مقدمة كتاب اليقين بما جهله الناس عن رب العالمين

 الكتاب بضيغة 

مقدمة كتاب اليقين

بما جهله الناس عن رب العالمين

 

بقلم

الشريف خالد محيي الدين الحليبي

مدير مركز

القلم للأبحاث والدرسات

Elqalamcenter.co

 

اَلْيَقِين

وما جهله الناس عن رب العالمين

( سِرُّ اَلْكَوْنِ اَلْأَعْظَمِ وَحَرَكَةِ اَلْإِنْسَانِ بالنفس والجسد بَيْنَ عالم السماء والأرض )

يَقُول تَعالَى{وَلقَد خلقْنَا فوْقكم سَبْع طَرائِق ومَا كُنَّا عن الْخلْق غَافلِين – المؤْمنون17 } وطرائق وَطرُق جَمْع طريق وحيْث أَنَّه قال تَعالَى عن هَذِه الطَّرائق هِي السَّماوات السَّبْع فَيكُون الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام فِي قَولِه [ ” سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني فإنِّي أَعلَم بِطرق السَّمَاء أَكثَر مِن طُرُق الأرْض ” ] يَعنِي علمه  من رسول الله صلى الله عليه وآله بتفاصيل رِحْلَة الإنْسان مُنْذ اَلخُلق الأوَّل إِلى عَودَتِه إِلى الجنَّة أو النَّار

كما في قوله تعالى {هو ربكم وإليه ترجعون – هود 34 } وقوله تعالى { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله – البقرة 281}

وبالتَّالي طُرُق السَّمَاء لَيسَت أَماكِن بِقَدر مَا هِي عَوالِم يَتَحرَّك فِيهَا الإنْسان بَيْن هَذِه الطَّرائق فمنْهم مِن خَلْقه الله تعالى بِجَسد  مِن طِينة الجنَّة فكانوا أهْلهَا وَسبَق لَهُم مِن اَللَّه تَعالَى اَلحُسنى وَهؤُلاء عن جَهنَّم مُبْعدون وَهُم الأنْفس ( المطمْئنة ) وخلْق آخرين مِن طِينة جَهنَّم فعملوا بِمَا يُؤدِّي إِليْهَا فِي الأرْض بَعْد اَلهُبوط وَهُم الأَّنفْس ( الأمَّارة بِالسُّوء ) وَأمَر سُبْحانه وَتَعالَى جِبْريل عليْه السَّلَام بِقَبض قَبضَة مِن الأرْض ثُمَّ خَلطَت بِطينة الجنَّة فعملوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا وَهِي النَّفْس ( اللَّوَّامة ) وَلقَد خلق اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى الأنْفس قَبْل الأجْساد قال تَعالَى {والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفْس ومَا سوَّاهَا فألْهمهَا فُجورهَا تقْواهَا – الشَّمْس } وبالتالي مع خلق السماوات والأرض خلق تعالى الأنفس بعدها ثُمَّ خَلْق اَللَّه تَعالَى الأجْساد وألهمها فجورها وتقواها ووضع فيها بصيرة تعرف من خلالها الخير والشر كما قال تعالى { بل الإنسان على نفسه بصيرة – القيامة 14 } و أول هذه الأنفس قبل خلق السماوات والأرض كان سيدنا محمد وأهل البيت عليهم السلام كما سنبين ومع خلق السماوات والأرض كان نبي الله إبراهم وكان من الشاهدين على ذلك في قوله تعالى { قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين – الأنبياء 56 } وهنا من الشاهدين تعني أن هناك شهوداً آخرين وهم من بدأ الله تعالى الخلق بهم وسنبيهم فيما بعد .

ثم خلق الله تعالى بقية الأنبياء كل على حسب درجته وقربه من الله تعالى كما في قوله تعالى { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات– البقرة 253 }

ثم خلق الله تعالى السماوات والأرض ثم الأجساد بعد ذلك و أولهم نبي الله آدم عليه السلام لِقوْله تَعالَى { فَإذَا سوَّيْته ونفخْتُ فِيه مِن رُوحي فَقعُوا لَه سَاجدِين – الحجْر 29 } وهذا عن خلق نبي الله آدم ثم كل بني آدم دفعة واحدة قال تعالى { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين – الأعراف 11 } وهنا بعدما صورهم أخذ الله تعالى من ذريتهم الميثاق بعد عرض أمانة الحكم بما أنزل الله تعالى وولايته الحق على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها قال تعالى { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا الاحزاب 72 } والظلوم الجهول هنا كل من خرج على ولاية الله تعالى وولاية رسوله وأهل بيته فقد جهل وظلم نفسه أولا وظلم من حوله بجهلة كتاب الله وعواقب الأمور ثم أخذ الله تعالى الميثاق بواحدايته وربوبيته على بني آدم قال تعالى .

{ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون – الأعراف 172-173 }

ثُمَّ يُسوِّي اَللَّه تَعالَى اَلخُلق بَعْد اَلهُبوط إِلى الأرْض فِي أَرحَام الأمَّهات كمَا فِي قَولِه تَعالَى { ألم يك نُطفَة مِن مِنى يُمنَى ثُمَّ كان عَلقَة فَخلَق فَسوَى فَجعَل مِنْه الزَّوْجيْنِ الذَّكر والْأنْثى – القيامة 37 – 39 } . وَلقَد خلق اَللَّه تَعالَى كُلِّ اَلخُلق دُفعَة وَاحِدة قال تَعالَى {وَلقَد خلقْناكم ثُمَّ صوَّرْناكم ثُمَّ قُلنَا لِلْملائكة اسْجدوا لِآدم فسجدوا إِلَّا إِبْليس لَم يَكُن مِن السَّاجدين – الأعْراف 11} .

وَكَان هؤلاء يعيشون فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض حَتَّى أَكْل آدم وزوْجه عَليهِما السَّلَام مِن الشَّجَرة فَبدَت لَهمَا سوْآتهمَا وَهِي الأجْساد وليْستْ العوْرات فقط قال تَعالَى { فَلمَّا ذَاقَا الشَّجَرة بدتْ لَهمَا سوْآتهمَا وطفقَا يخْصفَان عَليهِما مِن ورق الجنَّة – الأعْراف 22 } وَهذِه السُّوءة هِي كُلُّ الجسد وليْستْ العوْرات فقط لِقوْله تَعالَى { فَبعَث اَللَّه غُرَابا يَبحَث فِي الأرْض لِيريه كَيْف يُوَارِي سَوأَة أخيه قال يَا ويْلتًا أَعجَزت أن أَكُون مِثْل هذَا اَلغُراب فأواري سَوأَة أَخِي فأصْبح مِن النَّادمين – المائدة 31 } .

وبالتَّالي السُّوءة هِي الجسد اَلذِي نعيش بِه فِي الدُّنْيَا إِذَا مات الإنْسان على الأرْض خَرجَت نَفسُه المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة لِتعود إِلى جَنَّة عَدْن قال تَعالَى { إِلى اَللَّه مرْجعَكم جميعًا فينبِّئكم بِمَا كُنتُم تعْملون – المائدة 105 } وَأمَّا الكافرين فَهْم عن رَبهِم محْجوبون كمَا فِي قَولِه تَعالَى { كِلَا أَنهُم عن رَبهِم يَومئِذ لَمحجوبون – المطفِّفين 15 }

ويحْشرون يَوْم القيامة على وُجوهِهم عُمْيًا وبكْمَاء وصْمًا فَإذَا مَاتَت سَوآتِهم فِي الدُّنْيَا رَجعُوا إِلى اَلجحِيم اَلذِي خَلقُوا مِنْه لِقوْله تَعالَى { ثُمَّ إِنَّ مَرْجَهم لَالِي اَلجحِيم – الصَّافَّات } وقوْله تَعالَى { إِنَّ جَهنَّم كَانَت مِرْصادًا لِلطَّاغين مآبًا – النَّبأ } .

