اليقين بما جهله الناس عن رب العالمين

 الكتاب بضيغة PDF 

اليقين 21-10-2023

اليقين

بما جهله الناس عن رب العالمين

 

بقلم

الشريف خالد محيي الدين الحليبي

مدير مركز

القلم للأبحاث والدرسات

Elqalamcenter.com

رقم الإيداع الدولي isbn

9-789922-858869

 

اَلْيَقِين

وما جهله الناس عن رب العالمين

( سِرُّ اَلْكَوْنِ اَلْأَعْظَمِ وَحَرَكَةِ اَلْإِنْسَانِ بالنفس والجسد بَيْنَ عالم السماء والأرض )

يَقُول تَعالَى{وَلقَد خلقْنَا فوْقكم سَبْع طَرائِق ومَا كُنَّا عن الْخلْق غَافلِين – المؤْمنون17 } وطرائق وَطرُق جَمْع طريق وحيْث أَنَّه قال تَعالَى عن هَذِه الطَّرائق هِي السَّماوات السَّبْع فَيكُون الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام فِي قَولِه [ ” سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني فإنِّي أَعلَم بِطرق السَّمَاء أَكثَر مِن طُرُق الأرْض ” ] يَعنِي علمه  من رسول الله صلى الله عليه وآله بتفاصيل رِحْلَة الإنْسان مُنْذ اَلخُلق الأوَّل إِلى عَودَتِه إِلى الجنَّة أو النَّار

كما في قوله تعالى {هو ربكم وإليه ترجعون – هود 34 } وقوله تعالى { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله – البقرة 281}

وبالتَّالي طُرُق السَّمَاء لَيسَت أَماكِن بِقَدر مَا هِي عَوالِم يَتَحرَّك فِيهَا الإنْسان بَيْن هَذِه الطَّرائق فمنْهم مِن خَلْقه الله تعالى بِجَسد  مِن طِينة الجنَّة فكانوا أهْلهَا وَسبَق لَهُم مِن اَللَّه تَعالَى اَلحُسنى وَهؤُلاء عن جَهنَّم مُبْعدون وَهُم الأنْفس ( المطمْئنة ) وخلْق آخرين مِن طِينة جَهنَّم فعملوا بِمَا يُؤدِّي إِليْهَا فِي الأرْض بَعْد اَلهُبوط وَهُم الأَّنفْس ( الأمَّارة بِالسُّوء ) وَأمَر سُبْحانه وَتَعالَى جِبْريل عليْه السَّلَام بِقَبض قَبضَة مِن الأرْض ثُمَّ خَلطَت بِطينة الجنَّة فعملوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا وَهِي النَّفْس ( اللَّوَّامة ) وَلقَد خلق اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى الأنْفس قَبْل الأجْساد قال تَعالَى {والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفْس ومَا سوَّاهَا فألْهمهَا فُجورهَا تقْواهَا – الشَّمْس } وبالتالي مع خلق السماوات والأرض خلق تعالى الأنفس بعدها ثُمَّ خَلْق اَللَّه تَعالَى الأجْساد وألهمها فجورها وتقواها ووضع فيها بصيرة تعرف من خلالها الخير والشر كما قال تعالى { بل الإنسان على نفسه بصيرة – القيامة 14 } و أول هذه الأنفس قبل خلق السماوات والأرض كان سيدنا محمد وأهل البيت عليهم السلام كما سنبين ومع خلق السماوات والأرض كان نبي الله إبراهم وكان من الشاهدين على ذلك في قوله تعالى { قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين – الأنبياء 56 } وهنا من الشاهدين تعني أن هناك شهوداً آخرين وهم من بدأ الله تعالى الخلق بهم وسنبيهم فيما بعد .

ثم خلق الله تعالى بقية الأنبياء كل على حسب درجته وقربه من الله تعالى كما في قوله تعالى { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد – البقرة 253 }

ثم خلق الله تعالى السماوات والأرض ثم الأجساد بعد ذلك و أولهم نبي الله آدم عليه السلام لِقوْله تَعالَى { فَإذَا سوَّيْته ونفخْتُ فِيه مِن رُوحي فَقعُوا لَه سَاجدِين – الحجْر 29 } وهذا عن خلق نبي الله آدم ثم كل بني آدم دفعة واحدة قال تعالى { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين – الأعراف 11 } وهنا بعدما صورهم أخذ الله تعالى من ذريتهم الميثاق بعد عرض أمانة الحكم بما أنزل الله تعالى وولايته الحق على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها قال تعالى { سورةاﻷحزاب – إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا الاحزاب 72 } والظلوم الجهول هنا كل من خرج على ولاية الله تعالى وولاية رسوله وأهل بيته فقد جهل وظلم نفسه أولا وظلم من حوله بجهلة كتاب الله وعواقب الأمور ثم أخذ الله تعالى الميثاق بواحدايته وربوبيته على بني آدم قال تعالى .

{ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون – الأعراف 172-173 }

ثُمَّ يُسوِّي اَللَّه تَعالَى اَلخُلق بَعْد اَلهُبوط إِلى الأرْض فِي أَرحَام الأمَّهات كمَا فِي قَولِه تَعالَى { ألم يك نُطفَة مِن مِنى يُمنَى ثُمَّ كان عَلقَة فَخلَق فَسوَى فَجعَل مِنْه الزَّوْجيْنِ الذَّكر والْأنْثى – القيامة 37 – 39 } . وَلقَد خلق اَللَّه تَعالَى كُلِّ اَلخُلق دُفعَة وَاحِدة قال تَعالَى {وَلقَد خلقْناكم ثُمَّ صوَّرْناكم ثُمَّ قُلنَا لِلْملائكة اسْجدوا لِآدم فسجدوا إِلَّا إِبْليس لَم يَكُن مِن السَّاجدين – الأعْراف 11} .

وَكَان هؤلاء يعيشون فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض حَتَّى أَكْل آدم وزوْجه عَليهِما السَّلَام مِن الشَّجَرة فَبدَت لَهمَا سوْآتهمَا وَهِي الأجْساد وليْستْ العوْرات فقط قال تَعالَى { فَلمَّا ذَاقَا الشَّجَرة بدتْ لَهمَا سوْآتهمَا وطفقَا يخْصفَان عَليهِما مِن ورق الجنَّة – الأعْراف 22 } وَهذِه السُّوءة هِي كُلُّ الجسد وليْستْ العوْرات فقط لِقوْله تَعالَى { فَبعَث اَللَّه غُرَابا يَبحَث فِي الأرْض لِيريه كَيْف يُوَارِي سَوأَة أخيه قال يَا ويْلتًا أَعجَزت أن أَكُون مِثْل هذَا اَلغُراب فأواري سَوأَة أَخِي فأصْبح مِن النَّادمين – المائدة 31 } .

وبالتَّالي السُّوءة هِي الجسد اَلذِي نعيش بِه فِي الدُّنْيَا إِذَا مات الإنْسان على الأرْض خَرجَت نَفسُه المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة لِتعود إِلى جَنَّة عَدْن قال تَعالَى { إِلى اَللَّه مرْجعَكم جميعًا فينبِّئكم بِمَا كُنتُم تعْملون – المائدة 105 } وَأمَّا الكافرين فَهْم عن رَبهِم محْجوبون كمَا فِي قَولِه تَعالَى { كِلَا أَنهُم عن رَبهِم يَومئِذ لَمحجوبون – المطفِّفين 15 }

ويحْشرون يَوْم القيامة على وُجوهِهم عُمْيًا وبكْمَاء وصْمًا فَإذَا مَاتَت سَوآتِهم فِي الدُّنْيَا رَجعُوا إِلى اَلجحِيم اَلذِي خَلقُوا مِنْه لِقوْله تَعالَى { ثُمَّ إِنَّ مَرْجَهم لَالِي اَلجحِيم – الصَّافَّات } وقوْله تَعالَى { إِنَّ جَهنَّم كَانَت مِرْصادًا لِلطَّاغين مآبًا – النَّبأ } .

وعن أجْسادهم فَهِي مُعَذبَة فِي الدُّنْيَا لَا شِتْراكْهَا فِي مَعصِية اَللَّه عن غَيْر عَمْد فَهِي مَأمُورة مِن النَّفْس الأمَّارة بِالسُّوء لِذَلك عَذَابهَا فِي الدُّنْيَا فقط ويبْدأ فِي سَكَرات الموْتِ لِيعْلم النَّاس مآل اَلعُصاة وَمِن كَفرُوا بِاللَّه تَعالَى والْمؤْمنين فيزْدادوا إِيمانًا بِعلامات تَظهَر فِي وِجوهْههْم العابسة الكالحة أو البيْضاء المسْفرة الضَّاحكة المسْتبْشرة فَإذَا كان يَوْم القيامة شهد هذَا الجسد الطِّينيِّ اَلأرْضِي لِلْعصَاة وَمِن خَلطُوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا وَهُم الأنْفس اللَّوَّامة والْأمارة بِالسُّوء على أنفسهم قال تَعالَى {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون وقالوا لِجلودهم لِم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة وإليْه ترْجعون – فَصلَت 20 – 21 }

وَذلِك هُو تَفصِيل قَولِه تَعالَى { كَيْف تَكفُرون بِاللَّه وكنْتم أمْواتًا فأحْياكم ثُمَّ يُميتكم ثُمَّ يُحْييكم ثُمَّ إِلَيه ترْجعون – البقَرة 28 } أيْ كُنتُم أَموَات السُّوء أَحيَاء بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي ثُمَّ نَزلُوا إِلى الأرْض بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي ( نَفسُه ) والسَّوْءة ثُمَّ تَمُوت السُّوءة وَترجِع النَّفْس بِطينتهَا المخْلوقة مِن الجنَّة ثُمَّ يَوْم القيامة يرْجعون إِلى اَللَّه تَعالَى بِأنْفسهم وأجْسادهم وسوْآتهم .وبالتالي الإنسان مخلوق بين أجلين الأول أجل جسده الطيني السفلي أو (سوءته) التي برزت ولها أجل مسمى قال تعالى فيه { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب – الشورة 14 } , وأجل آخر مسمى عنده تعالى للنفس وهو أجل مسمى عنده تبارك وتعالى أيضاً فهى لا تموت وإما تنعم في جنة عدن أو ترجع إلى جهنم قال عز وجل في هذين الأجلين { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون – الأنعام 2 } والأجل المسمى هنا يوم القيامة حيث يجمع الله تعالى الشمس والقمر قال تعالى { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير – لقمان 29 } .

فَإذَا قَامَت القيامة بدل اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى الأرْض غَيْر الأرْض والسَّماوات وينْشأ اَللَّه تَعالَى المؤْمنين فِيمَا لَا يعْلمون عن شَيْء مِن نعيم اَللَّه تَعالَى وَلذَلِك قال تَعالَى { فلَا تَعلَم نَفْس مَا أُخْفِي لَهُم مِن قُرَّة أَعيُن جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملون – السَّجْدة 17 } وَهذَا مُلخَّص تَفاصِيل طُرُق السَّمَاء والْأَرْض مِن كِتَاب اَللَّه وَالتِي سنفْصلهَا إِن شاء اَللَّه .

والْيقين : يَعنِي الحقيقة اَلتِي يُجانبهَا اَلشَّك والشُّبْهة و :

 [ يُقْن الأمْر يِيقن يَقنَا : ثبتَ وَوضَّح الوصْف ويقال اَليقِين لِلْعلْم اَلذِي اِنتفَت بِه الشُّكوك والشَّبه ويقال خبر يقين : لَا شكَّ فِيه ويقال لِلْموْتِ اَليقِين لِأَنه لَا يِمتْري فِيه أحد مُعجَم أَلفَاظ اَلقُرآن باب اَلْياء فَصْل اَلْقاف والنُّون ] .

[ قال المحقِّقون : اَليقِين مِن الإيمان بِمنْزِلة الرُّوح مِن الجسد ، وفيه تَفاضُل العارفون ، وَتَنافَس المتنافسون ، وإليْه شَمَّر العاملون . وَإذَا اِجتمَع الصَّبْر بِالْيقين وُلِد بيْنهمَا حُصُول الإمامة فِي الدِّين ، قال تَعالَى { وَجَعلنَا مِنْهم أَئمَّة يَهدُون بِأمْرِنَا لَمَّا صَبرُوا وكانوا بِآياتنَا يُوقنون – السَّجْدة 24 } وخصَّ تَعالَى أَهْل اَليقِين بِانْتفاعهم بِالْآيات والْبراهين ، قال سُبْحانه وَهُو أَصدَق القائلين { وَفِي الْأرْض آيات لِلْموقنين – الذَّاريات 20 ) } وخصَّ أَهْل اَليقِين بِالْهدى والْفلاح مِن بَيْن العالميْنِ ، فَقَال : { وَالذِين يُؤْمنون بِمَا أُنْزِل إِلَيك ومَا أُنْزِل مِن قَبلِك وبالْآخرة هُم يُوقنون أُولئك على هُدًى مِن رَبهِم وأولَئك هُم المفْلحون – البقَرة 4 – 5 }.

وأخْبر اَللَّه تَعالَى عن أَهْل النَّار بِأنَّهم لَم يكونوا مُوقنِين قال تَعالَى : { وَإذَا قِيل إِنَّ وَعْد اَللَّه حقَّ والسَّاعة لَا رَيْب فِيهَا قُلتُم مَا نَدرِي مَا السَّاعة أن نَظُن إِلَّا ظنًّا ومَا نَحْن بِمسْتيْقنين – الجاثية 32 } وَمَادَّة ( يُقْن ) ومشْتقَّاتهَا وَردَت فِي اَلقُرآن فِي ثَمانِية وَعشرِين موْضعَا جَاءَت بِصيغة الفعْل فِي أَربَعة عشر موْضعَا ، مِن ذَلِك قَولُه سُبْحانه : { وبالْآخرة همّ يُوقنون – البقَرة : 4 } وجاءتْ بِصيغة الاسْم فِي أَربَعة عشر موْضعَا كَذلِك ، مِن ذَلِك قَولُه عزَّ وجلَّ : { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين – الحجْر : 99 } . وَمَادَّة ( يُقْن ) ومشْتقَّاتهَا وَردَت فِي اَلقُرآن على أَربَعة مَعَان ، هِي :

الأوَّل : اَليقِين بِمعْنى الصِّدْق والتَّصْديق :

مِن ذَلِك مَا حَكَاه اَلقُرآن على لِسَان مَلكَة سبأ : { وجئْتك مِن سبأ بِنَبأ يقين – النَّمْل 22 } يَعنِي بِخَبر صِدْق . ومنْه أيْضًا قَولَه تَعالَى { وبالْآخرة همّ يُوقنون – البقَرة 4 } يَعنِي يُصدِّقون بِوجود اَلآخِرة والْبَعْث . وأكْثر مَا ورد هذَا اللَّفْظ فِي اَلقُرآن اَلكرِيم وَفْق هذَا المعْنى .

الثَّاني : اَليقِين بِمعْنى الموْتِ :

ورد فِي موْضعَيْنِ مِن اَلقُرآن : الأوَّل : قَولُه عزَّ وجلَّ : { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين – الحجْر : 99 } أيْ : اِبْق مُلازِمًا لِعبادة رَبِّك إِلى أن يَأتِي أَجلُك . اَلموْضِع الثَّاني : قَولُه سُبْحانه { حَتَّى أتانَا الْيقِين – اَلمُدثر 47 } يَعنِي الموْتُ .

 الثَّالث : اَليقِين بِمعْنى العيَان والْمشاهدة :

جاء على هذَا المعْنى قَولَه سُبْحانه : { كَلَّا لَو تعْلمون عِلْم الْيقِين لتروون الجحيم ثُمَّ لَترونَّهَا عَيْن الْيقِين – التَّكاثر 5-7} ( يَعنِي عِلْم العيَان والْمشاهدة عِنْد المعاينة بِعَين الرَّأْس ، فَتَراهَا يقينًا ، لَا تغيب عن عَينِك .

 الرَّابع : اَليقِين بِمعْنى العلم :

مِن ذَلِك قَولُه تَعالَى فِي حقِّ نبيِّه عِيسى عليْه السَّلَام : { وَإِن الَّذين اِخْتلفوا فِيه لَفِي شكِّ مِنْه مَا لَهُم بِه مِن عِلْم إِلَّا اِتِّباع اَلظَّن ومَا قَتلُوه يقينًا – النِّسَاء : 157 }

المعْنى كمَا قال اِبْن عَبَّاس رَضِي اَللَّه عَنهُما : مَا قَتلُوا ظَنهُم يَقِينَا ، كَقولِك : قتلتْه عِلْمًا ، إِذَا علَّمتْه المعْنى كمَا قال اِبْن عَبَّاس رَضِي اَللَّه عَنهُما : مَا قَتلُوا ظَنهُم يَقِينَا ، كَقولِك : قتلتْه عِلْمًا ، إِذَا علَّمتْه عِلْمًا تامًّا ، ف ( اَلْهاء { قَتلُوه } عَائِدة على { اَلظَّن } . قال أَبُو عُبَيد : ولو كان المعْنى : ومَا قَتلُوا عِيسى يقينًا لَقَال : ومَا قَتلُوه فقط . وقوْله سُبْحانه : { وَفِي الْأرْض آيات لِلْموقنين – الذَّاريات : 20 } قال الطَّبَري : ” وَفِي الأرْض عَبْر وعظات لِأَهل اَليقِين بِحقيقة مَا عاينوا ورأوْا إِذَا سَارُوا فِيهَا ” . وَقَال القرْطبيُّ : ” ( الموقنون ) هُم العارفون المحقِّقون وحْدانيَّة رَبهِم ، وصدْق نُبوَّة نَبيهِم ” . وَمُجمَل القوْل ، أنَّ لَفْظ ( يُقْن ) بِمشْتقَّاته أَكثَر مَا ورد فِي اَلقُرآن اَلكرِيم بِمعْنًى ( الصِّدْق والتَّصْديق ) ، وُورْد فِي مَواضِع قَلِيلَة بِمعْنًى ( المعاينة والْمشاهدة ) ، وُورْد فِي موْضعَيْنِ فقط بِمعْنًى ( الموْتُ ) ، وُورْد بِمعْنًى ( العلم ) – مَوقِع إِسلَام وَيِب ] .

– اَلتَّعْرِيفُ بِكِتَابِ اَلْيَقِينِ :

والْيقين لَه عِلْم فِي كِتَاب اَللَّه تَعالَى وله عَيْن فِي أَجسَاد بُنِي آدم يَنظُرون بِهَا وَبصَر فِي أَنفسِهم يروْن بِه اَلأُمور على حقيقتهَا فِي الدُّنْيَا وَفِي اَلآخِرة مِن بَعْد الموْتِ يروْن الحقائق والْمغيَّبات يقينًا لِذَلك قال تَعالَى فِي الموْتِ أَنَّه اَليقِين { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين } وبعْده يرى الإنْسان كُلَّ المغيَّبات وَوعُود اَللَّه تَعالَى اَلتِي وعد بِهَا المؤْمنين وَوَعيدَه عَيَّن اَليقِين لِذَلك قال تَعالَى : { كَلَّا لَو تعْلمون عِلْم الْيقِين لَترُوون اَلجحِيم ثُمَّ لَترونَّهَا عَيْن الْيقِين ثُمَّ لَتسْأَلنَّ يَومَئِذ عن النَّعِيم – التَّكاثر } وَهذَا هُو حقُّ أَلقِين اَلذِي قال تَعالَى فِيه : { فَأمَّا إِن كان مِن الْمقرَّبين فروْح وريْحَان وَجنَّت نعيم وَأمَّا إِن كان مِن أَصحَاب الْيمِين فَسَلام لَك مِن أَصحَاب الْيمِين وَأمَّا إِن كان مِن الْمكذِّبين الضَّالِّين فَنزُل مِن حميم وَتصلِية جحيم إِنَّ هذَا لَهُو حقُّ الْيقِين فسبِّح بِاسْم رَبِّك الْعظِيم – الواقعة 88 – 96 } . والْيقين يَكُون فِي كُلِّ مَا هُو قَادِم مِن بَعْد الموْتِ مِن عَالَم الغيْب ومَا هُو مَخفِي عن أجْسامنَا فِي الدُّنْيَا ومحْجوب عن عُقولِنَا لِبعْد المسافة الزَّمنيَّة بيْننَا وبيْن عُصُور الأنْبياء وَأَئمَّة أَهْل البيْتِ عَليهِم السَّلَام وَقُرب قِيَام السَّاعة وفقْدَان كثير مِن العلم لِأسْبَاب عَدِيدَة حَتَّى أَصبَح الإيمان بِالْغَيْب كلمات فقط بَعِيدَة عن فَهْم تفاصيلهَا وأغْوارهَا ومَا حدث لَبنِي آدم قَبْل اَلهُبوط مِن الجنَّة ومَا سيحْدث لَهُم مِن بَعْد الموْتِ وَهذَا هُو الإيمان بِالْغَيْب والْيقين بِمَا وعد اَللَّه تَعالَى فِي اَلآخِرة قال تَعالَى { وبالْآخرة همّ يُوقنون – البقَرة 4 } وَلكَي يَصِل العبْد إِلى اَليقِين بِاللَّه تَعالَى عليْه التَّفَكُّر فِي خَلْق السَّماوات والْأَرْض وحرِّكتْهمَا الدَّائبة وَأنَّه حتْمًا لَهمَا مِن مُحرِّك ويوْمًا مَا سيلاقي اِبْن آدم هذَا الخالق لِيحاسبه عن أعْماله اَلتِي عَملُها فِي الدُّنْيَا إِنَّ خيْرًا فخيْر وَإِن شرًّا فشر وَمِن أَرَاد اَليقِين فِي اَللَّه تَعالَى فلْيتفكَّر فِي خَلْق السَّماوات والْأَرْض قال تَعالَى فِيمَا فَعلَه نَبِي اَللَّه إِبْراهيم عليْه السَّلَام : { وَكذَلِك نرى إِبْراهيم مَلكُوت السَّماوات والْأَرْض وليكون مِن الموقنين فَلمَّا جنَّ عليْه اللَّيْل رأى كوْكبًا قال هذَا رَبِّي فَلمَّا أفل قال لَا أُحِب الآفلين فَلمَّا رأى القمر بازغًا قال هذَا رَبِّي فَلمَّا أفل قال لِأنَّ لَم يَهدنِي رَبِّي لِأكونن مِن القوْم الضَّالِّين فَلمَّا رأى الشَّمْس بَازِغة قال هذَا رَبِّي هذَا أَكبَر فَلمَّا أَفلَت قال يَا قَوْم إِنِّي بريء مِمَّا تُشْركون إِنِّي وجَّهْتُ وَجهِي لِلَّذي فطر السَّماوات والْأَرْض حنيفًا ومَا أنَا مِن المشْركين – الأنْعام 75 – 79 } . وَقَال تَعالَى لِذَلك لِبقيَّة اَلخُلق فِي دَعوَة لَهُم لِلتَّفَكُّر : { اَللَّه اَلذِي رفع السَّماوات بِغَير عَمْد تَرَونهَا ثُمَّ اِستوَى على العرْش وَسخِر الشَّمْس والْقَمر كُلُّ يَجرِي لِأَجل مُسَمى يُدبِّر الأمْر يَفصِل الآيَات لَعلَّكم بِلقاء رَبكُم تُوقنون – الرَّعْد 2 }

وَمِن أَرَاد لِقَاء اَللَّه تَعالَى فَليُعمل بِحكْمه اَلذِي نزل فِي كُتُب اَللَّه السَّماويَّة وخاتمهَا اَلقُرآن اَلكرِيم لِيكون مِن الموقنين قال تَعالَى فِي اَلقُرآن اَلكرِيم خَاتَم اَلكُتب السَّماويَّة وَالذِي نزل على خَاتَم النَّبيَّيْنِ ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) : { هذَا بَصائِر لِلنَّاس وَهُدى وَرحْمَة لِقَوم يُوقنون – الجاثية 20 } وَمِن تَرْك العمل بِكتاب اَللَّه تَعالَى فَهُو فِي جَاهلِية وَعدَم يقين بِاللَّه لِقوْله تَعالَى : { أَفحُكم الجاهليَّة يَبغُون وَمِن أَحسَن مِن اَللَّه حُكْمًا لِقَوم يُوقنون – المائدة 50 } .

