سورة الطارق من تفسير البينة رقم (34)

السورة بصيغة بي دي إف :

سورة الطارق 34 ( PDF  )

سورة الطارق 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

ورد في تفسير الدر المنثور :

[ أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت { والسماء والطارق } بمكة.

وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ وابن مردويه والطبراني عن خالد العدواني أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ثقيف، وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي النصر عندهم، فسمعه يقرأ { والسماء والطارق } حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإِسلام.

وأخرج النسائي عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أفتان أنت يا معاذ، أما يكفيك أن تقرأ { والسماء والطارق } { والشمس وضحاها } [الشمس: 1] ونحو هذا؟ “.

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: { والسماء والطارق } قال: أقسم ربك بالطارق وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس { والسماء والطارق } فقال: { وما أدراك ما الطارق } فقلت:{فلا أقسم بالخنس } [التكوير: 15] فقال:{ الجوار الكنس }  [التكوير: 15] فقلت:{ والمحصنات من النساء-  النساء: 24}   فقال :{ إلا ما ملكت أيمانكم – النساء 24} : فقلت: ما هذا؟ فقال: ما أعلم منها إلا ما تسمع.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { والسماء والطارق } قال: وما يطرق فيها { إن كل نفس لما عليها حافظ } قال: كل نفس عليها حفظة من الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: { النجم الثاقب } قال: النجم المضيء { إن كل نفس لما عليها حافظ } قال: إلا عليها حافظ.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { والسماء والطارق } قال: النجم يخفى بالنهار ويبدو بالليل { إن كل نفس لما عليها حافظ } قال: حفظ كل نفس عمله وأجله ورزقه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { والسماء والطارق } قال: هو ظهور النجم بالليل، يقول: يطرقك بالليل { النجم الثاقب } قال: المضيء { إن كل نفس لما عليها حافظ } قال: ما كل نفس إلا عليها حافظ. قال: وهم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك، فإذا توفيته يا ابن آدم قبضت إلى ربك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { النجم الثاقب } قال: الذي يتوهج.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: { النجم الثاقب } الثريا.

وأخرج ابن المنذر عن خصيف { النجم الثاقب } قال: مم يثقب من يسترق السمع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { إن كل نفس لما عليها حافظ } مثقلة منصوبه اللام. – تفسير الدر المنثور للسيوطي ]

وفي تفسير البرهان :

[ – ..عن الضحاك بن مزاحم، قال: و سئل علي (عليه السلام) عن الطارق؟ قال: ” هو أحسن نجم في السماء، و ليس تعرفه الناس، و إنما سمي الطارق لأنه يطرق نوره سماء سماء إلى سبع سماوات، ثم يطرق راجعا حتى يرجع إلى مكانه “….

– علي بن إبراهيم، قوله تعالى: { إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } قال: الملائكة، قال: في قوله تعالى: { فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ } ، قال: النطفة التي تخرج بقوة { خْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ } ، قال: الصلب للرجل، والترائب للمرأة، وهي عظام صدرها { إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } كما خلقه من نطفة يقدر أن يرده إلى الدنيا و إلى يوم القيامة { يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } ، قال: يكشف عنها { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } قال: ذات المطر { وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } أي ذات النبات، و هو قسم، و جوابه: { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } يعني ماض، أي قاطع { وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } أي ليس بالسخرية { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً } أي يحتالون الحيل { وَأَكِيدُ كَيْداً } فهو من الله العذاب { فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } ، قال: دعهم قليلا.

– ثم قال علي بن إبراهيم: حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبد الله بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، في قوله: { فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ } ، قال: ” ما له قوة يقوى بها على خالقه، و لا ناصر من الله ينصره، إن أراد به سوءا “.

قلت: { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً } قال: ” كادوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و كادوا عليا (عليه السلام)، و كادوا فاطمة (عليها السلام)، فقال الله: يا محمد { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ } يا محمد { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } لوقت بعث القائم (عليه السلام) فينتقم لي من الجبابرة و الطواغيت من قريش و بني أمية و سائر الناس “.- تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني ] .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

  • والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2)

وهنا :

(و) الواو للقسم كقوله تعالى { و الفجر وليال عشر }

وأما :

(والسماء)

ويقسم الله تعالى بالسماء وما بناها سبحانه وتعالى كما في قوله عز وجل { والسماء وما بناها – الشمس 5 } وهر محبوكة في خلق حسن معجز قال تعالى فيه { والسماء ذات الحبك- الذاريات 7 } أي [ ذات الخَلق الحسن – التفسير الميسر] .

ويقسم الله تعالى أيضاً بالسماء وما فيها من بروج كما في قوله تعالى { والسماء ذات البروج – البروج 1 } وحيث أن هذه البروج أثبتنا في سورة البروج أن ظاهرها بروج وباطنها رموز لأئمة أهل البيت ومنها نجم هو الطارق الذي قال تعالى فيه  { والسماء والطارق – الطارق 1} ولذلك ورد في أحاديث أهل البيت أنها رمز لرسول الله صلى الله عليه وللإمام علي عليه السلام

[- علي بن إبراهيم، قال: حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبد الله بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله: { وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ } ، قال: ” السماء في هذا الموضع: أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الطارق: الذي يطرق الأئمة (عليهم السلام) من عند ربهم مما يحدث بالليل و النهار، و هو الروح الذي مع الأئمة (عليهم السلام) يسددهم “. قال: و { ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } قال : ” ذاك رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

و عنه، قال: حدثني أبي (رحمه الله) ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن مروان، عن الضحاك بن مزاحم، قال: و سئل علي (عليه السلام) عن الطارق؟

قال: ” هو أحسن نجم في السماء، و ليس تعرفه الناس، و إنما سمي الطارق لأنه يطرق نوره سماء سماء إلى سبع سماوات، ثم يطرق راجعا حتى يرجع إلى مكانه “.

– علي بن إبراهيم، قال: حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبد الله بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، في قوله: { وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ } ، قال: ” السماء في هذا الموضع: أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الطارق: الذي يطرق الأئمة (عليهم السلام) من عند ربهم مما يحدث بالليل و النهار، و هو الروح الذي مع الأئمة (عليهم السلام) يسددهم “. “.- تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني ] .