وعن أجْسادهم فَهِي مُعَذبَة فِي الدُّنْيَا لَا شِتْراكْهَا فِي مَعصِية اَللَّه عن غَيْر عَمْد فَهِي مَأمُورة مِن النَّفْس الأمَّارة بِالسُّوء لِذَلك عَذَابهَا فِي الدُّنْيَا فقط ويبْدأ فِي سَكَرات الموْتِ لِيعْلم النَّاس مآل اَلعُصاة وَمِن كَفرُوا بِاللَّه تَعالَى والْمؤْمنين فيزْدادوا إِيمانًا بِعلامات تَظهَر فِي وِجوهْههْم العابسة الكالحة أو البيْضاء المسْفرة الضَّاحكة المسْتبْشرة فَإذَا كان يَوْم القيامة شهد هذَا الجسد الطِّينيِّ اَلأرْضِي لِلْعصَاة وَمِن خَلطُوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا وَهُم الأنْفس اللَّوَّامة والْأمارة بِالسُّوء على أنفسهم قال تَعالَى {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون وقالوا لِجلودهم لِم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة وإليْه ترْجعون – فَصلَت 20 – 21 }

وَذلِك هُو تَفصِيل قَولِه تَعالَى { كَيْف تَكفُرون بِاللَّه وكنْتم أمْواتًا فأحْياكم ثُمَّ يُميتكم ثُمَّ يُحْييكم ثُمَّ إِلَيه ترْجعون – البقَرة 28 } أيْ كُنتُم أَموَات السُّوء أَحيَاء بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي ثُمَّ نَزلُوا إِلى الأرْض بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي ( نَفسُه ) والسَّوْءة ثُمَّ تَمُوت السُّوءة وَترجِع النَّفْس بِطينتهَا المخْلوقة مِن الجنَّة ثُمَّ يَوْم القيامة يرْجعون إِلى اَللَّه تَعالَى بِأنْفسهم وأجْسادهم وسوْآتهم .وبالتالي الإنسان مخلوق بين أجلين الأول أجل جسده الطيني السفلي أو (سوءته) التي برزت ولها أجل مسمى قال تعالى فيه { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب – الشورة 14 } , وأجل آخر مسمى عنده تعالى للنفس وهو أجل مسمى عنده تبارك وتعالى أيضاً فهى لا تموت وإما تنعم في جنة عدن أو ترجع إلى جهنم قال عز وجل في هذين الأجلين { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون – الأنعام 2 } والأجل المسمى هنا يوم القيامة حيث يجمع الله تعالى الشمس والقمر قال تعالى { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير – لقمان 29 } .

فَإذَا قَامَت القيامة بدل اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى الأرْض غَيْر الأرْض والسَّماوات وينْشأ اَللَّه تَعالَى المؤْمنين فِيمَا لَا يعْلمون عن شَيْء مِن نعيم اَللَّه تَعالَى وَلذَلِك قال تَعالَى { فلَا تَعلَم نَفْس مَا أُخْفِي لَهُم مِن قُرَّة أَعيُن جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملون – السَّجْدة 17 } وَهذَا مُلخَّص تَفاصِيل طُرُق السَّمَاء والْأَرْض مِن كِتَاب اَللَّه وَالتِي سنفْصلهَا إِن شاء اَللَّه .

والْيقين : يَعنِي الحقيقة اَلتِي يُجانبهَا اَلشَّك والشُّبْهة و :

 [ يُقْن الأمْر يِيقن يَقنَا : ثبتَ وَوضَّح الوصْف ويقال اَليقِين لِلْعلْم اَلذِي اِنتفَت بِه الشُّكوك والشَّبه ويقال خبر يقين : لَا شكَّ فِيه ويقال لِلْموْتِ اَليقِين لِأَنه لَا يِمتْري فِيه أحد مُعجَم أَلفَاظ اَلقُرآن باب اَلْياء فَصْل اَلْقاف والنُّون ] .

[ قال المحقِّقون : اَليقِين مِن الإيمان بِمنْزِلة الرُّوح مِن الجسد ، وفيه تَفاضُل العارفون ، وَتَنافَس المتنافسون ، وإليْه شَمَّر العاملون . وَإذَا اِجتمَع الصَّبْر بِالْيقين وُلِد بيْنهمَا حُصُول الإمامة فِي الدِّين ، قال تَعالَى { وَجَعلنَا مِنْهم أَئمَّة يَهدُون بِأمْرِنَا لَمَّا صَبرُوا وكانوا بِآياتنَا يُوقنون – السَّجْدة 24 } وخصَّ تَعالَى أَهْل اَليقِين بِانْتفاعهم بِالْآيات والْبراهين ، قال سُبْحانه وَهُو أَصدَق القائلين { وَفِي الْأرْض آيات لِلْموقنين – الذَّاريات 20 ) } وخصَّ أَهْل اَليقِين بِالْهدى والْفلاح مِن بَيْن العالميْنِ ، فَقَال : { وَالذِين يُؤْمنون بِمَا أُنْزِل إِلَيك ومَا أُنْزِل مِن قَبلِك وبالْآخرة هُم يُوقنون أُولئك على هُدًى مِن رَبهِم وأولَئك هُم المفْلحون – البقَرة 4 – 5 }.

وأخْبر اَللَّه تَعالَى عن أَهْل النَّار بِأنَّهم لَم يكونوا مُوقنِين قال تَعالَى : { وَإذَا قِيل إِنَّ وَعْد اَللَّه حقَّ والسَّاعة لَا رَيْب فِيهَا قُلتُم مَا نَدرِي مَا السَّاعة أن نَظُن إِلَّا ظنًّا ومَا نَحْن بِمسْتيْقنين – الجاثية 32 } وَمَادَّة ( يُقْن ) ومشْتقَّاتهَا وَردَت فِي اَلقُرآن فِي ثَمانِية وَعشرِين موْضعَا جَاءَت بِصيغة الفعْل فِي أَربَعة عشر موْضعَا ، مِن ذَلِك قَولُه سُبْحانه : { وبالْآخرة همّ يُوقنون – البقَرة : 4 } وجاءتْ بِصيغة الاسْم فِي أَربَعة عشر موْضعَا كَذلِك ، مِن ذَلِك قَولُه عزَّ وجلَّ : { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين – الحجْر : 99 } . وَمَادَّة ( يُقْن ) ومشْتقَّاتهَا وَردَت فِي اَلقُرآن على أَربَعة مَعَان ، هِي :

الأوَّل : اَليقِين بِمعْنى الصِّدْق والتَّصْديق :

مِن ذَلِك مَا حَكَاه اَلقُرآن على لِسَان مَلكَة سبأ : { وجئْتك مِن سبأ بِنَبأ يقين – النَّمْل 22 } يَعنِي بِخَبر صِدْق . ومنْه أيْضًا قَولَه تَعالَى { وبالْآخرة همّ يُوقنون – البقَرة 4 } يَعنِي يُصدِّقون بِوجود اَلآخِرة والْبَعْث . وأكْثر مَا ورد هذَا اللَّفْظ فِي اَلقُرآن اَلكرِيم وَفْق هذَا المعْنى .

الثَّاني : اَليقِين بِمعْنى الموْتِ :

ورد فِي موْضعَيْنِ مِن اَلقُرآن : الأوَّل : قَولُه عزَّ وجلَّ : { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين – الحجْر : 99 } أيْ : اِبْق مُلازِمًا لِعبادة رَبِّك إِلى أن يَأتِي أَجلُك . اَلموْضِع الثَّاني : قَولُه سُبْحانه { حَتَّى أتانَا الْيقِين – اَلمُدثر 47 } يَعنِي الموْتُ .

 الثَّالث : اَليقِين بِمعْنى العيَان والْمشاهدة :

جاء على هذَا المعْنى قَولَه سُبْحانه : { كَلَّا لَو تعْلمون عِلْم الْيقِين لتروون الجحيم ثُمَّ لَترونَّهَا عَيْن الْيقِين – التَّكاثر 5-7} ( يَعنِي عِلْم العيَان والْمشاهدة عِنْد المعاينة بِعَين الرَّأْس ، فَتَراهَا يقينًا ، لَا تغيب عن عَينِك .

