله: (والأسد) أي ويسمى بالليث أيضاً، وقوله: (والدلو) ويسمى الدلى أيضاً. قوله: (المريخ) بكسر الميم. قوله: (وله) أي من البروج المذكورة، والحاصل أن خمسة من الكواكب السبعة أخذت عشر بروج، كل واحد اثنين واثنان من السبعة وهما الشمس والقمر، كل واحد منهما أخذ واحداً من البروج، وتقدم في سورة الحجر نظم الكواكب والبروج، وتقدم أن زحل نجم في السماء السابعة، والمشتري في السادسة، والمريخ في الخامسة، والشمس في الرابعة، والزهرة في الثالثة، وعطار في الثانية، والقمر في الأولى، وتخصيص الشمس بالأسد لكونه بيتها المنسوب لها، فلا ينافي سيرها في البروج كلها، وكذا غيرها من باقي الكواكب السبعة، وذلك لأن البروج أصلها في سماء الدنيا وتمتمد للسماء السابعة، فالبروج كلها طرق للكواكب السبعة كلها. قوله: (والزهرة) بفتح الهاء. قوله: (وعطارد) بضم العين ممنوع من الصرف منتهى الجموع. قوله: (وزحل) ممنوع من الصرف للعلمية والعدل كعمر، وقد جعل الله تعالى بهذه الكواكب النفع في العالم السفلي كالأكل والشرب، يوجد النفع عندها لا بها، فهي من جملة الأسباب العادية، فمن اعتقد تأثيرها بطبعها فقد كفر، أو بقوة جعلها الله فيها فقد فسق. قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا ﴾ أي السماء، قوله: (أي نيرات) صفة لموصوف محذوف، أي كواكب نيرات ودخل فيها القمر، فلذلك قال: (وخص القمر) الخ. قوله: (لنوع فضيلة) أي لأن مواقيت العبادة تبنى على الشهور القمرية قال تعالى:﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ – البقرة 189  ﴾[
قوله: (أي يخلف كل منهما الآخر) أي بأن يقوم مقامه، فكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه. قوله: (بالتشديد) أي فأصله يتذكر قلبت التاء دالاً وأدغمت في الذال. قوله: (والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (كما تقدم) أي في قوله:﴿ لَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ  – الفرقان 50 ﴾ – حاشية الصاوي علىى تفسير الجلالين ] .

وعن هذه الكواكب السيارة ورد في كتاب رسائل إخوان الصفا وخلا نالوفا تفاصيلها كما يلي  :

[الْحَمْدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ

اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنَّا قد فرغنا من رسالة المدخل إلى علم الهندسة، وبيَّنا فيها الهندسة الحسية والعقلية، واستوفينا الكلام في الخطوط والأشكال والزوايا التي لا بد للمهندسين أَنْ يعرفوها، ونُريد أن نذكر في هذه الرسالة طرفًا مِن علم النجوم مثل ما فيها، فنقول:

إن علم النجوم ينقسم ثلاثةَ أقسام، قسم منها هو معرفة تركيب الأفلاك وكمية الكواكب وأقسام البروج وأبعادها وعظمها وحركاتها وما يتبعها من هذا الفن، ويسمى هذا القسم «علم الهيئة»، ومنها قسمٌ هو معرفةُ حَلِّ الزيجات وعمل التقاويم واستخراج التواريخ، وما شاكل ذلك، ومنها قسمٌ هو معرفة كيفية الاستدلال بدوران الفلك، وطوالع البروج، وحركات الكواكب على الكائنات قبل كونها تحت فلك القمر، ويسمى هذا النوع «علم الأحكام»، فنُريد أن نذكر في هذه الرسالة من كل نوع طرفًا شبه المدخل؛ كيما يسهل الطريق على المتعلمين ويقرب تناولُهُ للمبتدئين، فنقول:

أصل علم النجوم هو معرفة ثلاثة أشياء وهي الكواكب والأفلاك والبروج، فالكواكبُ أجسام كريات مستديرات مضيئات وهي ألفٌ وتسعةٌ وعشرون كوكبًا كبارًا التي أدركت بالرصد منها سبعة يقال لها: السيارة، وهي: زُحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر، والباقية يُقال لها: ثابتةٌ ولكل كوكب من السبعة السيارة فلك يخصه.

والأفلاك هي أجسام كريات مشفات مجوفات، وهي تسعة أفلاك مركبة بعضها في جوف بعض كحلقة البصلة فأدناها إلينا فلك القمر وهو محيطٌ بالهواء من جميع الجهات كإحاطة قشرة البيضة ببياضها والأرض في جوف الهواء كالمح في بياضها، ومن وراء فلك القمر فلك عطارد، ومن وراء فلك عطارد فلك الزهرة، ومن وراء فلك الزهرة فلك الشمس، ومن وراء فلك الشمس فلك المريخ، ومن وراء فلك المريخ فلك المشتري، ومن وراء فلك المشتري فلك زحل، ومن وراء فلك زحل فلك الكواكب الثابتة، ومن وراء فلك الكواكب الثابتة فلك المحيط، وهذا مثال ذلك:

وذلك أن الفلك المحيطَ دائمُ الدوران كالدولاب، يدور من المشرق إلى المغرب فوق الأرض، ومن المغرب إلى المشرق تحت الأرض في كل يوم وليلة دورة واحدة ويدير سائر الأفلاك والكواكب معه، كما قال الله — عز وجل: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، وهذا الفلك المحيط مقسومٌ باثني عشر قسمًا كجزر البطيخة كل قسم منها يسمى بُرجًا، وهذه أسماؤُها: الحملُ والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، فكل برج ثلاثون درجة جملتها ثلاثمائة وستون درجة وكل درجة ستون جزءًا، كل جزء يسمى دقيقة جملتها واحد وعشرون ألفًا وستمائة دقيقة، وكل دقيقة ستون جزءًا يسمى ثانية وكل ثانية ستون جزءًا وكل جزء يسمى ثالثة، وهكذا إلى الروابع والخوامس وما زاد بالغًا ما بلغ، مثال ذلك:

وهذه البروج توصف بأوصاف شتى من جهات عدة، وقبل وصفها نحتاج أن نذكر أشياء لا بد من ذِكْرها، منها: أن الزمان أربعة أقسام، وهي: الربيع والصيف والخريف والشتاء، والجهات أربعٌ، وهي: المشرق والمغرب والجنوب والشمال. والأركان أربعةٌ وهي: النارُ والهواءُ والماء والأرض. والطبائع أربعٌ وهي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. والأخلاطُ أربعٌ وهي: الصفراء والسوداء والبلغم والدم. والرياح أربع وهي: الصبا والدبور والجريباء والتيماء.

(١) فصل في ذكر صفة البروج

فنقول: منها ستة شمالية وستة جنوبية وستة مستقيمة الطلوع وستة معوجة الطلوع، وستة ذكور وستة إناث وستة نهارية وستة ليلية وستة فوق الأرض وستة تحت الأرض، وستة تطلع بالنهار وستة تطلع بالليل وستة صاعدة وستة هابطة وستة يمنة وستة يسرة وستة من حيز الشمس وستة من حيز القمر.

تفصيلها: أما الستة الشمالية فهي الحمل والثور والجوزاءُ والسرطان والأسد والسنبلة، وإذا كانت الشمسُ في واحد منها يكون الليلُ أَقْصَرَ والنهار أطول، وأما الستة الجنوبية فهي الميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وإذا كانت الشمسُ في واحدٍ منها يكونُ الليلُ أطول والنهار أقصر، وأما المستقيمة الطلوع فهي السرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس، وكل واحد منها يطلع في أكثر من ساعتين، وإذا كانت الشمس في واحد منها تكون هابطة من الشمال إلى الجنوب ومن الأوج إلى الحضيض والليل آخذ من النهار.

وأما المعوجة الطلوع فهي الجدي والدلو والحوت والحمل والثور والجوزاء، وكل واحد منها يطلع في أقل من ساعتين، وإذا كانت الشمسُ في واحد منها تكون صاعدةً من الجنوب إلى الشمال ومن الحضيض إلى الأوج والنهار آخذٌ من الليل، وأما الستة الذكور النهارية فهي الحمل والجوزاء والأسد والميزان والقوس والدلو، وأما الستة الإناث الليلية فهي الثور والسرطان والسنبلة والعقرب والجدي والحوت.

وأما الستة التي تطلع بالنهار فهي من البرج الذي فيه الشمسُ إلى البرج السابع منها، والستة التي تطلع بالليل هي من البرج السابع إلى البرج الذي فيه الشمس، وأما الستة التي من حيز الشمس فهي من بُرج الأسد إلى برج الجدي، والستة التي من حيز القمر هي من بُرج الدلو إلى برج السرطان، ومن وجهٍ آخرَ هذه البروجُ تنقسم أربعة أقسام، منها ثلاثة ربيعيةٌ صاعدةٌ في الشمال زائدة النهار على الليل، وهي: الحمل والثور والجوزاء، وثلاثة صيفية هابطة في الشمال آخذة الليل من النهار، وهي: السرطان والأسد والسنبلة، منها ثلاثة خريفية هابطةٌ في الجنوب زائدة الليل على النهار، وهي: الميزان والعقرب والقوس، ومنها ثلاثةٌ شتويةٌ صاعدةٌ من الجنوب آخذة النهار من الليل، وهي: الجدي والدلو والحوت.

وتنقسم هذه البروج من جهة أُخرى أربعة أقسام ثلاثةٌ منها مثلثات ناريات حارات يابسات شرقيات على طبيعة واحده، وهي: الحمل والأسد والقوس، وثلاثة منها مثلثات ترابيات باردات يابسات جنوبيات على طبيعة واحدة، وهي: الثور والسنبلة والجدي، وثلاثة منها مثلثات هوائيات حارات رطبات غربيات على طبيعة واحدة وهي: الجوزاء والميزان والدلو، ومنها مثلثات مائيات باردات رطبات شماليات على طبيعة واحدة، وهي: السرطان والعقرب والحوت، وكذلك من جهة أُخرى تنقسم هذه البروجُ ثلاثة أثلاث، أربعة منها منقلبة الزمان، وهي: الحمل والسرطان والميزان والجدي، وأربعة منها ثابتة الزمان وهي: الثور والأسد والعقرب والدلو، وأربعة منها ذوات الجسدين وهي: الجوزاء والسنبلة والقوس والحوت.

فقد بَانَ بهذا الوصف في هذا الشكل أن لو كانت البروج أكثر من اثني عشر أو أقل من ذلك لَمَا استمرت فيه هذه الأقسام على هذا الوجه الذي ذكرنا، فإذا بواجب الحكمة كانت اثني عشر؛ لأن الباري — جَلَّ ثناؤُهُ — لا يفعل إلا الأحكم والأتقن، ومن أجل هذا جعل الأفلاك كريات الشكل؛ لأن هذا الشكل أفضل الأشكال، وذلك أنه أوسعها وأبعدها من الآفات وأسرعها حركة ومركزُهُ في وسطه وأقطارُهُ متساوية ويحيط به سطحٌ واحد ولا يماس غيره إلا على نقطة ولا يوجد في شكل غيره هذه الأوصاف، وجعل أيضًا حركته مستديرة؛ لأنها أفضل الحركات، وهذه البروجُ الاثنا عشر تنقسم بين هذه الكواكب السبعة السيارة من عدة وجوه، ولها فيها أقسامٌ وخطوطٌ من وجوه شتى، فمنها البيت والوبال، ومنها الأوج والحضيض، ومنها الشرف والهبوط، ومنها الجوزهر يعني: الرأس والذنب، ومنها ربوبية المثلثات، ومنها ربوبيةُ الوجوه، ومنها ربوبيةُ الحدود، ومنها ربوبيةُ النوبهرات، ومنها ربوبية الاثنَي عشريات، ومنها ربوبيةُ مواضع السهام، وغير ذلك، وأن هذه الكواكب السيارة كالأرواح، والبُرُوج لها كالأجساد.

(٢) فصل في ذِكْر البيوت والوبال

فنقول: اعلم أَنَّ الأسد بيتُ الشمس والسرطان بيت القمر والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد والثور والميزان بيتا الزهرة والحمل والعقرب بيتا المريخ والقوس والحوت بيتا المشتري والجدي والدلو بيتا زحل، ولكُلِّ واحدٍ مِنْ هذه الكواكب الخمسة بيتٌ مِنْ حيز الشمس وبيتٌ مِنْ حيز القمر، ووبال كل كوكب في مقابلة بيته، وهذه الكواكبُ لبعضها في بيوت بعض مواضعُ مخصوصةٌ، فمنها الشرف والهبوط ومنها الأوج والحضيض ومنها الجوزهر، مثال ذلك:

تفسيرُ ذلك: فأما الشرفُ فهو أَعَزُّ موضع للكواكب في الفلك والهبوط ضده، والأوج أعلى موضع للكواكب في الفلك والحضيض ضده، فشرفُ الشمس في الحمل وهو بيت المريخ وأوجها في الجوزاء بيت عطارد وشرف زحل في الميزان بيت الزهرة وأوجه في القوس بيت المشتري وجوزهره في السرطان بيت القمر. ومعنى الجوزهر: تقاطُع طريق الكواكب لطريق الشمس بممرها في البُرُوج في موضعين؛ أحدهما يُسَمَّى رأس الجوزهر والآخر ذنب الجوزهر، وذلك أن زحل إذا سار في البروج يكونُ مسيرُهُ في ستة أبراج عن يمنة طريق الشمس ثم يعبر إلى الجانب الآخر ويسير ستة أبراج عن يسرة طريق الشمس، فيحدث لطريقها تقاطعٌ في موضعين أحدُهُما يسمى الرأس والآخر الذنب، وهذا مثاله:

ولكل كوكب من الخمسة السيارة جوزهر مثل ما لزحل مذكور ذلك في الزيجات، وأما المذكور في التقاويم فهو الذي للقمر، ويقال لهما أيضًا: العقدتان، وإنما اختص ذكرهما في التقاويم؛ لأنهما ينتقلان في البروج والدرج ولهما سير كسير الكواكب ولهما دلالة كدلالة الكواكب.

وإذا اجتمع الشمسُ والقمر في وقتٍ من الأوقات عند أحدهما في برج واحد ودرجةٍ واحدة انكسفت الشمس، ولا يكون ذلك إلا في آخر الشهر؛ لأن القمر يصير محاذيًا لموضع الشمس من البرج والدرجة فيمنع نور الشمس عن أبصارنا فنراها منكسفة مثل ما تَمنع قطعة غيم عن أبصارنا نور الشمس إذا مرت محاذية لأبصارنا ولعين الشمس، وإذا كانت الشمس عند أحدهما وبلغ القمر إلى الآخر انكسف القمر ولا يكون كسوف القمر إلا في نصف الشهر؛ لأن القمر في نصف الشهر يكون في البرج المقابل للبرج الذي فيه الشمس وتكون الأرض في الوسط فتمنع نور الشمس عن إشراقه على القمر فيُرى القمر منكسفًا؛ لأنه ليس له نور من نفسه، وإنما يكتسي النور من الشمس، ومثال ذلك:

وشرف المشتري في السرطان، وأوجه في السنبلة، ورأس جوزهره في الجوزاء، وشرف المريخ في الجدي وأوجُهُ في الأسد وجوزهره في الحمل، وشرف الزهرة في الحوت وأوجها في الجوزاء ورأس جوزهرها في الثور، وشرف عطارد في السنبلة وأوجه في الميزان وجوزهره في الحمل، وشرف القمر في الثور وأوجه في البروج متحرك يعرف موضعه ذلك من التقويم والزيج، وجملته أن القمر إذا قارن الشمسَ فهو عند الأوج أو قابلها فهو عند الأوج، وفي مقابلة شرف كل كوكب هبوطُهُ من البرج السابع مثله، وفي مقابلة الأوج الحضيض مثل ذلك، وفي مقابلة شرف رأس الجوزهر موضع الذنب من البرج السابع مثله.

(٣) فصل في ذكر أرباب المثلثات والوجوه والحدود

اعلم أن هذه الكواكب السيارة لبعضها في بيوت بعض شركة تسمى «ربوبية المثلثات»، ولها فيها أقسام تسمى «الوجوه»، ولها فيها خطوط تسمى «الحدود»، تفصيل ذلك أن كل ثلاثة أبراج على طبيعة واحدة تسمى المثلثات كما بين من قبل ذلك، وتديرها ثلاثة كواكب تسمى أرباب المثلثات يستدل بها على أثلاث أعمار المواليد، فأرباب المثلثات الناريات بالنهار الشمس ثم المشتري وبالليل المشتري ثم الشمس وشريكهما بالليل والنهار زحل، وأرباب المثلثات الترابيات بالنهار الزهرة ثم القمر وبالليل القمر ثم الزهرة وشريكهما بالليل والنهار المريخ، وأرباب المثلثات الهوائيات بالنهار زحل ثم عطارد وبالليل عطارد ثم زحل وشريكهما بالليل والنهار المشتري، وأرباب المثلثات المائيات بالنهار الزهرة ثم المريخ وبالليل المريخ ثم الزهرة وشريكهما بالليل والنهار القمر.

(٤) فصل في ذكر أرباب الوجوه

اعلم أن كل برج من هذه الأبراج ينقسمُ ثلاثة أثلاث، كل ثلث عشر درجات يسمى وجهًا منسوبًا ذلك إلى كوكب من السيارة يُقال له: «رب الوجه» يُستدل به على صورة المولود وعلى ظواهر الأُمُور، تفصيل ذلك العشر درجات الأولى من برج الحمل وجه المريخ وعشر درجات الثانية وجه الشمس وعشر درجات الأخيرة وجه الزهرة وعشر درجات من الثور وجه عطارد والعشر الثانية وجه القمر والعشر الأخيرة وجه زُحل وعشر درجات من الجوزاء وجه المشتري والعشر الثانية وجه المريخ والعشر الأخيرة وجه الشمس.