والقسم بالسماءلأسباب :

أولاً : شدتها لقوله تعالى { أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها – النازعات 27 }

ثانيا : السماء باب نزول وتدبير الأمر قال تعالى { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض – السجدة 5 }

ثالثاً : مصدر نزول العقاب لقوله تعالى { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون – البقرة 59 } وقال تعالى في قوم نوح عليه السلام { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر – القمر 11 }

رابعاً : للسماء أبواب لصعود الأعمال الصالحة إلى السماء قال تعالى { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور – فاطر 10 } ولا تصعد أعمال الكفار والمنافقين للسماء كما في قوله تعالى { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين – الأعراف 40 }

خامساً : أرزاق العباد في السماء قال تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون – الذاريات 22 } .

ولذلك يقسم الله تعالى بالسماء والقسم هنا بما ينزل منها من عذاب بواسطة نجم قال تعالى فيه هنا { والسماء والطارق النجم والثاقب } .

وأما :

(والطارق وما أدراك ما الطارق)

[ والطارق لغة : أصل الطرق : الضرب كضرب مطرقة الحداد والطريق : السبيل الذي تطرقه أرجل السالكين وأطلق على المسالك الذي يسلكه الإنسان محموداً أو مذموماً لأنه يسير عليه والطريقة كالطريق تكون في الحسي : الخط في الشيئ وجمعه طرائق والطارق : السالك للطريق والطارق : النجم و كل نجم طارق لأن طلوعه بالليل و كل ما أتى بليل فهو طارق – معجم ألفاظ القرآن باب الطاء فصل الراء والقاف ] قال تعالى في الطارق وتعريفه أن الطارق هو النجم الثاقب قال تعالى : { والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب }

وأما :

(وما أدراك)

وهنا وقع الكثير من العلماء في شرك فهم وبيان تلك الآية عند قوله تعالى { قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين – الأحقاف 9 } فقالوا بأن رسول الله لا يدري ما سيفعل به به فأنزل الله { إنا فتحنا لك فتحاً مبينا } .

[ أخرج أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن مردويه عن أم العلاء رضي الله عنها وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت ” لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه قلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي ولا بكم. قالت أم العلاء: فوالله ما أُزَكّي بعد أحداً “.- الدر المنثور للسيوطي ] .

ولبيان ذلك الإشكال في فهم هؤلاء واتهامهم لرسول الله صلى الله عليه وآله بعدم العلم (حاشا لله) .

وهو أن لفظ  (ما أدراك) يأت كاستثناء من عذاب الله تعالى لكل رسل الله تعالى وأنبيائه وأهل بيته عليهم السلام والمؤمنين فهم الذين استثناهم الله تعالى من الفزع الأكبر وقال تعالى فيهم { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون – الزمر68 } وقال تعالى فيهم { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون – الأنبياء 101 } وهؤلاء إذا خاطبهم الله تعالى في كتاب الله قال تعالى لهم ( ماأدراك) وذلك لأنهم مبعدون عن عذاب الله تعالى لا يدرون عنه أي شيئ منذ موتهم إلى دخولهم الجنة ولذلك يأت اللفظ مقترناً بعذاب أو بجهنم  كقوله تعالى { وما أدراك ما يوم الفصل – المرسلات 14 } و قوله تعالى { القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث – القارعة } وهى قارعة يتحطيم فيها كل ماعلى الأرض وقد استبعد الله تعالى منها كل المؤمنين في الأرض والسماء لقوله تعالى { أولائك عنها مبعدون} وبالتالي يقول تعالى لرسوله والمؤمنين صلى الله عليه وآله  { وما أدراك ما الحطمة – الهمزة 5 } وهذه الحطمة وهو المشهد الذي قال تعالى فيه { وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزا –الكهف 8 } .

وقال تعالى { وما أدراك ما الحاقة – الحاقة 3 } وقال تعالى أيضاً { وما أدراك ما سقر – المدثر 27 } .

وبالتالي الطارق هنا عذاب من الله تعالى ينزل مع الساعة يستبعد عنه كل رسل الله وأنبيائه وأهل بيته عليهم السلام والمؤمنين لذلك قال تعالى هنا { والسماء والطارق وما أدراك ماالطارق النجم الثاقب } .

والآية الوحيدة التي يظن العامة أنها مخالفة قوله تعالى { وما أدراك ماليلة القدر } أي ما أدراك ما قدره الله تعالى من عذاب على أعداء الله يستبعد عنه كل مؤمن .

ثم يقول تعالى :

  • النجم الثاقب (3)

وهنا :

(النجم)

[ النجم : الكوكب المضيئ وغلب النجم على الثرايا والنجم الثاقب فيما قيل على زحل وكان الناس في القديم يتعرفون بعض أحوالهم المستقبلة بالنظر في النجوم ومواقعها وما وضع فيها على زعمهم من تأثير ويقال من هذا نظر في النجوم إذا حاول معرفة شيئ بالنظر في الكواكب ولما كان النظر في النجوم يعين على معرفة الصواب والرأي عندهم قيل نظر في النجوم إذا فكر في أمره يتبين كيف يدبره و النجوم : يهتدى به في ظلمات الليل- معجم ألفاظ القرآن باب النون فصل الجيم والميم ] وهذه النجوم مسخرات بأمر الله تعالى كما في قوله تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين – الأعراف 54 } وقال تعالى أيضاً { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون – النحل 12 } .

ولذلك يقول تعالى أنه جعلها تهدي الإنسان في ظلمات البر و البحر قال تعالى { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون – الأنعام 97 } و قال تعالى والهداية في كتاب الله تكون في معرفة الطريق وقال تعالى أيضاً : { وعلامات وبالنجم هم يهتدون- النحل 16 }  والهداية تأت في كتاب الله على معرفة الحق وأهله والهداية إليه وهى كتاب الله تعالى لقوله تعالى فيه { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا – الجن 13 } وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله فيها الهدى كما في قوله تعالى { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين – النور 54 } والأئمة من ذريته صلى الله عليه وآله أئمة هدى ولكل زمان إمام منهم قال تعالى فيهم { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد – الرعد 7 } وبالتالي النجم رمز لإمام يهتدوا به آخر الزمان ويكون في زمانه يكون قذف نجم ثاقب على الأرض قال تعالى هنا { والسماء والطارق وما أدراك ما لطارق النجم الثاقب } وهذا الثاقب يهوي على الأرض من السماء لقوله تعالى { والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى – النجم } وحيث أنه قال تعالى { فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم – الواقعة 75 } وبالتالي مواقع النجوم في كتاب الله وأهميتها تشير الآية إلى أنه نجم شهير له موقع معروف يترك موقعه ليرتطم بالأرض ليثقبها كما قال تعالى هنا { النجم الثاقب} .

