تفسير سورة البلد رقم (33) في التنزيل

 

السورة بصيغة PDF :

33سورة البلد :

يقول تعالى :

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بســـــــــــــم الله الرحمـــــــن الرحيـــــــــــم

  • لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2)

[ { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } * { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }

{ لا أُقْسِمُ } يعني أقسم، { بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، يعني مكة. { وَأَنتَ حِلٌّ } ، أي حلال، { بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم أحل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، حتى قاتل وقَتَل وأمر بقتل ابن خَطَل، وهو متعلّق بأستار الكعبة، ومِقْيَس بن صُبَابة وغيرهما، فأحل دماء قوم وحرّم دماء قوم فقال: ” ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن “. ثم قال: ” إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة “. والمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة دلّ ذلك على عظيم قدرها مع حرمتها فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده فهذا وعد من الله عزّ وجلّ بأن يحلها له. قال شرحبيل بن سعد: ومعنى قوله: { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، قال: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً ويستحلون إخراجك وقتلك؟ – معالم التنزيل للبغوي ]

ورد في تفسير البرهان : [ محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ – الواقعة 75} , قال: ” كان أهل الجاهلية يحلفون بها، فقال الله عز و جل { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ- الواقعة 75 }  قال: عظم أمر من يحلف بها ، قال: و كانت الجاهلية يعظمون المحرم و لا يقسمون به و لا بشهر رجب ، و لا يعرضون فيهما لمن كان فيهما ذاهبا أو جائيا، و إن كان قد قتل أباه، و لا لشيء [يخرج] من الحرم، دابة أو شاة أو بعير أو غير ذلك، فقال الله عز و جل: [ لنبيه (صلى الله عليه و آله)] { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، قال: فبلغ من جهلهم أنهم استحلوا قتل النبي (صلى الله عليه و آله)! و عظموا أيام الشهر حيث يقسمون به فيفون “.- البرهان للسيد هاشم البحراني ]

وهنا :

(لا أقسم)

قال بعض العلماء أن اللام زائدة والواقع أن اللام نافية تنفي هنا القسم على أشياء بداهة فوق العادة تمثل معجزات لا تحتاج إلى قسم وكأن الله تعالى يقول أنها أمور فوق القسم كقزله تعالى في كل ما يراه الناس ومالا يبصروه { ف لا أقسم ما تبصرون ومالا تبصرون إنه لقول رسول كريم – الحاقة 28-40 }

ويوم القيامة لا يحتاج إلى قسم بما فيه من موت العالم ثم إحياء الموتى كما في قوله تعالى { لا أقسم بيوم القيامة و لا أقسم بالنفس اللوامة – القيامة 1-2 } شروق الشمس ومغيبها لا تحتاج إلى قسم فهى حركة دالة على أن خلفها محرك يحركها بإذنه تعالى لذلك قال تعالى { ف لا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل أمثالهم – المعارج 41 } وقال تعالى أيضاً { ف لا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقاً عن طبق – الإنشقاق 16-19 } ومواقع النجوم لا تحتاج إلى قسم كما في قوله تعالى {  ف لا أقسم بمواقع النجوم – الواقعة 75 }

وخالق هذه السماء والأرض والنجوم والليل والنهار وهى آيات لا تحتاج إلى قسم قال تعالى

{ فَ لَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ- التكوير 15-21 }

وهنا يبين تعالى أن هذا الخالق العظيم الذي بعث رسول كريم بالوحي في  بلد لا يحتاج إلى قسم لوجود رسول الله صلى الله عليه وآله وبيت الله الحرام به لذلك قال تعالى هنا  { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد – البلد } .

وكانه يقول تعالى أنها أمو لا تحتاج إلى قسم كقولك (والله لن أقسم على ذلك لو فعلت كذا لأفعلن كذا ) كأنك تقول أنه أمر  أقل من أن نقسم عليه لأن القسم عظيم وهذه كلها أمور أقل من أن يقسم عليها الخالق عز وجل :

  • هذا الكون كله بما تراه عينك ومالا تراه أقل من أن يقسم الله تعالى عليه لأن وراءه كوناً آخر أعظم منه لا تعلم عنه شيئ قال تعالى فيه { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار – إبراهيم 48 } .
  • وهذا القرآن الكريم الذي هو كلام الله أقل من أم الكتاب المنزل من اللوح المحفوظ وهو أعظم كما في قوله تعالى { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم – الزخرف 4 }
  • وهذا البلد الأمين أقل من البيت المعمور الذي تطوف به ملائكة الله وخلقه فوقها لقوله تعالى عندما أقسم بالبيت المعمور في قوله تعالى { والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور – الطور 4 } .
  • والنبي صلى الله عليه وآله له مكانة في الآخرة أكبر من الأولى كما في قوله تعالى { ولالآخرة خير لك من الأولى } وعن مكانته عند الله تعالى يقول { ذي قوة عند ذي العرش مكين – التكوير 20 } وهو في الآخرة الشاهد على كل الأمم لأخذ الله تعالى الميثاق له منهم كما في قوله تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين –آل عمران 81 }
  • وكذلك الآخرة أكبر درحات أكثر تفضيلا قال تعالى { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا – الإسراء 21 } وبالتالي كل ما يراه الناس في الدنيا دال على ألوهيته وخلقه ولا يحتاج إلى قسم لأنه لا يستطيع بشراً أو خلقا ان يخلق مثل هذه السماء وهذه الأرض كما في قوله تعالى متحدياً إياهم { قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار- الرعد 16 } .

وأما :

(بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد )

وهذا البلد هنا هو مكة المكرمة التي أقسم بها عز وجل و هى البلد الأمين قال تعالى { والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين – التين } ولعظم مكانته عند الله تعالى  دعا له سيدنا إبراهيم عليه السلام من قبل كما في قوله تعالى { إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام – إبراهيم 35 }  والقسم بها لنزول الوحي بها أولاً ثم ثانياً وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وبعثته بالرسالة منها لذلك قال تعالى هنا { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد – البلد 1-2 } .

ثم يقول تعالى :

  • وأنت حل بهذا البلد (2)

وهنا :

(وأنت)

وهنا (وأنت) ترد في موضع لا يقبل الشك بأن رفع العذاب عن أهل مكة كان لوجود رسول الله صلى الله عليه وآله بينهم قال تعالى { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون – الأنفال 33 } ولذلك هنا لعظم مكانته صلى الله عليه وآله وعظم مكانة بيت الله الحرام موطن الوحي قال تعالى هنا { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد – البلد1-2 }

وفي دعاء نبي الله نوحاً عليه السلام و نجاته بعد الطوفان كان بنزوله المنزل المبارك في قوله تعالى { وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين – المؤمنون 29 }  والمبارك ورد ذكره في كتاب الله على البقاع المباركة الثلاث بين مكة والشام وطور سيناء في قوله تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله – الإسراء } وهذه الأماكن لا تحتاج أيضاً إلى قسم لنزول القرآن في مكة بالحجاز والتوراة بطور سيناء في مصر والإنجيل بالشام .

وأما :

(حِلٌ)

وهنا [ حِلٌ المكان وبالمكان يحل بضم الحاء وكسرها : نزل فيه – معجم ألفاظ القرآن باب الحاء فصل اللام واللام ] قال تعالى { الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب  فاطر 35 } وقال تعالى مبيناً أن منع نزول العذلب بهم هو رسول الله صلى الله عاله وآله بكرامته عند الله تعالى قال تعالى { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد – الرعد 31} ولذلك قال تعالى هنا { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } .

و[ حل الشيئ يَحل بكسر الحاء حِلاً : أبيح  – معجم ألفاظ القرآن باب الحاء فصل اللام واللام ]  قال تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا – البقرة 275 }  أي أنه تعالى أحل لرسول الله صلى الله عليه وآله بعضاً مما حرمه على الأمم من قبل كما في قوله تعالى { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون – الأعراف 157 } وبالتالي أباح الله تعالى لرسوله أن يفعل بقومه ما يشاء فكان رؤوفاً رحيما بهم قال تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم – التوبة 128 } .

ولذلك ورد في التفاسير ومنها  الدر المنثور :

[ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { لا أقسم بهذا البلد } قال: مكة { وأنت حل بهذا البلد } يعني بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل يومئذ ابن خطل صبراً، وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فيها حراماً بحرمة الله، فأحل الله له ما صنع بأهل مكة.- – الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص392 ] .

[ وكان ابن خطل يقلب ما يمليه عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يقرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول ما أمليت عليك ذلك فقتله لما فعل – الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص392 ] .

[ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { لا أقسم بهذا البلد } قال: مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال: أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل به، وأما غيرك فلا.

وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: فيَّ نزلت هذه الآية { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } خرجت فوجدت عبد الله بن خطل متعلقاً بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: ”  لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة أخذ أبو برزة الأسلمي وهو سعيد بن حرب عبد الله بن خطل وهو الذي كانت قريش تسميه ذا القلبين، فأنزل الله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه – الأحزاب 4 }  ، فقدمه أبو برزة فضرب عنقه وهو متعلق بأستار الكعبة، فأنزل الله فيها { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } وإنما كان ذلك لأنه قال لقريش: أنا أعلم لكم علم محمد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحب أن تستكتبني قال: فاكتب فكان إذا أملى عليه من القرآن، وكان الله عليماً حكيماً كتب، وكان الله حكيماً عليماً، وإذا أملى عليه وكان الله غفوراً رحيماً كتب وكان الله رحيماً غفوراً. ثم يقول: يا رسول الله اقرأ عليك ما كتبت. فيقول: نعم، فإذا قرأ عليه وكان الله عليماً حكيماً أو رحيماً غفوراً قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هكذا أمليت عليك، وإن الله لكذلك إنه لغفور رحيم، وإنه لرحيم غفور. فرجع إلى قريش فقال: ليس آمره بشيء كنت آخذ به، فينصرف فلم يؤمنه، فكان أحد الأربعة الذين لم يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم “.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لا أقسم } قال: لا رداً عليهم { أقسم بهذا البلد } .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد { لا أقسم بهذا البلد } يعني مكة { وأنت حل بهذا البلد } يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول: أنت في حل مما صنعت فيه.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { وأنت حل بهذا البلد } يقول: لا تؤاخذ بما عملت فيه وليس عليك فيه ما على الناس

وأخرج عبد بن حميد عن منصور قال: سأل رجل مجاهداً عن هذه الآية { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال: لا أدري، ثم فسرها لي فقال: { لا أقسم بهذا البلد } الحرام { وأنت حل بهذا البلد } الحرام، أحل الله له ساعة من النهار قيل له ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير { لا أقسم بهذا البلد } قال: مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح { لا أقسم بهذا البلد } قال: مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال: أحلت له ساعة من نهار.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { لا أقسم بهذا البلد } قال: مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال: أنت به غير حرج ولا آثم.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال: أحلت مكة للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ثم حرمت إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { وأنت حل بهذا البلد } قال: أحلها الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار يوم الفتح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { وأنت حل بهذا البلد } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: أنت حل بالحرم فاقتل إن شئت أو دع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لبشر إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، ولا يختلي خلاها، ولا يعضد عضاهها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { وأنت حل بهذا البلد } قال: لم يكن بها أحد حلاً غير النبي صلى الله عليه وسلم كل من كان بها حرام لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها، ولا يستحلوا حرمه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن شرحبيل بن سعد { وأنت حل بهذا البلد } قال: يحرمون أن يقتلوا بها الصيد ويعضدوا بها شجرة ويستحلون اخراجك وقتلك.

وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال: أحل له أن يصنع فيه ما شاء { ووالد وما ولد } يعني بالوالد آدم { وما ولد } ولده. – الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 392] .

وورد في تفسير البرهان :

[ قوله تعالى : { بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } [البلد: 1] – إلى قوله تعالى – { عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ –البلد 20 } – علي بن إبراهيم: { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، [ و البلد مكة] { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، قال : كانت قريش لا يستحلون أن يظلموا أحدا في هذا البلد ، و يستحلون ظلمك فيه { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ، قال: آدم و ما ولد من الأنبياء و الأوصياء { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } ، قال: منتصبا ، و لم يخلق مثله شيء { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } قال: اللبد: المجتمع.- البرهان للسيد هاشم البحراني ]

ثم يقول تعالى :

(3) ووالد وما ولد (3)

وهنا :

(ووالدٍ)

يقول تعالى في الولد ووالديه { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير – البقرة 233 }  وهذا هو ظاهر المعنى في الوالد وولده وأول الوالدين هما آدم عليه السلام أبو البشر وزوجه لقوله تعالى فيهما { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون – الأعراف 27 } من آباء هذه الأمة سيدنا إبراهيم الذي قال تعالى فيه { ملة ابيكم إبراهيم -إبراهيم }

وقد اصطفى الله عز وجل والأنبياء من ذرية آدم عليه السلام في قوله تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين – آل عمران }

و الآباء منهم الوالد سيدنا إبراهيم عليه السلام لورود هذا اللفظ في قوله تعالى عن سيدنا غبراهيم ودعائه { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ – إبراهيم 39 -41 } وكما دعا سيدنا إبراهيم لواليده فهو أب ووالد هذه الأمة لذلك قال تعالى { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين – الحج 78 }

[ يقول صلى الله عليه وآله أنا جد كل تقي – الحاوي للفتاوى ( 2 / 89 )،(1/86) ]

و [ عن جابر بن عبد الله: سمعت رسول (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي: يا علي، الناس من شجر شتى، وأنا وأنت من شجرة واحدة، ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله): ﴿وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء وحد﴾ (يس/إيه 34)

قال ‪‪ رسول الله (صلى الله عليه وآله): خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة؛ فأنا أصلها، وعلي فرعها، فطوبى لمن استمسك بأصلها، وأكل من فروعها. ( تاريخ دمشق: ٤٢ / ٦٥ / ٨٤١١، شواهد التنزيل: ١ / ٣٧٧ / ٣٩٦ كلاهما عن أبي سعيد الخدري؛ الأمالي للطوسي: ٦١٠ / ١٢٦١ عن بكر ابن الملك الأعتق البصري عن الإمام زين العابدين عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلى الله عليه وآله) نحوه.

ولذلك قال صلى الله عليه وآله [ أنا وعلي أبوا هذه الأمة ] [ وروي عن بعض الأئمة في قوله : ” أن اشكر لي ولوالديك ” أنه نزل فيهما.النبي صلى الله عليه وآله: أنا وعلي أبوا هذه الأمة، أنا وعلي موليا هذه الأمة.وعن بعض الأئمة ” لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد .

قال : أمير المؤمنين عليه السلام وما ولد من الأئمة.

الثعلبي في ربيع المذكرين والخركوشي في شرف النبي عن عمار وجابر وأبي أيوب، وفي الفردوس عن الديلمي، وفي أمالي الطوسي عن أبي الصلت بإسناده عن أنس:كلهم عن النبي صلى الله عليه وآله قال: حق علي على الأمة كحق الوالد على الولد.وفي كتاب الخصائص عن أنس: حق علي بن أبي طالب على المسلمين كحق الوالد على الولد.- بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٣٦ – الصفحة ١١ ] .

الحسين (عليه السلام) نزل فيه قوله تعالى :

{ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين- الأحقاف 15 }

روى أنها نزلت في أبي بكر

[ قال السيوطي وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني الآية فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعا وإخوانه وولده كلهم ونزلت فيه أيضا ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ﴾  الدر المنثور ج 5 ص 595 ] .

[ وفي التفسير الروائي الشيعي عن علي بن الحسين(عليه السلام) والامام الصادق(عليه السلام) انها نزلت في الحسين(عليه السلام) وتسعة من ذريته .

روى الكليني بسنده عن ابي خديجة عن ابي عبد الله(عليه السلام) قال لما حملت فاطمة(عليه السلام) بالحسين جاء جبرئيل الى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال ان فاطمة ستلد غلاماً تقتله امتك من بعدك فلما حملت بالحسين(عليه السلام) كرهت حمله . وحين وضعته كرهت وضعه . ثم قال ابو عبد الله(عليه السلام) تكرهه لما علمت انه سيقتل . قال وفيه نزلت هذه الآية : ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا … ﴾  – الكليني الكافي ج1/464 ] [ وروى الكليني ايضاً رواية اخرى اكثر تفصيلاً وهي : عن ابي عبد الله(عليه السلام) قال :
ان جبرئيل(عليه السلام) نزل على محمد(صلى الله عليه وآله) فقال له يا محمد ان الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة تقتله امتك من بعدك .

فقال : يا جبرئيل وعلى ربى السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله امتي من بعدي .
فعرج ثم هبط(عليه السلام) فقال : يا محمد ان ربك يقرئك السلام ويبشرك بانه جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية ، فقال : قد رضيت .ثم ارسل الى فاطمة ؛ ان الله يبشرني بمولود يولد لك تقتله امتي من بعدي فأرسلت اليه لا حاجة لي في مولود مني تقتله امتك من بعدك فارسل اليها ان الله قد جعل في ذريته الامامة والولاية والوصية فأرسلت اليه اني قد رضيت قال وفيه نزلت هذه الآية : ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي … ﴾  فلو لا انه قال اصلح لي ذريتي لكانت ذريته كلهم  الكافي ج1 ص464  ] .