وعلى هذا القياس إلى آخر الحوت كل عشر درجات وجهٌ لكوكبٍ واحدٍ على توالي أفلاكها — كَمَا بَيَّنَّا — فأما ذكر الحدود وأربابها فإن كل برج من هذه الأبراج ينقسم بخمسة أقسام مختلفة الدرج أقل جزء منها درجتان وأكثرها اثنتا عشرة درجة كل جزء منها يُسمى حدًّا منسوبًا ذلك الحد إلى الكوكب من الخمسة السيارة، يقال له: «رب الحد» يستدل به على أخلاق المولود وليس للشمس ولا للقمر فيها نصيب، وقد صورنا لحسابه دائرة فيها مكتوب حرفان الحرف الأول من اسم صاحب الحد والثاني كمية درج الحد وكذلك حساب الوجوه حرفان اسم صاحب الوجه حرف والثاني كمية درج الوجه وهذه أسماؤها: كيوان «ك» مشتري «م» بهرام «ب» شمس «ش» قمر «ق» زهرة «ز» عطارد «ع».

فأما الأوسعُ من الدائرةِ فهو حسابُ الحُدُود حرفان حرفان والدائرةُ الوُسطى حساب الوجوه.

(٥) فصل في ذكر الكواكبِ السيارة

فنقول: اثنان منها نيران وهما الشمس والقمر، واثنان منها سعدان وهما المشتري والزهرة، واثنان منها نحسان وهما زحل والمريخ، وواحد ممتزج وهو عطارد، وعقدتان وهما الرأس والذنب.

ذكر طبائعها: «الشمس» ذكر حار ناري نهاري سعد «زحل» بارد يابس ذكر نهاري نحس «المشتري» حار رطب ذكر نهاري سعد «المريخ» حار يابس أنثى ليلي نحس «الزهرة» باردة رطبة مؤنثة ليلية سعد «عطارد» لطيف ممتزج سعد «القمر» بارد رطب أنثى ليلي سعد أسود «الرأس» مثل المشتري «الذنب» مثل زحل.

ذكر أنوارها: نور الشمس خمس عشرة درجة أمامها، ومثل ذلك خلفها نور زحل والمشتري كل واحد تسع درجات قدامه، ومثل ذلك خلفه نور المريخ ثماني درجات أمامه ومثل ذلك خلفه، نور الزهرة وعطارد كل واحد سبع درجات أمامه ومثل ذلك خلفه، نور القمر اثنتا عشرة درجة قدامه ومثل ذلك خلفه.

ذكر ما لها من الأيام والليالي: اعلم أن الليل والنهار وساعاتهما مقسومةٌ بين الكواكب السيارة، فَأَوَّلُ ساعة من يوم الأحد من ليلة الخميس للشمس، وأول ساعة من يوم الاثنين ومن ليلة الجمعة للقمر، وأول ساعة من يوم الثلاثاء ومن ليلة السبت للمريخ، وأول ساعة من الأربعاء وليله الأحد لعطارد، وأول ساعة من يوم الخميس وليلة الاثنين للمشتري، وأول ساعة من يوم الجمعة وليلة الثلاثاء للزهرة، وأول ساعة من يوم السبت وليلة الأربعاء لزحل، فأما سائر ساعات الليل والنهار فمقسومة بين هذه الكواكب على توالي أفلاكها، مثال ذلك أن الساعة الثانية من يوم الأحد للزهرة التي فلكها دون فلك الشمس والساعة الثالثة لعطارد الذي فلكه دون فلك الزهرة والساعة الرابعة للقمر الذي فلكه دون فلك عطارد والساعة الخامسة لزحل والساعة السادسة للمشتري والساعة السابعة للمريخ والساعة الثامنة للشمس والتاسعة للزهرة والعاشرة لعطارد والحادية عشرة للقمر والثانية عشرة لزحل، وعلى هذا الحساب سائر ساعات الأيام والليالي يبتدئ من رب الساعة الأولى على توالي أفلاكها — كما بَيَّنَّا.

ذكر ما للكواكبِ من الأعداد

إن هذه الكواكب السيارة لكل واحد منها دلالةٌ على أعداد معلومة من السنين والشُّهُور والأيام والساعات يُستدلُّ بها على كمية أعمار المواليد وعلى طُول بقاء الكائنات في عالم الكون والفساد، فمنها:

زحل المشتري المريخ الشمس الزهرة عطارد القمر
العظمى ١٦٥ ٤٢٩ ٢٦٤ ١٤١ ١١٥١ ٤٨٦ ٥٢٥
الكبرى ٥١ عط سو قط قب عو مح
الوسطى ٤٣ مه ب م بط مب مح لط
الصغرى ح يب يه يب ح كه
العدادات ك يب ل ي ح صح
الرأس ح الذنب ب الجميع عه

ذكر دوران الفلك وقسمة أرباعه

الفلك المحيط دائم الدوران كالدولاب يدور من المشرق إلى المغرب فوق الأرض ومن المغرب إلى المشرق تحت الأرض، فيكون في دائم الأوقات نصف الفلك ستة أبراج مائة وثمانين درجة فوق الأرض ويسمى يمنة، والنصف الآخر ستة أبراج مائة وثمانين درجة تحت الأرض يسمى يسرة، وكلما طلعت درجة من أفق المشرق غابت نظيرتها في أفق المغرب من البرج السابع منه فيكون في دائم الأوقات ستة أبراج طلوعها بالنهار وستة طلوعها بالليل ويكون في دائم الأوقات درجة في أفق المشرق وأخرى نظيرتها في أفق المغرب ودرجة أخرى في كبد السماء ويسمى وتد العاشر، وأخرى نظيرتها منحطة تحت الأرض تسمى وتد الرابع فيكون الفلك في دائم الأوقات منقسمًا بأربعة أرباع كل ربع منها تسعون درجة، فمن أفق المشرق إلى وتد السماء تسعون درجة، يقال لها: الربع الشرقي الصاعد في الهواء، ومن وتد السماء إلى وتد المغرب تسعون درجة يقال لها: الربع الجنوبي الهابط، ومن وتد المغرب إلى وتد الأرض تسعون درجة يقال لها: الربع الغربي الهابط في الظلمة، ومن وتد الأرض إلى وتد المشرق تسعون درجة يقال لها: الربع الشمالي الصاعد، وهذا مثال ذلك:

ذكر دوران الشمس في البروج وتغييرات أرباع السنة

الشمس تدور في البروج الاثني عشر في كل ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا وربع دورة واحدة تقيم في كل برج ثلاثين يومًا وكسرًا، وفي كل درجة يومًا وليلة وكسرًا تكون بالنهار فوق الأرض وبالليل تحت الأرض وتكون في الصيف في البروج الشمالية في الهواء وتقرب من سمت رءوسنا وتكون في الشتاء في البروج الجنوبية وتنحط في الهواء، وتبعد من سمت رءوسنا، وفي الأوج ترتفع في الفلك وتبعد من الأرض، وفي الحضيض تنحط في الفلك وتقرب من الأرض والدائرة الآتية مثاله وصورته:

ذكر نزول الشمس في أرباع «الفلك وتغييرات الأزمان»

إذا نزلت الشمس أول دقيقة من برج الحمل استوى الليل والنهار، واعتدل الزمان، وانصرف الشتاء، ودخل الربيع، وطاب الهواء، وهب النسيم فذابت الثلوج، وسالت الأودية، ومدت الأنهار، ونبعت العيون، ونبت العشب، وطال الزرع، ونما الحشيش، وتلألأ الزهر وأورق الشجر، وتفتح النور، واخضرَّ وجه الأرض، ونتجت البهائم، ودرت الضروع، وتكوَّنت الحيوانات، وانتشرت على وجه الأرض، وأخرجت الأرض زخرفها وازَّينت، وفرح الناس واستبشروا، وصارت الدنيا كأنها جارية شابة تزينت، وتجلت للناظرين.

ذكر دخول الصيف

إذا بلغت الشمس آخر الجوزاء وأول السرطان تناهى طول النهار وقصر الليل، وأخذ النهار في النقصان، وانصرف الربيع، ودخل الصيف، واشتد الحر، وحمي الهواء، وهبت السموم، ونقصت المياه، ويبس العشب، واستحكم الحب، وأدرك الحصاد، ونضجت الثمار، وسمنت البهائم، واشتدت قوة الأبدان، وأخصبت الأرض، وكثر الريف، ودرت أخلاف النعم، وبطر الإنسان، وصارت الدنيا كأنها عروس غنية منعمة رعناء ذات جمال.

ذكر دخول الخريف

وإذا بلغت الشمس آخر السنبلة وأول الميزان استوى الليل والنهار مرة أخرى، وأخذ الليل في الزيادة على النهار، وانصرف الصيف ودخل الخريف وبرد الهواء وهبت ريح الشمال، وتغير الزمان، وجفت الأنهار، وغارت العيون، واصفر ورق الأشجار، وصرمت الثمار، وديست البيادر، وأحرز الحب، وفني العشب، واغبر وجه الأرض، وهزلت البهائم، وماتت الهوام، وانحجزت الحشرات، وانصرف الطير والوحش يطلب البلدان الدفئة، وأخذ الناس يحرزون القوت للشتاء، وصارت الدنيا كأنها كهلة مُدْبِرة قد تَوَلَّتْ عنها أيامُ الشباب.

ذكر دخول الشتاء

وإذا بلغت الشمس آخر القوس وأول الجدي؛ تناهى طول النهار، وأخذ الليل في الزيادة، وانصرف الخريف، ودخل الشتاء، واشتد البرد، وخشن الهواء، وتساقط ورق الأشجار، ومات أكثرُ النبات، وانحجرتْ هوام الحيوانات في باطن الأرض، وضعفتُ قوى الأبدان، وعَرِيَ وجهُ الأرض من زينته، ونشأت الغيوم، وكثرت الأنداء، وأظلم الهواء، وكلح وجه الأرض، وهرم الزمان، ومُنع الناس عن التصرُّف، وصارت الدنيا كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت، وإذا بلغت الشمس آخر الحوت وأول الحمل عاد الزمان كما كان في العام الأول وهذا دأبه، ذلك تقديرُ العزيز العليم.

ذكر دوران زحل في البرج وحالاته من الشمس

زحل يدور في البروج الاثني عشر — في كل ثلاثين سنة بالتقريب — دورةً واحدة، يقيم في كل برج سنتين ونصفًا وفي كل درجة شهرًا، وفي كل دقيقة اثنتَي عشرة ساعة، وتُقابلُهُ الشمسُ في كل سنة مرة واحدة إذا صارت الشمسُ في السابع منه وتربعه مرتين، مرة يمنة ومرة يسرة، وتقارنه في كل سنة مرة إذا صارتْ معه في برجٍ واحد ودرجة واحدة، ثم تجاوزُهُ الشمسُ، ويظهر زحل بعد عشرين يومًا من المشرق بالغدوات قبل طلوع الشمس، ويسيرُ زُحلُ من وقت مفارقة الشمس إلى أن تقارنه مرة أخرى ثلاثمائة واحدًا وثمانين يومًا، من ذلك مائة وثلاثة وعشرون يومًا مستقيمًا مشرقًا ومائة وأربعة وثلاثون يومًا راجعًا ومائة وأربعة وعشرون يومًا مستقيمًا مغربًا، وذلك دأبهما في كل سنة، وفيما يلي مثال ذلك:

ذكر دوران المشتري في البروج وحالاته من الشمس

المشتري يدور في البروج الاثني عشر في اثنتي عشرة سنة بالتقريب مرة واحدة يقيم في كل برج سنة وفي كل درجتين ونصف شهرًا وفي كل خمس دقائق يومًا وليلة، وتقابله الشمس في كل مرة إذا صارتْ معه في البرج السابع منه، وتربعه مرتين مرة يمنى ومرة يسرى، وتقارنه في كل سنة مرة إذا صارت معه في برج واحد ودرجة واحدة، ثم تجاوزه الشمس ويظهر المشتري بعد عشرين يومًا من المشرق بالغدوات قبل طلوعها، ويسير المشتري من وقت مفارقتها إلى وقت مقارنتها دفعة أخرى ثلاثمائة وتسعة وتسعين يومًا من ذلك مائة وأربعة وأربعون يومًا مستقيمًا مشرقًا ومائة وأحد عشر يومًا راجعًا ومائة وأربعة وأربعون يومًا مستقيمًا مغربًا، وذلك دأبهما، وهذه دائرة مثال ذلك المذكور وصورته:

ذكر دوران المريخ في الفلك وحالاته من الشمس

المريخ يدور في الفلك في مدة سنتين إلا شهرًا واحدًا بالتقريب يقيم في كل برج خمسة وأربعين يومًا يزيد وينقص ويقيم في كل درجة مقدار يوم وبعض يوم، فإذا رجع في البرج أقام فيه ستة أشهر يزيد وينقص وتقابله الشمس في هذه المدة مرة واحدة عند رجوعه من البرج السابع وتربعه مرتين مرة يمنى ومرة يسرى وتقارنه في هذه المدة مرة إذا صارت معه في برج واحد ودرجة واحدة، ثم تجاوره الشمس ويسير المريخ تحت شعاع الشمس مقدار شهرين، ثم يظهر بالغدوات من المشرق قبل طلوع الشمس مقدار شهرين، ويسير المريخ من وقت مفارقة الشمس له إلى أن تقارنه مرة أخرى ٨٥٨ يومًا من ذلك ٣٢٥ يومًا مستقيمًا مشرقًا و٨٨ يومًا راجعًا و٤٥٥ يومًا مستقيمًا مغربًا وهذا دأبه، ذلك تقدير العزيز العليم.

ذكر دوران الزهرة في الفلك

الزهرة تدور في البروج مثل دوران الشمس غير أنها تسرع السير تارة فتسبق الشمس وتصير قدامها، وتارة تبطئ في السير فترجع وتصير خلفها فتقارنها مرة وهي راجعة ومرة أخرى وهي مستقيمة، فإذا قارنتها وهي راجعة ظهرت بعد خمسة أيام طالعة من المشرق بالغدوات قبل طلوع الشمس وترى ثمانية أشهر تطلع في أواخر الليل، فيقال لها: مشرقية ثم تسرع في السير وتلحق بالشمس وتسير تحت شعاعها ثلاثة أشهر لا ترى، ثم تظهر بالعشيات في المغرب بعد غروب الشمس فترى ثمانية أشهر ثم تغيب في أول الليل وتسمى مغربية فمن وقت مقارنتها الشمس وهي مستقيمة إلى أن تقارنها مرة أخرى يكون ٤٧٨ يومًا، ومن ذلك تكون ٤٥ يومًا راجعة والباقي مستقيمة وأكثر ما تبعد عن الشمس ٤٨ درجة قدامها، ومثل ذلك خلفها، وذلك دأبها.

ذكر دوران عطارد في الفلك وحالاته من الشمس

حالات عطارد من الشمس مثل حالات الزهرة منها غير أن عطارد من وقت مفارقة الشمس وهو مستقيم السير إلى أن يقارنها مرة أخرى على تلك الحال؛ يكون ١٢٤ يومًا من ذلك ٢٢ يومًا راجعًا والباقي مستقيمًا، وأكثر ما يبعد من الشمس ٢٧ درجة قدامها ومثل ذلك خلفها، ويرجع في كل سنة ثلاث مرات، ويحترق ست مرات، ويشرق ثلاث مرات، ويغرب ثلاث مرات، وذلك دأبه.

ذكر دوران القمر في الفلك وحالاته من الشمس

القمر يدور في البروج في كل سنة عربية اثنتَي عشرة مرة في كل شهر مرة، ويقيم في كل برج يومين وثلثًا وفي كل منزل يومًا وليلة وفي كل درجة ساعتين بالتقريب، ويقابل الشمس في كل شهر مرة، ويربعها مرتين مرة يمنة ومرة يسرة، ويقارنها في كل شهر مرة فلا يرى يومين، ثم يظهر في المغرب بعد مغيب الشمس، ويهل ثم يزيد في نوره كل ليلة نصف سبع إلى أن يستكمل ويمتلئ من النور ليلة البدر الرابع عشر من كل شهر، ثم يأخذ في النقصان فينقص كل ليلة نصف السبع إلى أن يمحق في آخر الشهر.

وللقمر في البُرُوج ثمانيةٌ وعشرون منزلة — كما قال الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ وفي كل ثلاثة أبراج منها سبعةُ منازل، وفي كل بُرج منزلتان وثلث، وهذه أسماؤُها: السرطان البطين الثريا الدبران الهقعة الهنعة الذراع، وهذه منازلُ الربيع: النثرة الطرف الجبهة الزئرة الصرفة العواء السماك، وهذه منازل الصيف الغفر الزبانيان الإكليل القلب الشولة النعائم البلدة، وهذه منازل الخريف: سعد الذابح سعد بلع سعد السعود سعد الأخبية الفرع المقدم الفرع المؤخر بطن الحوت، وهذه منازل الشتاء: الحمل بيت المريخ وشرف الشمس وهبوط زحل ووبال الزهرة، وهو برج ناري شرقي ذكر منقلب طبيعته المرة الصفراء ربيعي إذا نزلت الشمس أول دقيقة منه استوى الليل والنهار، وأخذ النهار يزيد والليل ينقص ثلاثة أشهر تسعين يومًا.

وله ثلاثة أوجُه وخمسة حدود «الثور» بيت الزهرة وشرف القمر ووبال المريخ وهو برج ترابي ليلي جنوبي ثابت ربيعي، وطبيعته المرة السوداء، وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «الجوزاء» وشرف الرأس وهبوط الذنب ووبال المشتري وهو برج هوائي ذكر نهاري غربي ربيعي دموي ذو جسدين وفي آخره ينتهي طول النهار وقصر الليل، وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، و«السرطان» بيت القمر وشرف المشتري وهبوط المريخ ووبال زحل وهو برج مائي أنثى ليلي شمالي منقلب صيفي بلغمي.

وفي أوله يبتدئ الليل بالزيادة والنهار في النقصان تسعون يومًا، وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «الأسد» بيت الشمس وليس فيه شرف ولا هبوط وهو وبال زحل وهو برج ناري ذكر نهاري شرقي ثابت صيفي طبيعته مرة صفراء وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «السنبلة» بيت عطارد وشرفه وهبوط الزهرة ووبال المشتري وهو برج ترابي ليلي أنثي جنوبي صيفي ذو جسدين طبيعته السوداء، وفي آخره يستوي الليل والنهار مرة أخرى، وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «الميزان» بيت الزهرة وشرف زحل وهبوط الشمس ووبال المريخ وهو برج ذكر هوائي نهاري غربي منقلب خريفي دموي، وفي أوله يبتدئ الليل بالزيادة على النهار ثلاثة أشهر تسعون يومًا.

وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «العقرب» بيت المريخ وهبوط القمر ووبال الزهرة وهو برج مائي ليلي أنثى خريفي شمالي بلغمي، وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «القوس» بيت المشتري وشرف الذنب وهبوط الرأس ووبال عطارد وهو برج ناري ذكر نهاري ذو جسدين خريفي طبيعته المرة الصفراء، وفي آخره ينتهي طولُ الليل وقِصَرُ النهار وله ثلاثةُ وُجُوه وخمسة حدود، «الجدي» بيتُ زحل وشرف المريخ وهبوط المشتري ووبال القمر وهو برجٌ ترابيٌّ ليلي منقلب طبيعتُهُ السوداء شتوي جنوبي وفي أوله يأخذ النهار في الزيادة والليل في النقصان ثلاثة أشهر، وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «الدلو» بيت زحل وليس فيه شرفٌ ولا هبوط بل هو وبال الشمس وهو برج هوائي ذكر ناري غربي ثابت شتوي دموي وله ثلاثة وجوه وخمسة حدود، «الحوت» بيت المشتري وشرف الزهرة وهبوط عطارد ووباله وهو برج مائي أنثي ليلي شمالي بلغمي، وفي آخره يستوي الليل والنهار، ثم تنزل الشمس أول الحمل، ويستأنف الزمان مثل ما كان في العام الأول، ذلك تقدير العزيز العليم.

(٦) فصل في قران الكواكب

وهذه الكواكب السيارة تسير في هذه البروج الاثني عشر بحركاتها المختلفة — كما بينا — فربما اجتمع منها اثنان في برج واحد وثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو كلها، وإذا اجتمع منها اثنان في درجة واحدة من البرج يقال: إنهما مقتربان، وأما في أكثر الأوقات فإنها تكونُ متفرقة في البروج فيعرف مواضعها في البروج والدرج كيف كانت متفرقةً أو مجتمعة من التقويم أو الزيج.

ذكر البيوت الاثني عشر

إذا ولد مولود أو حدث أمر من الأُمُور فلا بُدَّ من أن تكون في تلك اللحظة درجة طالعة من أفق المشرق فمن تلك الدرجة إلى تمام ثلاثين درجة فما يتلوها يُسمى طالع بيت الحياة سواء كانت تلك الدرج من برج واحد أو من برجين، ومن تمام ثلاثين درجة إلى تمام ستين درجة يسمى الثاني بيت المال، وإلى تمام تسعين درجة يسمى الثالث بيت الإخوة، وإلى تمام مائة وعشرين درجة يسمى الرابع بيت الآباء، وإلى تمام مائة وخمسين درجةً يسمى الخامس بيت الأولاد، وإلى تمام مائة وثمانين درجة يُسمى السادس بيت الأمراض، وإلى تمام مائتين وعشر درجات يسمى السابع بيت الأزواج، وإلى تمام مائتين وأربعين درجة يسمى الثامن بيت الموت، وإلى مائتين وسبعين درجة يسمى التاسع بيت الأسفار، وإلى تمام ثلاثمائة درجة يسمى العاشر بيت السرطان، وإلى ثلاثمائة وثلاثين درجة يسمى الحادي عشر بيت الرجاء، وإلى تمام ثلاثمائة وستين درجة يسمى الثاني عشر بيت الأعداد، وكل بيت من هذه البيوت يدل على أشياء كثيرة تركنا ذكرها؛ لأنها مذكورةٌ في كُتُب الأحكام بشرحها.

(٧) فصل في تَجَرُّد النفس واشتياقها إلى عالم الأفلاك

اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العاقل الفهم إذا نظر في علم النجوم وفكر في سعة هذه الأفلاك وسرعة دورانها وعظم هذه الكواكب وعجيب حركاتها وأقسام هذه البروج وغرائب أوصافِها كما وصفنا قبل؛ تشوقت نفسه إلى الصعود إلى الفلك والنظر إلى ما هناك معاينة، ولكن لا يُمكنُ الصعودُ إلى ما هناك بهذا الجسد الثقيل الكثيف، بل النفس إذا فارقت هذه الجثة ولم يعقها شيء من سوء أفعالها أو فساد آرائها وتراكم جهالاتها أو رداءة أخلاقها؛ فهي هناك في أقل من طرفة عين بلا زمان؛ لأن كونها حيث همتها ومحبوبها كما تكون نفس العاشق؛ حيث معشوقه، فإذا كان عشقها هو الكون مع هذا الجسد ومعشوقها هذه اللذات المحسوسة المحرقة الجرمانية وشهواتها هذه الزينة الجسمانية فهي لا تبرح من هاهنا ولا تشتاق الصعود إلى عالم الأفلاك ولا تفتح لها أبواب السماوات، ولا تدخل الجنة مع زُمَر الملائكة بل تبقى تحت فلك القمر سائحةً في قعر هذه الأجسام المستحيلة المتضادة تارة من الكون إلى الفساد وتارة من الفساد إلى الكون كلما نضجت جُلودُهُم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب لابثين فيها أحقابا ما دامت السماواتُ والأرضُ لا يذوقون فيها برد عالم الأرواح الذي هو الروحُ والريحان، ولا يجدون لذةَ شراب الجنان المذكور في القرآن، وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ، الظالمين لأنفسهم الكافرين لحقائق الأشياء ويروى عن رسول الله — صلى الله عليه وآله وسلم — أنه قال: «الجنة في السماء والنار في الأرض.»

ويُحْكَى في الحكمة القديمة أنه مَن قدر على خَلْع جسده ورفض حواسه وتسكين وساوسه وصعد إلى الفلك؛ جُوزي هناك بأحسن الجزاء، ويُقال: إن بطليموس كان يعشق علم النجوم، وجعل علم الهندسة سُلَّمًا صعد به إلى الفلك فمسح الأفلاك وأبعادها والكواكب وأعظامها ثم دَوَّنَه في المجسطي، وإنما كان ذلك الصعود بالنفس لا بالجسد وهكذا.

ويُحكى عن هرمس المثلث بالحكمة، وهو إدريس النبي — عليه السلام — أنه صعد إلى فلك زحل، ودار معه ثلاثين سنة حتى شاهد جميع أحوال الفلك، ثم نزل إلى الأرض فخبر الناس بعلم النجوم، قال الله تعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا.

وقال أرسططاليس في كتاب الثالوجيا شبه الرمزاني: ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني، وصرتُ كأني جوهرٌ مجردٌ بلا بدن، فأكون داخلًا في ذاتي خارجًا عن جميع الأشياء، فأرى في ذاتي من الحُسْن والبهاء ما أبقى له متعجبًا باهتًا فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى الفاضل الشريف.

وقال فيثاغورس في الوصية الذهبية: إذا فعلت ما قلت لك يا ديوجانس وفارقت هذا البدن حتى تصير نحلًا في الجو فتكون حينئذٍ سائحًا غير عائد إلى الإنسانية ولا قابل للموت.

وقال المسيح — عليه السلام — للحواريين في وصية له: إذا فارقت هذا الهيكل فأنا واقف في الهواء عن يمنة عرش ربي وأنا معكم حيثما ذهبتم فلا تخالفوني حتى تكونوا معي في ملكوت السماء غدًا.

وقال رسول الله ﷺ لأصحابه في خطبة له طويلة: «أنا واقف لكم على الصراط وأنكم ستَرِدُون على الحوض غدًا فأقربكم مني منزلًا يوم القيامة من خرج من الدنيا على هيئة ما تركته، أَلَا لا تُغيروا بعدي ألا لا تبدِّلوا بعدي.»

فهذه الحكايات والأخبار كلها دليلٌ على بقاء النفس بعد مفارقة الجسد وأن الإنسان العاقل إذا استبصرتْ نفسه في هذه الدنيا وصَفَتْ من درن الشهوات والمآثم، وزهدت في الكون ها هنا، فإنها عند مفارقة الجسد لا يعوقها شيء عن الصعود إلى السماء ودخول الجنة والكون هناك مع الملائكة وفي مثل هذه النفوس قيل بالعربية شعر:

وما كان إلا كوكبًا كان بيننا

 

فودعنا جادت معاهده دهم

رأى المسكن العلوي أَوْلَى بمثله

 

ففاز وأضحى بين أشكاله نجم

فمن بلغ رتبة نفسه هذه المرتبة كما ذكرت من قبل صار بهذه المنزلة، إلا أن في هذه السماوات جنة لكنها محفوفةٌ بالمكاره، «قال» الله — عز وجل: إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، وإنما ذكرنا هذه المعاني في هذه الرسالة؛ لأن أكثر أهل زماننا الناظرين في علم النجوم شاكُّون في أمر الآخرة، متحيرون في أحكام أمر الدين، جاهلون بأسرار النبوات، منكرون البعث والحساب، فدللناهم على صحة أُمُور الدين من صناعتهم، واحتججْنا عليهم من علمهم؛ ليكون أقرب من فهمهم وأوضح لتبيانهم.

(٨) فصل في علة انحصار الأفلاك والبروج والكواكب في عدد مخصوص

اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن علة كون الأفلاك تسع طبقات والبروج اثني عشر والكواكب السيارة سبعة ومنازل القمر ثمانية وعشرين واقتصارها على هذه الأعداد؛ فيه حكمةٌ جليلةٌ لا يبلغ فهم البشر كُنه معرفتها، ولكن نذكر من ذلك طرفًا؛ ليكون تنبيهًا لنُفُوس المتعلمين المرتاضين بالنظر في خواص العدد ومطابقة الموجودات لخواص العدد وطبيعته على رأي الحكماء الفيثاغوريين، وذلك أن هؤلاء الحكماء لَمَّا نظروا في طبيعة العدد وجدوا لكل عدد خَاصِّيَّة ليست لغيره ثم تأملوا أحوالَ الموجودات فوجدوا كل نوع منها قد اقتصر على عدد مخصوص لا أقل ولا أكثر، ثم بحثوا عن طبيعة ذلك الموجود وخَاصِّيَّة ذلك العدد فكانا مطابقين، واستبان لهم إتقانُ الحكمة الإلهية فيها، فمن أجل هذا قالوا: إن الموجودات بحسب طبيعة العدد وخواصه.

فمن عرف طبيعة العدد وأنواعه وخواص تلك الأعداد؛ تبين له إتقانُ الحكمة وكون الموجودات على أعداد مخصوصة، فكون الكواكب السيارة سبعة مطابقٌ لأول عدد كامل، وكون الأفلاك تسعةً مطابق لأول عدد فرد مجذور، وكون البروج اثني عشر مطابق لأول عدد زائد، وكون المنازل ثمانية وعشرين مطابق لعدد تام، ولما كانت السبعة مجموعة من ثلاثة وأربعة وكان الاثنا عشر من ضرب ثلاثة في أربعة وثمانية وعشرون من ضرب سبعة في أربعة؛ فبواجب الحكمة صارت مقصورة على هذه الأعداد، وكانت السبعةُ والاثنا عشر والتسعة مجموعُها ثمانية وعشرون عددًا؛ لتكون الموجودات الفاضلة مطابقةً للأعداد الفاضلة.

(٩) فصل في حكمة اختلاف خواص الكواكب

وأما الحكمةُ في كون الكواكب السبعة السيارة اثنان منها نيران واثنان منها سعدان واثنان نحسان وواحد ممتزج، وكون البروج الاثني عشر أربعة منها منقلبة وأربعة ثابتة وأربعة ذوات جسدين، وكون العقدتين في خللها؛ فالحكمةُ في ذلك أكثر مما يُحصى، ولكن نذكر منها طرفًا ليكون دليلًا على الباقي، وذلك أن الباري — سبحانه وتعالى — بواجب حكمته جعل حال الموجودات بعضها ظاهرًا جليًّا لا يخفى وبعضها باطنًا خفيًّا لا تدركه الحواس، فمن الموجودات الظاهرة الجلية جواهر الأجسام وأعراضها وحالاتها، ومن الموجودات الباطنة الخفية جواهر النفس، ومن الموجودات الظاهرة الجلية للحواس أيضًا أمور الدنيا، ومن الموجودات الباطنة الخفية عن أكثر العقول أُمُور الآخرة ثم جعل ما كان منها ظاهرًا جليًّا دليلًا على الباطن الخفي، فمن ذلك النَّيِّران: الشمس والقمر؛ فإن أحدهما الذي هو القمر دليلٌ على أمور الدنيا وحالات أهلها من الزيادة والنقصان والتغيير والمحاق، والأخرى التي هي الشمس دليل على أمور الآخرة وحالات أهلها من التمام والكمال والنور والإشراق.

ومن ذلك حالُ السعدَين المشتري والزهرة؛ فإن أحدهما دليلٌ على سعادة أبناءِ الدنيا وهي الزهرة؛ وذلك أنها إذا استولتْ على المواليد دَلَّتْ لهم على نعيم الدنيا من الأكل والشرب والنكاح والميلاد، ومَنْ كانت هذه حالُهُ في الدنيا فهو من السعداء فيها، وأما المشتري فهو دليلٌ على سعادة أبناء الآخرة؛ وذلك أنه إذا استولى على المواليد دل لهم على صلاح الأخلاق وصحة الدين وصدق الورع ومحض التقى، ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهو من السعداء في الآخرة.

ومن ذلك أيضًا النحسان: زحل والمريخ، فإن أحدهما دليل على منحسة أبناء الدنيا وهو زحل؛ وذلك أنه إذا استولى على المواليد دل ذلك على الشقاء والبؤس والفقر والمرض والعسر في الأمور، ومن كانت هذه حالُهُ في الدنيا فهو من الأشقياء فيها، وأما المريخ فإنه دليلٌ على منحسة أبناء الآخرة، وذلك أنه إذا استولى على المواليد دل لهم على الشرور من الفسق والفجور والقتل والسرقة والفساد في الأرض، ومن كانت هذه حالُهُ في الدنيا فهو من الأشقياء في الآخرة، وأما من استولى على مولده المشتري والزهرة فسعادتُهُما دلالة على السعادة في الدنيا والآخرة، ومن استولى على مولده زحل والمريخ فنحوستهما دلالة على منحسة الدنيا والآخرة، وأما امتزاج عطارد بالسعادة والنحوسة فهو دليلٌ على أمور الدنيا والآخرة وتعلق إحداهما بالأخرى، وأما كون البروج المنقلبة وحالاتها تدل على تقلُّب أحوال أبناء الدنيا، والبروج الثوابت تدل على ثبات أحوال أبناء الآخرة والبروج ذوات الجسدين تدل على تعلق أمور الدنيا والآخرة أحدهما بالآخر.

وقد قيل: إن طالع الدنيا السرطان وهو برجٌ منقلبٌ وأوتادُهُ مثله، وأما العقدتان اللتان تسمى إحداهما رأس التنين والأُخرى الذنَب فليسا بكوكبين ولا جسمين ولكنهما أمران خفيان — كَمَا بَيَّنَّا قبل — ولهما حركاتٌ في البرج كحركات الكواكب، ولهما دلالةٌ على الكائنات كدلالة الكواكب النحوس وهما خفيَّا الذات ظَاهِرَا الأفعال فخفاءُ ذاتيهما وظهورُ أفعالهما يدل على أن في العالم نفوسًا أفعالُها ظاهرة وذواتُها خفية يسمون الروحانيين، وهُمْ أجناسُ الملائكة وقبائلُ الجن وأحزاب الشياطين، فأجناسُ الملائكة هي نفوسٌ خيرةٌ موكلةٌ بحفظ العالم وصلاح الخليقة، وقد كانت متجسدةً قبلُ وقتًا من الزمان فتهذبت واستبصرت وفارقت أجسادها واستقلت بذاتها، وفازت ونجت وساحت في فضاء الأفلاك وسعة السماوات، فهي مغتبطةٌ فرحانةٌ مسرورةٌ ملتذةٌ ما دامت السماوات والأرض.

وأما عفاريت الجن ومردة الشياطين فهي نفوسٌ شريرةٌ مفسدة، وقد كانت متجسدة قبلُ وقتًا من الزمان ففارقت أجسادها غير مستبصرة ولا متهذبة فبقيتْ عميًا عن رؤية الحقائق صمًّا عن استماع الصواب بُكمًا عن النطق الفكري في المعاني اللطيفة، فهي سابحةٌ في ظلمات بحر الهيولى، غائصةٌ في قعر من الأجسام المظلمة ذي ثلاثة شعب تهوي في هاوية البرزخ كلما نضجتْ جلودُهُم بالبلاء بدلناهم جُلُودًا غيرها بالكون، فذلك دأبُهُم ما دامت السماوات والأرض لابثين فيها أحقابًا لا يجدون برد نسيم عالم الأرواح، ولا يذوقون لذة شراب المعارف، فهذه حالهم إلى يومِ يبعثون.

وأما الظاهر من تأثيرات الرأس والذنب فهو كسوفُ النيرين، وذلك أنهما من أَوْكَدِ الأسباب في كسوفهما، وإنما اقتضت الحكمةُ كسوف النيرين لكيما تزول التهمة والريبة من قلوب المرتابين بأنهما إلهان، فلو كانا إلهين ما انكسفا، وإنما صارتْ محنة الشخصين النيرين الجليلين بأمرين خفيين؛ ليكون دليلًا على أن أَعْظَمِ المحنة من الشيطان على الأنبياء — صلوات الله عليهم أجمعين — لأن الأنبياء هم شُمُوسُ بني آدم وأقمارُهُم، فمِن ذلك قصةُ إبليس مع آدم أبي البشر وإخراجه له من الجنة وقصة رُكُوبه مع نوح في السفينة وقصتُهُ مع إبراهيمَ خليل الرحمن يوم طُرِحَ في النار في إصلاح المنجنيق وقصته مع موسى — عليه السلام — حين وسوس إليه أن هذا الكلام الذي تسمع لعله ليس كلام رب العالمين، فعند ذلك قال موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي، وقصته مع المسيح وزكريا ويحيى — عليهم السلام — وغيرهم من الأنبياء معروفةٌ يطول شرحها، وإنما ذكرنا هذه الأحرف في هذه الرسالة؛ لأن أكثر أهل زماننا الناظرين في علم النجوم شَاكُّون في أمر الآخرة، متحيرون في أحكام الدين، جاهلون بأسرار النبوات، منكرون للحساب والبعث، فدَلَلْنَاهم على تحقيق ما أنكروه من صناعتهم؛ ليكون أقرب من فهمهم وأوضح لبيانهم، وكذلك فعلنا في سائر رسائلنا التي عملناها في فنون العلوم.