ويكون هذا النجم رجماً للبشرية إذا عتوا عن ذكر ربهم وظهر فيهم أفعال الأمم السالفة من تجبر وألوهية حكام يدعون لطاعتهم المطلقة من دون الله تعالى وبخس ميزان وربا وعمل قوم لوط وسحاق النساء كأصحاب الرس هنا يكون قد حل زمان ضربهم بهذا الطارق النجم الثاقب إذا كفروا وظلموا وفسقوا وظهر في زمانهم الفساد في الأرض فيضربهم الله تعالى بالطارق والشياطين بالشهاب  المبين الذي قال تعالى فيه { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين – الحجر 18 } فيرجم  الله تعالى الشياطين بهذه النجوم التي تتحول إلى شهب قال تعالى فيها { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير – الملك 5 } وإنسهم يضربهمم الله تعالى بالطارق الذي قال تعالى فيه هنا { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب }  .

وأما :

(الثاقب)

[ وثقب الشيئ يثقبه ثقباَ من باب قتل – خرقه بآلة الثقب وإسم الفاعل منه ثاقب ] قال تعالى في رجم شياطين الجن { إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب – الصافات 10 } و عن رجم عتاة الشياطين من الإنس هنا يقول تبارك وتعالى { والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب – الطارق 1-3 }

ثم يقول تعالى :

  • إن كل نفس لَّمَّا عليها حافظ (4)

وهنا :

(إن كل)

من خلال هذه الآيات يتبين لنا أنها تشير إلى نزول العقاب الإلهي على كل من كذب بآيات الله تعالى كما في قوله تعالى { إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب –ص 14 } وبعضاً من عقاب الله تعالى لهؤلاء آخر الزمان الطارق الذي قال تعالى فيه  { و السماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لَّمَّا عليها حافظ  – الطارق 1-3 } وهذا الطارق هنا يكون في زمن صعود الإنسان للسماء الأولى لقوله تعالى { وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين- الزخرف 33-35 } والمعارج إسم فعل عرج يعرج معرجاً وهى آلة للصعود في السماء لورود لفظ يعرج في قوله تعالى { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة – المعارج } وهذه المعارج أطلق عليها القرآن الكريم سُلَم في قوله تعالى { أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين –الطور 38 } فإذا هبط هذا الطارق على الأرض قتل صناديد كفر الكرة الأرضية ورواد عمل قوم لوط  فيها فإذا هم محضرون في جهنم قال تعالى { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ – يس31-32 } وأما المؤمنون فالله عليهم حافظاً لن يمسهم السوء كما في قوله تعالى { إن كل نفس لَّمَّا عليها حافظ – الطارق 4 } .

و هذا المشهد القرآني عن الطارق هو نفسه أو قريباً منه حديث الهدة في رمضان الذي    ذكره النبي الله صلى الله عليه وآله حتى ولو كان ضعيفاً فهو على سبيل الإستئناس ولا يندرج ضمن منهجنا في البيان القرآني للقرآن فما وافقه من سنة النبي صلى الله عليه وآله ذكرناه ولو ضعفه أي مخوق لأن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله من الوحي المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلو لم يكن له قيمة لما ذكره المحدثون في كتبهم وما خالف كتاب الله فلا شأن لنا به وهنا :

[ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان صيحة في رمضان فإنه يكون معمعة في شوال، وتمييز القبائل في ذي القعدة، وتسفك الدماء في ذي الحجة والمحرم وما المحرم – يقولها ثلاث مرات- هيهات هيهات! يقتل الناس فيه هرجا هرجا ، قلنا وما الصيحة يا رسول الله؟ قال : هدة في النصف من رمضان ليلة الجمعة فتكون هدة توقظ النائم وتقعد القائم وتخرج العواتق من خدورهن في ليلة جمعة في سنة كثيرة الزلازل والبرد، فإذا وافق شهر رمضان في تلك السنة ليلة الجمعة فإذا صليتم الفجر من يوم الجمعة في النصف من رمضان فادخلوا بيوتكم وأغلقوا أبوابكم وسدوا كواكم ودثروا أنفسكم وسدوا آذانكم، فإذا أحسستم بالصيحة فخروا لله سجدا وقولوا : سبحان القدوس، سبحان القدوس، ربنا القدوس، فإنه من فعل ذلك نجا ومن لم يفعل هلك؟ – الفتن لنعيم بن حماد (1/ 228) ]  وأحسستم هنا فيها دليل أنها ستكون في مكان بعيد عن بلاد العرب و يشعرون بها خاصة أهل الحجاز .

وأما :

(نفس)

وهنا على عموم الأنفس وهم كل بني آدم في قوله تعالى { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون –النحل 72 } وكل نفس عليها حافظ كما في الآية هنا { إن كل نفس لما عليها حافظ – الطارق }

كما أن :

لفظ نفس في كتاب الله يأت على الله تعالى في قوله عز وجل {  لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير – آل عمران 28  } و جاء هذا اللفظ على رسول الله صلى الله عليه وآله في موضع وهو قوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم – التوبة 128 } ويأت أيضاً على الإمام علي عليه السلام في آيى المباهلة بقوله تعالى {  فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين – آل عمران 61 } وبالتالي في الشدائد والأهوال من تولى الله تعالى ورسوله ثم الإمام علي وأئمة أهل البيت عليهم السلام فهو في حفظ الله تعالى كما في قوله تعالى هنا { إن كل نفس لما عليها حافظ – الطارق }

ويقول تعالى تحديداً في بني إسرائيل إذا علوا في الأرض آخر الزمان متوعداً { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا – الإسراء 7 } ومع وعد الآخرة في أقصى الأرض تكون على موعد مع الطارق وهو النجم الثاقب في بلاد ما بعد مضيق جبل طارق في غرب العالم العربي والتي قد يصل أثره حتى سواحل بلاد المغرب العربي وهى بلاد محفوظة من الله بكامة لا إله إلا الله محمد رسول الله فإذا تركت العمل بها حل بها العذاب قال تعالى هنا { و السماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ – الطارق 1-4 } .