وَهذَا اَليقِين فِيمَا عِنْد اَللَّه تَعالَى والدَّار اَلآخِرة { ولو ترى إِذ الْمجْرمون ناكسو رُءوسِهم عِنْد رَبهِم رَبنَا أبْصرْنَا وَسَمعنَا فارْجعْنَا نَعمَل صالحًا إِنَّا مُوقنون – السَّجْدة 12 } .

وبداية هذَا اَليقِين على ذَلِك تَبدَأ بِالْغرْغرة والْمَوْتِ لِذَلك يَقُول تَعالَى مُبَينا أنَّ الموْتَ بِداية اَليقِين فِي قَولِه تَعالَى { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين } ومَا بَعْد الموْتِ هُو اَليقِين اَلذِي سيعاينه كُل بُنِّي آدم لِقوْلِهم عِنْد الحسَاب { وَكنَّا نُكذِّب بِيَوم الدِّين حَتَّى أتانَا الْيقِين – اَلمُدثر 46 – 47 } . وَهذَا اَليقِين بِاللَّه تَعالَى والدَّار اَلآخِرة كان يعْلمه أمير المؤْمنين عَلِي عليْه السَّلَام حَتَّى أَنَّه قال فِي تَفسِير قَولِه تَعالَى { وَإذَا وقع الْقوْل عَليهِم أخْرجْنَا لَهُم دَابَّة مِن الْأرْض تُكلِّمهم أنَّ النَّاس كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقنون – النَّمْل 82 } . وَفِي تفْسيرهَا سأل الصَّحابيُّ عَمَّار بْن يَاسِر الإمَام عَلِي ( عليْه السَّلَام ) فَقَال لَه [ إِنَّها دَابَّة تَأكُل تمْرًا وَعسَل ] وَروَى فِي تَفاسِير أَهْل البيْتِ ( عَليهِم السَّلَام ) أنَّ اَليقِين هُو وِلاية الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام : [ قال أَبُو عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : ” قال رَجُل لِعمَّار بْن يَاسِر : يَا أبًا اليقْظان ، آية فِي كِتَاب اَللَّه قد أَفسَدت قَلبِي ، وشكَّكتْني قال عَمَّار : أَيَّة آية هِي ؟ قال : قال : { وَإذَا وقع الْقوْل عَليهِم أخْرجْنَا لَهُم دَابَّة مِن الْأرْض تُكلِّمهم أنَّ النَّاس كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقنون } ، فَأيَّة دَابَّة هَذِه ؟ قال عَمَّار : وَاَللَّه مَا أَجلِس ، ولَا آكل ، ولَا أَشرَب حَتَّى أريكْهَا . فَجَاء عَمَّار مع الرَّجل إِلى أمير المؤْمنين ( عليْه السَّلَام ) ، وَهُو يَأكُل تمْرًا وزبدًا ، فَقَال : يَا أبًا اليقْظان ، هَلُم ، فَجلَس عَمَّار ، وأقْبل يَأكُل معه ، فتعجُّب الرَّجل مِنْه ، فَلمَّا قام ، قال لَه الرَّجل : سُبْحان اَللَّه – يَا أبًا اليقْظان – حَلفَت أَنَّك لَا تَأكُل ، ولَا تُشرَّب ، ولَا تَجلِس حَتَّى تِرينيهَا ، قال عَمَّار : قد أريتْكهَا ، إِنَّ كُنْت تَعقُّل . – عن أَبِي عَبْد اَللَّه الجدَليِّ ، قال : دَخلَت على عَلِي ( عليْه السَّلَام ) ، فَقَال : ” أنَا دَابَّة الأرْض ” . – وعن أَبِي عَبْد اَللَّه الجدَليِّ ، قال : دَخلَت على عَلِي بْن أَبِي طَالِب ( عليْه السَّلَام ) ، فَقَال : أَلَّا أُحَدثَك ثلاثًا قَبْل أن يَدخُل عليَّ وعليْك دَاخِل ؟ ” قَلَّت : بلى . قال : أنَا عَبْد اَللَّه ، وَأنَا دَابَّة الأرْض ، صِدْقهَا ، وَعَدلهَا ، وَأخُو نَبِيهَا ، أَلَّا أُخبِرك بِأَنف اَلمهْدِي وعيْنَيْه ؟ ” قال : قُلْت بلى . فَضرَب بِيَده إِلى صَدرِه ، وَقَال : ” أنَا ” . – عن الأصْبغ بْن نباته ، قال : دَخلَت على أمير المؤْمنين ( عليْه السَّلَام ) وَهُو يَأكُل خُبْزًا وَخلَا وزيْتًا ، فَقُلت : يَا أمير المؤْمنين ، قال اَللَّه عزَّ وَجِل : { وَإذَا وقع ? لِقَول عَليهِم أخْرجَنَا لَهُم دَابَّة مِن الِأَرض تكلُّمهم أنَّ الِنَاس كَانُوا بِآياتنَا لَا يُوقنون } ، فمًا هَذِه الدَّابَّة ؟ قال : ” هِي دَابَّة تَأكُل خُبْزًا ، وَخلَا ، وزيْتًا ” . – تَفسِير البرْهان ] .

وقد بَيَّن حَقِيقَة ذَلِك اَليقِين حِينمَا قال لَهُم : [ سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني فإنِّي أَعلَم بِطرق السَّمَاء أَكثَر مِن طُرُق الأرْض ] .

[ عن أَبِي الطُّفَيْل ، قال : شَهدَت عُليَا وَهُو يَخطُب ، وَهُو يَقُول : سَلونِي فُو اَللَّه لَا تسْألوني عن سيكوِّن إِلى يَوْم القيامة إِلَّا حدَّثْتكم بِه وَسلُوني عن كِتَاب اَللَّه فُو اَللَّه مَا مِن أَيَّة إِلَّا وَأنَا أَعلَم أَبلِيل أَنزَلت أُمُّ بِنهار أُمٍّ فِي سَهْل أم فِي جبل ، فَقَال اِبْن اَلْكَواء : وَأنَا بَينِه وبيْن عَلِي وَهُو خَلفِي ، فَقَال : مَا ( والذَّاريات ذرْوًا – الذَّاريات 1 ) فَذكَر مَثلُه ، وَقَال فِيه : وَيلُك سل تَفقهَا ولَا تَسأَل تعنُّتًا وفيه سُؤَاله عن أَشيَاء غَيْر هذَا وله شَاهِد مَرفُوع أَخرَجه البزَّار ، وابْن مَردوِيه بِسَند لَيِّن ، عن عُمَر . – اِبْن حجر العسْقلانيّ – فَتْح البارئ شَرْح صحيح البخاري – كِتَاب تَفسِير اَلقُرآن – سُورَة والطُّور ج 8 ص 459 ] .

[ ثَنَاء : أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلة ، قال : سُمعَت عُليَا ( عليْه السَّلَام ) قام ، فَقَال : سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني ، ولن تسْألوا بَعدِي مِثْلِي ، فَقَام اِبْن اَلْكَواء ، فَقَال : مِن ( الَّذين بَدلُوا نِعْمتْ اَللَّه كُفْرًا وأحلُّوا قوْمهم دار اَلْبَوار – إِبْراهيم : 28 ) قال : منافقوا قُرَيش ، قال : فمن ( الَّذين ضلَّ سَعيُهم فِي الْحيَاة الدُّنْيَا وَهُم يحْسبون أَنهُم يُحْسنون صُنْعًا – الكهْف 104 ) قال : مِنْهم أَهْل حرورَاء ، هذَا حديث صحيح عالٍ ، وَبَسام بْن عَبْد الرَّحْمن الصَّيْرفي مِن ثِقَات الكوفيِّين مِمَّن يَجمَع حديثهم ولم يُخرِّجَاه . – الحاكم النَّيْسابوريُّ – المسْتدْرك على الصَّحيحيْنِ – كِتَاب التَّفْسير – تَفسِير سُورَة إِبْراهيم : 28 تَفسِير آية : ( ألم تر إِلى الَّذين بَدلُوا نِعْمتَ اللَّه كُفْرًا وأحلُّوا قوْمهم دار الْبوَار ) ج 2 ص 352 ] .

وَهذِه الدَّابَّة روى أَنهَا مِن علامَات السَّاعة اَلكُبرى والْآيات العشَرة قَبْل القيامة : [ عن أَبِي هُريْرَة قال : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم ” إِنَّ بَيْن يديْ السَّاعة الدَّجَّال ، والدَّابَّة ، ويأْجوج ومأْجوج ، والدُّخَّان ، وَطلُوع الشَّمْس مِن مَغربِها ” . . . وعن أَبِي هُريْرَة قال : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اللِّه عْليَّه وَسلَّم ” تَخرُّج دَابَّة الأرْض ومعهَا عصَا مُوسَى ، وخاتم سُليْمَان ، فتجْلو وَجْه اَلمُؤمن بِالْخاتم ، وِتخْطم أَنْف الكافر بِالْعَصَا ، حَتَّى يَجتَمِع النَّاس على اَلْخَوان يَعرِف اَلمُؤمن مِن الكافر ” . – تَفسِير اَلدَّر المنْثور لِلسُّيوطي ] .

وَهذَا اَليقِين فِيمَا بَعْد الموْتِ هُو ( عِلْم اَليقِين ) اَلذِي عِلْمه مِن رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ثُمَّ الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام وَأَئمَّة أَهْل البيْتِ ( عَليهِم السَّلَام ) وَمِن تولَّاهم وَمِن أَرَاد اَللَّه تَعالَى بُعْد ذَلِك أن يَهبَه بعْضًا مِن تِلْك اَلعُلوم اَلتِي يجْهلهَا اَلكثِير مِن النَّاس فِي زمن لَا يَعرِف فِيه اَلكثِير مِن النَّاس مَا هِي ” الصَّمْديَّة ” ولَا يَعرِف اَلكثِير مِنْهم اِسْم جدِّ رَسُول اَللَّه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) وأصْبح المسْلمين اِسْمًا فقط وَسلُوكا مُخَالِف تمامًا لِتعاليم الإسْلام بل اَلكثِير مِنْهم يُقلِّدون عَبدَة الشَّيْطان فِي بِلَاد العالم وَهُم لَا يُعيرون لِلدِّين بالا [ عن عَلِي بْن أَبِي طَالِب ( عليْه السَّلَام ) قال : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم : يُوشك أن يَأتِي على النَّاس زَمَان لَا يَبقَى مِن الإسْلام إِلَّا اِسْمه ، ولَا يَبقَى مِن اَلقُرآن إِلَّا رَسمُه ، مساجدهم عَامِرة وَهِي خَرَاب مِن اَلهُدى ، عُلماؤهم شرَّ مِن تَحْت أديم السَّمَاء مِن عِنْدهم تَخرُّج الفتْنة وَفيهِم تَعُود – أَورَده البيْهقي دُون قَولِه : وَمِن اَلقُرآن إِلَّا حَرفُه . وفيه زِيادة ، وَذلِك فِي شَعْب الإيمان 3 / 317 & اِبْن عَدِي فِي الكامل 4 / 227 ، وغيْرهمَا ] .

وَلذَلِك أطْلقْنَا على هذَا الكتَاب هُنَا ” عِلْم اَليقِين بِطرق السَّمَاء والْأَرْض ” وَلأَن الإمَام عَلِي كان أَوَّل من قال بَعْد اَلنبِي عن هَذِه الطُّرق بْن السَّمَاء والْأَرْض [ ” سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني ” ] وَلذَلِك بَعْد كِتابه كِتابنَا اَليقِين اِكْتشفْنَا أَنَّه بَيَان تفْصيليٌّ لِمَا ذَكرَه الإمَام عَلِي عن طُرُق السَّمَاء والْأَرْض ولم يُذكَر هذَا البيَان وَهنَا كان هذَا الكتَاب هُو تَفسِل الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام لِهَذه اَلطرِيق وَذلِك لِأَنه فِي قَولِه تَعالَى { سُورَة سبأ – ومَا آتيْناهم مِن كُتُب يدْرسونهَا ومَا أرْسلْنَا إِليْهم قِبَلك مِن نذير – سبأ 44 } أَمسَك كِتَاب اَللَّه تَعالَى بِيَده وَقَال [ ” مَا أتانَا رَبنَا غَيْر هذَا الكتَاب لِندْرسه ” ] .

وبالتَّالي هذَا بَيَان الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام لِهَذه الطُّرق قَبْل اَلخُلق وبعْد اَلخُلق كمًّا بيِّنًا ومَا حدث فِيهَا مِن خَلْق ثُمَّ هُبُوط بُنِي آدم وَطرَد إِبْليس مِن الجنَّة ثُمَّ عَودَة الجسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي اَلذِي خلق مِن طِينة الجنَّة وَهِي النَّفْس المرْفقة بِجَسد الإنْسان أو سَوأَتِه اَلتِي عاش بِهَا على فينْفصلان فَإِن كَانَت سَوأَة كَافِرة أو مُنَافقَة فعذابهَا فِي الدُّنْيَا وَلهَا علامَات عِنْد سَكَرات الموْتِ وتمْتمات تَنِم عن ندم أو رُؤيَة أَشيَاء مُرْعِبة وتلْك عَلامَة لِيتَّعظ بِهَا النَّاس ويتيقَّنوا أَنهُم مُقْبلون على حِسَاب عِنْد اَللَّه تَعالَى بُعْد الموْتِ ويوْم القيامة تَبعَث لِلشَّهادة على صَاحبِها كمًّا بيِّنًا مِن قِبل والْعَكْس إِنَّ كَانَت سَوأَة مُؤْمِنة عِنْد سَكَرات موْتهَا تُبْدُوا عليْهَا علامَات الفرح والسَّعادة والاسْتبْشار وَبَياض الوجْه وابْتاسمات عَرِيضَة ومَا شَابَه وتلْك علامَات لِلنَّاس كيْ يرْجعوا وِيتيقوا مِن أنَّ لَهُم خالقًا هُو اَلذِي يُحْييهم وَهُو اَلذِي يُميتهم وَهُو اَلذِي سيحاسبهم على مافعلْوه وقالوه فِي الدُّنْيَا . وَكأَن الدُّنْيَا دار شكٍّ وظنِّ ووساوس ويبْدأ اَليقِين فِيهَا بِغرْغَرة الموْتِ وَحينِها يُصْبِح بَصرُه أحد مِن نظر العيْنِ فِي الدُّنْيَا لِرؤْيَته يقينًا كُلَّ مَا وعد اَللَّه تَعالَى أَنَّه قد أَصبَح حقًّا يَرَاه ولَا يَشعُر بِذَلك مِن حَولِه إِلَّا بِعلامات تُبْدُوا على وَجهِه عِنْد سَكَرات الموْتِ قال تَعالَى { لَقد كُنْت فِي غَفلَة مِن هذَا فَكَشفنَا عَنْك غِطاءك فبصرك الْيوْم حديد – قِ 22 } وَقَال تَعالَى أيْضًا { فلوْلَا إِذَا بَلغَت الْحلْقوم وأنْتم حِينئذ تَنظُرون ونحْن أَقرَب إِلَيه مِنْكم وَلكِن لَا تُبْصرون – الواقعة 83 – 85 } . وَهنَا تَبدَأ مَرْحَلة اَليقِين اَلتِي قال تَعالَى فِيهَا { واعْبد رَبَّك حَتَّى يأْتيك الْيقِين } .

أَمَّا بعد:

عِنْدمَا نزل أَمْر اَللَّه تَعالَى إلى السَّمَاء الدُّنْيَا فِي لَيلَة القدر وَكتَب فِي اللَّوْح المحْفوظ مَا هُو كَائِن إِلى يَوْم القيامة أَوكَل ذَلِك لِملائكة بَيْن السَّمَاء والْأَرْض بَيْن كُونين بَيْن السَّمَاء والْأَرْض .

كُلٌّ مُسْلِم قرأ اَلقُرآن اَلكرِيم أو سَمعِه يَعلَم بِأنَّ هُنَاك ثَوَاب وعقاب وَجنَّة وَنَار فَإِن مات فَهُو إِلى الحسَاب قَادِم وَلكِن هذَا توكُّلا على اَللَّه وَثقَة فِي كِتَاب رَبِّه وَدينِه ومَا تُشاهِده عَينَة مِن مَوْت كُلٍّ مِن حَولِه مِن الآبَاء والْأعْمام والْأصْدقاء والْأخْوال والْجيران ومنْهم مَوْت أَطفَال والْكائنات لِتؤكِّد أَنهَا لَيسَت دار بَقَاء ولَا خُلُود فِيهَا فَهِي ومَا عليْهَا إِلى زَوَال حَتمِي { كُلٌّ مِن عليْهَا فَإِن ويبْقى وَجْه رَبِّك ذُو الْجلَال والْإكْرام } فَتَرسخَت فِي نُفُوس اَلكثِير قَاعِدة التَّوَكُّل على اَللَّه بِأنَّ اَلخُلق سَيمُو ت وسيحاسب على مافعل .

وَهذَا إِيمَان اَلْعَوام بِغضِّ النَّظر عن المسْتهْترين المسْتهْزئين بِالدِّين المعرَّضين عن ذِكْر اَللَّه مِمَّن لَا يسْمعون ولَا يعْقلون ولَا يقْرؤون ولَا يعْملون لِأخْراهم ويعيشون فِي هَذِه الدُّنْيَا كالْأنْعام بل هُم أضلَّ كمَا قال تَعالَى فِيهم : { أَموَات غَيْر أَحيَاء ومَا يَشعُرون أَيَان يبْعثون – النَّحْل 21 } أيْ : [ ومَا يَشعُرون أَيَان يبْعثون أيٌّ ومَا يَدرِي اَلكُفار متى يبْعثون ، أيُّ وَقْت البعْث ; لِأنَّهم لَا يُؤْمنون بِالْبَعْث حَثِّي يسْتعدُّوا لِلقاء اَللَّه وقيل : أيْ ومَا يُدريهم متى السَّاعة ، وَلَعلهَا تَكُون قريبًا . – القرْطبيَّ ] .