(١٠) فصل في علم أحكام النجوم

وإذ قد ذكرنا طرفًا من علم الهيئة وتركيب الأفلاك شبه المدخل والمقدمات فنريد أن نذكر أيضًا طرفًا من علم «الأحكام» الذي يعرف بالاستدلال:

اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العلماء مختلفون في تصحيح علم الأحكام وحقيقته، فمنهم من يرى ويعتقد أن للأشخاص الفلكية دلالات على الكائنات في هذا العالم قبل كونها، ومنهم من يرى ويعتقد أن لها أفعالًا وتأثيرات أيضًا مع دلالاتها، ومنهم مَن يرى ويعتقد أن ليس لها أفعالٌ ولا تأثيرات ولا دلالات البتة بل ترى أن حكمها حُكم الجمادات والموات بزعمهم، فأما الذين قالوا : إن لها دلالات فهُم أصحابُ الأحكام، وإنما عرفوا دلالاتها بكثرة العناية بالإرصاد لحركاتها وتأثيراتها والنظر فيها واعتبار أحوالها وشدة البحث عنها.

والناس لتصاريف أُمُورها على ممر الأيام والشهور والأعوام أمة بعد أمة وقرنًا بعد قرن كلما أدركوا شيئًا منها أَثبتوه في الكتب كما ذكروها في كتبهم بشرح طويل، وأما الذين أنكروا ذلك فهم طائفةٌ مِنْ أهل الجدل تركوا النظر في هذا العلم وأَعرضوا عن اعتبار أحوال الفلك وأشخاصه وحركاته ودورانه، وأغفلوا البحث عنها والتأمل لتصاريف أمورها فجهلوا ذلك وأنكروه وعادَوا أهلها وناصبوهم العداوة والبغضاء.

وأما الذين ذكروا أن لها مع دلالاتها أفعالًا وتأثيرات في الكائنات التي تحت فلك القمر، فإنما عرفوا ذلك بطريقٍ آخرَ غير طريق أصحاب الأحكام وبحث أشد من بحثهم واعتبار أكثر من اعتبارهم وهو طريق الفلسفة الروحانية والعلوم النفسانية وتأييد إلهي وعناية ربانية، ونُريد أن نذكر من هذا الفن طرفًا ليكون إرشادًا للمحبين للفلسفة والراغبين فيها ودلالة لهم عليها ورغبة فيها؛ أعني: علم الفلسفة.

فاعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن كواكب الفلك هم ملائكة الله وملوك سماواته خلقهم الله تعالى لعمارة عالمه وتدبير خلائقه وسياسة بريته، وهم خلفاءُ الله في أفلاكه، كما أَنَّ مُلُوك الأرض هم خلفاءُ الله في أرضه، خلفهم وملكهم بلاده، وولَّاهم على عباده ليعمروا بلاده، ويسوسوا عبادَه، ويحفظوا شرائعَ أنبيائه بإنفاذ أحكامهم على عباده، وحفظ نظامهم على أحسن حالات ما يتأتى فيهم وأتم غايات ما يمكنهم من البلوغ إليها وأفضل نهايات ما يصلون إليها إما في الدنيا وإما في الآخرة.

فعلى هذا المثال والقياس تجري أحكامُ هذه الكواكب في هذه الكائنات التي تحت فلك القمر، ولها أفعال لطيفة وتأثيرات خفية تدق على أكثر الناس معرفتها وكيفيتها كما تدق على الصبيان والجهال معرفة كيفية سياسة الملوك وتدبيرهم في رعيتهم، وإنما يعرف ذلك منها العقلاء والبالغون المتأملون للأُمُور، فهكذا أيضًا لا يَعرف كيفية تأثيرات هذه الكواكب وأفعالها في هذه الكائنات إلا الراسخون في العلوم من الحكماء والفلاسفة، البالغون في المعارف الربانية، الناظرون في العلوم الإلهية، المؤيدون من السماء بتأييد الله وإلهامه لهم. – رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا ج 1 ] .

وهنا يبين تعالى أن هذه البروج ززين الله تعالى بها للسماء كما في قوله تعالى { ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين – الحجر 16 } ويبين تعالى أنه جعل مع هذه البروج شمساً سراجاً لأهل الأرض وقمراً منيراً في ظلمات الليل كما في قوله تعالى { تبارك الذي جعل في السماء بروجا و جعل فيها سراجا وقمرا منيرا – الفرقان 61} . وحيث أن البروج وردت في موضع بكتاب الله عن الحصون المشيدة في قوله تعالى { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا – النساء 78 }

فيكون على ذلك قوله تعالى هنا { والسماء ذات البروج – البروج 1 } أي أن الآية تشير إلى تواجد  قلاع وحصون في السماء كما هى في الأرض تمنع نفاذ الشياطين وصعود الكفار والمنافقين إليها قال تعالى {  وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ – الصافات 1-11 } أي أن هذه القلاع والحصون حتى لو وصل إليها أي مخلوق ليمنع الموت عن نفسه فسيلاقه كما في قوله تعالى { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } وهنا حتى لو كان الفرار إلى السماء ذات البروج فلن تمنعه من الله تعالى و بالتالي لا مالجأ من الله تعالى إلا إليه .

وفي تفسير الدر المنثور عن البروج :

[ أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: البروج قصور في السماء. وأخرج ابن المنذر عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقولون في قوله: { والسماء ذات البروج } ذات القصور.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: { ذات البروج } قال: النجوم العظام.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ” أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن { والسماء ذات البروج } فقال: الكواكب، وسئل عن { تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } فقال : الكواكب. قيل: بروج مشيدة فقال: قصور “.] .

وهنا المعنى حتى لو كان المقصد في أحد أوجه التفسير عن البروج أنها قصوراً فهناك قصوراً في جنة عدن بسماء الحياة الدنيا للنبي صلى الله عليه وآله قال تعالى فيها { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا – الفرقان 10 } وهنا يكون القسم بالسماء وماحوته من جنات وقصور وزروع أعدها الله تعالى للذين آمنوا وعملوا الصاحالت وتولوه عز وجل ورسوله وأهل بيته عليهم السلام .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: { والسماء ذات البروج } قال: بروجها نجومها ]

و في تفسير الطبري عن البروج  :

[ عن ابن عباس ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ) قال ابن عباس : قصور في السماء، قال غيره : بل هي الكواكب.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الْبُرُوجِ ) يزعمون أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب.وقال آخرون: عُنِي بذلك: والسماء ذات النجوم، وقالوا: نجومها: بروجها.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( ذَاتِ الْبُرُوجِ ) قال : البروج : النجوم.- تفسير الطبري ] .

والبروج على عدد الأئمة أثني عشر وعلى عدد الشهور ونقباء بني إسرائيل و على عدد ساعات النهار

 ورد في تفسير البرهان : [ الشيخ المفيد في (الاختصاص): عن محمد بن علي بن بابويه، قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن سالم بن دينار، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ” ذكر الله عز و جل عبادة، و ذكري عبادة، و ذكر علي عبادة، و ذكر الأئمة من ولده عبادة، و الذي بعثني بالنبوة و جعلني خير البرية، إن وصيي لأفضل الأوصياء، و إنه لحجة الله على عباده، و خليفته على خلقه، و من ولده الأئمة الهداة بعدي، بهم يحبس الله العذاب عن أهل الأرض، و بهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، و بهم يمسك الجبال أن تميد بهم، و بهم يسقي خلقه الغيث، و بهم يخرج النبات، أولئك أولياء الله حقا و خلفاؤه صدقا، عدتهم عدة الشهور، و هي اثنا عشر شهرا، و عدتهم عدة نقباء موسى بن عمران (عليه السلام) “. ثم تلا هذه الآية: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }.ثم قال: ” أ تقدر- يا بن عباس- أن الله يقسم بالسماء ذات البروج، و يعني به السماء و بروجها؟ “. قلت:يا رسول الله، فما ذاك، قال: ” أما السماء فأنا ، و أما البروج فالأئمة بعدي ، أولهم علي و آخرهم المهدي “.- البرهان للسيد هاشم البحراني  ] .

ثم يقول تعالى :

(2) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3)

ورد في تفسير الدر المنثور :

[ { واليوم الموعود } قال: يوم القيامة { وشاهد ومشهود } قال: يومان عظيمان عظمهما الله من أيام الدنيا كنا نحدث أن الشاهد يوم القيامة و المشهود يوم عرفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: { والسماء ذات البروج } قال: حبكت بالخلق الحسن، ثم حبكت بالنجوم { واليوم الموعود } قال: يوم القيامة { وشاهد ومشهود } قال: الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم القيامة .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { والسماء ذات البروج } قال: ذات النجوم { وشاهد ومشهود } قال: الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قول الله: { واليوم الموعود وشاهد ومشهود } قال: اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو الحج الأكبر، فيوم الجمعة جعله الله عيداً لمحمد وأمته، وفضّلهم بها على الخلق أجمعين، وهو سيد الأيام عند الله، وأحب الأعمال فيه إلى الله، وفيه ساعة لا يوافقها عبد قائم يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ”  اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس، ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ بشيء إلا أعاذه الله منه “.  وأخرج الحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة رفعه { وشاهد ومشهود } قال: الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود هو الموعود يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة دخره الله لنا، والصلاة الوسطى صلاة العصر “.

أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: { وشاهد ومشهود } قال : ” الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة “.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس و أبي هريرة موقوفاً مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة “.وأخرج ابن جرير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة “.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في قوله: { وشاهد ومشهود } قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن علي أن رجلاً سأله عن قوله: { وشاهد ومشهود } قال: هل سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمرو وابن الزبير فقالا: يوم الريح ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ { إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً- الأحزاب 45 }  { وجئنا بك شهيداً على هؤلاء- النحل 89  }  والمشهود يوم القيامة ثم قرأ{ ذلك يوم مجموع له الناس  – هود 103}    { وذلك يوم مشهود  -هود 103}    .

وأخرج الطبراني في الأوسط وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن ابن عباس { واليوم الموعود } يوم القيامة { وشاهد ومشهود } قال: الشاهد محمد والمشهود يوم القيامة، وتلا { ذلك يوم مجموع له الناس  – هود 103}    { وذلك يوم مشهود  -هود 103}    .

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: الشاهد الذي يشهد على الإِنسان بعمله والمشهود يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نجي عن عليّ بن أبي طالب قال: كان نبي أصحاب الأخدود حبشياً.- الدر المنثور للسيوطي ] .

التفسير :

وهنا :

(واليوم)

واليوم الموعود :

هو ما بعد يوم القيامة واليوم الآخر من أيام الدنيا

{ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون – المائدة 69 }

وهو يوم الحساب على أعمال العباد :

قال تعالى  في وعده للمؤمنين ووعيده للكافرين والمنافقين في ذلك اليوم : { هَٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ  – ص 49-57 } ولذلك قال نبي الله موسى عليه السلام : {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب – غافر 27 }

وهو يوم الفصل :

لقوله تعالى { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ – السجدة 25 }

و يوم الجزاء :

{ وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون – الجاثية 28 }

  ويوم الحق :

{ ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا – النبأ 39 }

وهو يوم القيامة وميزان الأعمال :

قال تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين – الأنبياء 47 } وهو يوم جمع الناس قال تعالى : { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا – النساء 87 } والله لن يخلف وعده تعالى في ذلك اليوم قال تعالى : { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد – آل عمران 194}

وهو يوم العدل فلا ظلم في ذلك اليوم  :

{ فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون – يس 54 } . وقال تعالى { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب – غافر 17 } ويبرز الخلائق للحساب لا يخفون على الله تعالى كما في قوله عز وجل { يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار – غافر 16 } وفي هذا اليوم يجزي الله تعالى كل نفس بما كسبت من خير أو شر قال تعالى { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب  -غافر 17 }

وفي هذا اليوم يحشر المجرمون عمياً ويعاقب المجرمون بالتجاهل والنسيان لأنهم نسوا العمل الصالح لهذا اليوم كما في قوله تعالى {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى – طه 125-126} ويميز الله تعالى في هذا اليوم بين المؤمنين والكافرين قال تعالى { وامتازوا اليوم أيها المجرمون يس 59 } .

فإذا جأروا واستغاثوا فلا مجير لهم كما في قوله تعالى { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون – المؤمنون 65 } ويستسلمون لأمر الله تعالى كما في قوله تعالى { بل هم اليوم مستسلمون – الصافات 26 } ويقال لهم { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون – يس 64 } ويختم الله تعالى علىأفواهم وتتكلم ايديهم وأرجلهم بما فعلوا في الحياة الدنيا قال تعال { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون – يس 65 } ولا تملك في هذا اليوم نفس لنفس شيئا من نفع أو ضرر قال تعالى { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون – سبأ42 }

وهناك يوم موعود ويم فصل في الحياة الدنيا وهو يوم نزول العذاب على الأمم الظالمة ليعتبر بهم من خلفهم ولا عاصم لأحد في هذا اليوم لقوله تعالى عن ابن نبي الله نوحاً عليه السلام { قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين – هود 43 } .

وهذه الأيام التي ينززل فيها عذاب الله تعالى على الأمم الظالمة لنصرة الحق وأهله والإنتقام من الظالمين هى أيام الله تعالى التي توعدهم فيها ولذلك قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله ولكل نبي أن يذكر قومه وأمته بأيام الله قال تعالى { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور – إبراهيم 5} .

وبالتالي اليوم الموعود يوم نزول عذب الله تعالى وهما يومان الأول في الدنيا وهو العذاب الأدنى حتى يتوب الناس ويرجعوا ويتوبون من قريب قبل اليوم الآخر وفيه اليوم الموعود قال تعالى { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون – السجدة 21  } . وهذا هو اليوم الموعود وولا يقبل فيه من الأعمال إلا ممعتقد إكمال الددين بولاية أهل بيت النبي عليهم السلام لقوله تعالى فيما نزل بغذير خم { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم – المائدة 3 } .

وقاتليأهل بيت النبي وأنصارهم ونحبيهم ومن تولاهم فهو مع الذين قال تعالى فيهم { والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشااهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود – البروج } فكما قتل هؤلاء ي سبيل ولاية أنبيائهم كذلك العقاب على كل من قتل أهل بيت النبي وشيعتهم وأنصارهم عليهم لعائن الله المتتالية إلى يوم الدين .

وأما :

(الموعود)

و [ مَوعود : (اسم) الجمع : مَوَاعِيدُ اسم مفعول من وعَدَ اليوم المَوْعود: يوم القيامة وَفَّى بِمَوْعُودِهِ : أَيْ بِعَهْدِهِ و مَوْعود : (اسم) مَوْعود : اسم المفعول من وعَدَ موعود بالإحسان .. ووَعَدَ: (فعل) وعَدَ يَعِد ، عِدْ ، وَعْدًا، وعِدَةً، وموعِدًا، وموعِدةً ، وموعودًا، فهو واعد ، والمفعول مَوْعود وعَد فلانًا الأمرَ/ وعَد فلانًا بالأمر : منّاه به، قال إنه يعطيه له أو ينيله إيّاه ، ..  ووعَدَ يَعِد ، عِدْ ، وَعيدًا ، فهو واعِد ، والمفعول مَوْعود وعَد فلانًا : أنذره وهدَّده ،تهدّده . وعَده بالعقاب، هَدَّدَهُ شَرّاً . ]

وقوله { واليوم الموعود } [ .. قسم آخر بهذا اليوم . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه اليوم الذى يجازى فيه ويفصل فيه القضاء، وهو يوم القيامة – وهو قول الحسن وقتادة وابن زيذ  – تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن للطوسي ] .

واليوم الموعود يوم القيامة حيث يجمع الله تعالى فيه الخلائق للفصل بينهم قال تعالى {  ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد – آل عمران 9 } والموعد في الدنيا يبدأ بهلاك الظالمين ثم يلحقون بجهنم قال تعالى { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا – الكهف 59 } وقال تعالى أيضا ً في موعد محاكمتهم وما سيدور بين الكبراء وتابعيهم الظلمة يوم القيامة : { قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – سبأ 30-33 } . ويبين تعالى أنهم ماكانوا ليظنوا أنهم سيحاسبون وأن وعد الله حق قال تعالى { وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا – الكهف 48 } وكذلك أكثر الناس لا يعملون لهذا اليوم كما في قوله تعالى { وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون – الروم } . وهذا هو اليوم الموعود وهو يوم الحساب  ونزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة على الظالمين و القرى الظالمة أنكره هؤلاء المجرمين كما في قوله تعالى {  وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين – الجاثية 32} . ومن هذه الوعود عذاب قريب من موت رسول الله صلى الله عليه وآله بما فعلواه في أهل بيت نبيهم لذلط يقول تعالى { فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون – غافر 77 } .

ثم يقول تعالى :

 (3) وشاهد ومشهود (3)

وهنا :

(وشاهد)

ورد في تفسير التبيان للطوسي في قوله تعالى : [  { وشاهد ومشهود } قسم آخر بالشاهد والمشهود، فالشاهد النبي صلى الله عليه وآله والمشهود يوم القيامة – في قول الحسن بن علي عليه السلام وتلا قوله { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً }  وقال{  ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } .  وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وفي رواية اخرى عن ابن عباس إن الشاهد هو الله ، والمشهود يوم القيامة …  وقال الجبائي: الشاهد هم الذين يشهدون على الخلائق، والمشهود هم الذين يشهدون عليهم ، قال : ويجوز أن يكون المراد المدركين والمدركات . وجواب القسم محذوف، وتقديره الأمر حق فى الجزاء على الاعمال. وقيل الجواب قوله { قتل أصحاب الأخدود } و قال الأخفش : يجوز أن يكون على التقديم والتأخير، وتقديره { قتل أصحاب الأخدود.. والسماء ذات البروج } وقوله { قتل أصحاب الأخدود } معناه لعن . وقيل لعنوا بتحريقهم فى الدنيا قبل الآخرة . وقال الجبائي : يحتمل أن يكون المعنى بذلك القاتلين، ويحتمل أن يكون المقتولين ، فاذا حمل على القاتلين، فمعناه لعنوا بما فعلوه من قتل المؤمنين وإن حمل على المقتولين، فالمعنى انهم قتلوا بالاحراق بالنار . وذكر الله هؤلاء. المؤمنين بحسن بصيرتهم فى الصبر على دينهم حتى أحرقوا بالنار، لا يعطون التقية بالرجوع عن الايمان . والاخدود هو الشق العظيم في الارض، ومنه ما روي في معجزة النبي صلى الله عليه وآله أن الشجرة دعاها النبي صلى الله عليه وآله فجعلت تخد الأرض خداً ، حتى اتته . ومنه الخد لمجاري الدموع. والمخدة لوضع الخد عليها، وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق. – التبيان الجامع لعلوم القرآن للطوسي ] .