وأما :

(لَّمَّا)

وهنا يبين تعالى أنه عز وجل أهلك الأمم من قبل لما ظلموا وتركوا الإيمان بربهم واتباع رسلهم قال تعالى { وتلك القرى أهلكناهم لَّمَّا ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا – الكهف 59 }

فلما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله كفروا به بعد أن كانوا من قبل يستفتحون به للنصر على العدو قال تعالى   { و لَّمَّا جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين – البقرة 89 }

فلما بعث فيهم النبي صلى الله عليه وآله كذبوه كما قال تعالى { فقد كذبوا بالحق لَّمَّا جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون – الأنعام 5 } ثم يبين تعالى أنه لما نصر رسوله صلى الله عليه وآله ومكنه من أعدائه في قريش وأهل الكتاب لجأت طائفة منهم للكذب عليه حرباً له ولأهل بيته عليه السلام ولا يوجد اظلم من هؤلاء الذين كذبوا على الله تعالى  ورسوله صلى الله عليه وىله كما في قوله تعالى { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لَّمَّا جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين – العنكبوت 68 }

وهنا يبين تعالى أنهم لما فعلوا ذلك فتح عليهم أبواب الدنيا ليتمتعوا بها وليوفيهم نصيبهم في الدنيا غير منقوص قال تعالى { ف لَّمَّا ما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون – الأنعام 44 }

فلما فتح الله عليهم أبواب الدنيا ومتاعها علوا في الأرض بغير الحق وبطشوا بالمؤمنين انتقاماً إما بإيمانهم أو بنسبهم للنبي صلى الله عليه وآله لذلك يقول تعالى في هذا الإبتلاء للمؤمنين في هذه الأزمان { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لَّمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين – آل عمران 142 }

ويبين تعالى أن استمتاع هؤلاء الكفار والمنافقين بالدنيا لما فتحها الله تعالى عليهم ليست كرامة لهم بل هو استدراج لينتقم منهم كما في الحديث [ إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته .. الحديث ] وذلك الإنتقام الإلهلي ينزل عيهم لما نسوا ذكر الله تعالى وولايته الحق أنتقم منهم وكتب النجاة للذين آمنوا به تعالى ورسوله وتولوا أهل بيته عليهم السلام كما في قوله تعالى {  ف لَّمَّا نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون – الأعراف 165 } وهنا لم ينفعهمغيامنهم لما نزل بهم عذابه تعالى كما في قوله عز وجل { فلم يك ينفعهم إيمانهم لَّمَّا رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون – غافر 85 }

{ إن الذين كفروا بالذكر لَّمَّا جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد – فصلت 41-42}

ثم يبين تعالى أنهم لما نسوا ذكر الله تعالى ومراده عز وجل من كتابه بيين تعالى أنه سيبعث إليهم إماماً آخر الزمان بتأويل يذكرهم فيه بما جهلوه ونسوه من كتاب الله تعالى كما في قوله عز وجل { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لَّمَّا يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين – يونس 39 }

ويبين تعالى أن قوماً من أعهل فارس سيكونون معاونين لهذا الإمام لورود هذا اللفظ في الآية التي نزلت فيهم وهى قوله عز وجل { وآخرين منهم لَّمَّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم – الجمعه 3 }

[ عن أبي هريرة قال : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، إذْ نَزَلَتْ عليه سُورَةُ الجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ: {وَآخَرِينَ منهمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بهِمْ} قالَ رَجُلٌ: مَن هَؤُلَاءِ؟ يا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، قالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ قالَ: فَوَضَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ علَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قالَ: لو كانَ الإيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا، لَنَالَهُ رِجَالٌ مِن هَؤُلَاءِ- رواه مسلم في صحيحه ] .

وفي ذلك الزمان يكون النجم الطارق الثاقب الذي يلقيه عز وجل على الكفار والمنافقين ويكون المؤمنين في حفظ الله تعالى كما بينا قال تعالى هنا { والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لَمَّا عليها حافظ – الطارق 1-4 } .

وأما :

(عليها)

وهنا يبين تعالى أيضاً أنه قد بعث رسوله بالهدى والحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها قال تعالى : { قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل – يونس 108 } ويبين تعالى أنه لم يكلف نفساً إلا وسعها وسواء كسبت عملاَ صالحاً أو اكتسبت سيئة فلها كاكسبت وعليها ماكتسبت كما في قوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت – البقرة 286 } .

ويقول تعالى في الأمم التي بعث فيهم رسلاً منه تعالى والذين لم يبعث فيهم رسل بأن خلق  السماوات والأرض وما فيهما من آيات دالة على أنه الخالق الإله الحق المستحق للطاعة والعبادة أعرضوا عنها ولم تدفعهم للإيمان به عز وجل كما في قوله تعالى { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون – يوسف 105 }

ولكثرة ذنوب العباد يقول تعالى بأنه لو يؤاخذهم بما فعلوا لأهلكهم منذ ظمن كبير قال تعالى { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون – النحل 61 }

ويبين تعالى أنه إذا أراد هلاك قرية أمر عليها مترفيهم ليهلكهم بذنوبهم  كما في قوله تعالى { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا – الإسراء 16 }

فإذا انتشر الفساد في الأرض كما في قوله تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون – الروم 41 }

وهنا يكون المؤمنين منافقين عمياً وصما على الرغم من أنهم سيكونون قارئين تالين للقرآن الكريم ولكن بصمم عن العنل بآيات الله و عمى قلب قال تعالى فيهم { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا – الفرقان 73 }

فإن لم يتوبوا فتح الله على العالم باباً من السماء يعرج فيه افنسان ليستلط بعضهم على بعض بذنوبهم كما بينا من قبل في قوله تعالى { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون – الزخرف 33 } .

ثم يكون الطارق الذي يهلك الظالمين وينجي في نفس الوقت المؤمنين ليرثوا الرض من بعد هلاك هؤلاء الظالمين قال تعالى فيه { والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لَمَّا عليها حافظ – الطارق 1-4 } .

وبنزول النجم الثاقب يسوي كل ما فيها بالأرض فتكون صعيداً جرزا لقوله تعالى { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا – الكهف 8 } .

وأما :

(حافظ)

[ وحفظ الشيئ راعاه وصانه فهو حفيظ وحافظ وهم حافظون واسم المفعول محفوظ وقد يضمن حافظ وحفيظ معنى رقيب مهيمن- واستحفظ سراً ومالاً ائتمنه عليه ليحفظه – و الحفيظ من صفات الله عز وجل – معجم ألفاظ القرآن باب الحاء فصل الفاء والظاء ] قال تعالى { قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم – يوسف 55 }  وقال تعالى أيضاً لبيان المعنى { أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون – يوسف 12 } اي أن الحفظ رعاية وصيانة وحماية أيضاً فإذا قال تعالى { إن ربي على كل  شيئ حفيظ – هود 57 } اي يرعاه ويصونه و لبني آدم يحميهم من العوارض والنوازل إلى أن يشاء الله تعالى كما في الآية هنا { إن كل نفس لما عليها حافظ – الطارق } والحفظ بواسطة مالائكة حفظة قال تعالى فيهم { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظه – الأنعام 61 }  والحفظ يكون للأرض من شياطين الجن واستراقهم للسمع  لقوله تعالى { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ  – الصافات 6-11 }

ومن الحفظة كتاب أعمال العباد الوارد ذكرهم في قوله تعالى { وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون – الإنفطار 10-12 }  والله تعالى خير حافظاً لكل شيئ خلقه قال تعالى { فالله خير حافظا وهوأرحم الراحمين – يوسف 64 } .