وَهؤُلاء المؤْمنين اَلْعَوام أن عَلمُوا تَفاصِيل هذَا المعْتقد اَلبسِيط مِن حَتمِية لِقَاء اَللَّه والْحساب وَهذَا لَايعَمل بِه إِلَّا اَلقلِيل مِمَّن يُرَاقِب نَفسَه ويحاسبهَا ويلومهَا على مَا اِقْترفتْه مِن ذُنُوب ومعاصي قال تَعالَى { وَإِن كثيرًا مِن النَّاس بِلقاء رَبهِم رَبهُم لَكافْرون – الرُّوم } وَذلِك لِأَنه لَم يَخطُر على بَالهِم طَوَال أعْمارهم ولو مَرَّة بِأنَّهم سِيلاقوا رَبهُم وسيحاسبهم وَعلَى مَا قَدمُوا وأخَّروا . وَهنَا نَقُول بِأنَّ مِن سيقْرأ كِتابنَا هذَا فبإذْن اَللَّه سينْتَقل مِن مَرْحَلة الإيمان التَّواكليِّ وفيه اَلشَّك أو اَلظَّن الغيْر يَقينِي إِلى اَليقِين الثَّابتِ لِأَنه سَيعرِف مِن أَيْن أتى وَبدَأ وكيْف سينْتَهي وكيْف سيتنَقَّل بِجسده وَنفسِه وَروحِه بيْنهم فِي رِحْلَة كَونِية تَنتَهِي بِالْفرْدوْس الأعْلى أو اَلخُلود فِي جَهنَّم والْعياذ بِاللَّه . والْمَوْتُ يَكُون هُنَا كَأنَّه رِحْلَة ذَهَاب وتنقُّل بَيْن العوالم أَدَاتهَا العمل الصَّالح فَيكُون الموْتُ والْحياة لَديْه سَوَاء بِسواء لَا يخافه ولَا يهابه يقينًا بل سَيكُون على يقين بِأنَّ اَلآخِرة خَيْر لَه مِن اَلأُولى بِمَا أَعدَّه اَللَّه تَعالَى لَه مِن نعيم مُقيمٍ إِذَا كان مِن المؤْمنين وكيْف أَنَّه لَا يسير فِي الدُّنْيَا وحيدًا بل معه نَفسَه وَقَرينَه وشياطين وملائكة مَوكُولة بِه مُنْذ تخْليقه فِي بَطْن أُمِّه حَتَّى لِقَاء اَللَّه تَعالَى . وَهنَا سَيكُون إِيمانه يَقينِيا وَيكُون على عِلْم وثيات بِطرق السَّمَاء والْأَرْض وَهُو عِلْم قال فِيه الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام بِمَا تَعلمُه مِن رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ” سَلونِي قَبْل أن تفقَّدوني فإنِّي أَعلَم بِطرق السَّمَاء أَكثَر مِن طُرُق الأرْض ” ] .

وبالْفعْل هذَا الكتَاب لَيْس نقولَات مِن كُتُب أُخرَى إِلَّا مِن كِتَاب اَللَّه تَعالَى وبعْض تَفاصِيل لِآيات مِن سنة رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وآثار أَهْل البيْتِ عليهم السلام و اَلتِي لَهَا حُكْم المرْفوع .

وبالتَّالي فِيه مِن العلم مَا لَم يعْرفْه ولم يَذكُره إِلَّا الله تعالى ورسوله وأَئمَّة أَهْل البيْتِ عليهم السلام بَيْن ثنايَا كُتبهم وكبار العلماء العرفانيين الَّذين تكلَّموا فِي أَشيَاء ولم يَحضُرهم فِيهَا اَلدلِيل فجاءتْ مُنكَرَة مِن طَائِفة وسكتتْ عَنهَا طَائِفة أُخرَى وَطائِفة اِعْتقَدتْ بِهَا دُون مَعرِفة اَلأدِلة اليقينيَّة عليْهَا كإنْكارهم أيْ علم بالغَيَّب و الْحديث فِيه والذي اِعْتبَره الجهلاء كَفْر وَتنجِيم مثلاً وقد نَسوا أنَّ اَللَّه تَعالَى يَقُول { وَفِي السَّمَاء رِزْقكم ومَا تُوعدون – الذَّاريات 22 } .

فَاَللَّه تَعالَى كُتُب كُلِّ مَا هُو مُقدَّر فِي السَّمَاء وَينزِل إِلى الأرْض بِقَدر مَعلُوم والْغَيْب دَرَجات و مقادير بَيْن النَّاس ودرجات بين الأنبياء والصالحين والمؤمنين وَذلِك لِأنَّ الغيْب فِي كِتَاب اَللَّه يَبدَأ مِن عَوْرات النِّسَاء وَالتِي قال تَعالَى فِيهَا أَنهَا غَيَّب فِي قَولِه تَعالَى { فالصَّالحات قانتَات حافظَات لِلْغيْب بِمَا حَفِظ اَللَّه – النِّسَاء 34 }

وَهذِه العوْرات غَيَّب لِكلِّ اَلخُلق وليْستْ غَيَّب عن زوْجهَا ويرْتَفع الغيْب إِلى مَا يعْلمه الرَّسول ولا يعلمه أحداً غيره وبوحي من الله تعالى لذلك قال عز وجل { عَالِم الْغيْب فلَا يُظْهِر على غَيبِه أحدًا إِلَّا من اِرتضَى مِن رَسُول فَإنَّه يَسلُك مِن بَيْن يديْه وَمِن خَلفِه رصدًا – اَلجِن 26 – 27 } .

وبالتَّالي يُمْكِن لِأفْرَاد أو أَصحَاب عِلْم أن يعْرفوا مَا يغيب عن اَلكثِير كل على حسب درجته من الله تعالى ونسبه من أهل بيت النبي عليهم السلام الذين هم أعلى درجة جعلها الله تعالى في فهم الكتاب والشريعة وما غاب عن هذه الأمة ولذلك قيل في المهدي أنه [ سمى المهدي لأنه يهدي الأمة لما غاب عنها – الحاوي للفتاوى لابن حزم ] .

وأعْظم هَذِه الأسْرار عِلْم َتأْويل كتاب اَللَّه تَعالَى وَالذِي قال فِيه الإمَام عَلِي عليْه السَّلَام [ اَلقُرآن أَبعَد عن فَهْم الرِّجَال . . . ] وَذلِك لِأَنه كِتَاب اَللَّه تَعالَى وله أَهْل بَيْت هُم الَّذين يَفتَح اَللَّه تَعالَى عَليهِم فِي بَيانِه وتأْويله لِقوْله تَعالَى { لَا يمسُّه إِلَّا الْمطهَّرون } [ أي لا يدرك غور معناه إلا من مسه الطهر ] وَذلِك لِأنَّ كثير مِن الألْفاظ فِي كِتَاب اَللَّه تَعالَى مَنقُولة عن مَعْنَاها يَظُنهَا العلماء هَكذَا مَعْنَاها فِي اَللغَة والصَّحيح أنَّ اَللغَة باب ومدْخل لِمعْرِفة مُرَاد اَللَّه تَعالَى مِن كِتابه اَلكرِيم وليس تأويل ومراد الله تعالى من كتابه الكريم .

ونسْأل اَللَّه تَعالَى أن يَكُون كِتابنَا هذَا هاديًا لِطرق السَّمَاء اَلتِي هبط مِنهَا الإنْسان ثُمَّ عَودَة المؤْمنين إِليْهَا بَعْد مَوتهِم وسجْن اَلكُفار فِي الأرْض في الدُّنْيَا حَيْث يمْنعون مِن صُعُود الجنَّة مَرَّة أُخرَى قال تَعالَى { أن الَّذين كَذبُوا بِآياتنَا واسْتكْبروا عَنهَا لَا تَفتَح لَهُم أَبوَاب السَّمَاء ولَا يَدخُلون الجنَّة حَتَّى يَلِج الْجمل فِي سمِّ الْخيَاط وَكذَلِك نَجزِي المجْرمين – الأعْراف 40 } .

وَيدُور كِتَاب اَليقِين حَوْل أَبحَاث قُرْآنِيَّة تراكمية على مدار أَكثَر مِن 35 عامًا لَا تَدُور حَوْل المعْنى اَللفْظِي فقط كمَا يَظُن البعْض بل هُو خُلَاصَة مَا علمْنَاه مِن كِتَاب اَللَّه تَعالَى مِن عُلُوم ظَاهِرة وَأُخرَى خَفيَت عن اَلكثِير فِي آيات يَمُر عليْهَا النَّاس وَهْم عَنهَا غافلون فَخرَج فِي موْضوعات هَامَّة مِن قرأهَا اِزْدَاد يقينًا بِاللَّه تَبارَك وَتَعالَى وَعمَل الصَّالحات و الْعبادات وَعدَم تَضيِيع وَقتِه هدْرًا فِيمَا لَا يُفيد فِي دِين أودُنيَا اِنْتظارًا لِثواب الْمحْكمة اَلكُبرى بعد الموت ثم يوم القيامة وَالتِي تَبدَأ بِسكْرَات الموْتِ وَظهُور  العلامات الدالة على مثواهم الأخير سواء كانوا من أَصحَاب الجنَّة أو أصْحَاب النَّار . وهنا يكون الموت كالحياة سواءاً بسواء بل الآخرة ستكون أفضل لهم وسيعملون لها أكثر من عملهم للدنيا .

وهنا سيكون المؤمن والْجنْديِّ و الْمجاهد في سبيل الله الموت عنده كالحياة فلا يفر أمام العدو عند اللقاء خاصة فِي زَمَان الدَّجَّال الأكْبر على الأرْض وقرب اقبال يأجوج ومأجوج وأكثر الناس لا يشعرون . وبداية رجوعهم إلى الله تعالى من بعد الموت ثم القيامة والفردوس الأعلى .

أي أننا بين كونين والثالث أخبر به تعالى و نفى العلم به  :

يبين تعالى أننا كبشر بَيْن كُونين وِ موتْتين وجسدَيْنِ وِسْمائين وَأرضِين وَجسَد يَحوِي نَفْس بِداخِله و هو ( الإنْسان الدَّاخليُّ ) وكلاهمَا مُرْتَبِط بِروح تحرُّكهمَا معًا بَيْن هذيْنِ العالميْنِ وَفْق سُنَن كَونِية أعدَّهَا اَللَّه تَعالَى بِمَا يَتَناسَب مع بَقَاء الجسد حيًّا بِعد الموْتِ بِتقْوى اَللَّه فِي جَنَّة عَدْن أو السُّوءة فِي الدُّنْيَا وَهُو الجسد الطِّينيُّ اَلسفْلِي اَلذِي خلق مِن اِجتِماع ذكر وَأُنثَى بَعْد الموْتِ تَتحَل فِي التُّرَاب هَذِه السُّوءة وتنْفَصل عَنهَا نَفسُها اَلتِي خَلقَت مِن طِينة الجنَّة وكانتْ تعيش بِه فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض وَذلِك لِأنَّ اَللَّه تَعالَى خَلْق النَّاس جميعًا دُفعَة وَاحِدة وأدْخل اَلحَة والنَّار فِي لَحظَة وَاحِدة لأنه تَعالَى لَيْس عِنْده زمن قال تعالى { وَلقَد خلقْناكم ثُمَّ صوَّرْناكم ثُمَّ قُلنَا لِلْملائكة اسْجدوا لِآدم فسجدوا إِلَّا إِبْليس لَم يَكُن مِن السَّاجدين – الأعْراف 11 } .

فالزَّمن عِنْدنَا نعْرفه بِالشَّمْس والْقَمر يأتي معهما الليل و النهار الليل والنهار وهمَا مخْلوقان قال تَعالَى فيهما { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين و الحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون – يونس 5 }

وَبيَّن الدُّنْيَا والْآخرة أو ( الحيَاة والْمَوْتُ ) يَتَنقَّل بَيْن عَالَم الدُّنْيَا والْآخرة فَبخُروج نَفسِه مِن جَسدِه على الأرْض بَعْد أن نَزلَت مِن السَّمَاء إِلى الأرْض يَنتَقِل بعْدهَا إِلى جَنَّة عَدْن إِنَّ كان مِن المؤْمنين وَإلَى جَهنَّم إِنَّ كان مِن الكافرين وعن جَسدِه فلَا يُعذَّب إِلَّا فِي الدُّنْيَا لِأَنه قد اِشترَك معه فِي اَلمعصِية بِغَير إِرادة مِنْه ويوْم القيامة يَكُون شاهدًا على صَاحبِه اَلذِي كان يعيش معه فِي سَوأَة أو جسد وَاحِد .

وبالتَّالي مَوْت هَذِه يُبْرِز هَذِه وموْتَ هَذِه يُبْرِز هَذِه فلَا يجْتمعان معًا إِلَّا يَوْم القيامة قال تَعالَى { كَيْف تَكفُرون بِاللَّه وكنْتم أمْواتًا فأحْياكم ثُمَّ يُميتكم ثُمَّ يُحْييكم ثُمَّ إِلَيه ترْجعون – البقَرة 28 } .

أيْ كُنتُم أَموَات السُّوءة أَحيَاء بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي المخْلوق مِن طِينة الجنَّة فِي عدن يَختَفِي بِداخِله سوْأته اَلتِي كان يَعلَم بِهَا إِبْليس قَبْل أن يَنزِع عن آدم وزوْجه لِباسهمَا ثُمَّ يَحْي اَللَّه تَعالَى الإنْسان بِسوْأَته فِي الدُّنْيَا بَعْد اَلهُبوط مِن الجنَّة يَتَوارَى بِداخل هذَا الجسد نَفسِه أو جَسدِه الطِّينيِّ اَلعلْوِي فَإذَا مَاتَت السُّوءة وَهِي الجسد الإنْسانيُّ تُبْرِز مِنهَا نَفسُها الطِّينيَّة العلْويَّة لِلْوجود بِمَا لَا يَتَناسَب فِي الحيَاة على الأرْض لِتنْتَقل إِلى جَنَّة عَدْن إِنَّ كَانَت مِن المؤْمنين الصَّالحين ثُمَّ الرُّجوع إِلى اَللَّه تَعالَى يَوْم القيامة بِالنَّفْس والْجَسد . وسجْن المجْرمين فِي الأرْض السُّفْلى فِي سجين وَأمَّا الَّذين خَلطُوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا فَهْم اَلذِي خَلقُوا مِن طِينة الجنَّة وقد خلط بِهَا طِينة مِن الأرْض فجاءتْ أعْمالهم مُطَابقَة لَمَّا خَلقُوا مِنْه وسواه هؤلاء تُعذِّب فِي الدُّنْيَا فقط ثُمَّ يَوْم القيامة تَكُون عليْه مِن الشَّاهديْنِ لِقوْله تَعالَى { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون سُورَة فُصلَت – وقالوا لِجلودهم لِم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة وإليْه ترْجعون – فَصلَت 20 – 21 } ومعْلوم الشَّاهد لَا يُعذِّب

فإذا كان يوم القيامة بدل الله تعالى الأرض غير الأرض والسماوات كما في قوله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزا لله الواحد القهار } وهنا تكون نشأة جديدة نفي الله تعالى العلم بها في قوله تعالى { وننشئكم فيما لا تعلمون } وسنفصله بإذن الله تعالى فيما بعد

وَسنُفصل ذَلِك فِي الكتَاب إِن شاء اَللَّه هذَا وباللَّه التَّوْفيق

خَالِد مُحْيِي الدِّين الحليبي

اَلْفَصْل اَلْأَوَّلِ :  

يَقُول تَعالَى { أفعيينَا بِالْخَلْق الأُول بل هُم فِي لَبْس مِن خَلْق جديد – قِ 15 } ومادمْتَ سمعْتُ أَوَّل فَيكُون هُنَاك ثَانِي وَثالِث وَآخَر قال تَعالَى فِي اَلخُلق الآخر { قلَّ سَيرُوا فِي الأرْض فانْظروا كَيْف بدأ اَلخُلق ثُمَّ اَللَّه يُنْشِئ النَّشْأة اَلآخِرة إِنَّ اَللَّه على كُلِّ شَيْء قدير – العنْكبوتِ 20 } أيْ أنَّ الإنْسان هُنَا بَيْن خَلْق جسديْنِ ونشْأتيْنِ أُولَى وَآخِرة وكوْنَيْنِ وِسْمائين وَأرضِين . وِموتْتين قال تَعالَى فِيهمَا { لَا يذوقون فِيهَا الْموْتَ إِلَّا الْموْتة اَلأُولى ووقاهم عَذَاب اَلجحِيم – الدُّخَّان 56 } عِنْدمَا نزل أَمْر اَللَّه تَعالَى إِلى السَّمَاء الدُّنْيَا فِي لَيلَة القدر وَكتَب فِي اللَّوْح المحْفوظ كُلُّ مَا هُو كَائِن إِلى يَوْم القيامة أَوكَل ذَلِك لِملائكة بَيْن السَّمَاء والْأَرْض وهْمًا كُونين هُمَا سَمَاء جَنَّة عَدْن و سَمَاء الدُّنْيَا التي تراها أعيننا بأجسادنا المحدودة أنها َّلا نهائيَّة اَلتِي نراهَا بأعْيننَا على الأرْض وَلهَا بوَّابَات لِإدْرَاك سَمَاء النَّشْأة اَلآخِرة وَالتِي لَا تُدْرِك بالْسوءة اَلتِي يعيش بِهَا الإنْسان فِي الحياة الدُّنْيَا وَهِي جَسدُه الطِّينيُّ اَلسفْلِي اَلذِي هبط بِه إِلى الأرْض حَيْث لَا تَتَناسَب هَذِه السُّوءة مع طَبِيعَة الجنَّة وما خلقه وأودعه الله تعالى فيها .

وبالتَّالي نَحْن أَمَام قِسْميْنِ فِي اَلخُلق أَحدِهما ظَاهِر والْآخر بَاطِن وَلكُل قوانينه وسننه اَلتِي وضعهَا اَللَّه تَعالَى بِه فِي كُلٍّ كَوَّن على حسب مَا يَتَناسَب مع طَبِيعَة اَلخُلق سَوَاء كان طِينيٌّ عُلْوِي أو نفسًا خَلقَت مِن طِينة الجنَّة أو مِن طِينة النَّار ثُمَّ السُّوءة أو الجسد الطِّينيِّ السُّفْلى اَلذِي نعيش بِه فِي الحيَاة الدُّنْيَا بعْدمَا يَخرُج مِن بَطْن أُمَّة وبداخلهَا نفْسه اَلتِي كان يعيش بِهَا فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض أَو هَى ( نَفسُه ) المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة أو طِينة النَّار كمًّا بيِّنًا وَتأَت أَعمَال العبَاد تبعًا لِلطِّينة اَلتِي خَلقُوا مِنهَا وكثير مِن اَلخُلق مِمَّن خَلطُوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا فَاَللَّه تَعالَى يَقضِي بيْنهم يَوْم القيامة بِحكْمه . [ عن أَبِي عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) قال : إِنَّ اَللَّه عزَّ وجلَّ خَلْق اَلمُؤمن مِن طِينة الجنَّة وخلْق الكافر مِن طِينة النَّار ، وَقَال : إِذَا أَرَاد اَللَّه عزَّ وجلَّ بِعَبد خيْرًا طَيِّب رُوحَه وجسده فلَا يَسمَع شيْئًا مِن الخيْر إِلَّا عَرفَة ولَا يَسمَع شيْئًا مِن اَلمُنكر إِلَّا أَنكَره ، قال وسمْعَته يَقُول : الطِّينات ثَلَاث : طِينة الأنْبياء و الْمؤْمن مِن تِلْك الطِّينة إِلَّا أنَّ الأنْبياء هُم مِن صفْوتَهَا ، هُم الأصْل وَلهُم فَضلُهم والْمؤْمنون الفرْع مِن طِين لَازِب و ( اللَّازب : اللَّازم لِلشَّيْء واللَّاصق بِه ) ، كَذلِك لَا يُفرِّق اَللَّه عزَّ وجلَّ بيْنهم وبيْن شِيعتِهم ، وَقَال : طِينة النَّاصب مِن حمأ مُسنُّون أيْ ( اَلمنْتِن ) وَ أمَّا المسْتضْعفون فَمِن تُرَاب ، لَا يَتَحوَّل مُؤْمِن عن إِيمانه ولَا نَاصِب عن نَصبَه وَللَّه المشيئة فِيهم . وعن عَلِي بْن إِبْراهيم ، عن أبيه ، عن اِبْن مَحبُوب ، عن صَالِح بْن سَهْل قال : قَلَّت لِأَبي عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : جَعلَت فَدَاك مِن أيِّ شَيْء خَلْق اَللَّه عزَّ وجلَّ طِينة اَلمُؤمن فَقَال : مِن طِينة الأنْبياء ، فلم تُنجَّس أبدًا ( أيْ بِنجاسة الشِّرْك والْكفْر ) . – الكافي لَلْكليني ج 3 ص 3 ] .

( 2 ) مَرْحَلة اَلخُلق مِن العدم واللَّاشيْء :

قال اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى لسيدنا زكريا بعدما تعجب ن إنجاب زوجته العاقر نبي الله يحى عليهم السلام  { قال كَذلِك قال ربُّك هُو عليَّ هَيِّن وقد خلقْتك مِن قَبْل ولم تك شيْئًا – مَريَم 9 } .

وَهذِه مَرْحَلة مِن الدَّهْر لَم يَكُن فِيهَا الإنْسان أيَّ شَيْء مَذكُور لِأَنه خَلْق مِن العدم وَعلَى غَيَّر مِثَال أو تَقلِيد لِمخْلوق خُلُقه إِلَّاهَا آخر كمَا فِي قَولِه تَعالَى { هل أتى على الْإنْسان حِين مِن الدَّهْر لَم يَكُن شيْئًا مَذكُورا – الإنْسان 1 } . وَقَال تَعالَى { أَولَا يَذكُر الْإنْسان أَنَّا خلقْنَاه مِن قَبْل ولم يك شيْئًا – مَريَم 67 } ثُمَّ جاء خَلْق اَللَّه لِلْبشر مِن طِين { وَإِذ قال ربُّك لِلْملائكة إِنِّي خَالِق بشرًا مِن صَلْصال مِن حمأ مُسنُّون فَإذَا سوَّيْته ونفخْتُ فِيه مِن رُوحي فَقعُوا لَه سَاجدِين فَسجَد الْملائكة كُلهُم أجْمعون إِلَّا إِبْليس أبى أن يَكُون مع السَّاجدين – الحجْر 28 – 31 } .