 الرَّابع : اَليقِين بِمعْنى العلم :

مِن ذَلِك قَولُه تَعالَى فِي حقِّ نبيِّه عِيسى عليْه السَّلَام : { وَإِن الَّذين اِخْتلفوا فِيه لَفِي شكِّ مِنْه مَا لَهُم بِه مِن عِلْم إِلَّا اِتِّباع اَلظَّن ومَا قَتلُوه يقينًا – النِّسَاء : 157 }

المعْنى كمَا قال اِبْن عَبَّاس رَضِي اَللَّه عَنهُما : مَا قَتلُوا ظَنهُم يَقِينَا ، كَقولِك : قتلتْه عِلْمًا ، إِذَا علَّمتْه المعْنى كمَا قال اِبْن عَبَّاس رَضِي اَللَّه عَنهُما : مَا قَتلُوا ظَنهُم يَقِينَا ، كَقولِك : قتلتْه عِلْمًا ، إِذَا علَّمتْه عِلْمًا تامًّا ، ف ( اَلْهاء { قَتلُوه } عَائِدة على { اَلظَّن } . قال أَبُو عُبَيد : ولو كان المعْنى : ومَا قَتلُوا عِيسى يقينًا لَقَال : ومَا قَتلُوه فقط . وقوْله سُبْحانه : { وَفِي الْأرْض آيات لِلْموقنين – الذَّاريات : 20 } قال الطَّبَري : ” وَفِي الأرْض عَبْر وعظات لِأَهل اَليقِين بِحقيقة مَا عاينوا ورأوْا إِذَا سَارُوا فِيهَا ” . وَقَال القرْطبيُّ : ” ( الموقنون ) هُم العارفون المحقِّقون وحْدانيَّة رَبهِم ، وصدْق نُبوَّة نَبيهِم ” . وَمُجمَل القوْل ، أنَّ لَفْظ ( يُقْن ) بِمشْتقَّاته أَكثَر مَا ورد فِي اَلقُرآن اَلكرِيم بِمعْنًى ( الصِّدْق والتَّصْديق ) ، وُورْد فِي مَواضِع قَلِيلَة بِمعْنًى ( المعاينة والْمشاهدة ) ، وُورْد فِي موْضعَيْنِ فقط بِمعْنًى ( الموْتُ ) ، وُورْد بِمعْنًى ( العلم ) – مَوقِع إِسلَام وَيِب ] .

– اَلتَّعْرِيفُ بِكِتَابِ اَلْيَقِينِ :

والْيقين لَه عِلْم فِي كِتَاب اَللَّه تَعالَى وله عَيْن فِي أَجسَاد بُنِي آدم يَنظُرون بِهَا وَبصَر فِي أَنفسِهم يروْن بِه اَلأُمور على حقيقتهَا فِي الدُّنْيَا وَفِي اَلآخِرة مِن بَعْد الموْتِ يروْن الحقائق والْمغيَّبات يقينًا لِذَلك قال تَعالَى فِي الموْتِ أَنَّه اَليقِين { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين } وبعْده يرى الإنْسان كُلَّ المغيَّبات وَوعُود اَللَّه تَعالَى اَلتِي وعد بِهَا المؤْمنين وَوَعيدَه عَيَّن اَليقِين لِذَلك قال تَعالَى : { كَلَّا لَو تعْلمون عِلْم الْيقِين لَترُوون اَلجحِيم ثُمَّ لَترونَّهَا عَيْن الْيقِين ثُمَّ لَتسْأَلنَّ يَومَئِذ عن النَّعِيم – التَّكاثر } وَهذَا هُو حقُّ أَلقِين اَلذِي قال تَعالَى فِيه : { فَأمَّا إِن كان مِن الْمقرَّبين فروْح وريْحَان وَجنَّت نعيم وَأمَّا إِن كان مِن أَصحَاب الْيمِين فَسَلام لَك مِن أَصحَاب الْيمِين وَأمَّا إِن كان مِن الْمكذِّبين الضَّالِّين فَنزُل مِن حميم وَتصلِية جحيم إِنَّ هذَا لَهُو حقُّ الْيقِين فسبِّح بِاسْم رَبِّك الْعظِيم – الواقعة 88 – 96 } . والْيقين يَكُون فِي كُلِّ مَا هُو قَادِم مِن بَعْد الموْتِ مِن عَالَم الغيْب ومَا هُو مَخفِي عن أجْسامنَا فِي الدُّنْيَا ومحْجوب عن عُقولِنَا لِبعْد المسافة الزَّمنيَّة بيْننَا وبيْن عُصُور الأنْبياء وَأَئمَّة أَهْل البيْتِ عَليهِم السَّلَام وَقُرب قِيَام السَّاعة وفقْدَان كثير مِن العلم لِأسْبَاب عَدِيدَة حَتَّى أَصبَح الإيمان بِالْغَيْب كلمات فقط بَعِيدَة عن فَهْم تفاصيلهَا وأغْوارهَا ومَا حدث لَبنِي آدم قَبْل اَلهُبوط مِن الجنَّة ومَا سيحْدث لَهُم مِن بَعْد الموْتِ وَهذَا هُو الإيمان بِالْغَيْب والْيقين بِمَا وعد اَللَّه تَعالَى فِي اَلآخِرة قال تَعالَى { وبالْآخرة همّ يُوقنون – البقَرة 4 } وَلكَي يَصِل العبْد إِلى اَليقِين بِاللَّه تَعالَى عليْه التَّفَكُّر فِي خَلْق السَّماوات والْأَرْض وحرِّكتْهمَا الدَّائبة وَأنَّه حتْمًا لَهمَا مِن مُحرِّك ويوْمًا مَا سيلاقي اِبْن آدم هذَا الخالق لِيحاسبه عن أعْماله اَلتِي عَملُها فِي الدُّنْيَا إِنَّ خيْرًا فخيْر وَإِن شرًّا فشر وَمِن أَرَاد اَليقِين فِي اَللَّه تَعالَى فلْيتفكَّر فِي خَلْق السَّماوات والْأَرْض قال تَعالَى فِيمَا فَعلَه نَبِي اَللَّه إِبْراهيم عليْه السَّلَام : { وَكذَلِك نرى إِبْراهيم مَلكُوت السَّماوات والْأَرْض وليكون مِن الموقنين فَلمَّا جنَّ عليْه اللَّيْل رأى كوْكبًا قال هذَا رَبِّي فَلمَّا أفل قال لَا أُحِب الآفلين فَلمَّا رأى القمر بازغًا قال هذَا رَبِّي فَلمَّا أفل قال لِأنَّ لَم يَهدنِي رَبِّي لِأكونن مِن القوْم الضَّالِّين فَلمَّا رأى الشَّمْس بَازِغة قال هذَا رَبِّي هذَا أَكبَر فَلمَّا أَفلَت قال يَا قَوْم إِنِّي بريء مِمَّا تُشْركون إِنِّي وجَّهْتُ وَجهِي لِلَّذي فطر السَّماوات والْأَرْض حنيفًا ومَا أنَا مِن المشْركين – الأنْعام 75 – 79 } . وَقَال تَعالَى لِذَلك لِبقيَّة اَلخُلق فِي دَعوَة لَهُم لِلتَّفَكُّر : { اَللَّه اَلذِي رفع السَّماوات بِغَير عَمْد تَرَونهَا ثُمَّ اِستوَى على العرْش وَسخِر الشَّمْس والْقَمر كُلُّ يَجرِي لِأَجل مُسَمى يُدبِّر الأمْر يَفصِل الآيَات لَعلَّكم بِلقاء رَبكُم تُوقنون – الرَّعْد 2 }

وَمِن أَرَاد لِقَاء اَللَّه تَعالَى فَليُعمل بِحكْمه اَلذِي نزل فِي كُتُب اَللَّه السَّماويَّة وخاتمهَا اَلقُرآن اَلكرِيم لِيكون مِن الموقنين قال تَعالَى فِي اَلقُرآن اَلكرِيم خَاتَم اَلكُتب السَّماويَّة وَالذِي نزل على خَاتَم النَّبيَّيْنِ ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) : { هذَا بَصائِر لِلنَّاس وَهُدى وَرحْمَة لِقَوم يُوقنون – الجاثية 20 } وَمِن تَرْك العمل بِكتاب اَللَّه تَعالَى فَهُو فِي جَاهلِية وَعدَم يقين بِاللَّه لِقوْله تَعالَى : { أَفحُكم الجاهليَّة يَبغُون وَمِن أَحسَن مِن اَللَّه حُكْمًا لِقَوم يُوقنون – المائدة 50 } .

وَهذَا اَليقِين فِيمَا عِنْد اَللَّه تَعالَى والدَّار اَلآخِرة { ولو ترى إِذ الْمجْرمون ناكسو رُءوسِهم عِنْد رَبهِم رَبنَا أبْصرْنَا وَسَمعنَا فارْجعْنَا نَعمَل صالحًا إِنَّا مُوقنون – السَّجْدة 12 } .