ثم يقول تعالى :

  • فلينظر الإنسان مم خلق (5)

وهنا هذه الآية يبينها قوله تعالى :

أي أنه يقول تعالى : { قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّ وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ – عبس 16-32 } .

أي أنه تعالى يدعوا الإنسان للتفكر كيف خلقه الله تعالى من تراب ثم من نطفة ثم من علقة كقوله تعالى هنا { فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إنه علر رجعه لقادر– الطارق 5-8 }

ثم من مضغة ثم السبيل يسره فخرج من بطن أمه ليصيبة الضعف ثم القوة ثم ضعفاً وشيبة قال تعالى {   الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير – الروم 54 } فإذا أماته فأقبره بعثه من الأرض كما يخرج الزرع  قال تعالى { والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون  الزخرف 11 }  .

وأما :

(الإنسان مم خلق)

أي أنه يقول تعالى هنا { فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إنه علر رجعه لقادر– الطارق 5-8 } وهذا الماء الذي يخرج من بين الصلب عند الرجال والترائب عند النساء إذا اختلط مر بثلاث مراحل في الخلق قال تعالى فيها { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ  -المؤمنون 12-16 }

ثم يقول تعالى :

(5) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (5)

وهنا :

(خلق من ماء)

أي أنه يقول تعالى { والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير – النور 45 }

ومن هذه المخلوقات الإنسان و قال تعالى فيه { وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا – الفرقان 54 } وهذا الخلق خلقه تعالى من ماء الرجل والمرأة أودعه الله تعالى في قرار مكين قال تعالى فيه {  أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ – المرسلات 20-23 }

فإذا اراد الله تعالى نسمة أخرج هذا المائين للذكر والأنثى ليختلطا معها بعد أن يخرجه الله تبارك وتعالى من بين الصلب والترائب قال تعالى فيه { خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب -الطارق } .

وأما :

(دافق)

[ ودفق الماء يدفقه دفقاً : صبه مرة واحدة ] قال تعالى { خلق من ماءٍ دافق يخرج من بين الصلب والترائب – الطارق }

ثم يقول تعالى :

(7) يخرج من بين الصلب والترائب (7)

وهنا :

(يخرج)

ورد هذا اللفظ في قوله تعالى { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون – النحل 78 }  والخروج هنا للأطفال من بطون الأمهات تبين أن الماء يتدفق من بطون النساء والرجال إلى أرحام الأمهات وفيها يتمم الله تعالى الخلق حتى يخرج طفلاً من بطن أمه كما في قوله تعالى { هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون – غافر 67 }

وأما :

(من بين)

وردت هذه الآيات في قوله تعالى { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين – النحل 66 } أي أن هذا الماء يتدفق من أعماق البطن من بين الفرث (وهو الكرش) والدم أو بالتحديد النصف الأسفل من الإنسان وحيث أن ثدي المرأة في نصفها الأعلى فهو الترائب التي ورد ذكرها هنا في قوله تعالى : { فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ َخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ – الطارق 5-7 }  .

وأما :

(الصلب)

[ والصلب عظم الظهر وجمعه أصلاب وفيه معنى الشدةالصلب للعظم قيل لمخ العظم وودكه الصليب ومن شد الظهر بقوة وعُنِف على خشبة قالوا صلبه يصلبه ومن الإنسان المشدود كان الصليب – معجم ألفاظ القرآن باب الصاد فصل اللام والباء ] .قال تعالى { وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه – يوسف 41 } وقال تعالى { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا – النساء 157 }  وصلب الإنسان جمعه أصلاب قال تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما –النساء 23 }

وكأن الصلب هنا في قوله تعالى { يخرج من بين الصلب والترائب } إذا قسم الإنسان طولا وعرضا لأربعة أرباع وصلب فيكون الصلب هو نقطة الوسط بين الجنبين الطولي والنقطة الوسطة بين النصف الأعلى والأسفل .

وأما :

(الترائب)

[ الترائب يقال أنها عظام الصدرجمع تربة ] وقد استخدم هذا اللفظ في وصف نساء الجنة وحسن نهودهن في قوله تعالى { وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا – النبأ 33 } أي [ ولهم زوجات حديثات السن، نواهد مستويات في سن واحدة.- التفسير الميسر ] و[ الأتراب جمع ترب وهو المساوي في السن ولم تستعمل في القرآن الكريم إلا في الإناث – معجم ألفاظ القرآن باب التاء فصل الراء والباء ] قال تعالى { فجعلناهن أبكاراً عرباً أتراباً لأصحاب اليمين – الواقعة 37- 39 }  أي أن ماء المرأة يخرج من الترائب كما ذكر ربنا عز وجل في قوله تعالى هنا { يخرج من بين الصلب والترائب } .

ثم يقول تعالى :

(8) إنه على رجعه لقادر (8)

وهنا :

(إنه على )

أي على إحياءه من بعد موته لقادر لقوله تعالى {  أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير – الأحقاف 33 }

وقد ضربا لله تعالى لذلك مثلاً في إحياء الأرض بعد موتها في قوله تعالى { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير – فصلت 39 } ولذلك يقول تعالى هنا { إنه على رجعه لقادر – الطارق 8 } .

وأما :

(رجعه)

والرجوع يكون من بعد الموت وذلك بإحياء السوءة الإنسانية التي بدت بعدما أكل نبي الله آدم وزوجه من الشجرة فأهبطهم الله تبارك وتعالى وإبليس من الجنة يقول تعالى في هذه السوءة أو الجسد الإنساني الذي يعيش به في الحياة الدنيا { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون – المؤمنون 99 } وهل يستطيع أحد غير الله تبارك وتعالى إرجاعها لتحيا مرة أخرى قال تعالى : { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ   فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ –الواقعة 83-94 } .ولذلك يقول تعالى { إنه على رجعه لقادر } . وقدرته تعالى بين الكاف والنون قال تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وإليه ترجعون –يس 82-83}

وأما :

(لقادر)

وهنا يقول تعالى { أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ – القيامة 36-40 } ولذلك يقول تعالى هنا { إنه على رجعه لقادر – الطارق }

ثم يبين تعالى أنه قادر سبحانه وتعالى أيضاً أن يخلق مثلهم كما في قوله تعالى { أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا – الإسراء 99 }

وهو قادر سبحانه و تعالى على إحياء الموتى كما في قوله تعالى : { أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وإليه ترجعون –يس 81-83} .