( 3 )  خَلْق اَللَّه الكوْن وَحاسِب وَأدخِل الجنَّة والنَّار فِي لَحظَة وَاحِدة :

حَيْث أَنَّه تَعالَى يَقُول { إِنَّما أَمرُه إِذَا أَرَاد شيْئًا أن يَقُول لَه كُن فَيكُون – يس 82 } فَيكُون اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى لَيْس عِنْده زمن ومَا خَلْق اَللَّه السَّمَاء والْأَرْض إِلَّا لِيعْلم النَّاس عدد اَلسنِين و الْحساب وليعلموا أن الحساب كما له أوله (واحد في العدد) فلابد أن يكون له نهاية محددة بالقيامة وبعدها لا سنين ولا عدد لأنه الخلود بين جنة عدن جنة الحياة الدنيا والخلود الأبدي بالفردوس الأعلى بعد ميراث الخالق عز وجل للسماوات والأرض قال تَعالَى { هُو اَلذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء والْقَمر نُورًا وقدْره مَنازِل لِتعْلموا عدد اَلسنِين والْحساب مَا خلق اَللَّه ذَلِك إِلَّا بِالْحقِّ يَفصِل الآيَات لِقَوم يعْلمون – يُونُس 5 } .

ويوْم القيامة بَعْد أَدَاء مُهمَّتهمَا فِي تَعلِيم البشر تنتهي الدنيا و يجْمعهمَا اَللَّه تَعالَى فيلْقيهمَا فِي جَهنَّم لِتزْدادَا سعيرًا ويزْدَاد المجْرمين عذابًا بِلهيبهَا كما في الأحاديث النبوية الشريفة في بيان قوله تعالى  { وَجمِع الشَّمْس والْقَمر – القيامة } .

[ . . قال : قال رَسُول اَللَّه – صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم – : إِنَّ الشَّمْس والْقَمر ثَوَران عُقيْرَان فِي النَّار وقيل : هذَا الجمْع أَنهُما يجْتمعان ولَا يفْترقان ، ويقرِّبان مِن النَّاس ، فيلْحقهم العرْق لِشدَّة اَلحَر ; فَكأَن المعْنى يَجمَع حَرهُما عَليهِم . وقيل : يَجمَع الشَّمْس والْقَمر ، فلَا يُكوِّن ثُمَّ تَعاقَب لَيْل ولَا نَهَار . – تَفسِير الطَّبَري ].

ولَا تُعَاقِب للَيْل ولَا للنهارًا إلا في الدنيا وذلك لِأنَّ جَنَّة اَلآخِرة ظِلًّا ظليلا قال تعالى لا شمساً فيها ولا زمهريرا كما في قوله تعالى { متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا – الإنسان 13 }  وبالتالي الفردوس الأعلى ظلاً ظليلا كما فِي قَولِه تَعالَى { وندْخلهم ظِلًّا ظليلا – النِّسَاء } . والسَّماء والْأَرْض و مافيهْمَا مِن شَمْس و قمَر وكواكب لَا عَذَاب عليْهَا يَوْم القيامة لِأنَّهَا غَيْر مُكَلفَة وَأبَت أنَّ تَحمُّل أَمانَة اَلحُكم بِمَا أَنزَل اَللَّه تَعالَى كمَا فِي قَولِه تَعالَى : { إِنَّا عرضْنَا الْأمانة على السَّماوات والْأَرْض والْجبال فأبيْن أن يحْملْنهَا وأشْفَقْن مِنهَا وَحَملهَا الْإنْسان إِنَّه كان ظلومًا جهولا – الأحْزاب 72 } . وبالتَّالي لَا عَذَاب عَليهِما يَوْم القيامة وقبْل خَلْق السَّماوات والْأَرْض ومَا فِيهمَا مِن شَمْس وَقمَر نَعرِف بِهمَا عدد اَلسنِين والْحساب كمًّا بيِّنًا .

( 4 ) رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه كانوا قَبْل خَلْق السَّماوات والْأَرْض مِن كِتَاب اَللَّه :

أوَّلا :

لَم يَكُن هُنَاك زمن يَعرِف بِه الوقْتُ والْحساب قَبْل اَلخُلق وَهنَا بدأ اَللَّه تَعالَى اَلخُلق بِسيِّدِنَا مُحمَّد صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه لِقوْله تَعالَى { لَا شريك لَه وَبذَلِك أَمرَت وَأنَا أَوَّل المسْلمين – الأنْعام 163 } وقال تعالى  { وأمرت لأن أكون أول المسلمين – الزمر 13 }  وقال تعالى أيضاً{ قل إنما أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين – الأنعام 14 } وَلفَظ أَسلَم ورد فِي إِسلَام السَّماوات والْأَرْض فِي قَولِه تَعالَى { أَفغَير دِين اللَّه يَبغُون وله أَسلَم من فِي السَّماوات والْأَرْض طوْعًا وكرْهًا وإليْه يُرْجعون – آل عِمْرَان 83 } أيْ أنَّ اَللَّه تَعالَى خَلْق رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه وأسْلم قَبْل خَلْق السَّماوات والْأَرْض وذلك لِأَنه قال تَعالَى عن إِسلَام السَّماوات والْأَرْض { أَفغَير دِين اَللَّه يَبغُون وله أُسلِّم مِن فِي السَّماوات والْأَرْض طوْعًا وكرْهًا وإليْه تُرْجعون } .

وبالتَّالي أَوَّل مِن أَسلَم قَبْل إِسلَام السَّماوات والْأَرْض هُو سَيدُنا مُحمَّد ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) .ثم الإمام علي علي عليه السلام أيضاً وذلك واضح من خلال قوله تعالى عن النبي محمد وأمير المؤمنين علي عليه السلام

أنه صالح المؤمنين :

قال تعالى { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير – التحريم 4 }

وهنا في أسباب النزول :

[ أخذ رسول الله بيد علي فقال : أيها الناس ، هذا صالح المؤمنين ! ! ؟ ” وقد نقل هذا المعنى في كتب عديدة لعلماء أهل السنة منهم العلامة ” الثعلبي “و ” الكنجي ” في ” كفاية الطالب ” و ” أبو حيان الأندلسي ” و ” السبط ابن الجوزي ” وغيرهم – تفسير مجمع البيان , ج10 , ص316 &  وقد أورد جمع من المفسرين منهم ” السيوطي ” في ” الدر المنثور ” في ذيل الآية مورد البحث و ” القرطبي ” في تفسيره المعروف ، وكذلك ” الآلوسي ” “في روح المعاني ” في تفسير هذه الآية أوردوا هذه الرواية . وبعد أن نقل مؤلف ( روح البيان ) هذه الرواية عن ( مجاهد ) قال : ويؤيد هذه الرواية الحديث المعروف : ” حديث المنزلة ” الذي وصف فيه الرسول مكانة علي ( عليه السلام ) منه بقوله لعلي ” أنت مني بمنزلة هارون من موسى ” ]

وقد ورد لفظ صالحين لكل أنبياء الله تعالى كفرع على أصل أي بأن يقولوا وأدخلنا في الصالحين فمثلا : قال تعالى في دعاء نبي الله نوح ولوط عليهما السلام { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين – التحريم 10 } وقال تعالى في نبي الله إبراهيم عليه السلام { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين – الشعراء 83 } وقال تعالى عن نبي الله إسماعيل عليه السلام { رب هبلي من الصالحين – فبشرناه بغلام حليم – الصافات 100 }

وفي إسحاق عليه السلام يقول تعالى { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين – الصافات 112 }

وفي لوط عليه السلام يقول تعالى { وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين – الأنبياء 75 }

وفي موسى وهارون عليهما السلام قال تعالى  {وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ – سورة الأنبياء الآية 72 } وفي دعاء نبي الله يوسف عليه السلام {توفني مسلماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ – يوسف 101 } وقال تعالى عن نبي الله سليمان عليه  السلام { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين – النمل 19 } ويونس عليه السلام يقول فيه تعالى { فاجتباه ربه فجعله من الصالحين – القلم 50 } وفي نبي الله عيسى عليه السلام يقول تعالى { وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين – آل عمران 39 }

والسؤال هنا :

هل يوجد نبياً قال تعالى فيه أنه صالح المؤمنين غير سيدنا محمد والإمام علي عليه السلام ناصر رسول الله وحامل لواءة في الدنيا والآخرة عليه السلام كما في قوله تعالى قال تعالى { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير – التحريم 4 } .

وبالتالي صالح المؤمنين نفس رسول الله صلى الله عليه وهو الإمام على عليه السلام لقوله تعالى في آية المباهلة { وأنفسنا وأنفسكم – آل عمران } وبالتالي خلق نفس رسول الله من نور الله تعالى والذي كان أول الخلق كان قد خلق الله تعالى بعده نفسه وهو الإمام علي عليه السلام ثم أهل البيت لآية المباهلة في قوله تعالى { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين – آل عمران 61 } وهذه هى الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وتفرع منها أنبياء ورسل وصالحين ومؤمنين والشجرة الخبيثة العكس اصلها إبليس وقد اجتثها الله تعالى من أرض جنة عدن لتسجن في الأرض السفلى وهؤلاء هم الشجرة الملعونة في القرآن فضلاً عن كونها شجرة في ظاهرها إلا أن باطن معناها نسل شياطين الإنس والجن وشجرتهم الملعونة التي بدأها إبليس وانتهى فيها بقريشاَ الأولى والآخرة قال تعالى في هذا المشجر العين { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا – الإسراء 60 } وهؤلاء ومن خلفهم من شياطين الجن نهى الله تعالى عمن ولايتهم من دون الله تعالى ورسوله وأل بيته عليهم السلام لذلك سيقول تعالى لهن تولاهم يوم القيامة { أفتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوا بئس للظالمين بدلا – الكهف }

ومادام رسول الله صلى الله أول الخلق فماذا كان قبل بداية الخلق وهذا سؤال منطقي الإجابة عليه أنه كان هناك كوناً آخر قال تعالى فيه ( وكان عرشه على الماء) قال تعالى { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين – هود 7 } .

وهنا كان عكسها أصبح أي بعدما كان هناك كوناً قبلنا يسبح في الماء أصبح يسبح في الهواء ولذلك قالت { والسابحات سبحا – النازعات 3} .

وقال تعالى وكل في فلك يسبحون { وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون – الأنبياء 33 }

وهذه السباحة في عرشنا الحالي بالهواء و الذي خلقه تعالى لبني آدم وصنعة الله تعالى في ستة أيام من سنعيش فيها قال تعالى عن هذا الكون عز وجل { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا – الفرقان 59 } وبعد يوم القيامة هناك عرش جديد قادم وهو الكون الجديد وفيه الفردوس الأعلى والذي قال تعالى فيه {والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية – الحاقة 17 } .

والثمانية هنا إذا جعلتهم أربع اتجاهات رئيسية واربعة فرعية فيكون ثمانية في كل اتجاه للعرش القادم إن شاء الله والذين لن يكون فيه إلا من رضى الله تعالى عنهم ورضوا عنه .

ثانيًا كما بينا من قبل ونؤكد عليه مرة أخرى :

لَم يُذكَر اَلقُرآن الكرِيم عن أيِّ نَبِي عَليهِم السَّلَام أَنَّه أَوَّل مِن أَسلَم أو أَوَّل المسْلمين إِلَّا رَسُول اَللَّه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) بل دعوْا اَللَّه تَعالَى بِدعاء يُثْبِت أَنهُم مِن المسْلمين وَأولِهم سيِّدنَا مُحمَّد ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) .

  • أَوَّل مِن أَسلَم كقوْل نُوح عليْه السَّلَام مثلا { واتْل عَليهِم نبأ نُوح إِذ قال لِقوْمه يَاقُوم إِنَّ كان كِبر عليْكم مَقامِي وتذْكيري بِآيات اَللَّه فَعلَى اَللَّه تَوكلَت فأجْمعوا أَمرَكم وشركاءكم ثمَّ لا يَكُن أَمرُكم عليْكم غُمَّة ثُمَّ اِقْضوا إِليَّ ولَا تَنظُرون فَإِن تولَّيْتم فمَا سألْتكم مِن أَجْر إِنَّ أُجْرِي إِلَّا على اَللَّه وأمرتْ أن أَكُون مِن المسْلمين – يُونُس 71 – 72 } .
  • وَيقُول تَعالَى كَذلِك فِي إِبْراهيم وإسْماعيل وإسحاق عَليهِما السَّلَام { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ – البقَرة 131-133 } .
  • وَسَيدنَا لُوط عليْه السَّلَام يَقُول تَعالَى فِيه { فأخْرجْنَا من كان فِيهَا مِن الْمؤْمنين فمَا وجدْنَا فِيهَا غَيْر بَيْت مِن الْمسْلمين – الذَّاريات 35 – 36 } .
  • سيدنا يوسف عليه السلام { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ – يوسف 101 }
  • موسى عليه السلام { وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ – يونس 84 }
  • سليمان عليه السلام { وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين – النمل 42 }
  • الحواريين { آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون – آل عمران 52 }

فهل قال أحد الأنبياء وأنا أول المسلمين أو أول من أسلم .

ثالثًا :

مع خَلْق السَّماوات والْأَرْض جاء خَلْق نَبِي اَللَّه إِبْراهيم عليه السلام وَهُو شَاهِد على خلقهِمَا كمَا فِي قَولِه تَعالَى { قال بل رَبكُم ربُّ السَّماوات والْأَرْض الَّذي فطرهنَّ وَأنَا على ذَلكُم مِن الشَّاهدين – الأنْبياء 56 } .

رابعًا :

بَعْد خَلْق السَّماوات والْأَرْض وبداية دَوَران الشَّمْس والْقَمر عَرْض اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى أَمانَة اَلحُكم بِكتاب اَللَّه وخلافته فِي الأرْض على السَّماوات والْأَرْض والْجبال فأبيِّن أنَّ يحْملنهَا خوْفًا مِن التَّقْصير فِي حقِّ االْله تَبارَك وَتَعالَى قال عزَّ وجلَّ هُنَا { إِنَّا عرضْنَا الْأمانة على السَّماوات والْأَرْض والْجبال فأبيْن أن يحْملْنهَا وأشْفَقْن مِنهَا وَحَملهَا الْإنْسان إِنَّه كان ظلومًا جهولا – الأحْزاب 22 } .

فَلمَّا أبتْ السَّماوات والْأَرْض والْجبال على حَمْل أَمانَة اَلحُكم بِمَا أَنزَل اَللَّه تَعالَى بَيِّن كُلُّ خُلُقه جَعْل اَللَّه تَعالَى آدم عليْه السَّلَام خليفَته فِي أَرضِه وَكُل أنْبيائه والْأئمَّة مِن بَعدهِم بُعْد خَتْم النُّبوَّة والْكتَّاب بِسَيد وُلِد آدم وَأَمام المرْسلين قال تَعالَى { وَإِذ قال ربُّك لِلْملائكة إِنِّي جَاعِل فِي الْأرْض خَلِيفَة قَالُوا أتجْعل فِيهَا مِن يُفْسِد فِيهَا وَيسفِك الدِّمَاء ونحْن نَسبَح بِحمْدك ونقدِّس لَك قال إِنِّي أَعلَم مَا لَا تعْلمون وَعلَّم آدم الْأسْماء كُلهَا ثُمَّ عرضهم على الْملائكة فَقَال أنْبئوني بِأسْمَاء هؤلاء إِن كُنتُم صَادقِين قَالُوا سُبْحانك لَ

ا عِلْم لَنَا إِلَّا مَا علَّمْتَنَا إِنَّك أَنْت اَلعلِيم اَلحكِيم قال يَا آدم أَنبِئهم بِأسْمائهم فَلمَّا أُنبَّأهم بِأسْمائهم قال ألم أَقُل لَكُم إِنِّي أَعلَم غَيَّب السَّماوات والْأَرْض وأعْلم مَا تَبدُون ومَا كُنتُم تُكْتمون – البقَرة 30 – 33 }

. وَهنَا الآيَات تَبيَّن أَعلمِية آدم عليْه السَّلَام أَكثَر مِمَّا تَعلمَه الملائكة مِن عِلْم مَحدُود . ثُمَّ أخذ اَللَّه تَعالَى مِن الأنْبياء مِيثاقهم بِولاية رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ونصْرَته قال تَعالَى { وَإِذ أخذ اَللَّه مِيثَاق النَّبيَّيْنِ لِمَا آتيْتكم مِن كِتَاب وَحِكمَة ثُمَّ جاءكم رَسُول مُصدِّق لِمَا مَعكُم لِتؤمَّنن بِه ولتنْصرنَّه قال أأقررْتم وأخذْتم على ذَلكُم إِصْرِي قَالُوا أقْررْنَا قال فاشْهدوا وَأنَا مَعكُم مِن الشَّاهديْنِ – آل عِمْرَان 81 } .

ثُمَّ أخذ اَللَّه تَعالَى الميثاق على بَقيَّة اَلخُلق بِألوهيَّته ورْبوببيته ونبَّأَهم بِمَا سيقولونه اَلعُصاة يَوْم القيامة حَتَّى لَا يَكُون لَهُم حُجَّة أَمَام اَللَّه تَعالَى يَوْم القيامة بَعْد أن نبَّأهم بِمَا سيقولونه عِنْد المحْكمة اَلكُبرى يَوْم القيامة قال تَعالَى : { وَإِذ أخذ ربُّك مِن بَنِي آدم مِن ظُهورِهم ذُرِّيَّتَهم وأشْهدهم على أَنفسِهم ألسْتُ بِربِّكم قَالُوا بلى شَهِدنَا أن تقولوا يَوْم القيامة إِنَّا كُنَّا عن هذَا غَافلِين أو تقولوا إِنَّما أَشرَك آباؤنَا مِن قَبْل وَكنَّا ذُريَّة مِن بَعدهِم أفتْهلْكنَا بِمَا فعل المبْطلون – الأعْراف 172 – 173 } .

 (5) خَلْق نَفْس رَسُول اَللَّه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) والْمرْسلين والْمؤْمنين مِن نُور اَللَّه تَعالَى :  

قال صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه : [ خَلقَت الملائكة مِن نُور ، وَخلَق الْجانَّ مِن مَارِج مِن نارٍ ، وخلْق آدم مِمَّا وصف لَكُم . – رَوَاه مُسْلِم ] .

وَهنَا اَلحدِيث مِن اَلمُؤكد أنَّ لَه أَحادِيث أُخرَى تَكمِلة لِتفْصِيل المعْنى أو بَيَان لَم يَنتَبِه إِلَيه أحد وَهُو الخلْط بَيْن الجسد الطِّينيِّ اَلذِي عاش بِه أَهْل الجنَّة بِه فِي جَنَّة عَدْن وبيْن سُلالتهم اَلتِي اِنْتشَرتْ بَعْد ظُهُور سَوآتِهم بِالْجَنَّة وهبوطهم بِهَا بَعْد خُروجِهم مِن الجنَّة إلى الأرض وَمِن هُنَا يَتَبيَّن لَنَا أنَّ أَجسَاد أَهْل الجنَّة مِن طِين وَلَكنهَا مِن طِينة الجنَّة ولَا عَيْش فِي الجنَّة بِغَير نُور قال تَعالَى فِيه .

{ يَوْم ترى المؤْمنين والْمؤْمنات يَسعَى نُورهم بَيْن أَيدِيهم وبأيْمانهم بُشْراكم اليوْم جَنَّات تَجرِي مِن تَحتِها الأنْهار خَالدِين فِيهَا ذَلِك هُو الفوْز اَلعظِيم يَوْم يَقُول الْمنافقون والْمنافقات لِلَّذين آمنوا انْظرونَا نَقتَبِس مِن نُوركم قِيل ارْجعوا وراءَكم فالْتمسوا نُورًا فَضرِب بيْنهم بِسور لَه باب باطنه فِيه الرَّحْمة وَظاهِره مِن قِبَله الْعذَاب يُنادونهم ألم نَكُن مَعكُم قَالُوا بلى ولكنَّكم فتنْتم أَنفُسكم وتربَّصْتم وارْتبتم وغرَّتْكم الأماني حَتَّى جاء أَمْر اَللَّه وغرَّكم بِاللَّه اَلغُرور فالْيَوْم لَا يُؤخَذ مِنْكم فِدْيَة ولَا مِن الَّذين كَفرُوا مَأْوَاكم النَّار هِي مَوْلَاكم وبئْس اَلمصِير – اَلحدِيد 12 – 15 } .