وبداية هذَا اَليقِين على ذَلِك تَبدَأ بِالْغرْغرة والْمَوْتِ لِذَلك يَقُول تَعالَى مُبَينا أنَّ الموْتَ بِداية اَليقِين فِي قَولِه تَعالَى { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين } ومَا بَعْد الموْتِ هُو اَليقِين اَلذِي سيعاينه كُل بُنِّي آدم لِقوْلِهم عِنْد الحسَاب { وَكنَّا نُكذِّب بِيَوم الدِّين حَتَّى أتانَا الْيقِين – اَلمُدثر 46 – 47 } . وَهذَا اَليقِين بِاللَّه تَعالَى والدَّار اَلآخِرة كان يعْلمه أمير المؤْمنين عَلِي عليْه السَّلَام حَتَّى أَنَّه قال فِي تَفسِير قَولِه تَعالَى { وَإذَا وقع الْقوْل عَليهِم أخْرجْنَا لَهُم دَابَّة مِن الْأرْض تُكلِّمهم أنَّ النَّاس كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقنون – النَّمْل 82 } . وَفِي تفْسيرهَا سأل الصَّحابيُّ عَمَّار بْن يَاسِر الإمَام عَلِي ( عليْه السَّلَام ) فَقَال لَه [ إِنَّها دَابَّة تَأكُل تمْرًا وَعسَل ] وَروَى فِي تَفاسِير أَهْل البيْتِ ( عَليهِم السَّلَام ) أنَّ اَليقِين هُو وِلاية الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام : [ قال أَبُو عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : ” قال رَجُل لِعمَّار بْن يَاسِر : يَا أبًا اليقْظان ، آية فِي كِتَاب اَللَّه قد أَفسَدت قَلبِي ، وشكَّكتْني قال عَمَّار : أَيَّة آية هِي ؟ قال : قال : { وَإذَا وقع الْقوْل عَليهِم أخْرجْنَا لَهُم دَابَّة مِن الْأرْض تُكلِّمهم أنَّ النَّاس كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقنون } ، فَأيَّة دَابَّة هَذِه ؟ قال عَمَّار : وَاَللَّه مَا أَجلِس ، ولَا آكل ، ولَا أَشرَب حَتَّى أريكْهَا . فَجَاء عَمَّار مع الرَّجل إِلى أمير المؤْمنين ( عليْه السَّلَام ) ، وَهُو يَأكُل تمْرًا وزبدًا ، فَقَال : يَا أبًا اليقْظان ، هَلُم ، فَجلَس عَمَّار ، وأقْبل يَأكُل معه ، فتعجُّب الرَّجل مِنْه ، فَلمَّا قام ، قال لَه الرَّجل : سُبْحان اَللَّه – يَا أبًا اليقْظان – حَلفَت أَنَّك لَا تَأكُل ، ولَا تُشرَّب ، ولَا تَجلِس حَتَّى تِرينيهَا ، قال عَمَّار : قد أريتْكهَا ، إِنَّ كُنْت تَعقُّل . – عن أَبِي عَبْد اَللَّه الجدَليِّ ، قال : دَخلَت على عَلِي ( عليْه السَّلَام ) ، فَقَال : ” أنَا دَابَّة الأرْض ” . – وعن أَبِي عَبْد اَللَّه الجدَليِّ ، قال : دَخلَت على عَلِي بْن أَبِي طَالِب ( عليْه السَّلَام ) ، فَقَال : أَلَّا أُحَدثَك ثلاثًا قَبْل أن يَدخُل عليَّ وعليْك دَاخِل ؟ ” قَلَّت : بلى . قال : أنَا عَبْد اَللَّه ، وَأنَا دَابَّة الأرْض ، صِدْقهَا ، وَعَدلهَا ، وَأخُو نَبِيهَا ، أَلَّا أُخبِرك بِأَنف اَلمهْدِي وعيْنَيْه ؟ ” قال : قُلْت بلى . فَضرَب بِيَده إِلى صَدرِه ، وَقَال : ” أنَا ” . – عن الأصْبغ بْن نباته ، قال : دَخلَت على أمير المؤْمنين ( عليْه السَّلَام ) وَهُو يَأكُل خُبْزًا وَخلَا وزيْتًا ، فَقُلت : يَا أمير المؤْمنين ، قال اَللَّه عزَّ وَجِل : { وَإذَا وقع ? لِقَول عَليهِم أخْرجَنَا لَهُم دَابَّة مِن الِأَرض تكلُّمهم أنَّ الِنَاس كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقنون } ، فمًا هَذِه الدَّابَّة ؟ قال : ” هِي دَابَّة تَأكُل خُبْزًا ، وَخلَا ، وزيْتًا ” . – تَفسِير البرْهان ] .

وقد بَيَّن حَقِيقَة ذَلِك اَليقِين حِينمَا قال لَهُم : [ سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني فإنِّي أَعلَم بِطرق السَّمَاء أَكثَر مِن طُرُق الأرْض ] .

[ عن أَبِي الطُّفَيْل ، قال : شَهدَت عُليَا وَهُو يَخطُب ، وَهُو يَقُول : سَلونِي فُو اَللَّه لَا تسْألوني عن سيكوِّن إِلى يَوْم القيامة إِلَّا حدَّثْتكم بِه وَسلُوني عن كِتَاب اَللَّه فُو اَللَّه مَا مِن أَيَّة إِلَّا وَأنَا أَعلَم أَبلِيل أَنزَلت أُمُّ بِنهار أُمٍّ فِي سَهْل أم فِي جبل ، فَقَال اِبْن اَلْكَواء : وَأنَا بَينِه وبيْن عَلِي وَهُو خَلفِي ، فَقَال : مَا ( والذَّاريات ذرْوًا – الذَّاريات 1 ) فَذكَر مَثلُه ، وَقَال فِيه : وَيلُك سل تَفقهَا ولَا تَسأَل تعنُّتًا وفيه سُؤَاله عن أَشيَاء غَيْر هذَا وله شَاهِد مَرفُوع أَخرَجه البزَّار ، وابْن مَردوِيه بِسَند لَيِّن ، عن عُمَر . – اِبْن حجر العسْقلانيّ – فَتْح البارئ شَرْح صحيح البخاري – كِتَاب تَفسِير اَلقُرآن – سُورَة والطُّور ج 8 ص 459 ] .

[ ثَنَاء : أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلة ، قال : سُمعَت عُليَا ( عليْه السَّلَام ) قام ، فَقَال : سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني ، ولن تسْألوا بَعدِي مِثْلِي ، فَقَام اِبْن اَلْكَواء ، فَقَال : مِن ( الَّذين بَدلُوا نِعْمتْ اَللَّه كُفْرًا وأحلُّوا قوْمهم دار اَلْبَوار – إِبْراهيم : 28 ) قال : منافقوا قُرَيش ، قال : فمن ( الَّذين ضلَّ سَعيُهم فِي الْحيَاة الدُّنْيَا وَهُم يحْسبون أَنهُم يُحْسنون صُنْعًا – الكهْف 104 ) قال : مِنْهم أَهْل حرورَاء ، هذَا حديث صحيح عالٍ ، وَبَسام بْن عَبْد الرَّحْمن الصَّيْرفي مِن ثِقَات الكوفيِّين مِمَّن يَجمَع حديثهم ولم يُخرِّجَاه . – الحاكم النَّيْسابوريُّ – المسْتدْرك على الصَّحيحيْنِ – كِتَاب التَّفْسير – تَفسِير سُورَة إِبْراهيم : 28 تَفسِير آية : ( ألم تر إِلى الَّذين بَدلُوا نِعْمتَ اللَّه كُفْرًا وأحلُّوا قوْمهم دار الْبوَار ) ج 2 ص 352 ] .

وَهذِه الدَّابَّة روى أَنهَا مِن علامَات السَّاعة اَلكُبرى والْآيات العشَرة قَبْل القيامة : [ عن أَبِي هُريْرَة قال : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم ” إِنَّ بَيْن يديْ السَّاعة الدَّجَّال ، والدَّابَّة ، ويأْجوج ومأْجوج ، والدُّخَّان ، وَطلُوع الشَّمْس مِن مَغربِها ” . . . وعن أَبِي هُريْرَة قال : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اللِّه عْليَّه وَسلَّم ” تَخرُّج دَابَّة الأرْض ومعهَا عصَا مُوسَى ، وخاتم سُليْمَان ، فتجْلو وَجْه اَلمُؤمن بِالْخاتم ، وِتخْطم أَنْف الكافر بِالْعَصَا ، حَتَّى يَجتَمِع النَّاس على اَلْخَوان يَعرِف اَلمُؤمن مِن الكافر ” . – تَفسِير اَلدَّر المنْثور لِلسُّيوطي ] .