ورد في تفسير البرهان :

[  و عنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن بعض أصحابنا، قال: سألته عن قول الله عز و جل:{ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ  – الواقعة 75 } ، قال: ” عظم إثم من يحلف بها، قال: و كان أهل الجاهلية يعظمون الحرم و لا يقسمون به، و يستحلون حرمة الله فيه، و لا يعرضون لمن كان فيه، و لا يخرجون منه دابة، فقال الله تبارك و تعالى: { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ، قال: يعظمون البلد أن يحلفوا به، و يستحلون فيه حرمة رسول الله (صلى الله عليه و آله)  “.

– محمد بن يعقوب: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، رفعه، في قوله تعالى: { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ، قال: ” أمير المؤمنين و ما ولد من الأئمة (عليهم السلام) “.

– محمد بن العباس: عن علي بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد، عن إبراهيم بن صالح الأنماطي، عن منصور، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز و جل: { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، قال: ” يعني رسول الله (صلى الله عليه و آله) “. قلت: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ }؟ قال: ” علي و ما ولد “.

– و عنه: عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حصين، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ، [قال]: ” يعني عليا و ما ولد من الأئمة (عليهم السلام) “.

– و عنه: عن الحسين بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الله بن محمد، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال لي: ” يا أبا بكر، قول الله عز و جل: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } هو علي بن أبي طالب، و ما ولد الحسن و الحسين (عليهم السلام) “.

– المفيد في (الاختصاص): عن إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثني إسماعيل بن يسار، قال:حدثني علي بن جعفر الحضرمي، عن سليم بن قيس الشامي، أنه سمع عليا (عليه السلام) يقول: ” إني و أوصيائي من ولدي أئمة مهتدون، كلنا محدثون “.

قلت: يا أمير المؤمنين، من هم؟ قال: ” الحسن و الحسين، ثم ابني علي بن الحسين- قال: و علي يومئذ رضيع- ثم ثمانية من بعده واحدا بعد واحد، و هم الذين أقسم الله بهم، فقال: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ، أما الوالد فرسول الله (صلى الله عليه و آله)، و ما ولد يعني هؤلاء الأوصياء “.

فقلت: يا أمير المؤمنين، أ يجتمع إمامان؟ فقال: ” لا، إلا و أحدهما مصمت لا ينطق حتى يمضي الأول “.

قال سليم: سألت محمد بن أبي بكر، فقلت: أ كان علي (عليه السلام) محدثا؟ فقال: نعم، [قلت]: أ يحدث الملائكة الأئمة؟ فقال: أو ما تقرأ : (و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث)؟ قلت: فأمير المؤمنين (عليه السلام) محدث؟ فقال: نعم، و فاطمة كانت محدثة، و لم تكن نبية.

ابن شهر آشوب: عن بعض الأئمة (عليهم السلام): { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ، قال: ” أمير المؤمنين و ما ولد من الأئمة (عليهم السلام) “.

–  الزمخشري في (ربيع الأبرار): عن الحسن، في قوله سبحانه و تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد الإنسان، يكابد مضائق الدنيا و شدائد الآخرة.

– ابن بابويه، قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا علي بن الحسين السعدآبادي، عن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن حماد بن عثمان، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا نرى الدواب في بطن أيديها الرقعتين مثل الكي، فمن أي شيء ذلك؟ فقال:” ذلك موضع منخريه في بطن امه، و ابن آدم منتصب في بطن امه، و ذلك قول الله عز و جل: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } ، و ما سوى ابن آدم فرأسه في دبره، و يداه بين يديه “.

– علي بن إبراهيم، قال: أخبرنا أحمد بن إدريس، قال: حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن إسماعيل بن عباد، عن الحسين بن أبي يعقوب، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله تعالى: { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ }: ” يعني نعثل في قتله بنت النبي (صلى الله عليه و آله): { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } يعني الذي جهز به النبي (صلى الله عليه و آله) في جيش العسرة { أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } قال: فساد كان في نفسه، { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } ، يعني رسول الله (صلى الله عليه و آله) { وَلِسَاناً } يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) { وَشَفَتَيْنِ } يعني الحسن و الحسين (عليهما السلام) { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } إلى ولايتهما { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ } يقول: ما أعلمك؟ و كل شيء في القرآن (ما أدراك) فهو ما أعلمك؟ { يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ } يعني رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و المقربة قرباه { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } يعني أمير المؤمنين متربا بالعلم “.–  تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني ] .

وبالتالي قوله تعالى (ووالد وما ولد) هما نبي الله آدم عليه السلام والأنبياء من ذريته وخاتمهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه ثم الإمام علي والأئمة من ذريتهم الذين قال تعالى فيهم { إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم – آل عمران } وهنا ذرية بعضها من بعض من أبو البشر آدم عليه السلام والذين اصطفاهم الله عز وجل حتى الإمام المهدي عليه السلام .

ورد في تفسير الدر المنثور : [  وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني { ووالد وما ولد } قال: إبراهيم وما ولد.وأخرج ابن جرير والطبراني عن ابن عباس في قوله { لا أقسم بهذا البلد } قال: مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال: مكة { ووالد وما ولد } قال: آدم { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: في اعتدال وانتصاب.وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: { ووالد وما ولد } قال : آدم وما ولد .. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ووالد وما ولد } قال: الوالد آدم { وما ولد } ولده – الدر المنثور للسيوطي ] .

ثم يقول تعالى :

  • لقد خلقنا الإنسان في كبد (4)

وهنا :

(لقد خلقنا)

وهنا يقول تعالى عن خلق الإنسان { و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين – المؤمنون 12 }  ويبين تعالى أنه خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم كما في قوله تعالى { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم – التين 4 }

{ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ –الأعراف 11 -24 }

وهنا يبين تعالى أن نبي الله آدم عليه السلام نسى عهد الله تعالى له بعداوة إبليس ولقد تاب عليه لأن نبي الله آدم اصطفاء إلهي ولم يصدق إبليس إلا بعد أن اقسم له ولزوجته بأنه ناصح فصدق القسم الذي اقسمه وهنا نسى بأن الله تعالى قال له أنك إن خرجت من الجنة فستشقى ةتعرة وتظمأ فيها تضحى كما في قوله تعالى { وَ لَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ – طه 115-120 }

وهذا التفصيل لشقاء آدم وذريته من بعده هو الكبد الذي ذكرته الآية هنا في قوله تعالى { لقد خلقنا الإنسان في كبد – البلد 4 } . ولذلك يقول صلى الله عليه وآله [ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر … الحديث – رواه مسلم ] [ وروى أحمد في ” الزهد ” (ص128) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ” لَا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ” ] .

وأما :

(الإنسان)

وهنا يقول تعالى {  يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ – الإنفطار 6-12 }  وهنا إذا كذب بالدين وعصى الله تعالى فقد حول حياته إلى مكابدة وضنك وشقاء وإذا آمن بالله تعالى وعمل صالحاً رزق القناعة والرضا وراحة البال في الدنيا فإذا مات دخلا لجنة لذلك قال تعالى هنا فيمن كفروا بالله تعالى { لقد خلقنا الإنسان في كبد }

وهذا الكبد كدح وتعب وشقاء حتى يلاقي العبد ربه فيجازيه على عمله الصالح ومن ثم يكون يوم سعادته في لقاء الله فاللهم اجعل أسعد أيامنا يوم لقائك وهنا يقول تعالى عن هذا الكدح للإنسان في الدنيا قال تعالى { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا – الإنشقاق 6-15 } .

وأما :

(في كبد)

[ والكبد : تألم من وجع كبده والكَبَد : الألم والمشقة – معجم ألفاظ القرآن باب الكاف فصل الباء والدال  قل تعالى { لقد خلقنا الإنسان في كبد – البلد 4 } أي [ لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا – التفسير الميسر ] .  واللفظ ليس له مرادف في كتاب الله .

[  { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: في شدة { يقول أهلكت مالاً لبداً } قال: كثيراً { أيحسب أن لم يره أحد } قال: لم يقدر عليه أحد

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير { ووالد وما ولد } قال: آدم { وما ولد } ، { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } في نصب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: في شدة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق عطاء عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: في شدة خلق في ولادته ونبت أسنانه وسوره ومعيشته وختانه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال:

خلق الله الإِنسان منتصباً، وخلق كل شيء يمشي على أربع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: منتصب في بطن أمه.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: منتصباً في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأم أو اضطجعت رفع رأسه لولا ذلك لغرق في الدم.