ثم يقول تعالى :

(9) يوم تبلى السرائر (9)

وهنا :

(يوم)

هذا اليوم هو يوم موتهم ورجوعهم إلى الله تعالى كما في قوله تعالى { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون – البقرة 281 } وفي هذا اليوم سيجد العبد ما عمله من خير أو شر محضرا كما في قوله تعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد _آل عمران 30 } فإن كان عملها صالحاً ابيضت وجوههم وفتحت لهم أبواب الجنة وإن كان عملها سيئاً أسودت وجوههم وفتح عليهم باباً من جهنم و عذاب الحياة الدنيا قال تعالى { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون – آل عمران 106 } وهذا هنا هو ابتلاء السرائر بناءاً على ما عملته في السر والعلن بالحياة الدنيا كما في قوله تعالى هنا { يوم تبلى السرائر } .

وأما :

(تبلى)

وهنا يقول تعالى عن الحياة والموت ما خلقهم الله تعالى إلا ليبلوهم ايهم أحسن عملا قال تعالى { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور – الملك 2 }

وهذا البلاء والإبتلاء يبدأ في الدنيا بالخير والشر كما في قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون – الأنبياء 35 }

فإذا مات العبد ابتلى بالسؤال في قبره عما أسلفه من أعمال في الحياة الدنيا قال تعالى : { هنالك تبلوكل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون  -يونس 30 } وهنا يبلوهم الله تعالى أيهم أحسن عملا كما في قوله تعالى { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا – الكهف 7 } .

وأما :

(السرائر)

[ والسرائر جمع سريرة وهو ما أسر في القلوب من النيات والعقائد وغيرها وما أخفى من الأعمال – معجم ألفاظ القرآن باب السين فصل الراء والراء ] والله تعالى يعلم السر وما تسره الأنفس وما هو أخفى من السر الذي يسرونه في أنفسهم قال تعالى { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى – طه 7 } ولذلك يقول تعالى للثقلين إنسهم وجنهم جميعاً : { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور – الملك 13 } فإذا مات العبد وكان عمله سيئاً تمنى لو افتدى نفسه بما في الأرض وهنا يسرون الندامة والله تعالى أخبرنا بما أٍروه من ندامتهم قبل موتهم وحسابهم في قوله تعالى هنا { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون – يونس 54 } . وهذا الندم يبدأ بيوم موتهم وابتلاء السرائر على ما اسلفته في الحياة الدنيا قال تعالى هنا { يوم تبلى السرائر فماله من قوة ولا ناصر– الطارق 9-10 } .

ثم يقول تعالى :

(10) فماله من قوة ولا ناصر (10)

وهنا :

(فماله)

أي أن الله تعالى يقول { ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء – الحج 18 } ومن يهن الله تعالى هنا ويدخله النار فماله من قوة ولا ناصر كما في قوله تعالى { فماله من قوة ولا ناصر -الطارق } . ولا نصير –

وأما :

(من قوة)

وهنا يقول تعالى للمؤمنين وحربهم من أعداء الله تعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون- الأنفال 60 } وهنا كأنه يقول تعالى مهما أعددتم من قوة فسيأتون إلى الله تعالى فرادى مالهم من قوة ولا ناصر كما في قوله تعالى { فماله من قوة ولا ناصر } .وحينها سيعلمون أن القوة جميعاً لله تعالى كما في قوله تعالى { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب – البقرة 165 } والله تعالى كما قال أنه عز وجل ذو القوة المتين قال تعالى { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين- الذاريات 58 } ثم يبين تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وآله له عند الله تعالى قوة ومكانة علية لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون – التكوير20-22 }

وأما :

(ولا ناصر)

وهنا يبين تعالى من خلال هذا اللفظ أن الله تعالى لم ملك السماوات والأرض وكل خلقه مالهم من دون الله من ولي ولا نصير كما في قوله تعالى{ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير– البقرة 107 } وبالتالي لا يعجز الله أحد كما في قوله تعالى {  وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير – العنكبوت 22 } .

وفي الدنيا إذا جاء أجل أمة من الظلمة فلن يجدون من دون الله ناصراً فقد أهلك الله تعالى أمماً من قبل كانت أشد قوة من قريش كما في قوله تعالى { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم – محمد 13-14} .

ويوم القيامة تبرز جهنم لهؤلاء الغاوين المجرمين كما في قوله تعالى { وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ – الشعراء 91-99 } .

وأما عن الذين نسوا الله تعالى في الدنيا ونسوا العمل الصالح فسينساهم الله تعالى في جهنم كما نسوا يوم الحساب ومالهم من ناصرين قال تعالى { وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين – الجاثية 34 }

ثم يقول تعالى مقسماً :

(11) والسماء ذات الرجع (11)

وهنا :

(والسماء ذات)

وهنا يقول تعالى { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون – الذاريات 47 } وهذه السماء خلقها الله تعالى في خلق حسن قال تعالى فيه { والسماء ذات الحبك – الذاريات 7 } وقد جعل فيها بروجاً تزينها كما في قوله تعالى { والسماء ذات البروج – البروج 1 } وهذه البروج كواكب جعلها الله تعالى زينة لها كما في قوله تعالى { رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ – الصافات 5-6 } ولما خلقها الله تعالى جعل من سننها أنها ذات رجع كلما صعد فيها رجع إلى الأرض مرة أخرى { والسماء ذات الرجع – الطارق 1 }

وأما :

(ذات)

وذات أي صاحبة الرجع في قوله تعالى { والسماء ذات الرجع – الطارق 11 } ولورود هذا اللفظ على الأرض في قوله تعالى { والأرض ذات الصدع – الطارق 12 } أي أن الرجع إلى الأرض كل ما صعد في السماء رجع مرة أخرى إلى الأرض .

وأما :

(الرجع)

والرجوع يكون للأرض مرة أخرى لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون – المؤمنون 99 } و الرجوع يكون للأرض لذلك قال تعالى هنا { والسماء ذات الرجع } أي يرجع إلى الأرض كل ما قذف إلى السماء فهو راجع للأرض بفعل الجاذبية الأرضية المعروفة .