وَهذَا اَليقِين فِيمَا بَعْد الموْتِ هُو ( عِلْم اَليقِين ) اَلذِي عِلْمه مِن رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ثُمَّ الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام وَأَئمَّة أَهْل البيْتِ ( عَليهِم السَّلَام ) وَمِن تولَّاهم وَمِن أَرَاد اَللَّه تَعالَى بُعْد ذَلِك أن يَهبَه بعْضًا مِن تِلْك اَلعُلوم اَلتِي يجْهلهَا اَلكثِير مِن النَّاس فِي زمن لَا يَعرِف فِيه اَلكثِير مِن النَّاس مَا هِي ” الصَّمْديَّة ” ولَا يَعرِف اَلكثِير مِنْهم اِسْم جدِّ رَسُول اَللَّه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) وأصْبح المسْلمين اِسْمًا فقط وَسلُوكا مُخَالِف تمامًا لِتعاليم الإسْلام بل اَلكثِير مِنْهم يُقلِّدون عَبدَة الشَّيْطان فِي بِلَاد العالم وَهُم لَا يُعيرون لِلدِّين بالا [ عن عَلِي بْن أَبِي طَالِب ( عليْه السَّلَام ) قال : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم : يُوشك أن يَأتِي على النَّاس زَمَان لَا يَبقَى مِن الإسْلام إِلَّا اِسْمه ، ولَا يَبقَى مِن اَلقُرآن إِلَّا رَسمُه ، مساجدهم عَامِرة وَهِي خَرَاب مِن اَلهُدى ، عُلماؤهم شرَّ مِن تَحْت أديم السَّمَاء مِن عِنْدهم تَخرُّج الفتْنة وَفيهِم تَعُود – أَورَده البيْهقي دُون قَولِه : وَمِن اَلقُرآن إِلَّا حَرفُه . وفيه زِيادة ، وَذلِك فِي شَعْب الإيمان 3 / 317 & اِبْن عَدِي فِي الكامل 4 / 227 ، وغيْرهمَا ] .

وَلذَلِك أطْلقْنَا على هذَا الكتَاب هُنَا ” عِلْم اَليقِين بِطرق السَّمَاء والْأَرْض ” وَلأَن الإمَام عَلِي كان أَوَّل من قال بَعْد اَلنبِي عن هَذِه الطُّرق بْن السَّمَاء والْأَرْض [ ” سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني ” ] وَلذَلِك بَعْد كِتابه كِتابنَا اَليقِين اِكْتشفْنَا أَنَّه بَيَان تفْصيليٌّ لِمَا ذَكرَه الإمَام عَلِي عن طُرُق السَّمَاء والْأَرْض ولم يُذكَر هذَا البيَان وَهنَا كان هذَا الكتَاب هُو تَفسِل الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام لِهَذه اَلطرِيق وَذلِك لِأَنه فِي قَولِه تَعالَى { سُورَة سبأ – ومَا آتيْناهم مِن كُتُب يدْرسونهَا ومَا أرْسلْنَا إِليْهم قِبَلك مِن نذير – سبأ 44 } أَمسَك كِتَاب اَللَّه تَعالَى بِيَده وَقَال [ ” مَا أتانَا رَبنَا غَيْر هذَا الكتَاب لِندْرسه ” ] .

وبالتَّالي هذَا بَيَان الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام لِهَذه الطُّرق قَبْل اَلخُلق وبعْد اَلخُلق كمًّا بيِّنًا ومَا حدث فِيهَا مِن خَلْق ثُمَّ هُبُوط بُنِي آدم وَطرَد إِبْليس مِن الجنَّة ثُمَّ عَودَة الجسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي اَلذِي خلق مِن طِينة الجنَّة وَهِي النَّفْس المرْفقة بِجَسد الإنْسان أو سَوأَتِه اَلتِي عاش بِهَا على فينْفصلان فَإِن كَانَت سَوأَة كَافِرة أو مُنَافقَة فعذابهَا فِي الدُّنْيَا وَلهَا علامَات عِنْد سَكَرات الموْتِ وتمْتمات تَنِم عن ندم أو رُؤيَة أَشيَاء مُرْعِبة وتلْك عَلامَة لِيتَّعظ بِهَا النَّاس ويتيقَّنوا أَنهُم مُقْبلون على حِسَاب عِنْد اَللَّه تَعالَى بُعْد الموْتِ ويوْم القيامة تَبعَث لِلشَّهادة على صَاحبِها كمًّا بيِّنًا مِن قِبل والْعَكْس إِنَّ كَانَت سَوأَة مُؤْمِنة عِنْد سَكَرات موْتهَا تُبْدُوا عليْهَا علامَات الفرح والسَّعادة والاسْتبْشار وَبَياض الوجْه وابْتاسمات عَرِيضَة ومَا شَابَه وتلْك علامَات لِلنَّاس كيْ يرْجعوا وِيتيقوا مِن أنَّ لَهُم خالقًا هُو اَلذِي يُحْييهم وَهُو اَلذِي يُميتهم وَهُو اَلذِي سيحاسبهم على مافعلْوه وقالوه فِي الدُّنْيَا . وَكأَن الدُّنْيَا دار شكٍّ وظنِّ ووساوس ويبْدأ اَليقِين فِيهَا بِغرْغَرة الموْتِ وَحينِها يُصْبِح بَصرُه أحد مِن نظر العيْنِ فِي الدُّنْيَا لِرؤْيَته يقينًا كُلَّ مَا وعد اَللَّه تَعالَى أَنَّه قد أَصبَح حقًّا يَرَاه ولَا يَشعُر بِذَلك مِن حَولِه إِلَّا بِعلامات تُبْدُوا على وَجهِه عِنْد سَكَرات الموْتِ قال تَعالَى { لَقد كُنْت فِي غَفلَة مِن هذَا فَكَشفنَا عَنْك غِطاءك فبصرك الْيوْم حديد – قِ 22 } وَقَال تَعالَى أيْضًا { فلوْلَا إِذَا بَلغَت الْحلْقوم وأنْتم حِينئذ تَنظُرون ونحْن أَقرَب إِلَيه مِنْكم وَلكِن لَا تُبْصرون – الواقعة 83 – 85 } . وَهنَا تَبدَأ مَرْحَلة اَليقِين اَلتِي قال تَعالَى فِيهَا { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين } .

أَمَّا بعد:

عِنْدمَا نزل أَمْر اَللَّه تَعالَى إلى السَّمَاء الدُّنْيَا فِي لَيلَة القدر وَكتَب فِي اللَّوْح المحْفوظ مَا هُو كَائِن إِلى يَوْم القيامة أَوكَل ذَلِك لِملائكة بَيْن السَّمَاء والْأَرْض بَيْن كُونين بَيْن السَّمَاء والْأَرْض .

كُلٌّ مُسْلِم قرأ اَلقُرآن اَلكرِيم أو سَمعِه يَعلَم بِأنَّ هُنَاك ثَوَاب وعقاب وَجنَّة وَنَار فَإِن مات فَهُو إِلى الحسَاب قَادِم وَلكِن هذَا توكُّلا على اَللَّه وَثقَة فِي كِتَاب رَبِّه وَدينِه ومَا تُشاهِده عَينَة مِن مَوْت كُلٍّ مِن حَولِه مِن الآبَاء والْأعْمام والْأصْدقاء والْأخْوال والْجيران ومنْهم مَوْت أَطفَال والْكائنات لِتؤكِّد أَنهَا لَيسَت دار بَقَاء ولَا خُلُود فِيهَا فَهِي ومَا عليْهَا إِلى زَوَال حَتمِي { كُلٌّ مِن عليْهَا فَإِن ويبْقى وَجْه رَبِّك ذُو الْجلَال والْإكْرام } فَتَرسخَت فِي نُفُوس اَلكثِير قَاعِدة التَّوَكُّل على اَللَّه بِأنَّ اَلخُلق سَيمُو ت وسيحاسب على مافعل .