وأخرج الطستي في مسائل عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: في اعتدال واستقامة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول لبيد بن ربيعة:

يا عين هلاّ بكيت اربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه، أحسبه عن عبد الله { في كبد } قال: منتصباً.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

وأخرج ابن المبارك عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: لا أعلم خليقة يكابد من الأمر ما يكابد هذا الإِنسان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال: يكابد أمور الدنيا وأمور الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه { في كبد } قال: شدة وطول.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم رضي الله عنه { في كبد } قال: في السماء خلق آدم.

وأخرج أبو يعلى والبغوي وابن مردويه عن رجل من بني عامر رضي الله عنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقرأ { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد أيحسب أن لم يره أحد } يعني بفتح السين من يحسب.

وأخرج ابن المنذر عن السدي رضي الله عنه { أيحسب أن لن يقدر } الآية، قال: الكافر يحسب أن لن يقدر الله عليه ولم يره.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { مالاً لبداً } قال: كثيراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: { أهلكت مالاً لبداً } قال: أنفقت مالاً في الصد عن سبيل الله { أيحسب أن لم يره أحد } قال: الأحد: الله عز وجل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: { يقول أهلكت مالاً لبداً } قال: أيمن علينا فما فضلناه أفضل { ألم نجعل له عينين } وكذا وكذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { ألم نجعل له عينين } قال: نعم من الله متظاهرة يقررنا بها كيما نشكر.

وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ”  يقول الله يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعماً عظاماً لا تحصي عدها، ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، فإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لساناً وجعلت له غلافاً فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك فرجاً وجعلت لك ستراً فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك. ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تستطيع انتقامي “.

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: { وهديناه النجدين } قال: سبيل الخير والشر.– الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص392 -393] .] .

ثم يقول تعالى :

  • أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5)

وهنا :

(أيحسب أن)

وهنا يحسب تدل في مواضع بكتاب الله تعالى على حسابات خاطئة [ وحسبالشيئ يحسبه بكسر السين ويحسبه بفتح السين : ظنه كائناً يتعدى مفعولين – معجم ألفاظ القرآن باب الحاء فصل السين والباء ] قال تعالى { فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها – النمل 84 } والحسابات الخاطئة هنا من الذين كفروا أن لن يبعث الله أحدا قال تعالى { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه- القيامة 3 } وهل يحسبون أنه لا يراهم أحد ولا يحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم في الدنيا قال تعالى { أيحسب أن لم يره أحد – البلد 7 } وهل يحسبون مد الله لهم بالمال والبنين رضا منه تعالى بل لا يشعرون قال تعالى { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون – المؤمنون 55-56 }   وهل يظنون أنهم لا يقدر عليهم أحد قال تعالى { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد – البلد 5 } وبالتالي هل يحسب أن يترك سدى بغير حساب كما في قوله تعالى  { أيحسب الإنسان أن يترك سدى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ – القيامة 36-40 } .

وأما :

(أن لن)

تبين هنا هذه الآيات أنهم ظنوا أن الله لنيبعث أحد لورودها في قوله تعالى { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا – الجن 7 } وقال تعالى فيهم أيضاً وفي ظنهم { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير – التغابن 7 } وذلك نفس معنى الآية هنا { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد – البلد 5 } .

وأما :

(يقدر)

أي أنه يقول تعالى هنا { أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير – الأحقاف 33 }

فإن ماتوا على كفرهم فسيحبط الله أعمالهم حتى تكون كرماد اشتدت به الريح كما في قوله تعالى { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد – إبراهيم 18 } .

وأما :

(عليه)

وهنا من خلال هذا اللفظ يبين الله تعالى لنا أن خلفه موضوع كبير يخص قصة الكفر والإيمان كما يلي فيبين الله تعالى لنا أنه خالق كل شيئ ولا يخفى عليه شيئ في الأرض ولا في السماء قال تعالى {  إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء آل عمران 5 } وقد بعث رسولاً منه وهو خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ابتعثه بخاتك الكتب وأمر الناس بالتحاكم إليه ومرجعهم إلى الله تعالى ينبئهم بما عملوا كما في قوله تعالى { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون- المائدة 48 }

وبين تعالى أن هذه الرسول رؤوف رحيم بأمته كما في قوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم – التوبة 128 } وبين لهم أن الله تعالى قد أمر بولايته تعالى وولاية رسوله ومودة أهل بيته عليهم السلام كما في قوله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى – الشورى }

فلما دعاهم إلى كتاب الله تعالى والوحي المنزل عليه كادوا يقتلونه لولا عصمة الله تعالى له منعهم من الوصول إليه سبحانه وتعالى لذلك قال تعالى { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا – الجن 19 }

وما كان ردهم على رسول الله صلى الله عليه وآله إلا قولهم لولا أنزل عليه ملك { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون – الأنعام 8 } أو قولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله كما في قوله عز وجل { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم – يونس 15 }

ثم قالوا بعد ذلك حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا كما في قوله تعالى { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون – المائدة 104 }

ثم يقول تعالى لهذه الأمة خاصة من يعملون بالرأي ويقمون آراء وأهواء العلماء على النص القرآني وغيرهم من الأمم الويل لهم إن سمعوا آيات الله تتلى عليهم فلم يعملوا بها قال تعالى { ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم – الجاثية 7-8 }

ثم يبين تعالى أن الذي خلقهم في النشأة الأولى من نطفة ذكر وأنثى كذلك عليه النشأة الآخرة  في قوله تعالى { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ – النجم 45-47 }

وهنا سوف يعلمون من يحل عليه عذاب مقيم قال تعالى فيه {  فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم – هود 39 } وهنا يقول تبارك وتعالى لهم هل يحسبون أن لن يقدر عليهم أحد قال تعالى { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } .

وأما :

(أحد)

وهنا يبين تعالى أنه لا يشرك في هكمه أحداً كما في قوله تعالى { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحد– الكهف 26 }  ويوم القيامة يجد كل إنسان كتاب أعماله وما عمله حاضرا ويحكم الله تعالى فيهم ولا يظلم الله تعالى أحدا كما في قوله تعالى { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا – الكهف 49 } وهنا لن يجير أو ينص  أحد أحداً كما في قوله تعالى { قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا – الجن 22 } وما من أحد عن أحد حاجز من عذاب الله تعالى كما في قوله عز وجل {  فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ – الحاقة 47 } .ولذلك يقول تعالى هنا { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} .

ثم يقول تعالى :

  • يقول أهلكت مالاً لبدا (6)

وهنا :

(يقول)

أي أنهم

{ وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا – الكهف 34 } أي أنه كان غنياً صاحب عرضاً كبيراً من الدنيا أهلك فيها الكثير من المال فيما لا يرضي الله وذلك لورود هذا اللفظ في قوله تعالى {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون – المنافقون 7 } أي أنهم أهلكوا مالا كثيراً لبداً كما في الآية هنا { يقول أهلكت مالاً لبدا – 6 }

فإذا ما دعوا للإنفاق على من عند رسول الله من المؤمنين أو أهل بيته امتنعوا عن ذلك ليحق عليهم القول و يمد لهم الرحمن في العذاب مدا قال تعالى {  أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا – مريم 77-80 } .

فإذا رجعواإلى الله تعالى واجهتهم  عقبة لن يجتازوها عصيانهم لله تبارك وتعالى و منعهم حق الله تعالى في المال قال تعالى { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا  أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ – البلد 5-18 } .

وأما :

(أهلكت)

وهنا يبين تعالى اقتران الهلاك بمنع الإنفاق في سبيل الله كما في قوله تعالى { وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ –البقرة 195 } ومنعهم حق الله تعالى في المال هو منع الصدقات على المؤمنين والزكاه على الفقراء والخمس لأهل بيت النبي عليهم السلام ولذلك قالوا { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } .

وبالتالي هؤلاء لكفرهم بالله تعالى ومنعهم حق الله في المال و ماأنفقوه في غير طاعة الله وهنا قال عز وجل { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ – آل عمران 116-117 } .

وأما :

(مالا)

وهنا يبين تعالى أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا كما في قوله تعالى { المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا – الكهف 46 }

و يوم القيامة لا ينفع فيه مال ولا بنون فلا ينفع فيه إلا طاعة الله تعالى وولايته الحق قال تعالى { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم – الشعراء 88-89 }

ويبين تعالى أن من عباده الذين كفروا أنه تعالى مدهم بمال وحسبوا أن ذلك من علامات رضا الله تعالى وهذا المعتقد خطأ جانبه الصواب قال تعالى { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا – مريم 77-78 } ولذلك قال تعالى في خطأ هذا المعتقد الباطل { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون – المؤمنون 55-56 } ومن هرلاء بعض صناديد قريش الذين قال تعالى فيهم { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ – القلم 10-16 } . [  قيل هو الأخنس بن شريق ; في قول الشعبي و السدي وابن إسحاق . وقيل : الأسود بن عبد يغوث ، أو عبد الرحمن بن الأسود و هو : الوليد بن المغيرة ، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم مالا وحلف أن يعطيه إن رجع عن دينه ; قاله مقاتل . وقال ابن عباس : هو أبو جهل بن هشام . والحلاف : الكثير الحلف – تفسير القرطبي ]

وهؤلاء إذا نفخ في الصور فسيواجهون عذاباَ شديداً قال تعالى فيه : { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا – المدثر 8-17 } .