والشاهد : فاعل قال تعالى فيه تعالى

أولا أنه الله تعالى :

لقوله عز وجل { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين – يونس 61 } وقال تعالى { أولم يكف بربك أنه على كل شيئ شهيد } وقال تعالى أيضاً :  {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا – النساء 79 }

ثم تأت شهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله على العالمين قال تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا   – البقرة 143 }

ثم تـأت شهادة الملائكة على الوقائع وأفعال الخلائق لقوله تعالى { لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا – النساء 166 }

ثم شهادة الأنبياء والمرسلين على قومهم قال تعالى

{ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون – النحل 84 } وقال تعالى وقال تعالى { ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون – القصص 75 } وقال تعالى أيضاً في شهادة نبي الله عيسى عليه السلام على العالم يقول تعالى { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا – النساء 159 }

وفي شهادة النبي صلى الله عليه وآله على قومة يقول تعالى { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين- النحل 89 }

وكل نفس معها شهيد عليها لقوله تعالى { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد – ق 21 }

ثم تأت شهادة الإمام علي عليه السلام على الأمة لما نزل فيه من قوله تعالى { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب – الرعد 43 }

ماورد في أن الآية نزلت في الإمام علي عليه السلام من مصادر الأمة الإسلامية :

[عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام . تفسير القمي ، ج 1 ، ص 367 . ] .

[ محمد بن حسن الصفار فی بصائرالدرجات ینقل بسند صحيح عن الامام الباقر عليه السلام ان مصداق هذه الآية نحن اهل البيت و اولنا و افضلنا و خیرنا بعد النبی صلي الله عليه و آله هو علي عليه السلام. فینقل هنا هکذا: حدثنا محمد بن الحسين و يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بريد بن معاوية قال قلت لأبي جعفر عليه السلام قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب قال إيانا عني و علي أو لنا و أفضلنا و خيرنا بعد النبي صلي الله عليه وآله . بصائر الدرجات، ص 236  ] [  الشيخ الصدوق ینقل فی كتاب الامالي بسند صحيح عن النبی صلي عليه وآله انه قال هکذا: حدثنا محمد بن موسي بن المتوكل قال : حدثنا محمد بن يحيي العطار ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسي ، عن القاسم بن يحيي ، عن جده الحسن بن راشد ، عن عمرو بن مغلس ، عن خلف ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : سألت رسول الله صلي الله عليه وآله عن قول الله : قال الذي عنده علم من الكتاب . قال : ذاك وصي أخي سليمان بن داود . فقلت له : يا رسول الله ، فقول الله عز وجل : قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ، قال : ذاك أخي علي بن أبي طالب . الأمالي ، الشيخ الصدوق، ص 659 .]

روايات اهل السنة :

الثعلبي یذکر فی ان المقصود فی آیة [ « من عنده علم الكتاب » من هو؛ رواية عن ابي جعفر عليه السلام ان المقصود من هذه الآية هو اميرالمؤمنين عليه السلام، فیقول هکذا: ابن عطاء قال : كنت جالسا مع أبي جعفر في المسجد فرأيت ابن عبد الله بن سلام جالسا في ناحية فقلت لأبي جعفر : زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام . فقال : إنما ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتاب. تفسير الثعلبي ، ج 5 ، ص 303 ] .

[ الحاكم الحسكاني فی شواهد التنزيل ینقل کم رواية مذکور فیها ان المراد ممن عنده علم الکتاب، هو الإمام علي عليه السلام. الحال فلنشیر الی بعض هذه الروايات. الحاكم ینقل عن طريق ابن عباس و محمد الحنفية رواية ان الآیة المذکورة « من عنده علم الكتاب » نزلت فی اميرالمؤمنين عليه السلام و یقول هکذا : عن ابن عباس في قوله تعالي : « ومن عنده علم الكتاب » قال هو علي بن علي طالب . عن ابن الحنفية في قوله تعالي : « ومن عنده علم الكتاب » قال : هو علي بن أبي طالب . عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أنّ المراد بمن عنده علم الكتاب علي بن أبي طالب و أئمّة الهدي عليهم السّلام » روي بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال : « إيّانا عني ، و علي أولنا ، و أفضلنا ، و خيرنا بعد النبيّ صلّي اللّه عليه و آله و سلّم » و فی الاستمرار یقول: و يؤيّد ذلك ما روي عن الشعبي أنّه قال : ما أحد أعلم بكتاب اللّه بعد النبيّ من عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . شواهد التنزيل ، ّالحاكم الحسكاني ، ج 1 ، ص 402 ] .

[ سليمان القندوزي ینقل روایة عن أبی سعيد الخدري فی تفسير آية « من عنده علم الكتاب » ان المراد من هذه الآية هو علي عليه السلام فیقول هکذا: عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية « الذين عنده علم من الكتاب » قال : ذاك أخي سليمان بن داود عليهما السلام . وسألته عن قوله الله عز وجل « قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب » قال : ذاك أخي علي بن أبي طالب صاحب المناقب . و ینقل فی رواية وردت عن طرق عدیدة هکذا: روي عن محمد بن مسلم وأبي حمزة الثمالي وجابر بن يزيد عن الباقر عليه السلام . وروي علي بن فضال والفضيل عن الرضا عليه السلام ، وقد روي عن موسي بن جعفر ، وعن زيد بن علي عليه السلام ، وعن محمد بن الحنفية ، وعن سلمان الفارسي ، وعن أبي سعيد الخدري وإسماعيل السدي أنهم قالوا في قوله تعالي : « قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب » هو علي بن أبي طالب عليه السلام . ينابيع المودة ، القندوزي ، ج 1 ، ص307 ] .

ثم تأت شهادة الشهداء على قاتليهم في قوله تعالى : { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون – الزمر 69 } وقال تعالى أيضاً : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم  -الحديد 19 } .

وهؤلاء هم الشهداء الذين عناهم الله تعالى في قوله تعالى {وشاهد} وهم الله تبارك وتعالى ورسله وخاتمهم سيدنا محمد ثم الأئمة من أهل بيت النبي وأولهم الإمام علي ثم الشهداء .

وأما :

(ومشهود)

والمشهود مفعول وهو يوم القيامة تشهده الخلاق بين شاهد ومشهود عليه قال تعالى { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود – هود 103 } والمشهود فعلهم بالمؤمنين من قتل وتعذيب وتنكيل قال تعالى { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود – البروج 7 } وشهادتهم بأن يختم الله على أفواهم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وأجسادهم بما فعلوه من جرائم قال تعالى { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي أنطق كل شيئ وهو خلقكم أول مرة – فصلت 40-42 } .

والملائكة تشهد هذا اليوم على صلاة المؤمنين وقيامهم الليل و صلاتهم الفجر  كما في قوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا – الإسراء 78 } .

ثم يقول تعالى :

(4) قتل اصحاب الأخدود (4)

[ …وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق الحسن عن علي بن أبي طالب في قوله: { أصحاب الأخدود } قال: هم الحبشة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة { قتل أصحاب الأخدود } قال: كانوا من النبط.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: { قتل أصحاب الأخدود } قال: هم ناس من بني إسرائيل خددوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الأخدود شق بنجران كانوا يعذبون الناس فيه.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن نفير قال: كانت الأخدود زمان تبع.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه { قتل أصحاب الأخدود } قال: هم قوم خددوا في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً ثم جاؤوا بأهل الإِسلام فقالوا: اكفروا بالله واتبعوا ديننا، وإلا ألقيناكم في هذه النار، فاختاروا النار على الكفر فألقوا فيها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: { قتل أصحاب الأخدود } قال: حدثنا أن علي بن أبي طالب كان يقول: هم أناس بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر مؤمنوهم على كفارهم، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض، فغدرهم الكفار فأخذوهم، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال: هل لكم إلى خير، توقدون ناراً ثم تعرضوننا عليه فمن بايعكم على دينكم، فذلك الذي تشتهون، ومن لا اقتحم فاسترحتم منه، فأججوا لهم ناراً وعرضوهم عليها، فجعلوا يقتحمونها حتى بقيت عجوز فكأنها تلكأت، فقال طفل في حجرها: امضي ولا تقاعسي، فقص الله عليكم نبأهم وحديثهم فقال: { النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود } قال: يعني بذلك المؤمنين { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } يعني بذلك الكفار.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } قال: حرقوا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } قال: عذبوا.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كان بعض الجبابرة خد أخدوداً في الأرض، وجعل فيها النيران، وعرض المؤمنين على ذلك فمن تابعه على كفره خلى عنه، ومن أبى ألقاه في النار، فجعل يلقي حتى أتى على امرأة ومعها بني لها صغير، فكأنها أنفت النار فكلمها الصبيّ فقال: يا أمه قعي في النار ولا تقاعسي، فألقيت في النار، والله ما كانت إلا نقطة من نار حتى أفضوا إلى رحمة الله تعالى. قال: الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فما ذكرت أصحاب الأخدود إلا تعوذت بالله من جهد البلاء “.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نجي قال: شهدت علياً وأتاه أسقف نجران فسأله عن أصحاب الأخدود، فقص عليه القصة، فقال عليّ: أنا أعلم بهم منك بعث نبي من الحبشة إلى قومه ثم قرأ علي{ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك – غافر 78 }  فدعاهم فتابعه الناس فقاتلهم فقتل أصحابه، وأخذ فأوثق، فانفلت فأنس إليه رجال، يقول: اجتمع إليه رجال فقاتلهم فقتلوا وأخذ فأوثق فخدوا أخدوداً في الأرض وجعلوا فيه النيران، فجعلوا يعرضون الناس فمن تبع النبي رمي به فيها، ومن تابعهم ترك، وجاءت امرأة في آخر من جاء معها صبي لها، فجزعت، فقال الصبي: يا أمه اطمري ولا تماري فوقعت.

وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن كهيل قال: ذكروا أصحاب الأخدود عند عليّ فقال: أما إن فيكم مثلهم فلا تكونن أعجز من قوم.

وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: كان المجوس أهل كتاب، وكانوا مستمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناول منها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها، فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت؟ وما المخرج منه؟ قالت: المخرج منه أن تخطب الناس فتقول أيها الناس إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات والبنات، فإذا ذهب ذا في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيباً فقال: يا أيها الناس إن الله أحل لكم نكاح الأخوات أو البنات، فقال الناس جماعتهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به، أو جاءنا به نبي، أو نزل علينا في كتاب، فرجع إلى صاحبته فقال: ويحك إن الناس قد أبوا عليّ ذلك. قالت: إذا أبوا عليك ذلك فابسط فيهم السوط، فبسط فيهم السوط، فأبوا أن يقروا، فرجع إليها فقال: قد بسطت فيهم السوط فأبوا أن يقروا. قالت: فجرد فيهم السيف، فجرد فيهم السيف، فأبوا أن يقروا. قالت: خدّ لهم الأخدود، ثم أوقد فيه النيران فمن تابعك فخلّ عنه. فخدَّ لهم أخدوداً وأوقد فيه النيران، وعرض أهل مملكته على ذلك، فمن أبى قذفه في النار، ومن لم يأب خلّى عنه، فأنزل الله فيهم { قتل أصحاب الأخدود } إلى قوله: { ولهم عذاب الحريق } .

أخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والنسائي والترمذي عن صهيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس، فقيل له: إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست، فقال : ”  إن نبياً من الأنبياء كان أعجب بأمته، فقال: من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن ينتقم منهم، وبين أن يسلط عليهم عدوهم، فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفاً قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال له ذلك الكاهن: انظروا إلى غلاماً فهماً أو قال: فطناً لقناً فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت فينقطع هذا العلم منكم، ولا يكون فيكم من يعلمه قال: فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وإن يختلف إليه، فجعل الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعته، فجعل الغلام يسأل الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله، فجعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطيء على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك: أين كنت؟ فقل: عند أهلي، وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ فقل: عند الكاهن. فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثيرة قد حبستهم دابة يقال كانت أسداً، فأخذ الغلام حجراً فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقاً فأسألك أن أقتل هذه الدابة، وإن كان ما يقوله الكاهن حقاً فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغلام. ففزع الناس وقالوا: قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد، فسمع أعمى فجاءه، فقال له: إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا، فقال الغلام: لا أريد منك هذا ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك؟ قال: نعم، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم، فأتى بهم فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه. فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع الغلام فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلق به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه الله. فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني إلا أن تصلبني وترميني وتقول: بسم الله رب الغلام، فأمر به فصلب ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات. فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك؟ قال: فخدّ أخدوداً ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار. فجعل يلقيهم في تلك الأخدود فقال: يقول الله: { قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود } حتى بلغ { العزيز الحميد } فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج ”

فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب واصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” كان ملك ممن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إليّ غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً فكان يعلمه السحر. وكان بين الساحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، فكان إذا أتى على الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ فإذا أتى أهله جلس عند الراهب فيبطىء فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى ذات يوم على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال الغلام: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر. فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى لك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يجوز الناس. فرماها فقتلها، ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ. وكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان جليس الملك قد عمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال له: اشفني ولك ما ههنا أجمع، فقال: ما أشفي أنا أحداً إنما يشفي الله، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا له فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: أنا. قال: لا. قال: أو لك رب غيري؟ قال: نعم. فلم يزل به يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه الملك فقال: أي بني قد بلغ من سحرك أن تبرىء الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟ قال: ما أشفي أنا أحداً ما يشفي غير الله. قال: أنا؟ قال: لا. قال: وإن لك رباً غيري؟ قال: نعم ربي وربك الله. فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب. فقال له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرقه حتى وقع شقاه على الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه من فوقه، فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعين. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فبعث به في قرقور مع نفر فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه. فلجوا به البحر فقال الغلام: اللهم أكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعين. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك. فقال: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لن تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه، وقال : بسم الله رب الغلام. فوقع السهم في صدغه. فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات . فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك هذا من الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخدود، وأضرمت فيها النيران وقال : من رجع عن دينه فدعوه وإلا فاقحموه فيها . فكانوا يتقارعون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها صغير فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي: يا أمه اصبري فإنك على الحق  “. – الدر المنثور للسيوطي ] .

وهنا :

(قتل)

والكلمة هنا عن موضوع المقتولين في سبيل الله وشريعه الكريم في كل زمن قال تعالى { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين – آل عمران 168 } أي أن أصحاب الأخدود كانوا من الشهداء الذين قتلوا في سبيل شرعه الكريم والإيمان به تعالى وبرسله وأنبيائه وولايتهم الحق .

ومن مات شهيداً فهو إلى الله تعالى يحشر وإلى مغفرته وجنته قال تعالى { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون – آل عمران 158 } وقال تعالى أيضاً { ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون – آل عمران 157 }  فإذا دخلوا الجنة كان ذلك حسرة على الكافرين كما في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير – آل عمران 156 } .

ومن قتل مؤمناً متعمداً فهو خالد مخلداً في جهنم كما في قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما – النساء 93 }

وفي أمتنا آخر الأمم يقوول تعالى مبيناً ان رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله بالموت أو القتل على يد منافقين أو كافرين بداية انقلاب على شرع الله تعالى وبدابة فتح باب عذابا ً عليهم حتى يرجعوا إلى ولاية الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام  قال تعالى { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين – آل عمران 144 } .

ومن حيث دبروا ومكروا مكرهم وكادوا مكائدهم بالنبي صلى الله عليه وآل بيته عليهم السلام سيحل  بهم العذاب من حيث مكروا وكادوا كما في قوله تعالى { إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا } وقال تعالى { وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ  فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ– النمل 50-52 } أي أنهم قتلوا من حيث دبروا وكادوا ومكروا برسل الله وأنبيائه والمؤمنين لقوله تعالى فيما فعلته قريشاً وكبرائهم لعنهم الله بالنبي محمد صلى الله عليه وآله { إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر – المدثر 19-20 }

وبالتالي قتل أصحاب الأخدود لإيمانهم بالله تعالى ورسله واخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وأهل بيته بما هو مبشربه في توراتهم والتي قال تعالى فيها { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون – البقرة 146} وهؤلاء ماكان قتلهم إلا لإيمانهم بأنبياء الله تعالى ورسله وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وآله .

وأما :

(أصحاب الأخدود)

وورود لفظ أصحاب عن ملائكة العذاب في قوله تعالى { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر – المدثر 31 }

كأنه يقول تعالى لقتل المؤمنين بالنار في الدنيا بيد المجرمين سيسلط الله تعالى تبارك وتعالى عليهم أصحاب القصاص يوم القيامة وهم ملائكة العذاب بما فعلوه في المؤمنين بالدنيا كما في قوله تعالى هنا { قتل أصحاب الأخدود } وأصحاب الأخدود ميزة لهم صاحبتهم كقوله تعالى في المؤمنين مع نبي الله نوح في السفينة { فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين – العنكبوت 15 } وكما ميز الله تعالى أصحاب السفينة وميز أيضاً أصحاب الحجر في قوله تعالى{ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين – الحجر 80 } وكذلك أصحاب الأيكة في قوله تعالى  { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين  الحجر 78 } وأصحاب الكهف في قوله تعالى { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا – الكهف 9 } كذلك الميزة هنا في هؤلاء المظلومين هو الأخدود الذي قتلوافيه حرقاً في سبيل الله تعالى كما في قوله تعالى { قتل أصحاب الخدود } وهؤلاء المؤمنين سيكون أولياؤهم يوم القيامة أهل بيت النبي أصحاب الأعراف الذين يعرفون أهل النار وأهل الجنة بسيماهم فيشهدوا على هؤلاء ويشهدوا لهؤلاء كما في قوله تعالى  { وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون – الأعراف 46 }  وقال تعالى فيهم أيضاً وفي معرفتهم أناس بسيماهم { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم – الأعراف }  .

وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حاجز عظيم يقال له الأعراف , وعلى هذا الحاجز أهل بيت النبي الذين يشهدون على قاتليهم وأعدائهم ويشهدون لأوليائهم ومحبيهم وأنصارهم من أهل الجنة و أهل النار يعرفون كلاً منهم بعلاماتهم , كبياض وجوه أهل الجنة , وسواد وجوه أهل النار  .

وأما :

(الأخدود)

[ الأخدود في اللغة الشق العظيم في الأرض ومنه ما روي في معجز النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا الشجرة فجعلت تخدّ الأرض خدّاً حتى أتته ومنه الخدّ لمجاري الدموع وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق والوقود ما تشتعل به النار من الحطب وغيره بفتح الواو والوُقود بالضم الإيقاد يقال فتنت الشيء أحرقته والفتين حجارة سود كأنها محرقة وأصل الفتنة الامتحان ثم يستعمل في العذاب. – تفسير مجمع البيان للطبرسي ] .

[ والخد : أحد جانبي الوجه قال تعالى ( ولا تصعر خدك للناس – لقمان  18 ) أي  تميله كناية عن الصلف والتكبر .. و خد الأرض يخدها خداً  : شقها ومن ذلك الأخدود والحفرة المستطيلة وهو دعاء بالهلاك على قوم شقوا لمؤمني زمانهم أخدوداً أضرموا فيه النار لإحراقهم – معجم ألفاظ القرآن باب الخاء فصل الدال والدال ]  قال تعالى { قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود – البروج }  .

ثم يقول تعالى :

(5) النار ذات الوقود (5)

(النار ذات الوقود)

وهنا النار يبين تعالى أنها في الآخرة وقودها الناس والحجارة في قوله تعالى { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين – البقرة 24 }

وقال تعالى أيضاً { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون – التحريم 6 } وهنا كأن هؤلاء المجرمين جعلوا أنفسهم آلهة يعاقبون كل من آمن بالله تعالى حرقاً بالنار وجعلوا وقودها المؤمنين بالله تعالى ورسله وولاية أهل بيته عليهم السلام ولذلك قال تعالى فيما فعلوه لعنهم الله { النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } ونسوا بأن عذابهم لحظات وأما عذاب الله تعالى لهؤلاء المجرمين  جزاءاً وفاقاَ سيكون الخلود فيها يوم القيامة بما فعلوه في المؤمنين بالدنيا .

وأما :

(ذات)

ورد هذا اللفظ في قوله تعالى عن أبو لهب وما فعله بالمؤمنين في الدنيا من عذاب وانتقام وسفك دماء بأه سيصلى ناراَ ذات لهب قال تعالى { سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ – المسد } أي سيدخل نارًا متأججة بما فعله برسول الله صلى الله عليه وآهل بيته وصحابته الكرام والمؤمنين .

ثم يقول تعالى :

(6) إذ هم عليها قعود (6)

وهنا :

(إذ هم)

وردت هذه الايات في قوله تعالى كبيان عن أول حروب الكفار الكلامية في كل زمن مع رسل الله صلى الله عليهم وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ثم أهل بيته عليهم السلام وتكذيب قومهم إياهم : {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا – الإسراء 47 } وهذه حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وآله انتهت بفرار رسول الله صلى الله عليه وآله وصاحبه بدينه منهم بعدما كادوا يقتلونه وصاحبه في قوله تعالى { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم – التوبة 40 }

وأما :

(عليها)

وهنا يبين تعالى من خلال هذا اللفظ أنهم كانوا على قناعة زائفة بغير نص من الله تعالى أنهم يعملون بأمر الله تعالى حتى ولو فعلوا الفاحشة قال تعالى { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون – الأعراف 28 } وهلاك القرى يكون غالباً من مترفيها بعد أن يعلنون كفرهم وظلمهم للمؤمنين وسفك دمائهم فيكون تدميرهم في تدبيرهم كما في قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا –الإسراء 16 }

وهؤلاء بفعالهم في الدنيا من كفر وظلم وسفك دماء المؤمنين سيدخلهم الله تعالى جهنم لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون – التوبة 35 } ويقوم بذلك ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون – التحريم 6 } .

وأما :

(قعود)

وقعود الظالمين هنا كان لحصار ومراقبة عملية تعذيب وحرق المؤمنين و الشرط الوحيد لإخلاء سبيلهم هو الكفر بالله تعالى ورسله لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم – التوبة 5 }  ويبين تعالى أن هذا العمل كان مرجعهم فيه وإمامهم هو إبليس الذي قال تعالى عنه وعن توعده إضلال بني آدم عن سبيل الله وإبعادهم عن الصراط المستقيم في قوله تعالى { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم – الأعراف 16 } وقال تعالى أيضاً { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم – الأعراف 16} ولما قعدوا مقاعد الحكم فرح المنافقون وكرهوا  أن يجاهدوا في سبييل الله تعالى لقوله عز وجل : {  فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون – التوبة 81 } وهكذا أصحاب الأخدود فرحوا بالحياة الدنيا وما تبوءوه من قربى الحكام  الظالمون وفيها الصد عن سبيل الله وقد نهاهم الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين – الأعراف 86 } ويبشرهم الله تعالى بالخذلان وعدم وجود ناصراً لهم يوم القيامة فقال تعالى

{ لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا – الإسراء 22 } وهنا يبين تعالى أنهم بعدما حفروا الأخدود قعدوا يرصدون من مقاعدهم المؤمنين أثناء إحراقهم كما في قوله تعالى هنا { النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود }

ثم يقول تعالى :

(7) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7)

وها قال تعالى بصيغة الفعل المضارع الذي يفيد الإستمرارية في قوله تعالى { وهم على ما يفعلون } والمفترض يقول وهم على ما فعلوا بالمؤمنين شهود بما يؤكد استمرار هذا الحزب الشيطاني يقوم بجرائم تصفية المؤمنين إلى أن يشاء الله تعالى .

وهنا :

(وهم)

ورد هذا اللفظ في قوله تعالى بموضع يبين حالة هؤلاء المظلومين بموضع قال تعالى هنا { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون – الأنفال 6 } وهنا تلفحهم النار التي اعدوها للمؤمنين في الحياة الدنيا لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون – المؤمنون 104 } وهنا يصطرخون فيها لورود هذا اللفظ على ووصف ربنا عز وجل عن أهل النار في الآخرة في قوله تعالى { وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير – فاطر 37 } وما هى إلا دقائق حتى تذهق أرواحهم إلى بارئها وعذاب الله تعالى في الآخرة أشد وأبقى وهم فيه خالدون  كما في قوله تعالى { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى – طه 127} وهم في الدنيا والآخرة شهود على جرائمهم التي اقترفوها في حق الله تعالى و رسله وأهل بيته عليهم السلام والمؤمنين لقوله تعالى { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود – البروج 7 } وشهادتهم هنا في وقت قريب يدخلهم الله تعالى ناراً خالدين فيها أبداً كلما نضجت جلودهم بدلهم غيرها ليذوقوا العذاب قال تعالى { إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما – النساء 56 } وعذاب الله تعالى  هم فيه خالدون  كما في قوله تعالى { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى – طه 127}

وأما :

(على مايفعلون بالمؤمنين شهود)

وهنا يقول تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا – النساء 29-30 } ومن قتل مؤمناً متعمدا فجزاؤه جهنم كما في قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما – النساء 39 }

ومن قتل مؤمناً فالله تعالى شهيداً على ما يفعلون بالنبي صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام والمؤمنين المظلومين إلى قيام الساعة ويوم الوقت المعلوم فيقول تعالى { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون – يونس 46 } .

وأما :

(بالمؤمنين)

والمؤمنين هم الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله  محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين وبشرت به كل الكتب السماوية والصحف كما في قوله تعالى {   إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون – الحجرات 15} وهم الذين تولوا خاتمم النبيين صلى الله عليه وآله ثم آمنوا بولاية وإمامة أهل بيته (عليهم السلام) من بعده وأولهم الإمام علي عليه السلام وذلك مسطر في كتب الأولين قال تعالى في تلك الولاية لله الحق و التي  قتل في سبيلها أصحاب الأخدود و كل المؤمنين بالله تعالى في كل زمن  { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون – المائدة 55-56 } وهؤلاء المؤمنين من الله تعالى عليهم بنبي آخر المان الخاتم فقال تعالى { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين – آل عمران 164 }

يقول تعالى هنا أن حزب الشيطان ما بغض هؤلاء المؤمنين به تعالى إلا لإيمانهم به عز وجل وبرسله وأهل بيته عليهم السلام وولايته الحق قال تعالى { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد – البروج 8 } وما كان نقمة قريش أيضاً إلا لنفس أسباب كفار الأمم من قبل وهو الإيمان بالله تعالى ورسله ولذلك هموا بقتلة مرات كثيرة قال تعالى فيها { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير – التوبة 74 }  وهنا توعد الله تبارك وتعالى هؤلاء في قوله تعالى { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق – البروج 10 } .

ثم يقول تعالى :

(8) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8)

وهنا :

(ومانقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله)

[ النقمة : شدة الكراهية والبغض ] و هو دائماً يقع من أهل الكفر  قال تعالى في فرعون وبغضه ونقمته من السحرة لما آمنوا بالله تعالى ورسوله : { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ – الأعراف 121-126 } وكما نقم فرعون المؤمنين لإيمانهم بالله  كذلك نقم أهل الكتاب من المسلمين لإسلامهم كما في قوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون – المائدة 59 } ولذلك يقول تعالى في استمرار هذه النقمة التي تحولت إلى حرب مستمرة مع المسلمين خفية وعلنية إلى أن يشاء الله تعالى لذلك يقول تعالى { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون – البقرة 217 } .

وكما نقم أهل الكتاب المسلمين لإيمانهم نقمتهم قريشاً وهموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله كما في قووله تعالى { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير – التوبة 74 } . وبالتالي نقمة الكفار والمنافقين للمؤمنين ممتدة عبر العصور حتى زمان ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وإلى أن يشاء الله تعالى .

وأما :

(العزيز)

[ العزيز : الذي لا يغلب – معجمألفاظ القرآن باب العين فصل الزاي والزاي ] ومن أراد العزة فليتعزز بالله تعالى كما في قوله تعالى { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا– فاطر 10 } وهنا يأت التصادم بين قوم آمنوا بالله وتعززوا به وآخرين تعززوا ببشر مخلوق من حكام وقادة تعززو بهم من دون الله تعالى وهنا يكونوا قد اتخذوهم آلهة من دون الله قال تعالى فيها {  واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا – مريم 81-82 } ولما انتهج المنافقون نفس النهج بالميل والولاية لمن كان يمتلك عرض الحياة الدنيا من دون الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام قال تعالى في هؤللاء المجرمين { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا – النساء 138-139 } ولذلك نقم الكفار والمنافقين من المؤمنين بولايتهم لله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام والتعزز بهم كما في قوله تعالى هنا  {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد – البروج 8 } .

وأما :

(الحميد)

[ والحميد : بمعنى المحمود ] قال تعالى { وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم – الإسراء 44 } . ولكن الله تعالى يبين أن الكفار والمنافقين يحبون أن يحمدوا كأنهم آلهة يستحقون التحميد والتعظيم والتبجيل قال تعالى { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم – آل عمران 188 } وهنا أيضاً يأت التصادم في المعتقد بين من يحمدون الله تعالى ومن يتنافسون على من وضعوا أنفسهم موضع الإله ولذلك يبين تعالى أنه الخالق المستحق التحميد قال تعالى { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد – إبراهيم 8 } . ومن شكر فإنما يشكر لنفسه والله تعالى غني حميد كما في قوله عز وجل : { ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد – لقمان 12 } ولذلك قال تعالى هنا {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد – البروج 8 } .

ثم يقول تعالى في وصفنفسه عز وجل المستحق للإيمان والتعظيم والتحميد والتهليل والتبجيل والتسبيح  :

(9) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9)

وهنا :

(الذي له ملك السماوات والأرض)

وهنا يبين تعالى أن أصحاب الأخدود كانوا مؤمنين لا يقولون بمعتقد أن لله ولد لقوله تعالى {  تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا – الفرقان 1-2 } وبالتالي هل هؤلاء لهم ملك السماوات والأرض كما في قوله تعالى { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب – ص 10 } .

وأما :

(والله على كل شيئ)

أي أنه يقول تعالى { وخلق كل شيئ وهو بكل شيئ عليم – الأنعام 101} وهو عز وجل له ما فيهن كما في قووله تعالى { لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير – المائدة 120 } وقال تعالى أيضاً { ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير – آل عمران 189} .

وأما :

(شهيد)

وهنايبين تعالى شهادته على كل شيئ خلقه { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد – فصلت 53 } ومن هذه الشهادات شهادته تعالى على أعمال أهل الكتاب كما في قوله تعالى { قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون – آل عمران 98 } والله تعالى شهيد على ما فعلته قريشاً مع النبي محمد صلى الله عليه وأهل بيته من بعده عليهم السلام لقوله تعالى { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون – يونس 46 } .

ثم تأت شهادة النبي صلى الله عليه وآله على قومه والعالمين لقوله تعالى { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا– النساء 41 } .

ثم شهادة الإمام علي على الأمة لما نزل فيه من قوله تعالى { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب – الرعد 43 } . هنا يبين تعالى أنه الشاهد الأول على الخلق المشهود عليهم كما بينا في قوله تعالى { وشاهد ومشهود } .

ثم يقول تعالى :

(10) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (10)

وهنا :

(إن الذين)

وهؤلاء الذين فتنوا المؤمنين في كل زمن هم الذين قتلوا الأنبياء وقال تعالى فيهم { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ – آل عمران 21 } وهؤلاء لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة من عذاب الله في شيئ قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ – آل عمران 10 } وجزاءاً وفاقاً لما فعلوه بالمؤمنين من قتل وتعذيب وإفقار وسجن سيعذبهم الله تعالى عذاباً فيه البقاء والخلود بما جنته أيديهم قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا – آل عمران 56 } ومن هؤلاء هنا كان اليهود وما فعلوه باصحاب الأخدود وقال تعالى فيهم { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق – البروج 10 } ثم جاءت أمم من بعد ذلك فرقت الأنبياء في دعوتهم إلى كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وىله فقال تعالى { وقالت اليهود ليست النصارى على شيئ وقالت النصارى ليست اليهود على شيئ وهم يتلون الكتاب – البقرة } وبالتالي ببعثة النبي محمد صلى الله عله وآله حاربوه في دعوته ففرقوا بين الله تعالى ودعوة رسله التي تعصبوا فيها لكل نبي نابذين كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا – النساء 150 } وهؤلاء لن يقبل الله تعالى فيداءاً لهم ليفلتوا من عذا الله تعالى كما في قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ – المائدة 36 }

ثم يقول تعالى فيمن جتءوا من بعدهم وهم أمة محمد آخر الأمم وقريشاً التي حاربت النبي صلى الله عليه وآله و خرجوا على منهاج الوصية والإمامة في أهل البيت النبي أصحاب الإمتداد الشرعي الطبيعي لرسل الله وأنبيائه عليهم السلام قال تعالى في الوصية لأهل بيت النبي أنها لمأمور بها في الأمم من قبل فقال تعالى : {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ   – الشورى } وهؤلاء هم الذين تفرقوا على أهل بيت نبيهم وفرقوا دينهم وكانوا شيعاً وفتنوا المؤمنين قتلاً وسجناً وتعذيباً ورمياً بالتهم والأراجيف وقال تعالى في تفرقهم في دينهم بعد أن بين لهم ما يتوحدون عليه ولا يتفرقون { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ – الأنعام 159 }

وهؤلاء منهم الذين كذبوا على الله ورسوله لاستحلال دماء المخالفين لهم وهؤلاء لا يفلحون في الدنيا ولا الآخرة لقووله تعالى { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ – يونس 69 } وقد أنذرهم الله تعالى ونهاهم وحذرهم من هذا الكذب على الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام كما في قوله تعالى { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ – النحل 116 } وهؤلاء ممن زين لهم الشيطان أعمالهم قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ – النمل 4 } ومن هؤلاء المستمتعين بالحياة الدنيا قال تعالى فيهم { إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ – يونس 7 } وهؤلاء هم شر البرية لقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ – البينة 6 } وذلك لأنهم حاربوا وقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وأهل بيته من بعده عليهم السلام وهم خير البرية لما نزل فيهم من قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ – البينة 7 } .

وأما :

(فتنوا)

والفتنة تأت بمعنى التغيير [ الفتنة: بكسر فسكون مصدر فتن جمع فتن ، الاختبار والامتحان ، ومنه {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}. و فِتْنَة: (اسم) فِتْنَة : مصدر فَتَنَ فِتنة : (اسم) الجمع : فِتْنات و فِتَن الفِتْنَةُ : الاختبارُ بالنارِ الفِتْنَةُ : الابتلاءُ ؛ الفِتنتان : المال والولد ] . قال تعالى : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم – التغابن 15 }

وهذه الفتنة في الدين لتغيير المعتقد تكون بالتعذيب والقتل لقوله تعالى { فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين – يونس 83 } وهذه الفتنة كانت في قول فرعون لعنه الله { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون – الأعراف 127 } وهذه الفتنة التي فتنوا بها المؤمنين في الدنيا سترتد عليهم بعد موتهم في الآخرة لذلك يقول تعالى في قول الملائكة لهم عند دخولهم النار {  ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون – الذاريات 14 } والفتنة تعذيب النفس المؤمنة في الحياة الدنيا حتى ترتد عن دين الله وتخرج على ولاية الله تعالى ورسوله صلىلا الله عليه وأهل بيته عليهم السلام فقال تعالى في النهي عن مقارنة فتنة هؤلاءا لجلاوزة في الدنيا بعذاب الله في الآخرة { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين – العنكبوت 10 }

والفتنة بتغيير الجلود حرقاً [ يقال رغيف فتين أي تغيرت معالمه حرقاً ] وهذه الفتنة هنا حذر الله تعالى منها وهى ولاية الله الحق و ترك بعض ما أنزل الله تعالى في تلك الولاية لأهل بيته عز وجل فقال تعالى محذراً من ترك الإيمان والعمل هذه الجزئية من أحكام القرآن الكريم : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون– المائدة 49 } . وكان من فتنة هؤلاء المجرمين الكذب على الله تعالى ورسوله وقلب الأحكام والأمور قال تعالى { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون – التوبة 48 } وقال تعالى أيضاً في نفاقهم وإيمانهم بالكلامات فقط مع إبطان الكفر والولاية لغير الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم – المائدة 41 } . وهنا أمر الله تعالى المؤمنين بالهجرة والفرار بالدين قبل فتح مكة فقال تعالى { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم – النحل 110 } .