كمَا أنَّ خَلْق رَسُول اَللَّه مِن نُور لقوله تَعالَى { قد جاءكم مِن اَللَّه نُور وكتاب مُبيَّن – المائدة } وَلكِن هذَا النُّور مِن اَللَّه تَعالَى لِأَنه خَلِيفَة اَللَّه فِي أَرضِه على مخْلوقاته بَيْن أَرضِه وسمائه وَمِن هُنَا عُلُو رُتبَة الإنْسان وَهَيمنَة الأنْبياء على الإنْس وَالجِن والْملائكة اَلتِي تخْدمهم وموْكولة بِهم وَهُم اَلصلَة بَيْن الخالق والْمخْلوقين إِنْس وَجِن وَجَماد وَسَماء وأرْض وَلذَلِك تَتَوقَّف سُنَن الكوْن مع هؤلاء المرْسلين بِأَمر اَللَّه كمَا أَوقَف اَللَّه تَعالَى سُنَن النَّار مع نَبِي اَللَّه إِبْراهيم ( عليْه السَّلَام ) أو اَلْماء مع نَبِي اَللَّه مُوسَى ( عليْه السَّلَام ) لِيتحَوَّل اَلْماء إِلى جبل كالطَّوْد اَلعظِيم وبدعائهم أهْلك اَللَّه تَعالَى أُمَما ونسفتْ قُرَى بَعْد أن دعوْا اَللَّه تَعالَى عَليهِم .

– و لِمَا كان رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه نُورًا قال تَعالَى فِيه { قد جاءكم مِن اَللَّه نُور وكتاب مُبيَّن } وَفِي حديث جَابِر [ ” كُنْت نُورًا قَبْل أن يَخلُق آدم بِأرْبَعة عشر أَلْف عامٍ , فَلمَّا خَلْق [ اَللَّه ] آدم جَعْل النُّور فِي صُلْبِه , فلم يزل يَنقُله مِن صُلْب إِلى صُلْب ، حَتَّى اِستقَر فِي صُلْب عَبْد اَللَّه ] .

[ وَقَال صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ( ( أَوَّل مَا خلق اَللَّه نُور نبيِّك يَا جَابِر ) ) ، وَفِي لَفْظ : ( ( يَا جَابِر ، إِنَّ اَللَّه خَلْق قَبْل الأشْياء نُور نبيِّك مِن نُوره))] .

وَهنَا نُور مِن نُوره وَنُور على نُور أَثبَت اَلقُرآن اَلكرِيم أنَّ رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه نُور قال تَعالَى فِيه { قد جاءكم مِن اَللَّه نُور وكتاب مُبيَّن } .

[ قال أَبُو جَعفَر : يَقُول جُلُّ ثناؤه لِهؤلَاء الَّذين خاطبَهم مِن أَهْل الكتَاب : ” قد جاءكم ” ، يَا أَهْل التَّوْراة والْإنْجيل ” مِن اَللَّه نُور ” ، يَعنِي بِالنُّور ، مُحَمدا صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم اَلذِي أَنَار اَللَّه بِه اَلحَق ، وأظْهر بِه الإسْلام ، وَمحِق بِه الشِّرْك ، فَهُو نُور لَمِن اِسْتنَار بِه يُبيِّن اَلحَق . وَمِن إِنارَته اَلحَق ، تبْيينه لِلْيهود كثيرًا مِمَّا كَانُوا يُخْفُون مِن الكتَاب . – تَفسِير الطَّبَري ] .

وَهذِه الأحاديث تمَّ الطَّعْن فِيهَا : حُكْم المحْدثون بِأَنه حديث مُنكَر وذهبوا إِلى أنهاا موَضوعِه . [  قال العلَّامة عَبْد اَللَّه بْن اَلصدِيق الغمَّاري : « وعزُّوه إِلى رِواية عَبْد الرَّزَّاق خطأ لِأَنه لَا يُوجَد فِي مُصَنفِه ولَا جَامِعة ولَا تفْسيره ، وَقَال الحافظ السُّيوطي فِي الحاوي فِي الفتاوى ج 1 ص 325 : « لَيْس لَه إِسنَاد يَعتَمِد عليْه » آه ، وَهُو حديث مَوضُوع جزْمًا . . . . . . إِلى أن قال : وبالْجمْلة فالْحديث مُنكَر مَوضُوع لَا أَصْل لَه فِي شِىء مِن كُتُب اَلسنَة ] .

والْقرْآن اَلكرِيم لِأَنه قال فِي رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه أَنَّه أَوَّل مِن أَسلَم فالْحديث صحيح ولو أَنكَره عُلَماء ممن قال تَعالَى فِيهم { ذَلِك مَبْلَغهم مِن العلم – النَّجْم } .

وَذلِك نقوله لِأنَّ اَلحدِيث يَقُول ( نُور ونبيُّك ياجابْر ) وَهِي نَفسُه اَلتِي سَتهبِط على الأرْض آخر الزَّمَان في جَسدُ خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وآله بعد أن يخرج للدنيا من صلب عبد الله والسدة آمنة عليهما السلام .

وهى النور الذي قال فيه تعالى { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } وحيث أن الله تعالى قال في مثال عن نفسه تعالى { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح.. الآية } فهو بالتالي نور نزل على نور أو كما قال تعاى { نور على نور }  وَهِي نَفسُه اَلتِي خَلقَت من ذلك النور قَبْل خَلْق السَّماوات والْأَرْض كمًّا بيِّنًا ثُمَّ أئمة أهل البيت َو الأنْبياء والمرسلين ثُمَّ المؤْمنين على اِختِلاف درجاتهم جميعاً أيضاً ( نُور أَنزَله اَللَّه تَعالَى على نُور ) على اختلاف درجة النور لقوله تعالى { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض – البقرة } قال تَعالَى { اَللَّه نُور السَّماوات والْأَرْض مِثْل نُوره كمشْكَاة فِيهَا مِصبَاح المصْباح فِي زُجَاجَة الزُّجاجة كأنَّهَا كَوكَب دُرِّي يُوقد مِن شَجرَة مُبَاركَة زَيتُونة لَا شَرقِية ولَا غَربِية يَكَاد زيْتهَا يُضيء ولو لَمَّ تَمسسَه نار نُور على نُور يَهدِي اَللَّه لِنوره من يَشَاء وَيضرِب اَللَّه الأمْثال لِلنَّاس وَاَللَّه بِكلِّ شَيْء عليم فِي بُيُوت أَذِن اللَّه أن تُرفَع وَيُذكَر فِيهَا اسْمه يُسبِّح لَه فِيهَا بِالْغدوِّ والْآصال – النُّور 35 – 36 } .

وَهنَا { نُور على نُور } لَفْظ (على) هُنَا ورد فِي قَولِه تَعالَى { نزل بِه الرُّوح الْأمِين على قَلبِك لِتكون مِن الْمنْذرين بِلسان عَربِي مُبينٍ – الشُّعراء 193 – 195 } . أيْ أنَّ كتب اَللَّه تَعالَى نُور نزل على نُور وَهُو سَيدُنا مُحمَّد صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه : يَقُول تَعالَى عن كُتُبه المنْزلة على أنْبياءه عَليهِم السَّلَام أَنهَا نُور : قال تَعالَى فِي التَّوْراة : { إِنَّا أنْزلْنَا التَّوْراة فِيهَا هُدَى وَنُور – المائدة 44 } وَقَال تَعالَى فِي الإنْجيل : { وآتيْناه الإنْجيل فِيه هُدَى وَنُور – المائدة 46 } وَيقُول تَعالَى فِي اَلقُرآن اَلكرِيم { يَا أَيهَا النَّاس قد جاءكم بُرْهان مِن رَبكُم وأنْزلْنَا إِليْكم نُورًا مُبينًا – النِّسَاء 174  }

وَهذَا النُّور يَأتِي على اَلنبِي مُحمَّد صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه كمَا فِي قَولِه تَعالَى { قد جاءكم مِن اَللَّه نُور وكتاب مُبيَّن – المائدة } وبالتَّالي يَكُون مَعنَى قَولِه تَعالَى : { اَللَّه نُور السَّماوات والْأَرْض مِثْل نُوره كمشْكَاة فِيهَا مِصبَاح المصْباح فِي زُجَاجَة الزُّجاجة كأنَّهَا كَوكَب دُرِّي يُوقد مِن شَجرَة مُبَاركَة زَيتُونة لَا شَرقِية ولَا غَربِية يَكَاد زيْتهَا يُضيء ولو لَمَّ تَمسسَه نار نُور على نُور يَهدِي اَللَّه لِنوره من يَشَاء وَيضرِب اَللَّه الأمْثال لِلنَّاس وَاَللَّه بِكلِّ شَيْء عليم فِي بُيُوت أُذُن اَللَّه أن تَرفَع وَيُذكَر فِيهَا اِسْمه يَسبَح لَه فِي اَلغُدو والْآصال رِجَال لَا تُلْهيهم تِجارة ولَا بَيْع عن ذِكْر اَللَّه – النُّور 35 – 37 } .

نُور مِن اَللَّه نزل على نُور مِن خُلُقه وَهُو سَيدُنا مُحمَّد والنَّبيِّين مِن قِبَله عَليهِم الصَّلَاة والسَّلام وَهنَا لِمَا عَقَّب فِي اَلآيَة بِقوْله تَعالَى { فِي بُيُوت أُذُن اَللَّه أن تَرفَع } هَذِه اَلبُيوت اَلتِي رفعهَا اَللَّه تَعالَى على كُلِّ بُيُوت العالميْنِ هِي بُيُوت أَهْل بَيْت اَلنبِي ( عَليهِم السَّلَام ) ومَا نزل فِيهَا مِن أَنوَار كِتَاب اَللَّه وَمِن وُلدوا فِيهَا مِن أَنوَار اَلأئِمة الأطْهار وَهُم نُور مِن نُور اِصْطفَاه اَللَّه تَعالَى على كُلِّ خُلُقه كمَا فِي قَولِه عزَّ وجلَّ { إِنَّ اللَّه اِصطفَى آدم ونوحًا وآل إِبْراهيم وآل عِمْرَان على الْعالمين ذَريَّة بَعضُها مِن بَعْض – آل عِمْرَان 33 – 34 } وَفِي تَفسِير البحْر اَلمحِيط [ قرأ اِبْن مَسعُود وَأبِي بْن كَعْب ( وآل مُحمَّد على العالميْنِ ) – تَفسِير البحْر اَلمحِيط ج 2 ص 435 ] .

هَذِه اَلبُيوت كمًّا بيِّنًا هِي آخر بُيُوت نَزلَت فِيهَا أَنوَار مِن السَّمَاء إِلى أَهْل الأرْض فِي آخر الزَّمَان وأواخر عُمْر الدُّنْيَا وَفِي رُكَّاب آخر إِمَام فِي آخر زَمَان الدُّنْيَا وَهُو سُلَالَة مِن أَنوَار أَنبِياء وَأَئمَّة رَفْع اَللَّه تَعالَى بُيوتهم على العالميْنِ كمَا فِي قَولِه تَعالَى هُنَا : { فِي بُيُوت أَذِن اللَّه أن تُرفَع وَيُذكَر فِيهَا اسْمه يُسبِّح لَه فِيهَا بِالْغدوِّ والْآصال رِجَال لَا تُلْهيهم تِجارة ولَا بَيْع عن ذِكْر اَللَّه وإقام الصَّلَاة وإيتَاء الزَّكَاة يخافون يوْمًا تَتَقلَّب فِيه اَلقُلوب والْأبْصار – 37 } .

وبالتَّالي مِن لَم يَجعَل كِتَاب اَللَّه تَعالَى مرْجعًا لَه وَسنَّة رَسولِه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ويتوَلَّى أَهْل بَيتِه ( عَليهِم السَّلَام ) فمًا لَه فِي الدُّنْيَا مِن نُور يَمشِي بِه فِي النَّاس وَمالِه فِي اَلآخِرة مِن نُور يَدخُل بِه اَلحُنة قال تَعالَى { وَمِن لَم يَجعَل اَللَّه لَه نُورًا فمًا لَه مِن نُور – النُّور 40 } .

وَهنَا نَكُون قد فصَّلْنَا مَعنَى ( نُور على نُور ) أيِّ نُور مِن اَللَّه تَعالَى نزل على أَنبِياء اَللَّه وَهُم نُور مَخلُوق مِن نُور اَللَّه وَبِهذَا النُّور يَخرُج اَللَّه تَعالَى النَّاس مِن الظُّلمات إِلى النُّور فِي الدُّنْيَا لِقوْله تَعالَى : { اَللَّه وَلِي الَّذين آمنوا يُخرِّجهم مِن الظُّلمات إِلى النُّور – البقَرة }

وَفِي اَلآخِرة اَلآخِرة لَن يدْخلو الجنَّة إِلَّا بِهَذا النُّور كمَا فِي قَولِه تَعالَى عن المنافقين لِيخْرجوا مِن عَذَاب اَللَّه { ذرُّونَا نَقتَبِس مِن نُوركم – اَلحدِيد } .

وَالجِن خلقهم اَللَّه تَعالَى مِن قَبْل مِن عُنْصُري النَّار السُّموم وهى أنفسهم وَ مارِج النَّار أجسادهم أيْ لَهبهَا وشعْلتهَا لِقوْله تَعالَى في اقتران جسد الإنسان بجسد الجان في الخلق { خلق الْإنْسان مِن صَلْصال كالْفخَّار وَخلَق الْجانَّ مِن مَارِج مِن نارٍ – الرَّحْمن 15 } .

وَنَار السُّموم أنفسهم التي خلقت قبل أجسادهم كمَا فِي قَولِه تَعالَى { وَلقَد خلقنَا الإنْسان مِن صَلْصال مِن حمأ مُسنُّون والْجَانَّ خلقْنَاه مِن قَبْل مِن نار السَّموم – الججْر 726 – 2 }  وذلك لأنه تعالى ق خلق الأنفس الإنسانية بعد خلق السماء والأرض في قوله تعالى { والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والأرض ما طحاها ونفس وما سواها – الشمس } أي أن تسوية واكتمال خلق الأنفس كان بعد خلق السماء والأرض والشمس و القمر ثم خلق الله تعالى جسد آدم فيما بعد وأمر بالسجود له واقترنت الأنفس بالأجساد وهكذا الجان كما بينا لما خلق الله تعالى أنفسهم قبل أجسادهم كما بينا .

وَهنَا ورد فِي بَيَان هَذِه اَلآيَة : [ عن أَبِي بصير ، عن الصَّادق جَعفَر بْن مُحمَّد ( عَليهِما السَّلَام ) ، أَنَّه قال : أخْبرَني عن خَلْق آدم ، كَيْف خَلقَه اَللَّه تَعالَى ؟ قال : ” إِنَّ اَللَّه تَعالَى لِمَا خلق نار السُّموم ، وَهِي نار لَا حُر لَهَا ولَا دُخَّان ، فَخلَق مِنهَا اَلْجان ، فَذلِك مَعنَى قَولِه تَعالَى : { والْجَانَّ خلقْنَاه مِن قَبْل مِن نار السَّموم } وَسَماه مارجًا ، وخلْق مِنْه زَوجُه وَسَماهَا مَارِجة ، فواقعهَا فَوُلدَت اَلْجان ، ثُمَّ وُلِد اَلْجان ولدًا وَسَماه اَلجِن ، ومنْه تَفرعَت قَبائِل اَلجِن ، ومنْهم إِبْليس اَللعِين ، وَكَان يُولِّد اَلْجان الذَّكر والْأنْثى ، ويولِّد اَلجِن كَذلِك توْأمَيْنِ ، فصاروا تِسْعين ألْفًا ذكرًا وَأُنثَى ، وازْدادوا حَتَّى بَلغُوا عِدَّة الرِّمَال . وَتَزوَّج إِبْليس بِامْرَأة مِن ولد اَلْجان يُقَال لَهَا : لَهبًا بنتْ رُوحًا بْن سِلْساسل ، فَوُلدَت مِنْه بِيلْقِيس وَطُونَة فِي بَطْن وَاحِد ، ثُمَّ شُعلَّا وشْعيلة فِي بَطْن وَاحِد ، ثُمَّ دُوهَر وِدوهْرة فِي بَطْن وَاحِد ، ثُمَّ شُوظَا وَشِيظَة فِي بَطْن وَاحِد ، ثُمَّ فَقطَس وُفْقطْسَة فِي بَطْن وَاحِد ، فَكثُر أَولَاد إِبْليس ( لَعنَة اَللَّه ) حَتَّى صَارُوا لَا يُحْصوْن ، وكانوا يهيمون على وُجوهِهم كالذَّرِّ ، والنَّمْل ، والْبعوض ، والْجراد ، والطَّيْر ، والذُّباب . وكانوا يَسكُنون المفاوز والْقفار ، والْحياض ، والْآجام ، والطُّرق ، والْمزابل ، والْكَنف ، والْأنْهار ، والْآبار ، والنَّواويس ، وَكُل مَوضِع وَحْش ، حَتَّى اِمْتلَأتْ الأرْض مِنْهم . ثُمَّ تمثَّلوا بِوَلد آدم بَعْد ذَلِك ، وَهُم على صُوَر الخيْل ، والْحمير ، والْبغال ، وَالإِبل ، والْمَعْز ، والْبَقر ، والْغَنم ، والْكلاب ، والسِّباع ، والسَّلاحف . فَلمَّا اِمْتلَأتْ الأرْض مِن ذُريَّة إِبْليس ( لَعنَة اَللَّه ) أَسكَن اَللَّه اَلْجان اَلْهَواء دُون السَّمَاء ، وأسْكن ولد اَلجِن فِي سَمَاء الدُّنْيَا ، وأمْرهم بِالْعبادة والطَّاعة وَهُو قَولُه تَعالَى : { ومَا خلقْتُ الْجنَّ وَالإِنس إِلَّا لِيعْبدون – الذَّاريات : 56 } – تَفسِير البرْهان لِلسَّيِّد هَاشِم البحْرانيّ ] .

وُورْد فِي تَفسِير اَلقُمي : [ وَقَال هُو أَبُو إِبْليس وَقَال اَلجِن مِن ولد اَلْجان مِنْهم مُؤْمنون ومنْهم كافرون وَيهُود وَنَصارَى وتخْتَلف أدْيانهم والشَّياطين مِن ولد إِبْليس وليْس فِيهم مُؤْمِن إِلَّا وَاحِد اِسْمه هامٌّ بْن هِيم بْن لِأقيس بْن إِبْليس جاء إِلى رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه فرآه جسيمًا عظيمًا وَامرِئ مهولا فَقَال لَه مِن أَنْت قال أنَا هامٌّ بْن هِيم مِن لِأقيس بْن إِبْليس قال كُنْت يَوْم قُتِل هابيل غُلَاما اِبْن أَعوَام أُنْهِي عن الاعْتصام وَآمِر بِإفْسَاد الطَّعَام فَقَال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه بِئْس لَعمرِي الشَّابُّ اَلمُؤمل والْكَهْل اَلمُؤمر فَقَال دع عَنْك هذَا يَا مُحمَّد ! فقد جرتْ تَوبَتِي عَلِي يد نُوح وَلقَد كُنْت معه فِي السَّفينة فعاتبتْه على دُعَائِه على قَومِه وَلقَد كُنْت مع إِبْراهيم حَيْث أُلْقِي فِي النَّار فَجَعلهَا اَللَّه عليْه برْدًا وسلامًا وَلقَد كُنْت مع مُوسَى حِين أَغرَق اَللَّه فِرْعوْن وَنجَّى بُنِي إِسْرائيل وُولْقَد كُنْت مع هُود حِين دعَا على قَومِه فعاتبتْه وَلقَد كُنْت مع صَالِح فعاتبتْه على دُعَائِه على قَومِه وَلقَد قَرأَت اَلكُتب فَكُلهَا تُبَشرنِي بِك والْأنْبياء يقْرؤونك السَّلَام ويقولون أَنْت أَفضَل الأنْبياء وأكْرمهم فعلَّمَني مِمَّا أَنزَل اَللَّه عليْك شيْئًا ، فَقَال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه لِأمير المؤْمنين عليْه السَّلَام عِلْمه فَقَال هامٌّ يَا مُحمَّد أنَا لَا نُطيع إِلَّا نبيًّا أو وَصِي نَبِي فَمِن هذَا ؟ قال هذَا أَخِي ووصيِّي وَوَزيرَي وَوارِثي عَلِي بْن أَبِي طَالِب قال : نعم نَجِد اِسْمه فِي اَلكُتب ” إِلْيَا ” فَعلمِه أمير المؤْمنين عليْه السَّلَام . – تَفسِير اَلقُمي ]  .

وبالتَّالي خَلْق اَللَّه تَعالَى اَلجِن مِن عُنْصُري النَّار وَلهبِها اَلذِي هُو مَارِج النَّار كمَا خلق اَللَّه تَعالَى جسد الإنْسان مِن طِين وَهُو عُنصُر اَلْماء والتُّراب . فكلاهمَا خَلقَه اَللَّه تَعالَى لِعبادته كمَا فِي قَولِه تَعالَى { ومَا خَلقَت الإنْس وَالجِن إِلَّا لِيعبْدون مَا أُريد مِنْهم مِن رِزْق مَا أُريد أن يُطْعمون إِنَّ اللَّه هُو الرَّزَّاق ذُو الْقوَّة الْمتِين } فَمِن آمن بِاللَّه تَعالَى وَرسُوله وَتَولَّى أَهْل بَيتِه عَليهِم السَّلَام مِن الإنْس وَالجِن عاملا بِمَا أمر اَللَّه تَعالَى فِي كِتابه اَلكرِيم فَهُو على نُور مِن رَبِّه ولَا يَدخُل الجنَّة أحدًا إِلَّا بِهَذا النُّور اَلذِي هُو ( نُور على نُور ) وَبِهذَا النُّور والْمَاء يَحْي المؤْمنون فِي الجنَّة لِأنَّهَا مَادَّة الحيَاة فِي اَلحُنة وَلذَلِك يَقُول تَعالَى فِي النُّور { يَوْم يَقُول الْمنافقون والْمنافقات لِلَّذين آمنوا انْظرونَا نَقتَبِس مِن نُوركم قِيل ارْجعوا وراءَكم فالْتمسوا نُورًا فَضرِب بيْنهم بِسور لَه باب باطنه فِيه الرَّحْمة وَظاهِره مِن قِبَله الْعذَاب – النِّسَاء 13 } .