وذلك بمنعهم حق الله في المال ومنه حق أهل بيت النبي في الخمس لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون – هود 29 } وبالتالي رسول الله صلى الله عليه وىله لا يسأل الناس شيئاً إلا مودة  أولي القربى في قوله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى – الشورى } ومن مودتهم أداء حق الله لهم وهم الخمس الذي قال تعالى فيه { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب –الحشر 7 } وهنا يبين تعالى ان اصحاب النار أهلكوا مالا كثيراً ولكن في غير طاعة الله فكانوات من الهالكين قال تعالى فيهم { يقول أهلكت مالا لبدا}

وأما :

(لبدا)

[ اللبد : الكثير المتراكب ] قال تعالى { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا – الجن } أي كادوا يهجموع عليه جماعات كالأسد اللابد الذي استجمع قواه للإنقضاض على الفريسة وهنا المال المجموع المكدس فوق بعضه قال تعالى فيه { يقول أهلكت مالاً لبدا– البلد 6 } .

ورد في تفسير البرهان : [ .. و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله تعالى: { أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } ، قال” هو عمرو بن عبد ود حين عرض عليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) الإسلام يوم الخندق، و قال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا؟ و كان أنفق مالا في الصد عن سبيل الله، فقتله علي (عليه السلام) “.- تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني ]

ثم يقول تعالى :

  • أيحسب أن لم يره أحد (7)

وهنا :

(أيحسب أن لم يره أحد )

أي أنه يقول تعالى في هذا الذي كفر بآيات الله ولم يعمل صالحاً لأخراه { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد – البلد 6 } أم { يحسب أن لم يره أحد – البلد 7 }  ويبين تعالى أن رسله تعالى يكتبون عليهم أعمالهم ويحصون عليهم كلامهم قال تعالى { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون – الزخرف 80 }

وأما :

(يره)

وذلك كقوله تعالى { ألم يعلم بأن الله يرى – العلق 14 } ولذلك يقول تعالى للناس بأن يعملوا والله تعالى سيرى عملهم ورسوله ثم يردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئهم بما كانوا يعملون قال تعالى { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون – التوبة 105 } وبالتالي من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال يرة شراً يره كما في قوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره – الزلزلة 7-8 } .

وأما :

(أحد)

وهنا يبين تعالى بأن الكفار والمنافقون لا يظنون أنهم ملاقوا ربهم ولا يراقبون الله في أعمالهم بل يفعلون بأهوائهم ما يحلوا لهم بكفرهم وعدم إيمانهم بلقاء الله تعالى كما قال { وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون- الروم }  ولذلك يقول تعالى في فعل من أفعال المنافقين { وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون – التوبة 127 } وهؤلاء يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم يراهم ويسمعهم وهو أقرب إليهم من حبل الوريد قال تعالى { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا – النساء 108 } وهؤلاء يقول تعالى فيهم { أيحسب أن لم يره أحد – البلد 7 } أم يحسبون أن لن يقدر عليهم أحد كما في قوله تعالى { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد – البلد 6 } .

ثم يقول تعالى :

  • ألم نجعل له عينين (8)

وهنا :

(ألم)

وهنا يقول تعالى { ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد –إبراهيم 19 } ولما خلقهم الله تعالى قال { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ – القيامة37-40 }  ولما خلقه الله تعالى جعل له عينين كما قال تعالى { ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين – البلد } .

وأما :

(نجعل)

أي أنه يقول تعالى في خلق الإنسان { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون – الملك 23 } ولذلك يقول تعالى هنا { ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين – البلد } .

وأما :

(عينين)

وهنا يبين تعالى أنه خلق الحواس في الإنسان ليعرف بها الله تعالى كما في قوله عز وجل { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون – الأعراف 179 } أي أن هؤلاء الذين كفروا بالله تعالى وآياته لا يرون ولا يسمعون ولا يفهمون إلا العمل للدنيا وشهواتها لذلك قال تعالى أنه يعلم خائة هذه الأعين وما تخفي صدروهم قال تعالى { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور- غافر 19 } وهنا كأنه يقول تعالى ألم نجعل له عينين يرى بهما ما يرضي الله قال تعالى { ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين } .

ثم يقول تعالى :

  • ولساناً وشفتين (9)

وهنا :

(ولسانا)

[ اللسان : العضو المثبت في أقصى تجويف الفم حيث يمتد إلى الأسنان وهو حاسة لذوق الطعامويستعمل في القرآنعلى أربع معاني الاول وهو العام وهو أحد الحواس والثاني  وهو عضو التكلم الثالث وهو اللغة أو الكلام والرابع السمعة الطيبة – معجم ألفاظ القرآن باب اللام فصل السين والنون ]

وهنا الآية تقصد لسان التكلم الذي خلقه الله تعالى في قوله تعالى { ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين – الروم 22 } وقد جعل الله تعالى من هذه الألسن  ألسنة صدق وهم الأنبياء والمرسلين والأئمة قال تعالى { ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا – مريم 50 } وآخر هذه الألسنة إمام آخر الزمان الذي قال تعالى فيه وفي دعاء نبي الله إبراهيم له حيث قال تعالى { واجعل لي لسان صدق في الآخرين – الشعراء 84 } وهنا يبين تعالى أنه ما خلق ألسنة بني آدم إلا لتتعلم كتب الله تعالى المنزلة على ألسنة الصدق التي بعثها الله تعالى للناس في كل زمن وآخرها القرآن الكريم الذي يسره الله تعالى بلسان رسول الله صلى الله عليه وآله وهو اللسان العربي المبين قال تعالى { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون – الدخان 58 } .

وأما :

(وشفتين)

[ وشفه الشيئ : حرفه وطرفه وتثنيه شفوان وجمعه أشفاء  – معجم ألفاظ القرآن باب الشين فصل الفاء والواو ]  قال تعالى { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها – آل عمران 103 } والشفتين هنا أحد أعضاء مخارج الكلام في بني آدم فإذا لم تعمل بما أنزل الله تعالى فهى على شفا حفرة من النار لذلك يقول تعالى فيمن أسس بنيانه على تقوى من الله ومن ترك العمل بما أنزل الله تعالى { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين – التوبة 109 } . وهنا كأنه يقول تعالى لم نجعل له شفتين يتكلم بهم في معروف ويتلو بهما آيات الله تعالى ليحل حلاله ويحرم حرامه .

ثم يقول تعالى :

  • وهديناه النجدين (10)

وهنا :

(وهديناه)

وهنا يبين تعالى أن منهداه الله عز وجل فقد عمل بما أمر الله تعالى ورسوله لقوله تعالى في القرآن الكريم { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا – الإسراء 9 } ومن هداه الله تعالى فهو الشاكر له عز وجل  كما قال {  إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا – الإنسان 3 } فإن كان شاكراً

فإن تولى أهل بيته عليهم السلام من بعده ولم ينقلب على عقبيه فهو من الشاكرين لقوله تعالى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ – آل عمران 144 } .

والأئمة من بعده يهدون الناس إلى ما جهلوه من كتاب الله لذلك يقول تعالى { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون – يونس 35 } ولكل أمة هاد مهدي من أهل بيت النبي حتى آخر الزمان لقوله تعالى { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد – الرعد } ومن تولى الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام فهو الذي هداه الله تعالى وهو من الشاكرين  .

وأما :

(النجدين)

[ والنجد : ما ارتفع عن الأرض من تل أو جبل ويقال للنجد الطريق الواضح ] قال تعالى { وهديناه النجدين } أي الطريقين الواضحين إما شاكراً وإما كفورا .

وفي التفسير :

[عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عز و جل: { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } ، قال: ” نجد الخير و نجد الشر “.- البرهان للسيد هاشم البحراني ]

ثم يقول تعالى :

  • فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك مالعقبة (12)

وهنا :

(فلا)

وهنا كأنه يقول تعالى من خلال هذا اللفظ أن لن يكون أحداً مؤمناً بالله مسلماً صحيح الإسلام إلا إذا تحاكم إلى كتاب الله تعالى قال تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما – النساء 65 } ويقول تعالى في حلاله وحرامه  { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون – البقرة 229 }  ومن آمن وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال تعالى { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما – طه 112 }

وهذه العقبة بالتالي هنا هى ولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام قال تعالى { فلا اقتحم العقبة وماأدراك ما العقبة }  .