ثم يقول تعالى :

(12) والأرض ذات الصدع (12)

وهنا :

(والأرض)

و لفظ الأرض ورد في قوله تعالى { فَلْيَنظُرِالْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا  ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا  مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ – عبس 24-32 } وتشقق الأرض هنا لخروج النبات تصدعها في قوله تعالى هنا في وصفها { والأرض ذات الصدع}

وأما :

(ذات)

ولفظ ذات ورد في قوله تعالى عن تصدع الأرض وخروج نباتات منها ذات بهجة ماكان لكم أن تنبتوا شجرها فهل هناك إله مع الله تبارك وتعالى وذلك لقوه عز وجل { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أئله مع الله بل هم قوم يعدلون- النمل60 }  ومن هذه الحدائق فاكهة والنخل ذات الأكمام كما في قوله تعالى { وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ  وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ– الرحمن 10-13 }

وهذا النخل وهذه الحدائق ذات البهجة بألوانها التي خلقها الله تعالى خرجت بعد تصدع الأرض كما في قوله تعالى هنا { والأرض ذات الصدع -الطارق}.

وأما :

(الصدع)

[ والصدع الشق في الشيئ الصلب كالزجاجة والحائط في غير الصلب كالنهر والفلاة يقال صدعهما أي قطعهما بسيره ومنه الصداع كأنه شق في الرأس – معجم ألفاظ القرآن باب الصاد فصل الدال والعين ] قال تعالى { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون – الحشر 21 } ومتصدعا أي متشققاً وصدع الأرض هنا تشققها قال تعالى { والأرض ذات الصدع } .

ثم يقول تعالى :

(13) إنه لقول فصل (13)

وهنا :

(إنه)

أي أنه يقول تعالى { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون – الواقعة 77-79 } . وهذا القرآن الكريم هنا فيه الفصل بين الحق والباطل كما في قوله تعالى {إنه لقول فصل وما هو بالهزل – الطارق 13-14 } .

وأما :

(لقول)

وهنا يقول تعالى عن كتابه الكريم أن القول هو قول الله تعالى وهو أحسن الأقوال كما في قوله تعالى { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب – الزمر 18 }

ومن كفر بالله تعالى ورسوله فقد حق عليهم القول كالأمم من قبل في قوله تعالى { أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين – الأحقاف 18 } ومن هؤلاء منافقون قال تعالى فيهم { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا – النساء 108 } وهؤلاء إذا وقع القول عليهم آخر الزمانأخرج لهم دابة من الأرض أو إماماً يعلمهم اليقين في الله تعالى مصداقاً لقوله تعالى { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون – النمل 82 } . وهذا هو الفصل الذي قال تعالى فيه هنا { إنه لقول فصل } أي فيه الفصل بين الحق والباطل وله توقيت يعلمه الله تعالى وعلاماته أن يحكم بلاد العرب والمسلمين مترفين فاسقين قال تعالى فيهم { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا – الإسراء 16 }

وهؤلاء حق عليهم القول كما أهلك الله تعالى الأمم من قبل قال تعالى : { أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين – الأحقاف 18 }

وأما :

(فصل)

وهو خير الفاصلين سبحانه وتعالى كما في قوله تعالى { يقص الحق وهو خير الفاصلين – الأنعام 57 } . وفي كتابه تعالى الكريم فصل الله تعالى كل شيئ تفصيلا قال تعالى { وكل شيئ فصلناه تفصيلا – الإسراء 12 } . ويبين تعالى أن كلمة الفصل في الحكم بين المؤمنين والكافرين والمنافقين الذين شرعوا للناس من الدين مالم يأذن به الله فهؤلاء لهم أجل مسمى قال تعالى فيه { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم – الشورى 21 } وهذه الكلمة قال تعالى فيها بكتابه الكريم { لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون – يونس 49 } . وهذا هو القول الفصل كما في قوله تعالى هنا { إنه لقول فصل } وهذا القول له توقيت قال تعالى فيه { إن يوم الفصل كان ميقاتا – النبأ 17 } . وهو ميقات لهلاك هؤلاء الكفار والمنافقين كما في قوله تعالى{  إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين – الدخان 40 } ثم يوم القيامة يفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون قال تعالى { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون – السجدة 25} .

ثم يقول تعالى :

(14) وما هو بالهزل (14)

وهنا :

(وماهو)

وهنا يقول الله تعالى عن كتابه الكريم أنه ذكر للعالمين كما في قوله تعالى  { وما هو إلا ذكر للعالمين – القلم 52 } وما هو بقول شاعر كما في قوله تعالى { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون – الحاقة 41 } وما هو بقول شيطان رجيم قال تعالى { وما هو بقول شيطان رجيم – التكوير 25 } . فلما نصر الله تعالى رسوله وعجز هؤلاء عن مواجهة القرآن الكريم لجأوا للكذب على الله تعالى ورسوله .

 وهنا كأنه يقول تعالى عما كذبه هؤلاء على الله ورسوله وهم يعلمون فكتبوا الكتب في شرع الله ووضعوا لها الأصول لتملئ المكتبة الإسلامية بعشرات الآلاف من الكتب وما ازدادت الأمة من الله تعالى إلا بعدا كما حدث في الأمم من قبل  لما عملوا بالرأي في الدين و قال تعالى في ذلك { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون – آل عمران 78 } ثم جاءت أجال نقلت عنهم ونقول عن هؤلاء بغير علم ولذلك ينزه الله تعالى كتابه الكريم هنا عن الإختلاف قائلا { إنه لقول فصل وما هو بالهزل } .

وأما :

(بالهزل)

[ والهزل : ً وهزل في كلامه يهزل هزلاً مزح فيه وجانب الجد أو هذى وهذر ويقال للكلام الذي يهزل فيه – هزل وهو إطلاق المصدر على المفعول ويفسر بعضهم الكلام الهزل بأنه مالا محصل له ولا ريع ولا ثمرة له ويفسره بعضهم بالهذيان والهذر – معجم ألفاظ القرآن باب الهاء فصل الزاي واللام ] . قال تعالى هنا مبيناً أن كل قول مخالف لكتاب الله ومالا سند عليه من كتاب الله تبارك وتعالى فهو قول هزل وكتاب الله تعالى منزه عن ذلك كما في قوله تعالى هنا { وما هو بالهزل } .

ثم يقول تعالى :

(15) إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16)

وهنا :

(إنهم)

ورد هذا اللفظ على قوم رفضوا كلمة لا إله إلا لله  كما في قوله تعالى{ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون – الصافات 35 }

ومنهم قوم قلدوا آبائهم (وقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا) وهؤلاء قوم يقولون بتقليد الآباء كما في قوله تعالى { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون – الصافات 69-70 } .