وَهذَا إِيمَان اَلْعَوام بِغضِّ النَّظر عن المسْتهْترين المسْتهْزئين بِالدِّين المعرَّضين عن ذِكْر اَللَّه مِمَّن لَا يسْمعون ولَا يعْقلون ولَا يقْرؤون ولَا يعْملون لِأخْراهم ويعيشون فِي هَذِه الدُّنْيَا كالْأنْعام بل هُم أضلَّ كمَا قال تَعالَى فِيهم : { أَموَات غَيْر أَحيَاء ومَا يَشعُرون أَيَان يبْعثون – النَّحْل 21 } أيْ : [ ومَا يَشعُرون أَيَان يبْعثون أيٌّ ومَا يَدرِي اَلكُفار متى يبْعثون ، أيُّ وَقْت البعْث ; لِأنَّهم لَا يُؤْمنون بِالْبَعْث حَثِّي يسْتعدُّوا لِلقاء اَللَّه وقيل : أيْ ومَا يُدريهم متى السَّاعة ، وَلَعلهَا تَكُون قريبًا . – القرْطبيَّ ] .

وَهؤُلاء المؤْمنين اَلْعَوام أن عَلمُوا تَفاصِيل هذَا المعْتقد اَلبسِيط مِن حَتمِية لِقَاء اَللَّه والْحساب وَهذَا لَايعَمل بِه إِلَّا اَلقلِيل مِمَّن يُرَاقِب نَفسَه ويحاسبهَا ويلومهَا على مَا اِقْترفتْه مِن ذُنُوب ومعاصي قال تَعالَى { وَإِن كثيرًا مِن النَّاس بِلقاء رَبهِم رَبهُم لَكافْرون – الرُّوم } وَذلِك لِأَنه لَم يَخطُر على بَالهِم طَوَال أعْمارهم ولو مَرَّة بِأنَّهم سِيلاقوا رَبهُم وسيحاسبهم وَعلَى مَا قَدمُوا وأخَّروا . وَهنَا نَقُول بِأنَّ مِن سيقْرأ كِتابنَا هذَا فبإذْن اَللَّه سينْتَقل مِن مَرْحَلة الإيمان التَّواكليِّ وفيه اَلشَّك أو اَلظَّن الغيْر يَقينِي إِلى اَليقِين الثَّابتِ لِأَنه سَيعرِف مِن أَيْن أتى وَبدَأ وكيْف سينْتَهي وكيْف سيتنَقَّل بِجسده وَنفسِه وَروحِه بيْنهم فِي رِحْلَة كَونِية تَنتَهِي بِالْفرْدوْس الأعْلى أو اَلخُلود فِي جَهنَّم والْعياذ بِاللَّه . والْمَوْتُ يَكُون هُنَا كَأنَّه رِحْلَة ذَهَاب وتنقُّل بَيْن العوالم أَدَاتهَا العمل الصَّالح فَيكُون الموْتُ والْحياة لَديْه سَوَاء بِسواء لَا يخافه ولَا يهابه يقينًا بل سَيكُون على يقين بِأنَّ اَلآخِرة خَيْر لَه مِن اَلأُولى بِمَا أَعدَّه اَللَّه تَعالَى لَه مِن نعيم مُقيمٍ إِذَا كان مِن المؤْمنين وكيْف أَنَّه لَا يسير فِي الدُّنْيَا وحيدًا بل معه نَفسَه وَقَرينَه وشياطين وملائكة مَوكُولة بِه مُنْذ تخْليقه فِي بَطْن أُمِّه حَتَّى لِقَاء اَللَّه تَعالَى . وَهنَا سَيكُون إِيمانه يَقينِيا وَيكُون على عِلْم وثيات بِطرق السَّمَاء والْأَرْض وَهُو عِلْم قال فِيه الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام بِمَا تَعلمُه مِن رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ” سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني فإنِّي أَعلَم بِطرق السَّمَاء أَكثَر مِن طُرُق الأرْض ” ] .

وبالْفعْل هذَا الكتَاب لَيْس نقولَات مِن كُتُب أُخرَى إِلَّا مِن كِتَاب اَللَّه تَعالَى وبعْض تَفاصِيل لِآيات مِن سنة رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وآثار أَهْل البيْتِ عليهم السلام و اَلتِي لَهَا حُكْم المرْفوع .

وبالتَّالي فِيه مِن العلم مَا لَم يعْرفْه ولم يَذكُره إِلَّا الله تعالى ورسوله وأَئمَّة أَهْل البيْتِ عليهم السلام بَيْن ثنايَا كُتبهم وكبار العلماء العرفانيين الَّذين تكلَّموا فِي أَشيَاء ولم يَحضُرهم فِيهَا اَلدلِيل فجاءتْ مُنكَرَة مِن طَائِفة وسكتتْ عَنهَا طَائِفة أُخرَى وَطائِفة اِعْتقَدتْ بِهَا دُون مَعرِفة اَلأدِلة اليقينيَّة عليْهَا كإنْكارهم أيْ علم بالغَيَّب و الْحديث فِيه والذي اِعْتبَره الجهلاء كَفْر وَتنجِيم مثلاً وقد نَسوا أنَّ اَللَّه تَعالَى يَقُول { وَفِي السَّمَاء رِزْقكم ومَا تُوعدون – الذَّاريات 22 } .

فَاَللَّه تَعالَى كُتُب كُلِّ مَا هُو مُقدَّر فِي السَّمَاء وَينزِل إِلى الأرْض بِقَدر مَعلُوم والْغَيْب دَرَجات و مقادير بَيْن النَّاس ودرجات بين الأنبياء والصالحين والمؤمنين وَذلِك لِأنَّ الغيْب فِي كِتَاب اَللَّه يَبدَأ مِن عَوْرات النِّسَاء وَالتِي قال تَعالَى فِيهَا أَنهَا غَيَّب فِي قَولِه تَعالَى { فالصَّالحات قانتَات حافظَات لِلْغيْب بِمَا حَفِظ اَللَّه – النِّسَاء 34 }

وَهذِه العوْرات غَيَّب لِكلِّ اَلخُلق وليْستْ غَيَّب عن زوْجهَا ويرْتَفع الغيْب إِلى مَا يعْلمه الرَّسول ولا يعلمه أحداً غيره وبوحي من الله تعالى لذلك قال عز وجل { عَالِم الْغيْب فلَا يُظْهِر على غَيبِه أحدًا إِلَّا من اِرتضَى مِن رَسُول فَإنَّه يَسلُك مِن بَيْن يديْه وَمِن خَلفِه رصدًا – اَلجِن 26 – 27 } .

وبالتَّالي يُمْكِن لِأفْرَاد أو أَصحَاب عِلْم أن يعْرفوا مَا يغيب عن اَلكثِير كل على حسب درجته من الله تعالى ونسبه من أهل بيت النبي عليهم السلام الذين هم أعلى درجة جعلها الله تعالى في فهم الكتاب والشريعة وما غاب عن هذه الأمة ولذلك قيل في المهدي أنه [ سمى المهدي لأنه يهدي الأمة لما غاب عنها – الحاوي للفتاوى لابن حزم ] .

وأعْظم هَذِه الأسْرار عِلْم َتأْويل كتاب اَللَّه تَعالَى وَالذِي قال فِيه الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام [ اَلقُرآن أَبعَد عن فَهْم الرِّجَال . . . ] وَذلِك لِأَنه كِتَاب اَللَّه تَعالَى وله أَهْل بَيْت هُم الَّذين يَفتَح اَللَّه تَعالَى عَليهِم فِي بَيانِه وتأْويله لِقوْله تَعالَى { لَا يمسُّه إِلَّا الْمطهَّرون } [ أي لا يدرك غور معناه إلا من مسه الطهر ] وَذلِك لِأنَّ كثير مِن الألْفاظ فِي كِتَاب اَللَّه تَعالَى مَنقُولة عن مَعْنَاها يَظُنهَا العلماء هَكذَا مَعْنَاها فِي اَللغَة والصَّحيح أنَّ اَللغَة باب ومدْخل لِمعْرِفة مُرَاد اَللَّه تَعالَى مِن كِتابه اَلكرِيم وليس تأويل ومراد الله تعالى من كتابه الكريم .