وأما :

(اقتحم)

[ واقتحم : رمى نفسه فيه على شدة ومشقة – معجم ألفاظ القرآن باب القاف فصل الحاء والميم ] قال تعالى مبيناً أن الطغيان أهم أسباب اقتحام جهنم قال تعالى { هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن أَزْوَاجٌ هَٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِقَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ ۖ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ الْقَرَارُ ص 55-60 } وهنا يبين تعالى أن العقبة هى الطغيان وترك العمل بما أنزل الله تعالى فهى العقبة قال تعالى { فلا اقتحم العقبة } .

وأما :

(العقبة وما أدراك مالعقبة))

ورد في التفسير :

[عن يونس، قال: أخبرني من رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله عز و جل: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ } : ” يعني بقوله: { فَكُّ رَقَبَةٍ } ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن ذلك فك رقبة “.

-عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن معمر بن خلاد، قال: كان أبو الحسن الرضا (عليه السلام) إذا أكل أتي بصحفة، فتوضع بقرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتي به، فيأخذ من كل شيء شيئا، فيوضع في تلك الصحفة، ثم يأمر بها للمساكين، ثم يتلو هذه الآية: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } ثم يقول: ” علم الله عز و جل أنه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم سبيلا إلى الجنة “.

– عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن علي، عن محمد بن عمر بن يزيد، قال: أخبرت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) أني أصبت بابنين و بقي لي ابن صغير، فقال: ” تصدق عنه ” ثم قال حين حضر قيامي: ” مر الصبي فليتصدق بيده بالكسرة و القبضة و الشيء و إن قل، فإن كل شيء يراد به الله و إن قل بعد أن تصدق النية [فيه] عظيم، إن الله عز و جل يقول:{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ – الزلزلة 7-8 } ، و قال: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } علم الله عز و جل أن كل أحد لا يقدر على فك رقبة، فجعل إطعام اليتيم و المسكين مثل ذلك تصدقا عنه “.

– و عنه: عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك [قوله]: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ }؟ فقال: ” من أكرمه الله بولايتنا، فقد جاز العقبة، و نحن تلك العقبة التي من اقتحمها نجا “.- البرهان للسيد هاشم البحراني ] .

وأما :

(العقبة)

[ والعقبة : الطريق الوعر في الجبل وعنده يتوقف الراكب لوعورة الطريق ولذلك سميت عقبه– معجم ألفاظ القرآن باب العين فصل القاف والباء ] وكل مشتقات هذا اللفظ وموارد هذه الكلمة هنا تبين أن عاقبة الأمور ومنتهاها يرجع إلى الله تعالى يقضي فيها قال تعالى { وإلى الله عاقبة الأمور– لقمان 22 } وعاقبة المكذبين هو الإنتقام الإلهي منهم لقوله تعالى { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين – آل عمران 137 }  وعقبى المتقين الجنة وعاقبة الكافرين النار لقوله تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار –الرعد 35 } وأصحاب النار هم الذين انقلبوا على ولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيت النبي عليهم السلام وقال تعالى هنا { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين – آل عمران 144 } وهذا الإنقلاب خروجاً على منهاج الوصية التي جعلها نبي الله إبراهيم في ذريته إلى يوم يبعثون كما في قوله تعالى { وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون – الزخرف 28 } ومن أطاع الذين كفروا فقد ارتد على عقبيه كما في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين – آل عمران 149 } وما كان ذلك إلا استكباراً منهم لقوله تعالى { قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامراً تهجرون – المؤمنون 66-67 } وبالتالي العقبة يوم القيامة هى الوصية الإبراهيمية بولاية أهل بيت النبي عليهم السلام قال تعالى { فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة } .

وأما :

(وما أدراك)

وهنا ماأدراك لأنها عقبة تودي إلى جهنم وسقر كما في قوله تعالى { وما أدراك ماسقر لا تبقي ولا تذر – المدثر 27-28} وبالتالي أنبياء الله تعالى ورسله وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه والأئمة والمؤمنين لا يدرون عنها شيئاَ كما في قوله تعالى هنا { وما أدراك مالعقبة } .

ثم يقول تعالى :

  • فك رقبة (13)

 وهنا :

(فك)

[ وفك الحسي منه  : فضه وفك عنه الغل والقيد ومنه فك الرهن وفك الرقبة إعتاقها ومانفك مازال وفكه فانفك : أطاقه فانطلق – معجم ألفاظ القرآن باب الفاء فصل الكاف والكاف ] .

وهذا اللفظ يرد بمشتقاته في كتاب الله عند قوله تعالى في سورة البينة  { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ – البينة 1-8 }

ورد في تفسير الدر المنثور :

[ .. أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: ” قلت يا رسول الله: من أكرم الخلق على الله؟ قال: ” يا عائشة أما تقرئين { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } ” “.
– وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: ” كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية }  “فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية.

  • وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: عليّ خير البرية.
  • وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: ” لما نزلت { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ” هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ” “.
  • وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ألم تسمع قول الله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين “.- الدر المنثور للسيوطي ] . وبالتالي فك رقبة من خلال هذا اللفظ ولاية الإمام علي وأهل بيت النبي عليهم السلام كما في قوله تعالى { فك رقبة } .

وأما :

(رقبة)

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا – النساء 92 } ويأت فك الرقبة في حد الظهار ( من قال لامرأته أنتي علي كظهر أمي) قال تعالى { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير –المجادلة 3 }

ويأت تحرير الرقبة أيضاً في عدم الوفاء في الحلف على شيئ  قال تعالى {  لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون –المائدة 89 } أي [ لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان, مثل قول بعضكم: لا والله, وبلى والله, ولكن يعاقبكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم, فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة مساكين, لكل مسكين نصف صاع من أوسط طعام أهل البلد, أو كسوتهم, لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفًا, أو إعتاق مملوك من الرق, فالحالف الذي لم يف بيمينه مخير بين هنا الأمور الثلاثة, فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام. تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم, واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف, أو الوفاء إن حلفتم, أو الكفارة إذا لم تفوا بها. وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه; لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم. – التفسير الميسر ] .

أي أن العقبة في الآخرة في حفظ حدود الله تعالى والوفاء العهود وإخراج حق الله في المال بالزكاة والصدقات والخمس قال تعالى {   ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون – البقرة 177 } وأهم هذه العهود وأولها البعة لرسول الله صلى الله عليه ثم إمامة أهل بيته عليهم السلام ثم بقية العهود والخروج على تلك الأوامر في كتاب الله تعالى هى العقبة يوم القيامة .

ثم يقول تعالى :

  • أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14)

وهنا :

(أو)

أي أن العقبة يوم القيامة في قوله تعالى { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ – البلد 11-17 } و تلك أوامر الله تعالى التي هى نذيراً للبشر لمن أراد أن يتقدم عند الله أو يتأخر قال تعالى { نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ – المدثر 36-37 } .

وأما :

(إطعام)

والإطعام يكون أولاً :

كفارة حد من حدود الله كقوله تعالى في لغو الأيمان { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون  المائدة 89 }  أو كقوله تعالى في حد الظهار { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً- المجادلة 4 } أي أن من أراد أن يجتاز عقبة يوم القيامة فلا يأتي بحد من حدود الله تعالى .

ثانياً :

الإطعام يأتي في إطعام المساكين كعمل صالح يعمله العبد قل تعالى { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير – الحج 28 } وأهل بيت النبي نززل فيهم أنهم يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا قال تعالى { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا – الإنسان 8 }

[ جاء في تفسير الكشاف، عن ابن عباس «أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) في ناسٍ معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على وَلدك، فنذر عليّ وفاطمة، وفضة ـ جارية لهما ـ إن برئا أن يصوموا ثلاثة أيام. فشفيا وما معهم شيءٌ، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً. فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلّم)، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم. وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال: خذها يا محمد، هنّاك الله في أهل بيتك، فأقرأه – تفسير الكشاف، ج:4، ص:197 ] .