وَقَال تَعالَى فِي ماء الحيَاة { أفيضوا عليْنَا مِن اَلْماء أو مِمَّا رزقكم اَللَّه – الأعْراف } وسنفْصله فِيمَا بَعْد . وَمِن مات على ذَلِك الإيمان وَذلِك النُّور فَهُو مِن الَّذين سَبقَت لَهُم مِن اَللَّه تَعالَى اَلحُسنى فيتخطُّوْا بِإذْن اَللَّه تَعالَى كُلّ وعقبَات وعذابات الموْتِ ويوْم القيامة كمَا تسير مَواكِب الكبراء والرُّؤساء لِيخْتَرق اَلجُموع وَللَّه المثل الأعْلى مِن أَوَّل الموْتِ وَالذِي لَا يَشعُرون بِسكْراته ولَا يذوقون مِنْه مَشقَّة ولَا عَذَاب قال تَعالَى فِي هؤلاء { لَا يذوقون فِيهَا الْموْتَ إِلَّا الْموْتة اَلأُولى ووقاهم عَذَاب اَلجحِيم – الدُّخَّان 56 } وَهؤُلاء هُم الَّذين اِسْتثْناهم اَللَّه تَعالَى مِن مَشقَّة مَا بَعْد الموْتِ { وَنفِخ فِي الصُّور فَصعِق من فِي السَّماوات ومن فِي الْأرْض إِلَّا من شاء اللَّه ثُمَّ نُفِخ فِيه أُخرَى فَإذَا هُم قِيَام يَنظُرون – الزُّمر 68 } . فيدْخلون فِي عَوالِم وَأكُون لَا زَمَان فِيهَا لَا نِهائِيَّة المكَان وَهِي الجنَّة وبيْن التَّنَقُّل بَيْن جَنَّة عَدْن والْقيامة ثُمَّ مِيرَاث الفرْدوْس الأعْلى لَا يُحْزنهم فزع يَوْم القيامة لِأسْبقيَّة اَللَّه تَعالَى واصْطفاءه لَهُم فَهُم الَّذين اِسْتخْلصهم اَللَّه تَعالَى كمَا فِي قَولِه تَعالَى { أن الَّذين سَبقَت لَهُم مِنَّا اَلحُسنى أُولئك عَنهَا مُبْعدون لَا يَحزُنهم الْفزع الْأكْبر وتتلقَّاهم الْملائكة هذَا يَومُكم الَّذي كُنتُم تُوعدون يَوْم نَطوِي السَّمَاء كطيِّ اَلسجِل لِلْكتب كمَا بدأْنَا أَوَّل خَلْق نُعيده وعْدًا عليْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعلِين – الأنْبياء 103 – 104 }

وأما أنفس السوء كما خلق الله تعالى أنفس المؤمنين وأولهم المصطفى وأهل بيته والنبيين من نور العكس يكون صحيحاً بأن أنفس السوء خلقت من ظلمات جهنم فهى أنفس ظلامية أرسل الله تعالى لهم كتب الله تعالى وآخرها القرآن الكريم فيه نور يخرجهم به من ظلمات الجهل في الدنيا لقوله تعالى { كتاب أنزلناه لتخرج الناس من الظلمات إلأى النور – إبراهيم 1 } وبولايته تعالى ورسوله أهل بيته عليهم السلام يخرجهم الله تعالى من الظلمات إلى النور لقوله تعالى { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الظاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات – البقرة } وهؤلا إن ماتوا على ذلك اسودت وجوههم من ظلمات جهنم التي خلقوا منها ومن هنا يقول تعالى في الذين خرجوا على ولاية الله الحق وتفرقوا  { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه – آل عمران } .

وهذا السواد من جهنم لقوله صلى الله عليه وآله [عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة – الترمذي أبواب صفة جهنم ] .

وسواد وجوههم هنا كما قلنا من سواد أنفسهم الأمارة بالسوء والتي خلقت من سواد ظلمات جهنم بخلاف خلق أجسادهم من طينتها أيضاً فهم حق عليهم القول تماما على عكس المؤمنين الذين خلقت أنفسهم من نور وهم الذين سبقت لهم من الله تعالى الحسنى كما في قوله تعالى { إن الذين سبقت لهم منها الحسنى أولائك عنها مبعدون – الأنبياء 101} .

وهناك أنفس خلقت بخليط نور وبعض الظلام وهم الأنفس اللوامة التي خلطت عملاَ صالحاً وآخر سيئاً وهؤلاء مؤمنين مع أهل الجنة أيضاً يدخلونها بعد قضاء الله تعالى فيهم وبالتالي الإيمان لهذه الأنفس كالموت فإذا قال تعالى { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } كذلك قال تعالى{ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } ولهؤلاء جميعاً في الدنيا يقول تعالى {ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور } .

 

الفصْل الثَّاني :

 مَراحِل خلق الْإنْسان ( جَسدُه ونفْسه المرْكبة فِيه )

1 – خَلْق النَّفْس قَبْل الجسد الإنْسانيِّ وَهِي مَرْكَبة فِي دَاخِل جَسدِه (سوْأته) :

وَكَان لِخَلق النَّفْس الإنْسانيَّة وتسْويتهَا الأسْبقيَّة فِي اَلخُلق بَعْد خَلْق السَّماوات والْأَرْض وقبْل الأجْساد مِن طِينة الجنَّة أو النَّار لِترْفق بِهَا فَتكُون مُتوارية دَاخِل أجْسادهم وَذلِك مِصْداقًا لِقوْله تَعالَى : { والَسمَّاء ومَا بُنِياهَا والأرض ومَا طَحِاهَا ونفس ومَا سَوَّاهَا فَأْلهَمهَا فُجورهَا وتقوِاها – الشَّمْس 5 – 8 }

وَهُنَا :

( وَنَفْس )

وَالنَّفْسِ وَتَسْوِيَتُهَا هُنَا كَانَ قَبْل تَسْوِيَةِ اَلْجَسَدِ مِنْ طِينِ فَلَمَّا خَلَقَهَا اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَسِوَاهَا أَلْهَمَهَا اَلْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ تَعْرِفُهُ بِغَيْرِ وَحْيٍ أَوْ رَسُولٍ قَالَ تَعَالَى { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا – اَلشَّمْسُ 7 – 8 } .

وَهَذِهِ هِيَ اَلْبَصِيرَةُ والفطرة اَلَّتِي وَضَعَهَا اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفْسِ اَلْإِنْسَانِ وَقَالَ تَعَالَى فِيهَا { بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ – اَلْقِيَامَةَ 14 – 15 } .

وَهَذِهِ اَلْبَصِيرَةُ حَتَّى عِنْدٍ عَبْدُهْ اَلْأَصْنَامَ لِأَنَّهُ عِنْدَمَا كَسَرَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمْ أَصْنَامَهُمْ وَقَالَ فَاسْأَلُوا كَبِيرَهُمْ إِنَّ كَانُوا يَنْطِقُونَ قَالَ تَعَالَى { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مِنْ فِعْلِه هذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ اَلظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأَتَوْا بِهِ عَلَى أَعْيُنُ اَلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأنِتْ فَعَلَتْ هذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمْ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنَّ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسُهُمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ اَلظَّالِمُونَ ثُمَّ نَكَّسُوا عَلَى رُؤُوسُهُمْ لَقَدْ عَلِمَتْ مَا هؤلَاءٌ يَنْطِقُونَ – اَلْأَنْبِيَاءُ 58 – 65 } . ولذلك يقول تعالى إذا دخلوا جهنم فقد خسروا أنفسهم النورانية الطيبة وأهليهم أيضاً قال تعالى { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة }

وَهُنَا رَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ أَيْ إِلَى بَصِيرَتِهِمْ وَمِيزَانُ اَلْحَقِّ اَلْبَاطِلِ اَلَّذِي أَوْدَعَهُ اَللَّهُ تَعَالَى فِيهَا فسكتوا لعدم وجود إجابة عقلية مقنعة. وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ اَلْأَنْفُسِ إِنَّ كَانَتْ طَيِّبَةً فَهِيَ نَفْسٌ مُطَمْئِنَةٌ خَلَقَتْ مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى فِيهَا { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً – اَلْفَجْرِ }

فَإِنَّ وَقَعَتْ فِي اَلْمَعَاصِي تَابَتْ وَأَنَابَتْ فَهِيَ اَلنَّفْسُ اَللَّوَّامَةُ اَلَّتِي تَلُومُ صَاحِبَهَا عَلَى مَعْصِيَةِ اَللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ خَلَقَتْ بِخَلِيطٍ مِنْ طِينَةِ اَلْأَرْضِ وَطِينَةِ اَلْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى { فَلَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ – اَلْقِيَامَةُ }

وَهُنَاكَ أَنْفُسُ اَلسُّوءِ وَهِيَ اَلَّتِي خَلَقَتْ مِنْ طِينَةِ جَهَنَّمَ قَالَ تَعَالَى فِيهَا { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي – يُوسُفْ } وَجَمِيعُ اَلْأَنْفُسِ هُنَا أَلْهَمَهَا اَللَّهُ تَعَالَى بالفطرة فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا كَمَا قُلْنَا مِنْ قَبِلَ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا نَبِي .

وَأَمَّا :

( وَمَا سَوَّاهَا)

وَهُنَا يُبَيِّنُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَوَّى اَلْأَنْفُسَ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ خَلْقِ اَلْأَجْسَادِ اَلَّتِي قَدْ رُكِّبَتْ فِيهَا ثُمَّ نُفِخَ فِيهِمَا مِنْ رُوحِهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } فَقَامَتْ فَقَالَ تَعَالَى فِي مَرْحَلَةٍ تَالِيَةٍ لِخَلْقِ اَلنَّفْسِ وَهِيَ مَرْحَلَةُ خَلْقِ اَلْجَسَدِ مِنْ طِينِ وَاَلَّتِي قَالَ تَعَالَى فِيهَا { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالِ مِنْ حَمَأٍ مُسِنُّونَ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ – اَلْحَجْرُ 28 – 30 } .

وَهَذِهِ اَلتَّسْوِيَةُ لِأَجْسَادٍ بُنِيَ آدَمْ بَعْدَ اَلْهُبُوطِ مِنْ اَلْجَنَّةِ أَصْبَحَتْ فِي أَرْحَامِ اَلْأُمَّهَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَلَمٌ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مِنَى يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسِوَى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى  أَلَيْسَ ذ لَكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتَى – اَلْقِيَامَةُ 37 – 40 }

وَلَفَظَ نَفْسٌ يَأْتِي عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَالْإِمَامِ عَلِي عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ اَلْعَلَمِ فَقَلَّ تَعَالَوْا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلُ فَنَجْعَلُ لَعْنَةَ اَللَّهِ عَلَى اَلْكَاذِبِينَ – آل عِمْرَانْ 61 }

وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَوَّلُ اَلْأَنْفُسِ خُلُقًا ثم جاء خلق الأنفس بعد بناء السماء والأرض كما في قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا والأرض وما طحاها وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا – اَلشَّمْسُ 1 – 8 } هَذِهِ اَلأنَّفْسِ كما بينا بدأها الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كما بينا سالفاً ثم بقية الأنفس بعد خلق السماوات والأرض ولعظم مكانة النبي صلى الله عليه وآله    يُقَسِّمُ بعمره وحياته صلى الله عليه وآله كما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { لِعُمْرِكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتَهُمْ يعَمَهُونْ – اَلْحَجْرُ 72 }

وَهُنَا [ يُقَسِّمُ اَلْخَالِقُ بِمَنْ يَشَاءُ وَبِمَا يَشَاءُ اَلْمَخْلُوقُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ اَلْقِسْمُ إِلَّا بِاَللَّهِ , وَقَدْ أَقْسَمَ اَللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاة مُحَمَّدْ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – اَلتَّفْسِيرُ اَلْمُيَسَّرُ ] وَقُلْنَا فَلَمَّا سِوَى اَللَّهِ تَعَالَى اَلْجَسَد من طين ثم رَكِبَ الله تعالى فِيهِ نفسه ولأنه أول نفس خلقت قبل الكون ثم أنبياء الله تعالى لذلك أخذ مِنْهُمْ اَلْمِيثَاقُ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَنُصْرَتَهُ صلى الله عليه وآله كما في قَوله تَعَالَى { وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيَّيْنِ لِمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ وَحِكْمَةِ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لِتُؤَمَّنِنَ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقَرَرْتَمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ اَلشَّاهِدَيْنِ – آلِ عِمْرَانْ 81 } .

وَهَذَا اَلْمِيثَاقُ أَبْلَغَتْهُ كُلُّ أَنْبِيَاءِ اَللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلهُ لِقَوْمِهِمْ وَيَوْمِ اَلْقِيَامَةِ يَوَدُّ مِنْ عَصَى اَللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ لَوْ تُسَوَّى بِهِ اَلْأَرْضُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا – اَلنِّسَاءَ 41 – 42 } .

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى عَنْ كُلِّ أَنْفُسِ اَلْخُلُقِ قَبْلَ اَلْأَجْسَادِ  :

{ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا – اَلشَّمْسُ 8 }

وَهُنَا :

 ( فَأَلْهَمَهَا )

[ وَأَلْهَمَهُ اَللَّهُ اَلرُّشْدُ : مَكَّنَهُ فِي قَلْبِهِ وَهُدَاهُ إِلَيْهِ – مُعْجَمُ أَلْفَاظِ اَلْقُرْآنِ بَابَ اَللَّامَ فَصْل اَلْهَاءِ وَالْمِيم ] قَالَ تَعَالَى { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } أَيْ أَلْقَى فِيهَا إِحْسَاسًا بالفطرة التي فطرها عيلها تَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ اَلضَّلَالَةِ وَالْهُدَى بَيْنَ اَلْخَيْرِ وَالشَّرِّ .

وَأَمَّا :

 (فَجَوْرُهَا)

[ فَجْرٌ يُفَجِّرُ فُجُورًا ، أَيْ : فِسْقٌ . وَهَذِهِ اَلْمَادَّةُ تَدُلُّ عَلَى اَلتَّفَتُّحِ فِي اَلشَّيْءِ ، وَمِنْهُ : اِنْفَجَرَ اَلْمَاءُ اِنْفِجَارًا : تَفْتَحَ . وَالْفَجَرَةُ : مَوْضِعٌ تَفْتَحُ اَلْمَاءَ . ثُمَّ كَثُرَ هَذَا حَتَّى صَارَ اَلِانْبِعَاثُ وَالتَّفَتُّحُ فِي اَلْمَعَاصِي فُجُورًا ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ اَلْكَذِبُ فُجُورًا . ثُمَّ كَثُرَ هَذَا حَتَّى سُمِّيَ كُلٌّ مَائِلٌ عَنْ اَلْحَقِّ فَاجَرَامَعَنِىْ اَلْفُجُورُ اِصْطِلَاحًا : قَالَ اَلْجُرْجَانِي : ( اَلْفُجُورُ : هُوَ هَيْئَةٌ حَاصِلَةٌ لِلنَّفْسِ بِهَا يُبَاشِرُ أُمُورًا عَلَى خِلَافِ اَلشَّرْعِ وَالْمُرُوءَةِ ) وَقِيلَ : اَلْفُجُورُ بِمَعْنًى : اَلِانْبِعَاثُ فِي اَلْمَعَاصِي وَالتَّوَسُّعِ فِيهَا وقِيلْ : اَلْفُجُورُ : اَلْمَيْلُ عَنْ اَلْحَقِّ إِلَى اَلْبَاطَلْ وقِيلْ : اَلْفُجُورُ : اِسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ شَرٍّ ، أَيٌّ : اَلْمَيْلُ إِلَى اَلْفَسَادِ ، وَالِانْطِلَاقُ إِلَى اَلْمَعَاصِي – ] .

[ وَالْفَجْرِ : أَصْلُهُ اَلشِّقُّ ] قَالَ تَعَالَى { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنْ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنْ اَلْفَجْرِ – اَلْبَقَرَةِ 187 } . وَالْفَاجِرَ عَكْسَ اَلتَّقِيِّ وَالْفَاجِرِ اَلْخَارِجِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ تَعَالَى اَلشَّاقّ لِشَرِيعَتِهِ مِنْ كُفَّارَ وَمُنَافِقِينَ وَعَصَاهُ قَالَ تَعَالَى { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ – ص 28 } أَيْ أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَ كُلُّ نَفْسٍ حِينَ خَلَقَهَا وَسِوَاهَا بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَالَ تَعَالَى { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } .

وَأَمَّا :

( تَقْوَاهَا )

وَالتَّقْوَى اَلْعَمَلَ اَلصَّالِحَ وَاجْتِنَابَ مَا حَرَمَ اَللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اَللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتْقُونْ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ – اَلْبَقَرَةِ 197 } وَلِذَلِكَ كَانَ يَقُولُ اَلْإِمَامْ عَلِي عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ فِي تَعْرِيفِهَا : [ ” اَلتَّقْوَى هِيَ اَلْخَوْفُ مِنْ اَلْجَلِيلِ وَالْعَمَلِ بِالتَّنْزِيلِ وَالرِّضَا بِالْقَلِيلِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ اَلرَّحِيلِ ” ] .

وَالتَّقْوَى كَعَمَلٍ صَالِحٍ وَهُوَ اَلْخَيْرُ كَذَلِكَ اَلْفُجُورُ وَفِيهِ اَلشَّرُّ أَلْهَمَ اَللَّهُ تَعَالَى كُلّ نَفْسِ فُجُورِهَا وَتَقْوَاهَا بِغَيْرَ نَبِيِّ وَبِغَيْرِ كِتَابِ مَنْزِلِ حَتَّى لَا يَكُونُ لَهَا حُجَّةٌ عِنْدَ اَللَّهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ بعد أن فطرها الله تعالى على معرفة الخير والشر بذاتها ودون الإستعانة بآخرين قَالَ تَعَالَى { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } .

وَعُمْرَ هَذِهِ اَلنَّفْسِ مُنْذُ بِدَايَةِ اَلْخُلُقِ وَتَنْتَهِي بِنَفْخَةِ اَلصَّعْقِ وَمَسْكَنِهَا جَنَّةَ عَدْنِ بِالسَّمَاوَاتِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ سُكَّانُ اَلسَّمَاءِ وَمَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ اَلْمُؤْمِنِينَ لَا يُحْزِنُهُمْ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ فَقَدْ اِسْتَثْنَاهُمْ مِنْ اَلْعَذَابِ وَأَهْوَالِ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ بِإِيمَانِهِمْ وَأَسْبَقِيَّةِ اَلْحَسَنَةِ لَهُ تَعَالَى فِيهِمْ قَالَ تَعَالَى { أَنْ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنَى أَوَّلٌائك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسَهُمْ خَالِدُونَ لَا يُحْزِنُهُمْ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ اَلْمَلَائِكَةُ هذَا يَوْمِكُمْ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعِدُونَ يَوْمٌ نَطْوِي اَلسَّمَاءُ كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلُ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هذَا لِبَلَاغَا لِقَوْمِ عَابِدِينْ – اَلْأَنْبِيَاءُ 101 – 106 } .

وَلِذَلِكَ يَقُولُ تَعَالَى فِي نَفْسِ نَبِيِّ اَللَّهِ يُونُسْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ إِذَا مَاتَ بِبَطْنِ اَلْحُوتِ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ تَعَالَى { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ – اَلْأَنْبِيَاءُ }

وَهَذَا يُؤَكِّدُ اِمْتِدَادَ أَعْمَارِ اَلْأَنْفُسِ اَلْإِنْسَانِيَّةِ اَلْمَرْكَبَةِ وَكَانَتْ تَحْوِي سَوْأَةً لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ غَيْرُ اَللَّهِ تَعَالَى وَالشُّهُود وَ مِنْهُمْ إِبْلِيسُ لَعْنَةَ اَللَّهِ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى في علمه بهذه المرحلة من الخلق مع خفائها عن نبي الله آدم عليه السلام وزوجه قال تعالى لذلك : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآِتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذَهْ اَلشَّجَرَةُ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ اَلْخَالِدِينَ – طه 20 }  .