ونسْأل اَللَّه تَعالَى أن يَكُون كِتابنَا هذَا هاديًا لِطرق السَّمَاء اَلتِي هبط مِنهَا الإنْسان ثُمَّ عَودَة المؤْمنين إِليْهَا بَعْد مَوتهِم وسجْن اَلكُفار فِي الأرْض في الدُّنْيَا حَيْث يمْنعون مِن صُعُود الجنَّة مَرَّة أُخرَى قال تَعالَى { أن الَّذين كَذبُوا بِآياتنَا واسْتكْبروا عَنهَا لَا تَفتَح لَهُم أَبوَاب السَّمَاء ولَا يَدخُلون الجنَّة حَتَّى يَلِج الْجمل فِي سمِّ الْخيَاط وَكذَلِك نَجزِي المجْرمين – الأعْراف 40 } .

وَيدُور كِتَاب اَليقِين حَوْل أَبحَاث قُرْآنِيَّة تراكمية على مدار أَكثَر مِن 35 عامًا لَا تَدُور حَوْل المعْنى اَللفْظِي فقط كمَا يَظُن البعْض بل هُو خُلَاصَة مَا علمْنَاه مِن كِتَاب اَللَّه تَعالَى مِن عُلُوم ظَاهِرة وَأُخرَى خَفيَت عن اَلكثِير فِي آيات يَمُر عليْهَا النَّاس وَهْم عَنهَا غافلون فَخرَج فِي موْضوعات هَامَّة مِن قرأهَا اِزْدَاد يقينًا بِاللَّه تَبارَك وَتَعالَى وَعمَل الصَّالحات و الْعبادات وَعدَم تَضيِيع وَقتِه هدْرًا فِيمَا لَا يُفيد فِي دِين أودُنيَا اِنْتظارًا لِثواب الْمحْكمة اَلكُبرى بعد الموت ثم يوم القيامة وَالتِي تَبدَأ بِسكْرَات الموْتِ وَظهُور  العلامات الدالة على مثواهم الأخير سواء كانوا من أَصحَاب الجنَّة أو أصْحَاب النَّار . وهنا يكون الموت كالحياة سواءاً بسواء بل الآخرة ستكون أفضل لهم وسيعملون لها أكثر من عملهم للدنيا .

وهنا سيكون المؤمن والْجنْديِّ و الْمجاهد في سبيل الله الموت عنده كالحياة فلا يفر أمام العدو عند اللقاء خاصة فِي زَمَان الدَّجَّال الأكْبر على الأرْض وقرب اقبال يأجوج ومأجوج وأكثر الناس لا يشعرون . وبداية رجوعهم إلى الله تعالى من بعد الموت ثم القيامة والفردوس الأعلى .

أي أننا بين كونين والثالث أخبر به تعالى و نفى العلم به  :

يبين تعالى أننا كبشر بَيْن كُونين وِ موتْتين وجسدَيْنِ وِسْمائين وَأرضِين وَجسَد يَحوِي نَفْس بِداخِله و هو ( الإنْسان الدَّاخليُّ ) وكلاهمَا مُرْتَبِط بِروح تحرُّكهمَا معًا بَيْن هذيْنِ العالميْنِ وَفْق سُنَن كَونِية أعدَّهَا اَللَّه تَعالَى بِمَا يَتَناسَب مع بَقَاء الجسد حيًّا بِعد الموْتِ بِتقْوى اَللَّه فِي جَنَّة عَدْن أو السُّوءة فِي الدُّنْيَا وَهُو الجسد الطِّينيُّ اَلسفْلِي اَلذِي خلق مِن اِجتِماع ذكر وَأُنثَى بَعْد الموْتِ تَتحَل فِي التُّرَاب هَذِه السُّوءة وتنْفَصل عَنهَا نَفسُها اَلتِي خَلقَت مِن طِينة الجنَّة وكانتْ تعيش بِه فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض وَذلِك لِأنَّ اَللَّه تَعالَى خَلْق النَّاس جميعًا دُفعَة وَاحِدة وأدْخل اَلحَة والنَّار فِي لَحظَة وَاحِدة لأنه تَعالَى لَيْس عِنْده زمن قال تعالى { وَلقَد خلقْناكم ثُمَّ صوَّرْناكم ثُمَّ قُلنَا لِلْملائكة اسْجدوا لِآدم فسجدوا إِلَّا إِبْليس لَم يَكُن مِن السَّاجدين – الأعْراف 11 } .

فالزَّمن عِنْدنَا نعْرفه بِالشَّمْس والْقَمر يأتي معهما الليل و النهار الليل والنهار وهمَا مخْلوقان قال تَعالَى فيهما { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين و الحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون – يونس 5 }

وَبيَّن الدُّنْيَا والْآخرة أو ( الحيَاة والْمَوْتُ ) يَتَنقَّل بَيْن عَالَم الدُّنْيَا والْآخرة فَبخُروج نَفسِه مِن جَسدِه على الأرْض بَعْد أن نَزلَت مِن السَّمَاء إِلى الأرْض يَنتَقِل بعْدهَا إِلى جَنَّة عَدْن إِنَّ كان مِن المؤْمنين وَإلَى جَهنَّم إِنَّ كان مِن الكافرين وعن جَسدِه فلَا يُعذَّب إِلَّا فِي الدُّنْيَا لِأَنه قد اِشترَك معه فِي اَلمعصِية بِغَير إِرادة مِنْه ويوْم القيامة يَكُون شاهدًا على صَاحبِه اَلذِي كان يعيش معه فِي سَوأَة أو جسد وَاحِد .

وبالتَّالي مَوْت هَذِه يُبْرِز هَذِه وموْتَ هَذِه يُبْرِز هَذِه فلَا يجْتمعان معًا إِلَّا يَوْم القيامة قال تَعالَى { كَيْف تَكفُرون بِاللَّه وكنْتم أمْواتًا فأحْياكم ثُمَّ يُميتكم ثُمَّ يُحْييكم ثُمَّ إِلَيه ترْجعون – البقَرة 28 } .

أيْ كُنتُم أَموَات السُّوءة أَحيَاء بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي المخْلوق مِن طِينة الجنَّة فِي عدن يَختَفِي بِداخِله سوْأته اَلتِي كان يَعلَم بِهَا إِبْليس قَبْل أن يَنزِع عن آدم وزوْجه لِباسهمَا ثُمَّ يَحْي اَللَّه تَعالَى الإنْسان بِسوْأَته فِي الدُّنْيَا بَعْد اَلهُبوط مِن الجنَّة يَتَوارَى بِداخل هذَا الجسد نَفسِه أو جَسدِه الطِّينيِّ اَلعلْوِي فَإذَا مَاتَت السُّوءة وَهِي الجسد الإنْسانيُّ تُبْرِز مِنهَا نَفسُها الطِّينيَّة العلْويَّة لِلْوجود بِمَا لَا يَتَناسَب فِي الحيَاة على الأرْض لِتنْتَقل إِلى جَنَّة عَدْن إِنَّ كَانَت مِن المؤْمنين الصَّالحين ثُمَّ الرُّجوع إِلى اَللَّه تَعالَى يَوْم القيامة بِالنَّفْس والْجَسد . وسجْن المجْرمين فِي الأرْض السُّفْلى فِي سجين وَأمَّا الَّذين خَلطُوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا فَهْم اَلذِي خَلقُوا مِن طِينة الجنَّة وقد خلط بِهَا طِينة مِن الأرْض فجاءتْ أعْمالهم مُطَابقَة لَمَّا خَلقُوا مِنْه وسواه هؤلاء تُعذِّب فِي الدُّنْيَا فقط ثُمَّ يَوْم القيامة تَكُون عليْه مِن الشَّاهديْنِ لِقوْله تَعالَى { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون سُورَة فُصلَت – وقالوا لِجلودهم لِم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة وإليْه ترْجعون – فَصلَت 20 – 21 } ومعْلوم الشَّاهد لَا يُعذِّب

فإذا كان يوم القيامة بدل الله تعالى الأرض غير الأرض والسماوات كما في قوله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزا لله الواحد القهار } وهنا تكون نشأة جديدة نفي الله تعالى العلم بها في قوله تعالى { وننشئكم فيما لا تعلمون } وسنفصله بإذن الله تعالى فيما بعد

وَسنُفصل ذَلِك فِي الكتَاب إِن شاء اَللَّه هذَا وباللَّه التَّوْفيق

  1. خَالِد مُحْيِي الدِّين الحليبي

هذا وباللهِ التوفيقِ وما توفيقي إلا باللهِ عليهِ توكلتْ وإليهِ أنيب

وسلامٌ على المرسلينَ والحمدُ للهِ ربِ العالمينَ وصلى اللهُ على سيدنا محمدْ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ

الشريفْ :  خالدْ محيي الدينْ الحليبي

الفهرست

مقدمة :

– الفصلُ الأول :

( 1 ) قصةُ الخلقِ الأولِ :

( 2 ) مرحلةُ الخلقِ منْ العدمِ واللاشيءِ .