هذا [ وقد أورد الرواية القمي في تفسيره بصيغة أخرى، مرفوعة إلى أبيه عن عبدالله بن ميمون عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: “كان عند فاطمة(عليها السلام) شعير فجعلوه عصيدة (شعير يلتّ بالسمن ويطبخ)، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال: مسكين رحمكم الله، فقام علي(عليه السلام) فأعطاه ثلثاً، فلم يلبث أن جاء يتيم فقال يتيم رحمكم الله فقام علي(عليه السلام)، فأعطاه الثلث، ثم جاء أسير، فقال: أسير رحمكم الله، فأعطاه(عليه السلام) الثلث وما ذاقوها، فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم، وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عزّ وجل – ذكرها صاحب الميزان نقلاً عن تفسير القمي، ج:20، ص: 146]  .”

ومن منع طعام الفقراء فهو عقبة تودي بالعبد إلى جهنم تجعله يأخذ كتابه بشماله لقوله تعالى { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ  وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ – الحاقة 25-35 } .

ولذلك قال تعالى عن عقبة يوم القيامة { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ – البلد 11-17 } .

وأما :

(في)

وهنا ورد هذا اللفظ في قوله تعالى { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات – العصر } وهؤلاء هم الذين يطعمون الفقراء في يوم ذي مسغبة قال تعالى { أو إطعام في يوم ذي مسغبة – البلد } .

وأما :

(يوم)

ورد هذا اللفظ في قولنه تعالى { يقول الكافرون هذا يوم عسر- القمر 8 } ويوم عسر في الآخرة مثله في الدنيا لقوله تعالى { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسره – البقرة 280 } وهنا القرآن الكريم يدعوا المسلمين لإطعام الطعام لمن كان في عسرة حتى ينجيه الله تعالى في الآخرة من عقبة لا ينفع فيها إلا العمل الصالح وولاية الله الحق قال تعالى { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ – البلد 11-17 } .

وأما :

(ذي مسغبة)

و[ سغب يسغب سغباً : جاع وذي مسغبة : ذي مجاعة ] قال تعالى { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } وهذا اللفظ ليس له مرادف في كتاب الله .

ثم يقول تعالى :

  • يتيماً ذا مقربة (15)

واليتيم هو الذي فقد الأب وقد اخذ الله ميثاق بني إسرائيل من قبل بعبادة الله تعالى وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى قال تعالى { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون – البقرة 83} وقال تعالى أيضاً { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا – النساء 36 }

وقد أوصى الله تعالى بإكرام اليتامي والمساكين كما في قوله تعالى : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا- النساء 8 }

ويبين تعالى ان البر بأن يؤتي المال على حبه مستحقينه من اصحاب النصاب الذين حددهم الله تعالى في قوله عز وجل { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون – البقرة 177 }

ثم يبين تعالى أن أهل بيت النبي عليهم السلام وقرباه أول هذه العقبات يوم القيامة لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير – الأنفال 41 } وهنا يبين تعالى أن حق هؤلاء اليتامى والمساكين وأولهم يتامى أهل بيت النبي والمساكين منهم ومنعه يوم القيمة هى العقبة التي قال تعالى فيها هنا  { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ – البلد 11-17 } .

ثم يقول تعالى :

  • أو مسكيناً ذا متربة (16)

وهنا :

(أو مسكيناً)

[ والمسكين : هو الذي أسكنته الحاجة وأخضعه ذ ل الفقر ] قال تعالى في ضرب الذلة والمسكنة على الفقير بين الجهلاء والسوقة والعامة ومن لا يبالي بحلال أو حرام أو دين وقيم قال تعالى { ضربت عليهم الذلة والمسكنة – البقرة 61 } وهؤلاء الممساكين أوصى الله تعالى بهم في قوله تعالى { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون – البقرة 83 } وهؤلاء المساكين ضمن أصحاب النصاب في قوله تعالى { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم – التوبة 60 }

ومن هؤلاء المساكين مساكين أهل بيت النبي عليهم السلام قال تعالى { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب – الحشر 7 } وحق هؤلاء يوم القيامة هى عقبة يوم القيامة كما في الآية هنا {  فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ – البلد 11-17 } .

وأما :

(ذا)

و(ذا) [ اسم إشارة للمفرد المذكّر القريب] قال تعالى  { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون –الأنعام 152 } وقد أمر الله تعالى بإيتاء حق ذوي القربى والمساكين وابن السبيل قال تعالى  { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا – الإسراء 26 } وذلك خير لمن اراد وجه الله تعالى كما في قوله عز وجل

{ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون – الروم 38 } ويقول تعالى بعد ذذلك في عقبة يوم القيامة من ذا الذي يعصمكم من عذاب الله إن منعوا حق الله تعالى كما في قوله عز وجل { قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا – الأحزاب 17 }

وأما :

(متربة)

[ وترب الرجل يترب متربة :افتقر واشتدت فاقته ] قال تعالى هنا { أو مسيناّ ذا متربة}

و التراب [ مادق من الأرض ] وورد هذا اللفظ في قوله تعالى { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب – النحل 59 } وبالتالي { مسكيناَ ذا متربة } أي فقيراَ اشتد فقره واثر التراب على وجهه وملابسه من شدة الفقر .

ثم يقول تعالى :

  • ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17)

وهنا :

(ثم كان)

وهنا يقول تعالى في خلق بني آدم { أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ – القيامة 36-40 } وهذا الإنسان الذي خلقه الله تعالى بين له في كتابه الكريم أنه سيواجه عقبة يوم القيامة وهى ولاية الله تعالى ورسوله وأهل بيه عليهم السلام والعمل بما أمر الله تعالى كما في قوله تعالى هنا { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة – البلد 11-18 } .

وأما :

(من الذين آمنوا)

وهم الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله وكتبه وخاتمها القرآن الكريم  كما في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا – النساء 136 } ومن آمن بالله تعالى ورسوله فليتولى الإمام علي وأهل بيت النبي (عليهم السلام) من بعده لما نزل في آية الولاية التي نزلت بغدير خم { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون– المائدة 55-56 } وهؤلاء هم خير البرية لما نزل في شيعة الإمام علي من قوله تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية – البينة 7 } [ قال رسول الله صلى الله عليه وآله علي وشيعته هم الفائزون – تفسير الدر المنثور ] وهؤلاء هنا هم الذين آمنوا و تواصوا بالصبر والمرحمة قال تعالى { ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة – البلد 17 }

وهؤلاء أعد الله تعالى جنة عرضها كعرض السماوات والأرض قال تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم – الحديد 21 } .

وأما :

(من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر و تواصوا بالمرحمة )

وهنا يبين تعالى أن هؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر قال تعالى { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر – العصر }

وأما :

(بالمرحمة)

[ ورحمه يرحمه رحماً ورُحماً ومرحمة رق له قلبه وعطف عليه ] قال تعالى { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا- الإسراء 24 } والرحمة يوم القيامة لمن أطاع الله تعالى ورسوله كما في قوله عز وجل { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون – آل عمران 132 } ورحمة الله تعالى جعلها للذين يؤمنون بالله تعالى ويتبعون رسول الله صلى الله عليه وآله خاتم النبيين الذي يأمر هم بالمعروف وينهاهم عن المنكر قال تعالى :  { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون   الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون – الأعراف 156-157 } .

وهؤلاء هم الذين سيقتحمون العقبة يوم القيامة والتي قال تعالى فيها هنا { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة – البلد 11-18 } .

ثم يقول تعالى :

  • أولائك أصحاب الميمنه (18)

وهؤلاء هنا هم السابقون السابقون وهم ثلة قلية من الأولين وثلة قلية من الآخرين قال تعالى : { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ  عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ  يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ َأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ – الواقعة 10-40 }

وكل الناس مرهونون مسجونون في سقر ولا ينجوا منهم ويقتحم العقبة إلا من آمن وعمل صالحاً وتولى الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام قال تعالى { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ِإلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ – المدثر 38- 47 } .

وهنا يبين تعالى أن هؤلاء الذي وقعوا في سقر  فهم الذين لم يعملوا الصالحات ولم يتولوا الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام ولا يطعموا الطعام وهى العقبة التي فصلناها في قوله تعالى هنا : { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة – البلد 11-18 } .