  2 –  كُلٌّ بُنِّي آدم خلقهم اَللَّه تَعالَى جميعًا دُفعَة وَاحِدة :

قال تَعالَى : { وَلقَد خلقْناكم ثُمَّ صوَّرْناكم ثُمَّ قُلنَا لِلْملائكة اُسْجُدوا لِآدم فسجدوا – الأعْراف 11 } فَسجَد مِن سجد لِآدم وَأبَى مِن أبى . وَلقَد عاش كُلُّ هؤلاء اَلخُلق مِن بَنِي آدم فِي جَنَّة عَدْن ومعهم إِبْليس ثُمَّ أنْذرَهم اَللَّه عزَّ وجلَّ بِأنَّ هذَا عَدُو لَه وَلزوْجِه وَحينِها سيطْرد مِن الجنَّة لِلشَّقَاء والْعناء فِي الأرْض والْمكابدة قال تَعالَى : { فَقُلنَا يَا آدم إِنَّ هذَا عَدُو لَك وَلزوْجِك فلَا يُخْرجنَّكمَا مِن الْجنَّة فتشْقى إِنَّ لَك أَلَّا تَجُوع فِيهَا ولَا تَعرَّى وَأنَّك لَا تَظمَأ فِيهَا ولَا تُضحِّي فوسْوس إِلَيه الشَّيْطان قال يَا آدم هل أَدُلك على شَجرَة الْخلْد وَمُلك لَا يَبلَى فأكلَا مِنهَا فَبدَت لَهمَا سوْآتهمَا وطفقَا يخْصفَان عَليهِما مِن ورق الجنَّة وَعصَى آدم ربُّه فَغوَى ثُمَّ اجْتبَاه ربُّه فَتَاب عليْه وَهدَى قال اهْبطَا مِنهَا جميعًا بَعضُكم لِبَعض عَدُو فَإمَّا يأْتينكم مِنِّي هُدَى فَمِن اِتَّبع هُدَاي فلَا يُضِل ولَا يَشقَى – طه 117 – 123 } . وَهذَا اَلخُلق مُنْذ اَلخُلق الأوَّل وَحتَّى الآخر ويوْم القيامة والْبَعْث مَا هُو إِلَّا كمًّا يَخلُق اَللَّه تَعالَى نفسًا وَاحِدة وَلذَلِك قال تَعالَى { مَا خلقكم ولَا بَعثُكم إِلَّا كنفْس وَاحِدة إِنَّ اَللَّه سميع بصير – لُقْمان 28 } . يَقُول الطَّبَري فِي تفْسيره هُنَا : [ مَا خَلقُكم أَيهَا النَّاس ولَا بَعثُكم على اَللَّه إِلَّا كخلْق نَفْس وَاحِدة وَبعثِها ، وَذلِك أنَّ اَللَّه لَا يَتَعذَّر عليْه شَيْء أراده ، ولَا يَمتَنِع مِنْه شَيْء شَاءَه إِنَّما أَمرُه إِذَا أَرَاد شيْئًا أن يَقُول لَه كُن فَيكُون فَسَواء خَلْق وَاحِد وَبعثِه ، وخلْق اَلجمِيع وبعثَهم – تَفسِير الطَّبَري ] .

وَذلِك لِأنَّ الأمْر عِنْد اَللَّه تَعالَى خَلْق اَلخُلق بِكنَّ فَكَان بل هُو أَقرَب قال تَعالَى { إِنَّما أَمرُه إِذَا أَرَاد شيْئًا أن يَقُول لَه كُن فَيكُون – سُورَة يس آية 82 } .

أيْ أَنَّه تَعالَى خَلْق كُلٍّ بُنِّي آدم حاضرًا مَعهُم إِبْليس وَالجِن خَلقُوا جميعًا كمَا يَخلُق اَللَّه تَعالَى نفسًا وَاحِدة قال تَعالَى لِذَلك : { وَلقَد خلقْناكم ثُمَّ صوَّرْناكم ثُمَّ قُلنَا لِلْملائكة اُسْجُدوا لِآدم فسجدوا – الأعْراف 11 } وَهذَا لَم يُعْيِي اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى كمَا فِي قَولِه تَعالَى { أُولم يروْا أنَّ اَللَّه اَلذِي خلق السَّماوات والْأَرْض ولم يَعِي بِخلْقِهنَّ بِقادر على أن يُحْيِي اَلْمَوتى بلى إِنَّه على كُلِّ شَيْء قدير – الأحْقاف 33 }

3- مَرْحَلة خَلْق الجسد وسوَّأَتْه مِن طِين :

قال تَعالَى : { مِنهَا خلقْناكم وَفِيهَا نُعيدكم وَمِنهَا نُخْرجكم تَارَة أُخرَى – طه 55 } ورد فِي تَفسِير البرْهان : [ مُحمَّد بْن يَعقُوب : عن عَلِي بْن مُحمَّد بْن عَبْد اَللَّه ، عن إِبْراهيم بْن إِسحَاق ، عن مُحمَّد بْن سُليْمَان الدَّيْلمي ، عن أبيه ، عن أَبِي عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) ، قال : ” دَخْل عَبْد اَللَّه بْن قَيْس الماصر على أَبِي جَعفَر ( عليْه السَّلَام ) – اَلحدِيث ، وفيه – إِن اَللَّه تَعالَى خَلْق خَلاقِين ، فَإذَا أَرَاد أن يَخلُق خُلُقا أَمرَهم فأخذوا مِن التُّرْبة اَلتِي قال اَللَّه فِي كِتابه : { مِنهَا خلقْناكم وَفِيهَا نُعيدكم وَمِنهَا نُخْرجكم تَارَة أُخرَى } ، فعجنوا النُّطْفة بِتلْك التُّرْبة اَلتِي يَخلُق مِنهَا ، بَعْد أن أَسكُنها اَلرحِم أَربعِين لَيلَة ، فَإذَا تَمَّت لَهَا أَربَعة أَشهُر ، قَالُوا : يَا ربٌّ ، نَخلُق مَاذَا ؟ فيأْمرهم بِمَا يُريد ، مِن ذِكْر أو أُنثَى ، أَبيَض أو أَسوَد ، فَإذَا خَرجَت الرُّوح مِن البدن ، خَرجَت هَذِه النُّطْفة بِعيْنِهَا مِنْه ، كائنًا مَا كان ، صغيرًا أو كبيرًا ، ذكرًا أو أُنثَى ، فَلذَلِك يُغسَل الميِّتُ غَسْل الجنابة ” . اِبْن بِأبوَيْه ، قال : حَدثَنِي اَلحُسين بْن أَحمَد ( رَحمَه اَللَّه ) ، عن أبيه ، قال : حَدثَنِي أَحمَد بْن مُحمَّد بْن عِيسى ، عن أَحمَد بْن مُحمَّد بْن أَبِي نَصْر ، عن عَبْد الرَّحْمن بْن حَمَّاد ، قال : سَألَت أبًا إِبْراهيم ( عليْه السَّلَام ) عن الميِّتِ ، لَم يَغسِل غَسْل الجنابة ؟ قال : ” إِنَّ اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى أَعلَى وأخْلص مِن أن يَبعَث الأشْياء بِيَده ، إِنَّ لِلَّه تَبارَك وَتَعالَى ملكيْنِ خَلاقِين ، فَإذَا أَرَاد أن يَخلُق خُلُقا أَمْر أُولئك الخلَّاقين فأخذوا مِن التُّرْبة اَلتِي قال اَللَّه عزَّ وجلَّ فِي كِتابه : { مِنهَا خلقْناكم وَفِيهَا نُعيدكم وَمِنهَا نُخْرجكم تَارَة أُخرَى } ، فعجنوهَا بِالنُّطْفة المسكِّنة فِي اَلرحِم ، فَإذَا عَجنَت النُّطْفة بِالتُّرْبة ، قَالَا : يَا ربٌّ ، مَا نَخلُق ؟ – قال – : فَيوحِي اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى إِليْهِمَا مَا يُريد ، ذكرًا أو أُنثَى ، مُؤْمِنا أو كافرًا ، أَسوَد أو أَبيَض ، شقيًّا أو سعيدًا ، فَإذَا مات سَألَت عَنْه تِلْك النُّطْفة بِعيْنِهَا ، لَا غَيرُها ، فمن ثمَّ صار الميِّتُ يَغسِل غَسْل الجنابة ” . – تَفسِير البرْهان لِلسَّيِّد هَاشِم البحْرانيّ ]  .

– وَفِي تَفسِير اَلدَّر المنْثور لِلسُّيوطي:

[ أَخرَج عَبْد بْن حميد وابْن اَلمنْذِر ، عن عَطَاء الخراساني قال : إِنَّ اَلمَلِك يَنطَلِق فيأْخذ مِن تُرَاب المكَان اَلذِي يُدفَن فِيه ، فيْذره على النُّطْفة فيخْلق مِن التُّرَاب وَمِن النُّطْفة ، وَذلِك قَولُه مِنهَا خلقْناكم وَفِيهَا نُعيدكم . وأخْرج أَحمَد والْحاكم ، عن أَبِي إِمامة قال : ” لِمَا وَضعَت أُم كُلْثُوم بِنْتُ رَسُول اَللَّه – صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم – فِي القبْر قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم : { مِنهَا خلقْناكم وَفِيهَا نُعيدكم وَمِنهَا نُخْرجكم تَارَة أُخرَى } ” بِسْم اَللَّه وَفِي سبيل اَللَّه وَعلَى مِلَّة رَسُول اَللَّه ” . وأخْرج عَبْد بْن حميد وابْن أَبِي حَاتِم ، عن قَتادَة رَضِي اَللَّه عَنْه فِي قَولِه : { تَارَة أُخرَى } قال مَرَّة أُخرَى . – تَفسِير اَلدَّر المنْثور ] .

وَهذَا الجسد المخْلوق مِن طِين اَلذِي خلق مِنْه البشر أَطلَق عليْه اَلقُرآن اَلكرِيم سَوأَة وقد كَانَت مُختفيَة بَيْن جَنَبات هذَا الجسد اَلذِي يعيش بِه بُنِي آدم فِي الجنَّة وقد بدتْ أيَّ ظَهرَت بَعْد اِختِفاء كمَا فِي قَولِه تَعالَى { فأكِّلَا مِنهَا فَبدَت لَهمَا سوْآتهمَا وطفقَا يخْصفَان عَليهِما مِن ورق الجنَّة وَعصَى آدم ربُّه فَغوَى ثُمَّ اجْتبَاه ربُّه فَتَاب عليْه وَهدَى قال اهْبطَا مِنهَا جميعًا بَعضُكم لِبَعض عَدُو فَإمَّا يأْتينكم مِنِّي هُدَى فَمِن اِتَّبع هُدَاي فلَا يُضِل ولَا يَشقَى – طه 121 – 123 } .

وبالتَّالي الجسد الإنْسانيُّ نَفسَه يُمْكِن أن نَكشِف بِداخِله إِنْسانًا آخر وَهِي نَفسُه وَنزَل لِلدُّنْيَا بِالْاثْنيْنِ معًا أَحَدهمَا بِداخل الآخر فإنَّ نزل إلى عالم الدنيا بسوءته ماتت نفسه في جنة عدن واختفت بداخل سوءته  فو ِن مَاتَت سوءته خرجت منه نفسه بجسدها الطيني الأصلي الذي عاشت به في الجنة ورجعت إلى الله تعالى فإن كانت كافرة سجنت فِي الأرْض فلَا تُصعِّد نفسه ولَا يرفَع لَه عمل مِن أعْماله كمَا فِي قَولِه تَعالَى { أن الَّذين كَذبُوا بِآياتنَا واسْتكْبروا عَنهَا لَا تَفتَح لَهُم أَبوَاب السَّمَاء ولَا يَدخُلون الجنَّة حَتَّى يَلِج الْجمل فِي سمِّ الْخيَاط – الأعْراف } .

ورد فِي تَفسِير قَولِه تَعالَى { يُثبِّت اللَّه الَّذين آمنوا بِالْقَوْل الثَّابتِ فِي الحيَاة الدُّنْيَا وَفِي اَلآخِرة } وَبَيان رَفْع أَروَاح المؤْمنين فِي عِلِّيِّين وحبْس أَروَاح الكافرين فِي سجين بِالْأَرْض السُّفْلى بَعْد سُؤَال الملكيْنِ :

[ أَخرَج اِبْن مَردوِيه عن البرَاء بْن عَازِب رَضِي اَللَّه عَنْه فِي قَوْل اَللَّه { يُثبِّت اللَّه الَّذين آمنوا بِالْقَوْل الثَّابتِ فِي الحيَاة الدُّنْيَا وَفِي اَلآخِرة } قال : ذَلِك فِي القبْر ، إِنَّ كان صالحًا وَفْق ، وَإِن كان لَا خَيْر فِيه وجد أَثلَة . وأخْرج الطَّيالسيَّ وابْن أَبِي شَيبَة فِي اَلمُصنف ، وأحْمد بْن حَنبَل وَهْناد بْن السِّرِّيِّ فِي الزُّهْد ، وعبْد بْن حُمَيد وَأبُو دَاوُد وابْن جرير وابْن أَبِي حَاتِم وابْن مَردوِيه والْحاكم وصحَّحه والْبيْهقي فِي كِتَاب عَذَاب القبْر ، عن البرَاء بْن عَازِب رَضِي اَللَّه عَنْه قال : ” ” خرجْنَا مع رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم فِي جِنازة رَجُل مِن الأنْصار ، فانْتهيْنَا إِلى القبْر ، وَلمَّا يُلْحِد ، فَجلَس رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم وَجَلسنَا حَولَه – وَكَان على رُؤوسِنَا الطَّيْر – وَفِي يَدِه عُود يَنكُت بِه فِي الأرْض ، فَرفَع رَأسُه فَقَال : اُسْتعيذوا بِاللَّه مِن عَذَاب القبْر مرَّتيْنِ أو ثلاثًا ، ثُمَّ قال : إِنَّ العبْد اَلمؤْمِن إِذَا كان فِي اِنقِطاع مِن الدُّنْيَا وإقْبَال مِن اَلآخِرة ، نزل إِلَيه مَلائِكة مِن السَّمَاء بَيْض اَلوُجوه ، كأنَّ وُجوهَهم الشَّمْس ، مَعهُم كفن مِن أَكفَان الجنَّة وَحنُوط مِن حنُّوط الجنَّة ، حَتَّى يجْلسوا مِنْه مدِّ البصر . ثُمَّ يجيء مَلِك الموْتِ ، ثُمَّ يَجلِس عِنْد رَأسِه فَيقُول : أَيتُها النَّفْس المطمْئنة ، اُخْرُجي إِلى مَغفِرة مِن اَللَّه ورضْوَان . قال : فَتَخرَّج . . . تسيل كمَا تسيل القطْرة مِن فِي السِّقَاء ، وَإِن كُنتُم تروْن غَيْر ذَلِك ، فيأْخذهَا ، فَإذَا أَخذَها لَم يَدعُوها فِي يَدِه طَرفَة عَيَّن ، حَتَّى يأْخذوهَا فيجْعلوهَا فِي ذَلِك الكفن وَفِي ذَلِك الحنوط ، ويخْرج مِنهَا كأطْيب نَفحَة مَسْك وَجدَت على وَجْه الأرْض ، فيصعِّدون بِهَا فلَا يمرُّون على مَلْء مِن الملائكة إِلَّا قَالُوا : مَا هذَا الرُّوح الطَّيِّب ؟ . . . فيقولون : فُلَان اِبْن فُلَان ، بِأحْسن أسْمائه اَلتِي كَانُوا يُسمُّونهَا فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى ينْتهوا بِهَا إِلى السَّمَاء الدُّنْيَا ، فيسْتفْتحون لَه فيفْتح لَهُم ، فيشيَّعه مِن كُلِّ سَمَاء مُقرَّبوهَا إِلى السَّمَاء اَلتِي تَليهَا ، حَتَّى تَنتَهِي بِه إِلى السَّمَاء السَّابعة ، فَيقُول اَللَّه : اُكْتُبوا كِتَاب عَبدِي فِي عِلِّيِّين وأعيدوه إِلى الأرْض ، فإنِّي مِنهَا خِلْقتهم وَفِيهَا أُعيدَهم وَمِنهَا أخْرجَهم تَارَة أُخرَى . فَتَعاد رُوحه فِي جَسدِه ، فَيأتِيه مَلَكان فِيجْلسانه ، فيقولان لَه : مِن رَبِّك ؟ فَيقُول : رَبِّي اَللَّه . فيقولان لَه : مَا دِينك ؟ فَيقُول : دِيني الإسْلام . فيقولان لَه : مَا هذَا الرَّجل اَلذِي بعث فِيكم ؟ فَيقُول : هُو رَسُول اَللَّه . فيقولان لَه : ومَا عِلْمك ؟ فَيقُول : قَرأَت كِتَاب اَللَّه فآمنتْ بِه وصدَّقتْ . فينادي مُنَاد مِن السَّمَاء أنَّ صِدْق عَبدِي ، فافْرشوه مِن الجنَّة وألْبسوه مِن الجنَّة وافْتحوا لَه بَابَا إِلى الجنَّة ، فَيأتِيه مِن رُوحهَا وَطيبِها وَيفسِح لَه فِي قَبرِه مدَّ بَصرِه ، وَيأتِيه رَجُل حُسْن الوجْه حسن الثِّيَاب طَيِّب الرِّيح ، فَيقُول : أَبشِر بِالَّذي يَسُرك . . . هذَا يَومُك اَلذِي كُنْت تَوعُّد . فَيقُول لَه : مِن أَنْت ؟ فوجَّهك الوجْه يجيء بِالْخَيْر . فَيقُول لَه : أنَا عَملُك الصَّالح . فَيقُول : ربٌّ أَقُم السَّاعة . . . ربٌّ أَقُم السَّاعة حَتَّى أَرجَع إِلى أَهلِي وَمالِي . قال : وَإِن العبْد الكافر إِذَا كان فِي اِنقِطاع مِن الدُّنْيَا وإقْبَال مِن اَلآخِرة ، نزل إِلَيه مِن السَّمَاء مَلائِكة سُود اَلوُجوه ، مَعهُم اَلمُسوح . فيجْلسون مِنْه مدِّ البصر ، ثُمَّ يجيء مَلِك الموْتِ حَتَّى يَجلِس عِنْد رَأسِه فَيقُول : أَيتُها النَّفْس الخبيثة ، اُخْرُجي إِلى سُخْط مِن اَللَّه وَغضَب . فَتَفرَّق فِي جَسدِه ، فينْتزعهَا كمَا يَنتَزِع السُّفود مِن الصُّوف المبْلول ، فيأْخذهَا . فَإذَا أَخذَها لَم يَدعُوها فِي يَدِه طَرفَة عَيَّن حَتَّى يجْعلوهَا فِي تِلْك اَلمُسوح . ويخْرج مِنهَا كأنْتنَّ رِيح جِيفة وَجدَت على وَجْه الأرْض . فيصعِّدون بِهَا . . . فلَا يمرُّون بِهَا على مَلْء مِن الملائكة . إِلَّا قَالُوا : مَا هذَا الرُّوح اَلخبِيث ؟ ! . . . فيقولون : فُلَان اِبْن فُلَان بِأقْبح أسْمائه اَلتِي كان يُسمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا . حَتَّى يَنتَهِي بِهَا إِلى السَّمَاء الدُّنْيَا ، فيسْتفْتح فلَا يَفتَح لَه ثُمَّ قرأ رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم { لَا تَفتَح لَهُم أَبوَاب السَّمَاء – الأعْراف : 40 }

فَيقُول اَللَّه عزَّ وجلَّ اُكْتُبوا كِتابه فِي سجين فِي الأرْض السُّفْلى . فتطْرح رُوحُه طرْحًا . ثُمَّ قرأ رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم { وَمِن يُشْرِك بِاللَّه فَكَأنمَا خرَّ مِن السَّمَاء فَتَخطفَه الطَّيْر أو تَهوِي بِه الرِّيح فِي مَكَان سحيق – اَلحَج : 31 } فَتَعاد رُوحه فِي جَسدِه وَيأتِيه مَلَكان ، فِيجْلسانه فيقولان لَه : مِن رَبِّك ؟ فَيقُول : هاه . . . هاه ؟ ! . . . لَا أَدرِي . فيقولان لَه : مَا دِينك ؟ فَيقُول : هاه . . . هاه ؟ ! . . . لَا أَدرِي ، فيقولان لَه : مَا هذَا الرَّجل اَلذِي بعث فِيكم فَيقُول : هاه . . . هاه . . . لَا أَدرِي . فينادي مُنَاد مِن السَّمَاء ، أنَّ كَذِب عَبدِي ، فافْرشوه مِن النَّار وافْتحوا لَه بَابَا إِلى النَّار . فَيأتِيه مِن حَرهَا وسمومهَا ، ويضيِّق عليْه قَبرُه حَتَّى تَختَلِف فِيه أضْلاعه ، وَيأتِيه رَجُل قبيح الوجْه ، قبيح الثِّيَاب ، مُنْتِن الرِّيح ، فَيقُول : أَبشِر بِالَّذي يسوءك . . . هذَا يَومُك اَلذِي كُنْت تَوعُّد . فَيقُول : مِن أَنْت ؟ ! . . . فوجَّهك الوجْه يجيء بِالشَّرِّ . فَيقُول : أنَا عَملُك اَلخبِيث . فَيقُول : ربٌّ لَا تَقُم السَّاعة ” . – تَفسِير اَلدَّر المنْثور ] .