وهؤلاء هم مؤسسوا مدرسة الرأي في الدين وهؤلاء منافقون قال تعالى فيهم أنهم إخوة للكافرين قال تعالى { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون –الحشر 11 } وهؤلاء هنا هم الذين كادوا للنبي وأهل بيته والمؤمنين كما في قوله تعالى { إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا } .

وأما :

(يكيدون كيدا وأكيد كيدا}

[ وكاده يكيده كيداً : احتال في إلحاق الضرر به ويقال كاد له :كاده  وكاد أو لأحد من عباده الصالحين أي دبر له أموره وهيأ له ما هو خيرً له – معجم ألفاظ القرآن  باب الكاف فصل الياء والدال ] . قال تعالى في الاحتيال لإلحاق الضرر { قال لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا – يوسف 5 } وقال تعالى في كيد فرعون { فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى – طه 60 }

والكيد الاول من الكفار والمنافقين

وهو من الشيطان وكيده ضعيف كما في قوله تعالى { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا – النساء 76 } و لأنه يستخدم النساء في مكائده فالمرأة  هنا رأس حربة الشيطان ولذلك قال تعالى  أن كيهن عظيم في قوله تعالى { فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم – يوسف 28 } والكيد دائماً يتمحور حول التخلص من الأنبياء والمرسلين وأئمة أهل بيت النبي عليهم اسلام والمؤمنين إما بالقتل أو السجن أو الطرد والإخراج من البيوت قال تعالى { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال – غافر 25 } فإن نجحوا في إلحاق بعض الضرر والأذى بالنبي أو الولي أو الممؤمن فقد تحول الكيد إلى مكر قال تعالى فيه { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ – الأنفال 30 }

 وأما الكيد الثاني فهو الدفاع عن المؤمنين وحمايتهم ونصرهم والإنتقام من عدوهم  :

وكيد الله تعالى يبدأ بإبراز المتقين الصابرين لمواجهة الكفار والمنافقين فينصرهم الله عليهم بتقواهم وصبرهم { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط  – آل عمران 120 } ولذلك يقول سيدنا موسى عليه السلام للسحرة وفرعون وملئه { فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى – طه 64 }

وكيد الله تعالى للمؤمنين نصرهم كما قال تعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام ونجاته من النار { فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين – الصافات 98 }  وكان كيد الله تعالى بأصحاب الفيل القضاء عليهم كما في قوله تعالى { ألم ترى كيف فعل ربك باصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول – سورة الفيل } وكيد الله تعالى لهؤلاء الكفار والمنافقين آخر الزمان تكون في معركة يوم الفصل التي قال تعالى فيها بسورة المرسلات { انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْر وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ – المرسلات 30-40 } وهى أيضاً أسلحة قصف من عند الله تعالى كما أرسل طيراً  أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ولكن هذه المرة ترميهم بقذائف كالقصر في الحجم وصفراء في اللون كألوان الجمال الصفر وبالتالي الذين كفروا هم المكيدون وما يمكرون إلا بأنفسهم وهم لا  يشعرون قال تعالى  { أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون – الطور 42 } وذلك معنى قوله تعالى هنا { إنهم يكيدون كيداَ وأكيد كيدا } .

ثم يقول تعالى :

(17) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17)

وهنا :

(فمهل الكافرين أمهلهم)

[ ومهله تمهيلا : تأتي به ولم يعجل عليه – معجم ألفاظ القرآن باب الميم فصل الهاء واللام ] قال تعالى { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إنا لدينا أنكالا وجحيما وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما– المزمل 11-13 } وهذا هو معنى قوله تعالى هنا { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا – الطارق 17 } ومهلهم هنا لاستعجالهم نزول العذاب كما في قوله تعالى { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون – العنكبوت 53 } ولذلك قال تعالى هنا { فهمل الكافرين أمهلهم رويدا} .

فإذا كان يوم القيامة عذبوا بالمهل بضم الميم كما في قوله تعالى { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا- الكهف 29 } [ والمهل : عكر الزيت المغلي وقيل القيح والصديد وقيل المذاب من النحاس والحديد وغيرهما من الفلزات – معجم ألفاظ القرآن باب الميم فصل الهاء واللام ] .

وأما :

( الكافرين)

وهم فريقان فريق صريح الكفر لا يحكم بما أنزل الله وقال تعالى فيهم {  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون – المائدة 44 } ومنهم المنافقون الذين يبطنون الكفر وكراهية شرع الله وسنة رسوله وكراهيةأهل بيته ومنهجهم وشيعتهم وما يمت إليهم بصلة ومن تظاهر بحبهم وأبطن كراهية هؤلاء وولايتهم فهو من الذين قال تعالى فيهم { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم – المائدة 41 } وهؤلاء الكفار والمنافقون كلاهما إخوة في الشيطان وينصر بعضهم بعضاً بالكلام والوعود الكاذبة دون الفعل قال تعالى { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون –الحشر 11 } وهؤلاء توعدهم الله تعالى آخر الزمان بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود قال تعالى فيها { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ –فصلت 9-13 } ولذلك قال تعالى هنا في إمهالهم حتى يومهم الذي فيه يصعقون { فمهل الكافرين أمهلهم .رويدا }  و

وأما :

(رويدا)

[ وراد يرود ورداً : تردد برفق ويصغر الرود على رويد وتعني : برفق وعلى مهل ودون عجله –  معجم ألفاظ القرآن باب الراء فصل الواو والدال ] قال تعالى هنا { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا– الطارق }  .

هذا وبالله التوفيق وما توفيقي إلابالله

عليه توكلت وإليه أنيب وسلام على المرسلين

والحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

انتهى العمل من هذه السورة الكريمة

في 7 ربيع أول سنى 1421 هـ الموافق 10 يونيو عام 2000 للميلاد

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم بمتابعة مستقبل العالم و الأحداث الخطرة و عرض (تفسير البينة) كأول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة وترابطها بالتي قبلها وبعدها للمجامع والمراكز العلمية و الجامعات والعلماء في العالم.

شاهد أيضاً

السامري إمام مدرسة الرأي و فكرة هدم الدين بالدين و الوحي بوحي شيطاني” من سورة طه رقم (43) في التنزيل من(تفسير البينة أو النبأ العظيم)

بقلم : الشريف خالد محيي الدين الحليبي  مركز القلم للأبحاث و الدراسات  الملف بصيغة : …