( 3 ) خلقُ اللهِ الكونِ وحاسبٍ وأدخلَ الجنة والنارِ في لحظةٍ واحدةٍ .

( 4 ) رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ كانَ قبلَ خلقِ السماواتِ والأرضِ منْ كتابِ اللهِ .

( 5 ) خلقُ نفسِ رسولِ اللهِ ( ص ) والمرسلينَ والمؤمنينَ منْ نورْ اللهْ تعالى .

الفصلُ الثاني :

 مراحل خلقَ الإنسانَ ( جسدهُ ونفسهُ المركبةُ فيهِ ) وأعمارهمْ والدورِ الشيطانيِ

1 – خلقُ الأنفسِ قبلَ الأجسادِ

2 – كلٌ بنيٌ آدمْ خلقوا دفعةٌ واحدةٌ

3 – مراحل خلقَ الإنسانَ ( منها خلقناكمْ وفيها نعيدكمْ ومنها نخرجكمْ . . الآيةُ )

4 – الخلقُ منْ طينةِ الأرضِ على اختلافٍ الونهمْ والمؤمنُ منْ طينةِ الجنةِ .

5 – أعمارُ سواءاتْ بنيَ آدمْ .

6 – عمرْ النفسِ الإنسانيةِ أوْ الجسدِ الطينيِ العلويِ المركبِ داخلَ جسدِ الإنسانِ أوْ سوأتهِ .

الفصلُ الثالثُ :

الأطوارُ الأربعةُ لخلقِ الثقلينِ منْ العدمِ حتى رجوعهمْ إلى الجنةِ أوْ النارِ منْ بعدُ موتِ السوءة في الدنيا منْ خلالِ قولهِ تعالى ( الذي خلقَ الموتُ الحياةَ ليبلوكمْ أيكمْ أحسنَ عملاً )

( أ ) النشأةُ الأولى ( هوَ الذي خلقَ الموتُ والحياةُ ) .

( ب ) ثلاثُ أوامرَ إلهيةٍ أمرَ اللهِ تعالى عبادة بها في جنةِ عدنِ قبلَ هبوطِ آدمْ وزوجهُ عليهما السلامُ .

(ج) لا يوجد أوامر لله تعالى بعد الموت غير الصلاة و عبادة الله تعالى .

( د ) تفاصيل الأوامر الإلهية الثلاثة .

( هـ ) إبليسُ يخلقُ شياطينُ في الأرضِ تدفعُ لعدةِ جرائمَ اقترفتها الأممُ منْ قبلُ وتتكررُ آخرٌ الزمانِ .

( و) الطورِ الثالثُ منْ الخلقِ .

 الفصلُ الرابعُ :

 إبليسُ وبنيَ آدمْ :

( 1 ) بعدٌ آباءِ إبليسِ السجودِ لآدمْ ولعنَ اللهُ تعالى لهُ عمى واسودَ وجههُ وتعرى كما وعدَ اللهُ تعالى أهل النارِ

( 2 ) جسدُ الإنسانِ على الأرضِ هوَ سلالةُ الإنسانِ الذي خلقَ منْ طينٍ في الجنةِ قبلَ الهبوطِ إلى الأرضِ

( 3 ) سوأةٌ بنيَ آدمْ التي بدتْ هيَ الجسدُ كلهُ وليسَ العورةَ فقطْ .

( 4 ) بدايةَ الطورِ الثاني ومشاركةِ الشيطانِ أوْ الملاكِ لتلكَ النطفةِ منذُ وضعها في رحمِ الأمِ منْ يومها الأولِ .

( 5 ) جلودْ الناسِ في الدنيا ( سوآتهمْ ) تخفي بداخلها أهلِ النارِ وأهلِ النارِ فلا يعرفُ أحدهما الآخرُ إلا بعملهِ .

( 6 ) القاعدةُ القرآنيةُ العامةُ التي تقولُ بأنَ الصالحَ يلدُ صالحا والكافرُ يلدُ كافرا وخصوصيةُ القاعدةِ . ( 7 ) مرحلةُ الهمِ با الحسنةِ أوْ السيئةِ بينَ الثوابِ والعقابِ والحدودِ .

( 8 ) الوعدُ والوعيدُ للأنفسِ يبدأُ منْ سكرةِ الموتِ جسدَ المؤمنِ أوْ سوأتهِ ترجعُ للترابِ وجسدِ الكافرِ والمنافقِ يعذبُ في الدنيا فإذا قامتْ القيامةُ خرجوا منْ الأجداثِ كجراد منتشر وتكونَ سوأةُ الكافرِ ( جسدهُ ) شاهدةً عليهمْ .

( 9 ) حسابُ النفسِ بعدَ الموتِ والجسدِ هوَ الشاهدُ عليها يومُ القيامةِ .

الفصل الخامسِ :

( 1 ) أنواعُ الأنفسِ البشريةِ الثلاثةِ .

(2)  طبائع النفس الإنسانية .

( 2 ) معرفةُ أهلِ الجنة والنار في الدنيا بظواهرِ أعمالهمْ لجهلهمْ ما تحويهُ أنفسهمْ منْ ضمائرَ وطينةِ حقيقيةٍ خلقوا منها وهنا يعرفُ الناسُ بعضهمْ في الدنيا بظاهرِ الأعمالِ .

(3) درجتين من عذاب الله تعالى للإنس والجن بين الدنيا والآخرة .

(4) السوءة وأنفسُ السوءِ الذينَ خلقوا منْ طينةِ النارِ يرجعونَ إلى الأرضِ ولا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ .

الفصلُ السادسُ :

تجسيدُ الأعمالِ في الدنيا ليراها العبدُ بعدَ موتهِ ويومُ القيامةِ .

الفصلُ السابعُ :  القرينُ :

( 1 ) لماذا جعلَ اللهُ تعالى النجوى وبدأها بالثلاثةِ وانتهى بالستةِ ومنْ همِ الستةِ في قولهِ تعالى ( ما يكونُ منْ نجوى ثلاثةَ إلا هوَ رابعهمْ ولا خمسةَ إلا هوَ سادسهمْ )

( 2 ) أعمالُ العبادِ حسبَ الطينةِ التي خلقوا منها ودورِ القرينِ .

( 3 ) مكرُ القرينِ وفوائدِ ذكرِ اللهِ .

( 4 ) محاجاةٌ بنيَ آدمْ وأنفسهمْ وقرنائهمْ وتبرأَ الكبراءُ وتابعيهمْ بعضهمْ منْ بعضِ يومِ القيامةِ .

( 5 ) ذكرَ اللهُ ووحدةُ النفسِ والجسدِ علاجا للأمراضِ النفسيةِ وثباتِ الجندِ عندَ لقاءِ العدوِ .

الفصلُ الثامنُ :

مرحلةُ ما بعدَ القيامةِ :

( 1 ) سماءُ الدنيا أرضها وسماءَ الآخرةِ وأرضها وهيَ الجنةُ .

( 2 ) عنصري الحياةِ في الدنيا الماءُ والهواءُ وفي الآخرةِ النورُ والماءُ .

( 3 ) تركُ العملِ بكتابِ اللهِ في الدنيا يمنعُ عنْ أنفسْ والجنُ نورُ وماءُ الحياةِ في الدارِ الآخرةِ .

( 4 ) النشأةُ الجديدةُ فيما لا يعلمونَ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم بمتابعة مستقبل العالم و الأحداث الخطرة و عرض (تفسير البينة) كأول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة وترابطها بالتي قبلها وبعدها للمجامع والمراكز العلمية و الجامعات والعلماء في العالم.

شاهد أيضاً

أنواع الآيات السبعة في القرآن الكريم من تفسير “البينة”(النبأ العظيم)

من تفسير ” البينة ” أو النبأ العظيم ” : بقلم : خالد محيي الدين …