فلما فتحت مكة ودخل الناس فيدن الله أفواجاً مات صلى الله عليه وآله انقلب الكثير من هؤلاء المنافقين على أعقابهم كما في قوله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ – آل عمران 144 } وهنا ازداد الخطب بعدما فتح باب التقول والكذب على الله تعالى ورسوله وازداد الطين بلة بمنع تدوين الحديث إلا بعد نيف ومائة عام في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز (ر)

وهنا أمر الله تعالى أوليائه بالقتال في سبيل الله والدين كله بما فيه ولاية أهل بيت النبي عليهم السلام حتى لا يضل الناس ويتولون قوماً قالوا كفراً ونفاقاً لضرف الناس عن أهل بيت النبي عليهم السلام  { حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا – المائدة 104 } ولذلك قال تعالى للمؤمنين بأن يقاتلوهم ليكون الدين كله لله فقال تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله – الأنفال 39}  وقال تعالى أيضاً { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين – البقرة 193 }

وأما :

(المؤمنين والمؤمنات)

والمؤمنين والمؤمنات هم الذين آمنوا بالله تعالى ورسله ولم يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض أي أنهم لم يكنوا مثل إبليس الذي أعلم ولايته لله فقط أما آدم فلا ولاية له لأنه أفض منه وهذا هو البعض في الدين الذي قاتل عليه أهل الكفروالنفاق حيث جعلوا الولاية في رجالهم من الآباء والأجداد ليخرجوا الناس من ولاية الأنبياء والمرسلين وأهل بيت النبي عليهم السلام لولاية آبائهم ممن أطلقوا عليهم مصطلح السلف الصالح وهم سلف وهذا حق إنما لا يمكن الجزم بصلاحهم لقوله تعالى { ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى – النجم } وهنا قتل هؤلاء الكفار والمنافقين المؤمنين الذين تولوا الله تعالى حق ولايته فقال تعالى { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون – البقرة 85 } ثم يبين تعالى لجوء هذا الحزب الشيطاني لرمي وقذف الأنبياء والمرسلين وأهل البيت والمؤمنين لإفساح الطريق أمام ولاية آبائهم وأجدادهم فقال تعالى محذراً { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا – الأحزاب 58 }

وبالتالي المؤمنون والمؤمنات هم الذين تولوا الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام وتحملوا الذى من هؤلاء الشياطين و هم الذين تولوا الله تعالى ورسوله والإمام علي عليه السلام لما نزل فيه من قوله تعالى { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون – المائدة 55-56 } . ويبين تعالى أنه سيعذب ههؤلاء المجرمين و سيتوب على المؤمنين و المؤمنات كما في قوله تعالى { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما – الأحزاب 73 }

وسيدخل الله تعالى المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة  كما في قوله تعالى { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم – التوبة 72 } ويبشرهم الله تعالى بنور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم  والجنة وذلك هو الفوز العظيم كما في قوله تعالى { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم – الحديد 12 } وأما الذين فتنوا هؤلاء المؤمنين في الدنيا فسيعذبهم الله تعالى عذاباً شديداً قال تعالى فيه هنا {   إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق – البروج 10 } .

وأما :

(ثم لم) 

هنا يبين تعالى أن المؤمنين هم الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله ثم لم يرتابوا قال تعالى { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون – الحجرات 15 } ويبين تعالى أن هؤلاء كانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وىله معرفتهم بأبنائهم ولكنهم كفروا به قال تعالى { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ – الأنعام 20-24 } وهؤلاء إن لم يتوبوا فلهم عذاب الحريق كما في قوله تعالى {   إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق – البروج 10 } .

وأما :

(يتوبوا)

والتوبة هنا تكن من أمرين الأول : توبة علماء الأمة بإظهار الحق في ولاية الله تعالى ورسوله وأهل بيته والحلال والحرام ورد الحكام لدين الله الحق وعدم الدخول عليهم لمصلحة دنيوة  قال تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ – البقرة 159-161 }

الثاني :

توبة الحكام من دماء المؤمنين وليعلموا بأن من قتل مؤمنا فلا توبة له لأنه الذنب الوحيد في كتاب الله تعالى والذي تفرد بأربع عقوبات قال تعالى فيها {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما – النساء 93 } . وهؤلاء هم الذين فتنوا المؤمنين باللسان في كل زمن العماء بتدليسهم للدين وكذبهم وكتمانهم للحق والحكام بالسنان وذلك بسل سيف الكفر والغدر قتلاً وفتكاً بالمؤمنين في كل زمن إلى أن يشاء الله تعالى وهنا يقول تعالى {   إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق – البروج 10 } .

وأما :

(فلهم عذاب جهنم)

وهنا يؤكد الله تبارك وتعالى أن جهنم لقتلة النفس المؤمنة قال تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما – النساء 93 } وهؤلاء من كفار ومنافقين وعدهم الله تعالى بنار جهم في قوله تعالى { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم –التوبة 68 } ويبين تعالى أن هؤلاء المجرمين ماكن عذابهم في جهنم إلا لكراهيتهم الحق وأهله في الدنيا وتددبيرهم للمكر والمكائد لهؤلاء المؤمنين المستضعفين قال تعالى { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ – الزخرف 74-80 } . وهؤلاء هم الذين كفرووا بربهم كما في قوله تعالى { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير – الملك 6 }

وأما :

 (ولهم عذاب الحريق )

وهنا يبين تعالى بأن هذا العذاب كان بكفرهم وجدالهم في الله بغير حق قال تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ – الحج 8-10 } وهؤلاء لهم عذاب الحريق لا يخرجون منه كلما أرادوا الخروج من جهنم والعياذ بالله أعيدوا فيها تعالى { كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ – الحج 22  } وهنا يبين تعالى أنهم سيدخلونها إن لم يتوبوا عن كفرهم وفتنة المؤمنين بالله تعالى في الدنيا فقال تعالى هنا { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق – البروج 10 } .

ثم يقول تعالى :

(11) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير (11)

 وهنا :

في هذا اليوم يقول تعالى عن الظالمين والمؤمنين  { ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير – الشورى 22 } وهؤلاء هم الذين آمنوا بالله تعالى ورسله وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ – محمد 2 } وهم الذين ودوا النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام وقال تعالى في ذلك {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا – مريم 96 }  وهذه المدة أمر من الله تعالى لأه بيت النبي عليهم السلام كما في قوله تعالى {  ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور – الشورى 23 } وهؤلاء هم خير البرية لما نزل فيهم من قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ  جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ – البينة 7-8} وهل يستويس هؤلاء المؤمنين بالمجرمين المفسدين في الأرض في كل زمان ومكان على الأرض قال تعالى { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار – ص 28 } .

وهؤلاء الكفار الفجار يبين تعالى أنهم في كل زمان كانوا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام فلا يعيرون لله تعالى والدار الآخرة بالا و لا يعملون لها عملاً صالحاً بل منهم الكبراء الذين تلوثت أيديهم بسفك دماء المؤمنين لذلك قال تعالى فيهم  { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم – محمد 12 } ويقول تعالى فيهم أيضاً { الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير – فاطر 7 } .

وأما :

(ذلك هو الفوز الكبير)

والفوز في كتاب الله فوز عظظيم قال تعالى فيه  {ذلك هو الفوز العظيم – الدخان 57 } وفوزاً مبينا قال تعالى فيه { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين – الجاثية 30 } وهذا الفوز بأن يصرف الله تعالى عنهم سيئاتهم وغضبه عز وجل قال تعالى { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين – الأنعام 16 } وقال تعالى أيضاً { وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم – غافر 9 }  وهذا الفوز هو الجنة التي قال تعالى فيها { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم – التوبة 72 } وقال تعالى أيضا { أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم – التوبة 89 } وهذا هو الفوز الكبير بغفران السيئات وصرف العذاب عنهم وإدخالهم الجنة لذلك قال تعالى هنا { ذلك هو الفوز الكبير } .

وأما :

(الكبير)

وهنا يبين تعالى من خلال هذا اللفظ أن هؤلاء المؤمنين آمنوا بالله تعالى ورسله وهذا هو الحق ومن حاربهم ليطوعوهم في سبيل طاعة كبرائهم من حكام وأهل الضلالة من علمائهم وكهنتهم وساستهم كانوا على الباطل قال تعالى { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير – الحج 62 } ويبين تعالى أن هذا الحق أرثه الله تعالى في ذرية نبي الله إبراهيم الذين قال تعالى فيهم { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين – آل عمران 33 } وهذا الأصطفاء اختيار إلهي قال تعالى فيه { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون – القصص 68} وقال تعالى أيضاً {  وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا – الأحزاب 36 } وهذا الأصطفاء قال تعالى فيه  { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير – فاطر 32 } وهنا يقول صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلامم [ سابقنا سابق ومقتصدنا ناجي وظظالمنا مغفور له .. الحديث ] وهؤلاء ظن فيهم المؤمنون الشفاعة عند الله تعالى وغيرهم التمسوا الشافعة بأهوائهم رجالهم ممن قالوا فيهم { حسبنا ماوجدنا عليه آبائنا – المائدة 104} وقالوا فيهم بالصلاح والتقوى والمناقب المزيفة والمسرووقة من أهل بيت النبي عليهم السلام وأكثرها نسبوها زوراً لرجالهم ليصدقهم الناس وقد استخدموا في ذلك مدرسة الرأي وتقديم أراء وأهواء رجال في مقال النص القرآني ولذلك حكم الله تعالى في هلاء بدخول النار لتقديمهم الهوى والرأي على نصوص القرآن الكريم فقال تعالى { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير – غافر 12 } و يوم القيامة لا تنفع شفاعة أحد من نص الله تعالى عليهم في كتاب الله تعالى ورسله وانبيائه وخاتمهم رسول الله ثم غلأئمة من أهل بيته عليهم السلام لانقطاع النبوة وبداية علامات القيامة قال تعالى في هذه الشفاعة يوم القيامة { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير – سبأ 23 } . ومن قبلت شفاعة نبيه ورسوله ثم شفاعة النبي العظمى يوم القيامة للنبي وأهل بيته عليهم السلام فذلك هوو الفوزو الكبير قال تعالى {ذلك هو الفوز الكبير} .

ثم يقول تعالى :

(12) إن بطش ربك لشديد (12)

 وهنا :

(إن بطش ربك)

[ و يَبطُش ويَبطِش ، بَطْشًا ، فهو باطِش ، والمفعول مبطوش به بَطَشَ بِهِ : فَتَكَ بِهِ، أَوْ أَخَذَهُ عُنْفاً وَسَطْوَةً قال تعالى{ وَإِذا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارينَ – الشعراء 130} وقويّ البَطْش: شديد الظلم والطغيان ] والبطش لبني آدم يكون باليد لقوله تعالى {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون – الأعراف 195} ولذلك قال تعالى في نبي الله موسى عليه السلام لما قتل المصري { فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين – القصص 19 } وهذا البطش بقتل الممؤمنين والمظلومين المستضعفين قامت به أمم من قبل أقوى من أمة فرعون والأمم التي جاءت من بعدهم فأهلكهم الله تعالى كما في قوله تعالى { فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين – الزخرف 8 } بل وهذه الأمم من قبل نقبت في البلاد عن الجبابرة والأشداء ليفتكوا بهم كما قال تعالى { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص – ق 36 } . وهنا المقارنة بين بطشة الخلق وبطشة المخلوق أن بططشة المخلوق تزول بزوال السبب أي بعد قتلهم للمؤمن فلا بطش بعد ذلك إنما الجزاء سيكون الجنة للمظلوم وبطشة الخالق شديدة في الدنيا يعقبها البقاء والخلود في عذاب الله تعالى لذلك قال تعالى في هلاك الأمم من قبل ومنهم أمة لوط ومن سيأتي بعدهم من الأمم الظالمة حتى قيام الساعة وبعثة إمام آخر الزمان ونبي الله عيسى عليهما السلام قال تعالى فيهم : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ – القمر 33-43} وهذه هى البطشة الشدية التي قال تعالى فيها { إن بطش ربك لشديد – البروح 12 } ومنها بطشة يوم القيامة التي قال تعالى فيها : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون – الدخان 16 } .

وأما :

(شديد)

وهنا يقول تعالى { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور – فاطر 10 } وهؤلاء الظلمة منهم أمم سالفة قال تعالى فيهم مبيناً أنه تعالى إذا أخذ القرى وأهلكها فإن أخذه تعالى والعياذ بالله أليم شديد قال تعالى { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد – هود 102 } وكذلك من مكروا بالمؤمنين يبين تعالى ان هؤلاء لهم عذاب شديد قال تعالى فيه { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين –آل عمران 56 } ومن هذا العذاب الشديد يمكن أن يسلط الله تعالى أسياف المؤمنين عليهم ليقتلوهم بغذن الله كما حدث في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وغزوة بدر و قال تعالى هنا { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ – الأنفال 12-13} وذلك كان عقاباً لهم لأنهم كفروا بالله ورسوله كما في قوله تعالى { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون – الأنعام 124 }

وآخر الزمان سينزل الله تعالى بالأمم عذاباً شديداً لكفرهم بآيات الله  وقد أنذرهم الله تعالى في قوله عز وجل :

{ قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا – الكهف 2 } وقال تعالى في وعد بني إسرائيل الأول ثم الثاني والأخير { وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا – الإسراء 4-7 } وقال تعالى في العالم قبل يوم القيامة { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا – الإسراء 58} وفي ذلك الزمان سيفتح الله تعالى على الناس بظلمهم عذاباً شديداً قال تعالى فيه {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون – المؤمنون 77 } ثم تكون القيامة { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد – الحج 2 } . وذلك معنى قوله تعالى { إن بطش ربك لشديد } .

ثم يقول تعالى :

(13) إنه هو يبدئ ويعيد (13)

وهنا :

( إنه هو)

أي أنه يقول تعالى { إنه هو السميع البصير – غافر 56 } وهو السميع العليم كما في قوله تعالى { إنه هو السميع العليم – فصلت 36 }

وهو العزيز الرحيم كما في قوله تعالى { إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم – الدخان 42 } وهو الحكيم العليم { إنه هو الحكيم العليم –  الذاريات30 } وهو البر الرحين بخلقة كما في قوله تعالى { إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم – الطور 28 } أي أنه تعالى هو السميع البصير العزيز الرحيم الحكيم العيم البر الرحيم بخلقه وهو الذي يبدئ ويعيد برحمة منه للمؤمنين وانتقاماً من الظالمين كما في قوله تعالى { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم – الصافات 68 } أي سيعيدهم إلى الجحيم  وأما المؤمنين ورجوعهم إلى الجنة قال تعالى في ذلك { الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون – الروم 11 }

وأما :

(يبدئ ويعيد)

أي أنه يقول تعالى أنه يبدأ الخلق ثم يعيده ما في قوله تعالى { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون – يونس 4 } وهذا هين على الله تعالى كما في قوله عز وجل { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم – الروم 27 }  ثم إليه تعالى المرجع والمآل كما في قوله تعالى { الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون – الروم11 }

فهل يوجد إله مع الله تعالى يقدر على فعل ذلك قال تعالى { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أئله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين – النمل 64} وبالتالي هل من شركاء هؤلاء المجرمين الذين كفروا بالله وبطشوا وسفكوا الدماء المؤمنو من يقدر على فهل ذلك قال تعالى { قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون – يونس 34 } ولذلك قال تعالى هنا { إنه هو يبدئ ويعيد } .

ثم يقول تعالى :

(14) وهو الغفور الورود (14)

 وهنا :

(وهو الغفور)

وهنا يقول تعالى { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا – الأحزاب 72-73 } وحتى لا يعذب الله تعالى المؤمنين أمرهم عز وجل بأن يتيقنوا أنه لا إله إلا الله ويستغفروا لذنوبهم قال تعالى { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم – محمد 19 } وهو غافر الذنب لقوله تعالى { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير – غافر 3} وغفران الذنب له شروط وهو التوبة والإيمان بالله استغفاراً ثم الإقلاع عن السيئات والعمل الصالح قال تعالى { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى – طه 82 } والشرط الثاني  الإستغفار عند رسول الله صلى الله عليه وآله فيستغفر للمؤمنين حيا وبعد موته تكون بزيارته في مسجده أو مساجد أهل بيته ليعم السلام طلباً للغفران ورضا الله تعالى قال تعالى { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما – النساء 64 } وقال تعالى أيضاً { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما – النساء 110 } .

وأما :

(الودود)

[ وود فلاناً : أحبه وهويه ووصف الفاعل وادْ إذا ووصفت المبالغة منه : ودود ] قال تعالى { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود – هود 90 } ومن أراد أن يوده الله تعالى فليتولى ويود أهل بيت النبي عليهم السلام لقوله تعالى { قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ –الشورى 23 } .

وقد نهى الله تعالى عن مودة أعداءه كما في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل – الممتحنة 1 } وهؤلاء الأعداء كل من تولى وود غير رسول الله صلى الله عليه والأئمة من أهل بيته عليهم السلام ومن ود غيرهم فهو كعابد وثن قال تعالى فيه هنا { وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين – العنكبوت 25 } . ومن تولاهم فالله تعالى معهم هو الغفور الودود كما في قوله تعالى { وهو الغفور الودود } .