ثم يقول تعالى :

  • والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة (19)

وهنا :

( والذين كفروا بآياتنا)

والذين كفروا بآيات  الله هم الذين تركوا العمل والتحاكم إلى كتاب الله تعالى كما في قوله عز وجل  { ومن لم يحكم بما انزل الله فأولائك هم الكافرون – المائدة} ومن هؤلاء المنافقون أيضاً قال تعالى فيهم أنهم كافرون لإبطانهم الكفر وإعلانهم التظاهر بسمات الإسلام وسمته زوراً قال تعالى لذلك { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  – المائدة 41 } وهؤلاء سيحضرهم الله تعالى في العذاب كما في قوله تعالى { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون – الروم 16 } وهنا يخلدون في النار كما في قوله تعالى { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون –البقرة 39 } وهم في جحيم لقوله تعالى { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم – الحديد 19 }

وأما :

(بآياتنا)

والآية هى المعجزة والدليل والبرهان لقوله تعالى { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين –يوسف 35 }

والآيات والأدلة والبرهان على وجود الله تعالى من كتاب الله أنواع كما يلي :

آيات الله تعالى ستة

(1) متلوه في كتابه الكريم يقول فيها تبارك وتعالى { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون – الجاثية 6 } وترك العمل بها كفر يستلزم أن يكون من أصحاب المشئمة والخلود في جهنم كما في الآية هنا { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة – البلد 19 }

(2) آيات مشاهدة بالعين تؤدي للإيمان بالله تعالى قال تعالى فيها { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب – آل عمران 190 } وهذه أيضاً الكفر بها يجعل صاحبها من أصحاب المشئمة قال تعالى  { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة – البلد 19 }

(3) من آثار الأمم البائدة التي أهلكها الله تعالى من قبل قال تعالى فيها { وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم – الذاريات 37 }

(4) آيات معجزات الأنبياء كقوله تعالى { ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى طه 56 } .وقال تعالىفيها أيضاً { وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين – النمل 12 }

(5) آيات يخلقها لدجال وأتباعه لإضلال الناس . وهذه قال تعالى فيها { أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذدون مصانع لعلكم تخلدون- الشعراء }

(6) آيات مستقبلية يأت بها إمام آخر الزمان وتظهر معه في زمانه . قال تعالى فيها هنا { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد –فصلت 53 }  .

وهناك بعض الآيات التي ستظهر مع إمام آخر الزمان ونبي الله عيسى عليهما السلام قال تعالى فيها {  هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون – الأنعام 158 } وهذه أيضا الكفر بها يدخل النار فيكون من أصحاب المشئمة كما في الآية هنا { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة – البلد 19 }

والقرى لا يهلكها الله تعالى إلا بعد أن يبعث فيهم إماماً آخر الزمان من أهل بيت النبي عليهم السلام لقوله تعالى { ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون – القصص 59 } والتلاوة لكتاب الله تعالى وتأويل آخر الزمان الذي قال تعالى فيه  هو قوله تعالى { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون – الأعراف 52 }

وأما :

(هم أصحاب)

وهنا يبين تعالى أنه حق عليه بأن يدخل الذين كفروا النار خالدين فيها قال تعالى { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار – غافر 6 } وهؤلاء هنا هم أصحاب المشئمة .

وأما :

(أصحاب المشئمة)

[ والشأم : ضد اليمن والسعد ] قال تعالى { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة – الواقعة 8-9 }

وهؤلاء هم أصحاب الشمال كما في قوله تعالى{ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيم وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ  إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ – الواقعة 41-48 } وهؤلاء هم أصحاب المشئمة .

ثم يقول تعالى :

  • عليهم نار مؤصدة (20)

وهنا :

(عليهم)

أي أنه يقول تعالى { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين –آل عمران 164 } ومن كفر بالله تعالى ورسوله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين قال تعالى { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين – البقرة 161 } .

وآخر الزمان من علامات هلاكهم صعودهم لطبقة السماء الأولى لورود هذه القول في قوله تعالى { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون – الحجر 14 } وفي هذا الباب عذاباَ شديداَ على المسلمين قال تعالى فيه { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون – المؤمنون 77 } ويكون رائد هذا الإنتقام من المسلمين بني إسرائيل في زمن رد الكرة عليهم وعلوا بني إسرائيل العلو الكبير ورد الكرة على المسلمين لورود هذا اللفظ في قوله تعالى { ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا – الإسراء 6 } وهذا يكون في زمن ظهور الكفر والفسوق والعصيان وانتشار الظن السيئ بالله تعالى كما في قوله تعالى { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين – سبأ 20} وهو زمن الخروج على ولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام لقوله تعالى { والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل – الشورة 6 }

وهنا في هذا الزمان يبعث الله تعالى للناس إماماً شهيداً عليهم من أنفسهم قال تعالى { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين – النحل 89 }

وهو زمان ظهور الدابة وهى إمام آخر الزمان لورود هذا اللفظ في قوله تعالى {  وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون – النمل 82 }

ومن كفر بهذا الكتاب و ورسوله صلى الله عليه ةأهل بيته عليهم السلام فأولائك من الهالكين وعليهم نار مؤصدة كما في الآية هنا  { عليهم نار مؤصدة } .

وأما :

(نار)

وهنا يبين تعالى صفات هؤلاء الهالكين آخر الزمان :

أولاً :

 أنه زمن ظهور رجال يدعون لطاعتهم المطلقة كأنهم آلهة ولا يسمحون بعصيانهم ومن عصاهم فهو إما مقتول أو مسجون وهؤلاء قد اتخذوا فرعون إماماً لهم لقوله تعالى {  يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود – هود 98 } وهؤلاء جعلهم الله تعالى أئمة يدعون إلى النار كل من أطاعهم وتولاهم من دون الله تعالى قال عز وجل { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون – القصص  41 } .

ولذلك يوم القيامة يقول تعالى في بيان أن أهم أسباب دخولهم النار كان طاعتهم لشادتهم كبرائهم قال تعالى { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا – الأحزاب 66-67 } .

ثانيا :

انتشار الكفر والفسوق والعصيان لله تعالى فاستحقوا العقاب في الدنيا والآخرة قال تعالى { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين – النساء 14 }

ثالثاً :

التفرق على ولاية أهل بيت نبيهم بعد أن أمرهم الله تعالى بولايتهم عليهم السلام وهى ولاية أمان من الفرقة قال تعالى هنا { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون – آـل عمران 103 }

رابعا :

 نسبتهم لله تعالى ما يكرهونه لأنفسهم من طاعة وولاية وغير ذلك :

قال تعالى { ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون – النحل 62 }

خامساً :

تقديمهم أراء وأـهواء علمائهم على نصوص القرآن الكريم فإن قلت لهم قال الله قالوا ألم تعلم أن قرآن فيه محكم ومتشابعه وعام وخاص وإن قلت لهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا لك ما صحة الحديث لصرف الناس عن كتاب الله وسنة رسوله بغير قصد منهم فإن قلت قال زيد وعمر من الناس استبشروا وتهللت وجوههم فرحاً قال تعالى { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير – الحج 72 }

سادساً :

تخريبهم لمساجد الله تعالى فيزينونها ثم يمنعون ذكر الله تعالى فيها فتتحول من دور للعبادة إلى دور للسياحة  في دهاء وحرباً خفية على دين الإسلام قال تعالى هنا { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون – التوبة 17 }

وهنا يبعث الله تعالى فيهم إماماً من أهل بيت النبي عليهم السلام بنور على نور من الله تعالى ورسوله وأئمة أهل البيت عليهم السلام لقوله تعالى في النور المنزل على رسول الله صلى الله عليه وأئمة أهل البيت من بعده عليهم السلام  : { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم – النور 35 }

وهنا ينزل الله تعالى عليهم عذاباً ولن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم قال تعالى { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار – آل عمران 10 } ولهم في النار ظلل من فوقهم ومن تحتهم قال تعالى { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون – الزمر 10 }

ويبين تعالى أنه قد وعد الكفار والمنافقين نار جهنم كما في قوله تعالى { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم – التوبة 68 }

 وأما :

( نارمؤصدة )

[ وأصد الباب يؤصده : أطبقه عليه وأغلقه ] فهم في توابيت من نار قال تعالى { لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة عليهم نارٌ مؤصده في عمدٍ ممدة – الهمزة }

أي أن هذه النار تبدأ بحرق أفئدتهم فهى مؤصدة عليهم لهم فيها عمد ممدة تتمدد بداخلهم لإحراقهم لعصيانهم الله تعالى ورسوله والخروج على ولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام .

هذا وبالله التوفيق وما توفيقي إلا بالله

عليه توكلت وإليه أنيب وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

انتى العمل من هذه السورة الكريمة

بعد صلاة الجمعة 7 ربيع أول سنة 1421هـ الموافق 8 يونيو سنة  2000 م . أهـ

الشريف

خالد محيي الدين الحليبي 

 

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم بمتابعة مستقبل العالم و الأحداث الخطرة و عرض (تفسير البينة) كأول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة وترابطها بالتي قبلها وبعدها للمجامع والمراكز العلمية و الجامعات والعلماء في العالم.

شاهد أيضاً

صدام النظريتان العسكريتان نظرية الجبر والقهر والولاء والحب في الله

مركز القلم للأبحاث والدراسات : بقلم : الشريف خالد محيي الدين الحليبي    إن إدارة …