ثم يقول تعالى :

(15) ذو العرش المجيد (15)

وهنا :

(ذو)

أي صاحب كقوله تعالى { والحب ذو العصف والريحان – الرحمن }

وأما :

(ذو العرش)

أي أنه يقول تعالى { رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق – غافر 15 } وكان من مشيئته تعالى أن يلقي الروح على رسول الله صلى الله عليه وآله  صاحب القوة والمكانة عند الله تعالى لقوله تعالى عن { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ – التكوير 19-22 }  والعرش قال تعالى فيه { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  – الأعراف 54 } ولفظ عرش ورد على عرش ملكة سبأ في قوله تعالى { ولها عرش عظيم – النمل } فلما أن جاء نبي الله سليمان بعرشها وهو رمز دولتها وليس اليمن كله قال لها {  فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين – النمل 42 } وبالتالي لما قال تعالى { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير –الحديد 4 } هذه السماوات والأراضين السبع رمز دولة الله تعالى وليست كل الخلق . وهنا يقول تعالى هنا أنه عرش مجيد لقوله تعالى { ذو العرش المجيد } .

وأما :

(المجيد)

[ والمجيد : الذي اتسع شرفه وكرمه والشرف والمجد أطلقهم الله تعالى على سماواته وأرضه – معجم ألفاظ القرآن باب الميم فصل الجيم والدال ]  قال تعالى { ذو العرش المجيد 15 } وهذا المجد والشرف جعله الله تعالى في أوامره المنزلة في كتابه الكريم لذلك قال تعالى { ق والقرآن المجيد – ق} وهذا المجد جعله الله تعالى في رسله وانبيائه ثم الأئمة من أهل بيت النبي عليهم السلام كما في قوله تعالى { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد – هود 73 } أي أن الشرف والكرم والمجد في الخالق عز وجل أولا صاحب هذ الكون وقد أنزل كتاباً مجيداً  وبين أن بيانه موكول لرسله وأنبيائه وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وآله عترة خاتم النبيين عليهم السلام والكتاب والعترة  هما الثقلين الذي قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وآله : [  أنا تاركٌ فِيكم ثَقلينِ : أوَّلهما : كتابُ الله، فيه الهُدى والنُور؛ فخُذوا بكتاب الله، واستمسِكوا به، فحثَّ على كِتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهلُ بَيْتي، أُذكِّركم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّركم اللهَ في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهلِ بَيتي – رواه البخاري ومسلم ]

.ثم يقول تعالى :

(16) فعال لما يريد (16)

وهنا فعال لما يريد أي أنه يقول تعالى { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد – الحج 14 } ويقول تعالى { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ – هود 107 } ومن أرادة الله تعالى الصدام والإقتتال بين من يريدون الدنيا ومن يريدون الآخرة قال تعالى { ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل مايريد – البقرة 203 } والكافرون حقا هم الذين فرقوا بين الله تعالى ورسله على الرغم من أنه تعالى قد أخذ الميثاق عليهم جميعا للأيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله ونصرته أي أن دعوة كل أنبياء الله تعالى من لدن آدم حتى نبي الله عيسى إلى كلمة “لا إله إلا الله محمد رسول الله ”  قال تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين – آل عمران 81 } وهذه أرادة الله تعالى ومن فرق بين الله تعالى ورسله فهؤلاء هم الكافرون حقا قال تعالى {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا – النساء 150-151 }

وحيث أن رسول الله صلى الله عليه وىله خاتم النبيين ولا نبوة بعده إلا إمامة أهل بيته عليهم السلام بين تعالى أنه لذلك قد أ1هب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قال  تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا – الأحزاب 33 } والخارج على ولاية هؤلاء لا حظ لهم في الآخرة كما في قوله تعالى { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم – آل عمران 167 } . والله تعالى كما قال { فعال لما يريد } .

ثم يقول تعالى :

(17) هل أتاك حديث الجنود (17)

وهنا :

(هل أتاك حديث)

أي هل أتاك حديث وقصة الجنود قال تعالى { هل أتاك حديث موسى إذ رآه ربه بالوادي المقدس طوى – النازعات 15 } وهنا الحديث عن الجنود وهم جنود فرعون وقوم ثمود في قوله تعالى { هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود } .

وأما :

(حديث)

[ والحديث  : كلُّ ما يُتحدَّث به من كلامٍ وخبر ] قال تعالى { ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون – المؤمنون 44 } وقال تعالى أيضاً : { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ – سبأ 19 }

والحديث يأت على كتاب الله تعالى في قوله تعالى { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد – الزمر 23} ومن كذب بهذا الحديث سيسترجه الله تعالى من حيث لا يعلمون قال تعالى { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون – القلم 44 } وذلك لأنهم كذبوا بكتاب الله تعالى فبأي حديث بعده يؤمنون قال تعالى{ فبأي حديث بعده يؤمنون – المرسلات 50 } وقال تعالى أيضا { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون – الأعراف 185 } .

وأما :

(الجنود)

وهم جنود فرعون الذين قال تعالى فيهم { إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين – القصص }

ثم يقول تعالى عن هذا الحديث أنه أمر فرعون وثمود قال تعالى :

(18) فرعون وثمود (18)

وهنا :

(فرعون)

وهنا يقول تعالى { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلا –المزمل 15-16 }  وهنا يقول تعالى { هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود } اي أنه كما أهلك الله تعالى هؤلاء المجريمين وسيهلك من تقلد بهم وخرج على ولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام  وفرعون هنا مثال لما ستمر به مصر بالذات في آخر الزمان من أحداث .

وأما :

(وثمود)

وثمود بالذات هنا أمة من العرب ستقلد ثمود في نهجها الخروج على كتاب ربها بغير حرب من أمة أخرى وبغير ضغوط من احد إلا أنهم خيرهم الله تعالى فاختاروا الكفر على الإيمان قال تعالى { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون – فصلت 17 } وهذه الصاعقة هم في انتظار أمة ستتقلد بهم في قتل أئمة أهل البيت وشيعتهم وأنصارهم وهؤلاء بشرهم الله تعالى بصاعقة قال تعالى فيها { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود – فصلت  13 } وثمود الآخرة أمة من العرب قال فيها صلى الله عليه وىله أنهم قريشاً الآخرة ستمضي في الحرب على دين الإسلام وقيمه و أهل بيت النبي عليهم السلام في آخر الزمان وفي الحديث دعا عليهم صلى الله عليه وآله فيما في قوله صلى الله عليه وآله [ اللهم كما أذقت أول قريش نكالا فاذق آخرها نوالا – أمالي الشجري ] .

ثم يقول تعالى :

(19) بل الذين كفروا في تكذيب (19)

وهنا :

(بل الذين)

وهنا يبين تعالى أن هؤلاء يكذبون بكتاب الله ورسوله وإمامة أهل بيته عليهم السلام قال تعالى {بل الذين كفروا يكذبون – الإنشقاق 22 }  وهم كما قال تعالى فيهم أنهم في عزة وشقاق قال تعالى فيه { بل الذين كفروا في عزة وشقاق – ص 2 }

وأما :

(الذين كفروا)

فهم الذين تركوا التحاكم إلى كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون – المائدة }  ومن هؤلاء الكفار فريق تظاهر بالإيمان من المنافقين و قال تعالى فيهم { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم – المائدة 41 } وهؤلاء في مكذبين بآيات الله تعالى ورسوله كما في الآية هنا { بل الذين كفروا في تكذيب } .

وأما :

(في تكذيب)

[ تَكْذيب : مصدر كذَّبَ/ كذَّبَ بـ. تصريح يُثبت عدمَ صحَّة خبر أو ينفي حدوثَ أمر  و تكذيب نبأ اتّهام تَكْذِيبُ أَقْوالِهِ: إِظْهارُ كَذِبِها “لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ على تَكْذِيبِهِ”] وهذا يعني أن التكذيب يقترن بالجدال ليدحضوا به الحق قال تعالى { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب – غافر 5 } وهذا التكذيب ماكان إلا دفاعاً عن ولاية الطواغيت من رجالهم قال تعالى { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين – النحل 36 }

وبالتالي كذبوا أنبياء الله تعالى ورسله فعذبهم الله تعالى كما في قوله عز وجل  { فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا – الفرقان 19 } والتكذيب أيضاً ترك العمل بما أنزل الله تعالى فقد وصف الله تعالى قوما حملهم مشؤولية العمل بالتوراة فلما تركوا العمل بها وصفهم الله تعالى أأنهم كذبوا بآيات الله قال تعالى لذلك { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين – الجمعة 5 } . ولذلك قال تعالى هنا { بل الذين كفرا في تكذيب } أي في جدال نصرة لابائهم وأجدادهم وتركاً للعمل بكتاب الله تعالى .

ثم يقول تعالى :

(20) والله من ورائهم محيط (20)

وهنا :

( والله من ورائهم)

وهنا من ورائهم أي من بعد موتهم لقوله تعالى { وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا – مريم 5 }  وهؤلاء المجرمين استفتحوا أعمالهم بمحاولة إبادة المؤمنين ومحوهم من الدنيا فخيبهم الله تعالى وخيب ظنهم وأفشل مكرهم وجعل تدميرهم في تدبيرهم ومن وراء موتهم جهنم وهم لا يشعرون قال تعالى { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ اسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ – إبراهيم 13-17 }

وهؤلاء من ورائهم جهنم كما قال تعالى { من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم – الجاثية 10 } وهذا العذاب في البرزخ قبل يوم القيامة قال تعالى عن مدة عذابهم قبل يوم القيامة { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون – المؤمنون 100} وبالتالي الله تعالى محيط بهم في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى هنا { والله من ورائهم محيط } .

وأما :

(محيط)

و [مُحيط : فاعل من أَحاطَ و مُحيط: (اسم)الجمع : مُحيطات اسم فاعل من أحاطَ/ أحاطَ بـالمُحِيطُ : العظيمُ من البحار يُحدِق باليابسةبيئة ، وسط يقيم به الإنسان قَطْرَة في محيط : قليل جدًّا والمُحِيطُ : (لحديث) مَنْ أحاط علمه بمائة ألف حديث و المحيط: اسم من أسماء الله الحسنى ، ومعناه : الذي أحاطت قدرتُه وسعة علمه بجميع خَلْقه و مُحِيطُ الدَّائِرَةِ (هن) : الخَطُّ الَّذِي يُحِيطُ بِالدَّائِرَةِ عَالِمٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ عُلُومِ عَصْرِهِ : مُلِمٌّ بِهَا، عَارِفٌ بِهَا ] .

قال تعالى { الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما – الطلاق 12 } وهذا اللفظ يبين تعالى بالتحديد أنهم بنو أمية لما نزل فيهم من قوله تعالى { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا – الإسراء 60 }

وفي الحديث :

[((بني أمية قردة ينزون على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم). وما جعلنا الرؤية التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ( الأسراء : 60 ) الحاكم النيسابوري – المستدرك – كتاب الفتن – رقم الحديث : ( 8481 )  ] [  عن أبي هريرة (ر) : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ) قال : إني اريت في منامي كان بنى الحكم بن أبي العاص ينزون على منبرى كما تنزو القردة ، قال : فما رؤى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستجمعاً ضاحكاً حتى توفي ، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. الهيثمي – مجمع الزوائد – الجزء : ( 5 ) – ص : ( 243 ) ]

و[ بني أمية هم الشجرة الملعونة في القرآن الكريم  وهم من إبتدعوا بدعة عقيدة اهل السنة والجماعة لتفسير تبيان قوله تعالى (وما جعلنا الرؤية التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن- الأسراء 60) للسيوطي – الدر المنثور – الجزء: (4) – رقم الصفحة: (191) ] .

[  وأخرج إبن مردويه، عن عائشة: أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله :يقول: لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن.الطبري – تاريخ الطبري – الجزء: (8) – رقم الصفحة: (185)] [  وأنزل به كتاباً قوله: والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً، ولا إختلاف بين أحد أنه أراد بها بنى أمية. وما جعلنا الرؤية التي أريناك إلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن (الأسراء : 60) الحاكم النيسابوري – المستدرك – كتاب الفتن – رقم الحديث: 8481 – 8618 ] .

[  ومنها ما حدثناه : أبو أحمد علي بن محمد الازرقي بمرو، ثنا: أبو جعفر محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ بمكة، ثنا : أحمد إبن محمد بن الوليد الازرقي مؤذن المسجد الحرام، ثنا: مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة : أن رسول الله، قال : إني اريت في منامي كان بنى الحكم بن أبي العاص ينزون على منبرى كما تنزو القردة، قال : فما رؤى النبي، مستجمعاً ضاحكاً حتى توفي، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.وعن أبى هريرة: أن رسول الله، رأى في منامه كان بنى الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ ، فقال : ما لي رأيت بنى الحكم ينزون على منبرى نزو القردة، قال : فما رؤى رسول الله مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات، رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة ] .

:

ثم يقول تعالى :

(21) بل هو قرآن مجيد (21)

وهنا :

(بل هو)

وهنا يقول تعالى { بل هو قرآن مجيد } وهذا القرآن المجيد هو الحق لقوله تعالى { أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون – السجدة 3 } وهذا الحق آيات بينات جعلها الله عز وجل في صدور الذين أوتوا العلم كما في قوله تعالى { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون – العنكبوت 49 } .

وأما :

(قرآن)

وهنا يبين تعالى أنه قرآن كريم في لوح محفوظ قال تعالى فيه { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ – البروج 21-22 }  وهذا القرآن الكريم لا يمسه إلا المطهرون أي لا يدرك غور معناه إلا من مسه الطهر نسباً يرجع لسلالة أهل بيت النبي عليهم السلام قال تعالى { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ  فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ – الواقعة 77 -79 } وهؤلاء المطهرون هم أئمة أهل البيت عليهم السلام والعلماء من ذريتهم قال تعالى في هذا النسب الطاهر المطهر بالمفعول المطلق { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا – الأحزاب }  وهؤلاء هم الذين جعلوا القرآن حاكماً على القرآن فلا يبينوه ويفسرونه بهوى أحد بل يبينون القرآن بالقرآن وبسنة النبي صلى الله عليه وىله وعلى السنة الأئمة من أهل بيته عليهم السلام قال تعالى {   فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إنا علينا بيانه – القيامة 18-19 }

وأما :

(مجيد)

[ والمجيد : الذي اتسع شرفه وكرمه والشرف والمجد أطلقهم الله تعالى على سماواته وأرضه – معجم ألفاظ القرآن باب الميم فصل الجيم والدال ]  قال تعالى عن نفسه عز وجل أنه تعالى { ذو العرش المجيد 15 } وهنا صاحب هذا المجد والشرف أنزل كتاباً فيه أوامره تعالى لذلك قال تعالى فيه أنه قرآن مجيد في قوله تعالى : { ق و القرآن المجيد – ق} وهذا المجد جعله الله تعالى في رسله وأنبيائه ثم الأئمة من أهل من أهل بيت النبي عليهم السلام ورثة الوحي الشرعيين بأمر من الله تعالى كما في قولهعز وجل { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد – هود 73 } أي أن الشرف والكرم والمجد في الخالق عز وجل أولا صاحب هذ الكون وقد أنزل كتاباً مجيداً  وبين أن بيانه موكول لرسله وأنبيائه وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وآله عترة خاتم النبيين عليهم السلام والكتاب والعترة  هما الثقلين الذي قال فيهما [   رسول الله صلى الله عليه وآله : [  أنا تاركٌ فِيكم ثَقلينِ : أوَّلهما : كتابُ الله، فيه الهُدى والنُور؛ فخُذوا بكتاب الله، واستمسِكوا به، فحثَّ على كِتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهلُ بَيْتي، أُذكِّركم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّركم اللهَ في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهلِ بَيتي – رواه البخاري ومسلم ] .

ثم يقول تعالى :

(22) في لوح محفوظ (22)

وهنا :

(في لوح)

واللوح صحيفة يكتب عليها لقوله تعالى { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين – الأعراف 145 } و الألواح لفظ يأت على وصف السفينة التي نجا الله تعالى فيها نبي الله نوحاً والذين آمنوا معه كما في قوله تعالى { وحملناه على ذات ألواح ودسر – القمر } وهذه الألواح عبارة عن لوح رأسي عن يمين ألواح عرضية يمنة ويسرى وهو نفس شكل صدر الإنسان الذي يحوي العلم وقال تعالى فيه هنا { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ – البروج 21-22 } . وهذا العلم وهذا القرآن وآياته البينات في صدور الذين أوتوا العلم قال تعالى { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون – العنكبوت 49 } . ولذلك قال صلى الله عليه وآله [ أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد المدينة فلياتها من بابها .. الحديث ] .

وأما :

(محفوظ)

وهنا يبين تعالى أنه جعل السماء سقفاً محفوظا قال تعالى { وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون – الأنبياء 32 } وهذه السماء المحفوظة كتب الله تعالى فيها كل ما وعد الناس قال تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون – الذاريات 22 } وهنا يبين تعالى حفظه لسماواته وما نزل منها من قرآن قال تعالى فيه { وحفظناها من كل شيطان رجيم } وبالتالي القرآن الكريم محفوظاً في السماء و بعدما نزل إلى الأرض لقوله تعالى { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون – الحجر 9 } .

وهذا اللوح فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة لأنه قرآن نزل من أم الكتاب في قوله تعالى { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم – الزخرف 4 } . ومن عمل بكتاب الله تعالى فقد وكل له عز وجل ملائكة معقبات تحفظه من بين يديه من خلفه بأمر الله تعالى كما في قوله عز وجل { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله  –الرعد 11 } . وبالتالي القرآن الكريم محفوظاً في السماء ومحفوظاً في الأرض ومن عمل به وتولاه وتولى رسوله وأهل بيته من بعده عليهم السلام  فهو في معية الله تعالى وفي حفظه وكنفه وولايته عز وجل .

هذا وبالله التوفيق وما توفيقي إلا بالله

عليه توكلت وإليه وأنيب وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

انتهى العمل من هذه السورة الكريمة

في

25 ذو الحجة سنة 1420ه  الموافق 1 أبريل سنة 2000