وَفِي تَفسِير البرْهان :

[ عن مُحمَّد بِن يَحيَى ، عن أَحمَد بْن مُحمَّد بْن عِيسى ، عن اَلحُسين بْن سعيد ، عن القاسم اِبْن مُحمَّد ، عن عَلِي بْن أَبِي حَمزَة ، عن أَبِي بصير ، عن أَبِي عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) قال : ” إِنَّ اَلمُؤمن إِذَا أَخرَج مِن بَيتِه شِيعته الملائكة إِلى قَبرِه ، يزْدحمون عليْه ، حَتَّى إِذَا اِنتهَى بِه إِلى قَبرِه ، قَالَت لَه الأرْض : مُرَحبا بِك وأهْلا ، أُمًّا وَاَللَّه لَقد كُنْت أُحِب أن يَمشِي عَلِي مِثْلِك ، لِتْريْنِ مَا اِصْنع بِك . فيوسِّع لَه مدُّ بَصرِه ، ويدْخل عليْه فِي قَبرِه مِلْكًا القبْر وهْمًا قعيدًا القبْر : مُنكَر ونكير ، فيلْقيان فِيه الرُّوح إِلى حَقَويَّه ، فِيقعدانه ويسْألانه ، فيقولان لَه : مِن رَبِّك ؟ فَيقُول : اَللَّه . فيقولان : مَا دِينك ؟ فَيقُول : الإسْلام . فيقولان : وَمِن نبيِّك ؟ فَيقُول : مُحمَّد ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) . فيقولان : وَمِن أَمامِك ؟ فَيقُول : فُلَان – قال – فينادي مُنَاد مِن السَّمَاء : صِدْق عَبدِي ، اِفرِشوا لَه فِي قَبرِه مِن الجنَّة ، وافْتحوا لَه فِي قَبرِه بَابَا إِلى الجنَّة ، وألْبسوه مِن ثِيَاب الجنَّة ، حَتَّى يأْتينَا ومَا عِنْدنَا خَيْر لَه ، ثُمَّ يُقَال لَه : نمَّ نَومَة العروس ، لَا حُلْم فِيهَا . قال : وَإِن كان كافرًا خَرجَت الملائكة تَشيعَه إِلى قَبرِه يلْعنونه ، حَتَّى إِذَا اِنتهَى بِه إِلى قَبرِه ، قَالَت لَه الأرْض : لَا مُرَحبا بِك ولَا أهْلا ، أَمَّا وَاَللَّه لَقد كُنْت أُبْغِض أن يَمشِي عَلِي مِثْلِك ، لَا جُرْم لِتْريْنِ مَا اِصْنع بِك اليوْم . فتضيق عليْه حَتَّى تَلتَقِي جَوانِحه – قال – ثُمَّ يَدخُل عليْه مِلْكًا القبْر ، وهْمًا قعيدًا القبْر : مُنكَر ونكير ” . قال أَبُو بصير : جَعلَت فَدَاك ، يَدخُلان عَلِي اَلمؤْمِن والْكافر فِي صُورَة وَاحِدة ؟ فَقَال : ” لَا ” . قال : ” فِيقعدانه فيلْقيان فِيه الرُّوح إِلى حَقَويَّه ، فيقولان لَه : مِن رَبِّك ؟ فيتلجْلج ، وَيقُول : قد سُمعَت النَّاس يقولون . فيقولان لَه : لَا دريْتَ . ويقولان لَه : مَا دِينك ؟ فيتلجْلج ، فيقولان لَه : لَا دريْتَ . ويقولان لَه : مِن نبيِّك ؟ فَيقُول : قد سُمعَت النَّاس يقولون ، فيقولان لَه : لَا دريْتَ . ويسْألانه عن إِمَام زَمانِه – قال – : فينادي مُنَاد مِن السَّمَاء : كَذِب عَبدِي ، اِفرِشوا لَه فِي قَبرِه مِن النَّار ، وألْبسوه مِن ثِيَاب النَّار ، وافْتحوا لَه بَابَا إِلى النَّار ، حَتَّى يأْتينَا ، ومَا عِنْدنَا شرُّ لَه ، فِيضْرْبانه بِمرْزَبَّة ثَلَاث ضَرَبات ، لَيْس مِنهَا ضَربَة إِلَّا يَتَطايَر قَبرُه نارًا ، لَو ضَربَت بِتلْك المرْزبَّة جِبَال تُهَامَة لَكانتْ رميمًا ” . وَقَال أَبُو عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : ” ويسلِّط اَللَّه عليْه فِي قَبرِه الحيَّات تَنهشُه نهْشًا ، والشَّيْطان يُغمِّه غمًّا – قال – ويسْمع عذابه مِن خَلْق اَللَّه إِلَّا اَلجِن وَالإِنس – قال – وانْه لِيسْمع خفق نِعالَهم وَنفَض أَيدِيهم ، وَهُو قَوْل اَللَّه عزَّ وجلَّ : { يُثْبِت لِلَّه الَّذين آمنوا بِالْقَوْل الثَّابتِ فِي الحيَاة الدُّنْيَا وَفِي اَلآخِرة وَيضِل اَللَّه الظَّالمين ويفْعل اَللَّه مَا يَشَاء } ” . – البرْهان لِلسَّيِّد هَاشِم البحْرانيّ ]  .

 4 – اَلخُلق مِن طِينة الأرْض على اِختِلاف ألْوانهم والْمؤْمن مِن طِينة الجنَّة :

[ روى الصَّدوق عن اِبْن سَلَّام أَنَّه قِيل لِلنَّبيِّ ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) : ” خَلْق آدم مِن الطِّين كُلِّه أو مِن طِين وَاحِد ؟ ؟ ؟ ” قال اَلنبِي : ” بل مِن الطِّين كُلِّه ولو خَلْق مِن طِين وَاحِد لِمَا عرف النَّاس بُغْضهم بعْضًا وكانوا على صُورَة وَاحِدة . . . ” وعن أمير المؤْمنين ( عليْه السَّلَام ) : ” أنَّ اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى بعث جِبْرائيل ( عليْه السَّلَام ) وأمره أن يأْتيه مِن أديم الأرْض بِأرْبع طِينات طِينة بَيْضاء وَطِينَة حَمْراء وَطِينَة غَبْراء وَطِينَة سَوْداء – فاخْتلاف لَوْن الطِّينة يَأتِي مِنْه اِختِلاف لَوْن بَشرَة الإنْسان – – – ثُمَّ أَمْر اَللَّه جِبْرائيل أن يأْتيه بِأرْبع مِيَاه ماء عَذْب وَمَاء مُلِح وَمَاء مرِّ وَمَاء مُنْتِن ثُمَّ أَمرِه أن يُفرِّغ اَلْماء فِي الطِّين . . . فَجعَل اَلْماء العذْب فِي حَلقَة ( لِيسوِّغ لَه أَكْل الطَّعَام ) ؛ والْمَاء المالح فِي عيْنيْه ( لِلْإبْقاء على شَحمَة العيْنِ لِأنَّ الشَّحْم يَبقَى إِذَا وضع عليْه اَلْماء ) ؛ وجعْل اَلْماء اَلمُر فِي أُذنيْه ( لِئَلا تَهجُّم اَلْهَوام على الدِّمَاغ ) ؛ وجعْل اَلْماء اَلمنْتِن فِي أَنفِه . . . ” – الكافي لَلْكليني ج 2 ص 3 ] . [ عن أَبِي عَبْد اَللَّه عليْه السَّلَام قال : إِنَّ اَللَّه خَلْق اَلمُؤمن مِن طِينة الجنَّة ، وخلْق النَّاصب مِن طِينة النَّار ، وَقَال : إِذَا أَرَاد اَللَّه بِعَبد خيْرًا طَيِّب رُوحَه وجسده فلَا يَسمَع شيْئًا مِن الخيْر إِلَّا عَرفَة ، ولَا يَسمَع شيْئًا مِن اَلمُنكر إِلَّا أَنكَره . قال : وسمْعَته يَقُول : الطِّينات ثَلاثَة : طِينة الأنْبياء والْمؤْمن مِن تِلْك الطِّينة ، إِلَّا أنَّ الأنْبياء هُم صفْوتهَا وَهْم الأصْل وَلهُم فَضلُهم ، والْمؤْمنون الفرْع مِن طِين لَازِب كَذلِك لَا يُفرِّق اَللَّه بيْنهم وبيْن شِيعتِهم ، وَقَال : طِينة النَّاصب مِن حمأ مُسنُّون ، وَأمَّا المسْتضْعفون فَمِن تُرَاب ، لَا يَتَحوَّل مُؤْمِن عن إِيمانه ، ولَا نَاصِب عن نَصبَه وَللَّه المشْية فِيهم جميعًا . – البحَار ج 25 ص 9 ] .

[ عن عَبْد اَللَّه بْن الحسن عن جَدِّه الحسن بْن عَلِي عليْه السَّلَام قال : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه : إِنَّ فِي الفرْدوْس لَعينًا أَحلَى مِن الشَّهْد وألْين مِن الزُّبْد وأبْرد مِن الثَّلْج وأطْيب مِن المسْك ، فِيهَا طِينة خلقنَا اَللَّه عزَّ وجلَّ مِنهَا ، وخلْق شُيِّعتْنَا مِنهَا فمن لَم يَكُن مِن تِلْك الطِّينة فليْس مِنَّا ولَا مِن شُيِّعتْنَا وَهِي الميثاق اَلذِي أخذ اَللَّه عزَّ وجلَّ على وِلاية أمير المؤْمنين عَلِي بْن أَبِي طَالِب ، قال عُبَيد : فذكرتْ لِمحمَّد بْن اَلحُسين هذَا اَلحدِيث فَقَال : صِدْقك يَحيَى بْن عَبْد اَللَّه هَكذَا أخْبرَني أَبِي عن جِدِّيٍّ عن أبيه عن اَلنبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه قال عُبَيد : قَلَّت : أَشتَهي أن تُفَسرَه لَنَا إِنَّ كان عِنْدك تَفسِير ؟ قال : نَعِم أخْبرَني أَبِي عن جِدِّيٍّ رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه أَنَّه قال : إِنَّ لِلَّه مِلْكًا رَأسَه تَحْت العرْش وقدمَاه فِي تُخُوم الأرْض السَّابعة السُّفْلى ، بَيْن عيْنيْه رَاحَة أَحدَكم فَإذَا أَرَاد اَللَّه عزَّ وجلَّ أن يَخلُق خُلُقا على وِلاية عَلِي بْن أَبِي طَالِب عليْه السَّلَام أَمْر ذَلِك اَلمَلِك فَأخَذ مِن تِلْك الطِّينة فِرْمِي بِهَا فِي النُّطْفة حَتَّى تصير إِلى اَلرحِم ، مِنهَا يَخلُق وَهِي الميثاق . – مِرْآة اَلعُقول – كِتَاب الإيمان – باب طِينة اَلمُؤمن والْكافر ] .

وَجَاء اَلخُلق مُخْتلِفًا ألْوانهم وأشْكالهم حسب الطِّينة الأرْضيَّة اَلتِي خَلقُوا مِنهَا وسوْآتهم نَزلَت مع خُروجِهم مِن بُطُون أُمَّهاتهم :

[ عن أَبِي مُوسَى الأشْعريّ قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ” إِنَّ اَللَّه خَلْق آدم مِن قَبضَة قبضهَا مِن جميع الأرْض ، فَجَاء بَنُو آدم على قَدْر الأرْض : جاء مِنْهم الأحْمر ، والْأبْيض ، والْأسْود ، وبيْن ذَلِك ، والسَّهْل ، والْحزْن ، والْخبيث ، والطَّيِّب ” – صحيح أَبِي دَاوُد ] .

( 5 ) سَوأَة بُنِي آدم اَلتِي بدتْ هِي الجسد كُلُّه وليْس اَلْعَورة فقط :

السُّوءة اَلتِي بدتْ بعْدمَا أكل سَيدُنا آدم وَزوْجَة مِن الشَّجَرة هِي كُلُّ الجسد كُلِّه وليْستْ اَلْعَورة فقط كمَا يَظُن اَلكثِير وَهذَا البيَان وَاضِح جِدًّا فِي كِتَاب اَللَّه مِن قِصَّة قَتْل اِبْنيْ آدم فِي قَولِه تَعالَى لِأنَّ اَلقُرآن اَلكرِيم يُحدِّد مَعنَى السُّوء بِالْجَسد كُلِّه فِي قِصَّة دَفْن اِبْن آدم المقْتول وعجْز القاتل عن مَعرِفة مَاذَا يَفعَل بِهَذا الجسد فَبعَث اَللَّه تَعالَى غُرَابا يَبحَث فِي الأرْض لِيعْلَمه كَيْف يُدفَن سَوأَة أخيه ويخْفيهَا قال تَعالَى { فَبعَث اَللَّه غُرَابا يَبحَث فِي الأرْض لِيريه كَيْف يُوَارِي سَوأَة أخيه قال يَا ويْلتًا أَعجَزت أن أَكُون مِثْل هذَا اَلغُراب فأواري سَوأَة أَخِي فأصْبح مِن النَّادمين – المائدة 31 } .

والسَّوْءة هُنَا الجسد كُلَّه وليْستْ اَلْعَورة فقط فَإِن مات الإنْسان مات جَسدُه الطِّينيُّ اَلسفْلِي وَدُفنَت سوْأته فِي الأرْض وَخرَج مِنْه جَسدُه الطِّينيُّ اَلأصْلِي اَلذِي كان يعيش بِه فِي الجنَّة وبداخلهَا نفْسه اَلتِي عاش بِهَا فِي الجنَّة قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض . هُنَا تَنفَصِل مادَّته التُّرَاب عن اَلْماء وَهمَا عُنْصُري الطِّين المخْلوق مِنْه الإنْسان وبفصْل ماء الحيَاة عن التُّرَاب يَمُوت الجسد لِأنَّ اَللَّه تَعالَى قال فِي اَلْماء { وَجَعلنَا مِن الْماء كُلَّ شَيْء حيٍّ } والتُّراب لَا عَذَاب عليْه لِذَلك سَيقُول الكافر والْمنافق يَوْم القيامة { ياليتْني كُنْت تُرَابا } .

وباجْتماعهمَا يَحيَى الإنْسان بِجسده فِي الدُّنْيَا وبداخلهَا الإنْسان الدَّاخليُّ لَهَا وَهِي نَفسُه المقْترنة بِه وَالتِي يعيش بِهَا فِي جَنَّة عَدْن وتتوافق ترْكيبتهَا الخلْقيَّة مع الجنَّة والْعَيْش فِيهَا . وَإبلِيس لَعنَة اَللَّه تَعالَى كان يَعرِف هذَا الأمْر بِتفاصيله فوسْوس لَهمَا لِيبْدي لَهمَا مَا واراه اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى عَنهُما لِيخْرجهمَا مِن الجنَّة كمًّا بيِّنًا .

وَهنَا ( مَا وُوري عَنهُما ) أيْ أَنهَا كَانَت مَوجُودة مَخفِية عن بُنِّي آدم الَّذين كَانُوا لَا يرْوهَا فلَا تَظهَر فِي الجنَّة إِلَّا بِعصْيانهم لِلَّه تَعالَى فَلمَّا أَكْل مِن الشَّجَرة نَبِي اَللَّه آدم وزوْجه عَليهِما السَّلَام طرْدًا مِن الجنَّة لِيعيشَا بِهَا معًا على الأرْض وَلكِن اَللَّه تَعالَى بَيِّن أنَّ لِإبْلِيس ذَريَّة ستقْتَرن بِأَهل النَّار وسيعْملون بِعملِهَا مِن شُرُور وَكفَر ونفاق وَفسُوق وعصْيَان وعن هَذِه الذَّرِّيَّة قال تَعالَى { أفتتخذونه وذرِّيَّته أَولِياء مِن دُوني وَهُم لَكُم عَدُو بِئْس لِلظَّالمين بدلا – الكهْف 50 } . – وَإبلِيس كان يَعرِف ذَلِك كمَا فِي قَولِه تَعالَى عن تَعمُّد تعْريَته لِنَبي اَللَّه آدم وَزوْجَة مِن التَّقْوى لِتظْهر أجْسادهم عَارِية وَهِي سوْآتهمَا بَعْد اِختِفاء قال تَعالَى { فوسْوس لَهمَا الشَّيْطان لِيبْدي لَهمَا مَا وُوري عَنهُما مِن سوْآتهمَا وَقَال مَا نَهَاكمَا رَبكُما عن هَذِه الشَّجَرة إِلَّا أن تَكونَا ملكيْنِ أو تَكونَا مِن الْخالدين – الأعْراف 20 } . وَذلِك لِأنَّ لِبَاس أَهْل الجنَّة هُو التَّقْوى كمَا فِي قَولِه تَعالَى { يَا بُنَي آدم قد أنْزلْنَا عليْكم لِباسًا يُوَارِي سَوآتِكم وريشًا ولباس التَّقْوى ذَلِك خَيْر ذَلِك مِن آيات اَللَّه لَعلَّهم يَذكُرون يَا بُنَي آدم لَا يفْتنْنكْم الشَّيْطان كمَا أَخرَج أَبوِيكم مِن الجنَّة يَنزِع عَنهُما لِباسهمَا لِيريهمَا سوْآتهمَا إِنَّه يراكم هُو وقبيله مِن حَيْث لَا تروْنَهم أنَا جعلنَا الشَّياطين أَولِياء لِلَّذين لَا يُؤْمنون – الأعْراف 26 – 27 } . – كِتَاب الزُّهْد والرَّقائق ] .

وبالتَّالي لِبَاس جَنَّة عَدْن التَّقْوى والْعَمل بِأوامر اَللَّه تَعالَى فَلمَّا عصيًّا اَللَّه تَعالَى بدتْ أجْسادهم عَارِية وقد كان إِبْليس وحزْبه عُرَاة فِي جَنَّة عِنْد لِمَا قال تَعالَى لَه { إِنَّك مِن المنظِّرين إِلى يَوْم الْوقْتِ الْمعْلوم } وَكذَلِك العكْس فِي الدُّنْيَا سَتْر الجسد يَكُون بِاللِّباس والرِّيش وَكُل مَا يُغطِّي بِه الإنْسان جَسدَه وَهُو السُّوءة . وَفِي الدُّنْيَا لِذَلك تميل أَنفُس السُّوء إِلى التَّعَرِّي والْفجور وَفِي البقَاع المباركة الثَّلاثة وماحولْهَا مِن بِلَاد العرب والْمسْلمين يميلون لِلْحشْمة وستْر العوْرات والْحياء وَفِي كُلِّ بِقَاع العالم مُبَاركَة وَعادِية مِن أَرْض اَللَّه فِيهَا الصَّالح والطَّالح وَكُل يَعمَل حسب مَا جُبلَت عليْه نَفسُه والطِّينة اَلتِي خلق مِنهَا . وَمِن أَرَاد لِبَاس الجنَّة وَأهلِها بَعْد الموْتِ فَليُعلم أنَّ لِباسَهَا التَّقْوى والْعَمل الصَّالح فِي الدُّنْيَا وَلذَلِك اَلنبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلَه فِي النِّسَاء اَلعُصاة [ ” رب كَاسِية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم القيامة ” . . اَلحدِيث ] .

وَفِي الدُّنْيَا لِمَا نزل أَهْل الجنَّة وأهْل النَّار غَطَّت الثِّيَاب سَوآتِهم فلَا يَعرِف أَحَدهمَا الآخر إِلَّا مِن خِلَال عَملِه هُو هُو لِلَّه ورضاه عزَّ وجلَّ أم لَا ؟ وَفِي الدُّنْيَا لِمَا نزل أَهْل الجنَّة وأهْل النَّار غَطَّت الثِّيَاب سَوآتِهم فلَا يَعرِف أَحَدهمَا الآخر إِلَّا مِن خِلَال عَملِه هُو هُو لِلَّه ورضاه عزَّ وجلَّ أم لَا ؟ . وبالتَّالي عَودَة جسد الكافر لِلْأرْض مِن بَعْد الموْتِ فِي الدُّنْيَا فِي الأرْض هُو عَودَة السُّوءة لِلْأرْض اَلتِي خَلقَت مِنهَا فتنْفَصل النَّفْس عَنهَا فتتحلَّ الطِّينة الأرْضيَّة إِلى ماءٍ يَرفَع مِن الجسد فَتمُوت اَلجُثة لِأَنه تَعالَى قال فِي اَلْماء { وَجَعلنَا مِن الْماء كُلَّ شَيْء حيٍّ } ويتبَقَّى الجسد اَلذِي يَتَحلَّل إِلى تُرَاب ولَا عَذَاب عليْه إِلَّا فِي الدُّنْيَا فقط لِأَنه كان عوْنًا لِأنْفس السُّوء على مَعصِية اَللَّه تَعالَى وَهؤُلاء لَهُم أمارَات أبْداهَا اَللَّه تَعالَى لِلنَّاس لِيتَّعظوا بِالْمَوْتِ ويعْرفوا أمارَات وأحْوَال أَهْل الجنَّة والنَّار فِي الدُّنْيَا وقبْل يَوْم الحسَاب مِن سَكَرات الموْتِ حَتَّى دَفْن السُّوءة ومَا يُصَاحِب ذَلِك الأمْر مِن كرامَات أو لَعَنات يراهَا النَّاس فِي الدُّنْيَا فَإذَا شَهدُوا ذَلِك آمنواويوم القيامة لَا عَذَاب على هذَا الجسد لِشهادته على صَاحبِه فِي قَولِه تَعالَى { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون وقالوا لِجلودهم لِم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة وإليْه ترْجعون – فَصلَت 20 – 21 } وبعْد هَذِه الشَّهادة لَلسُوءة تَنفَصِل مَادَّة اَلْماء عن التُّرَاب وَهنَا سَيقُول الكافر يَوْم القيامة { ياليتْني كُنْت تُرَابا } .

وَهذِه نِهاية أَعمَار بُنِي آدم بِسوآتهْم اَلتِي بَرزَت أوَّلا لِنَبي اَللَّه آدم وزوْجه لِمَا أَكلَا مِن الشَّجَرة ثُمَّ بَقيَّة ذُرِّيَّته مِن اِجتِماع الذَّكر والْأنْثى وَهذَا الجسد الطِّينيُّ اَلعلْوِي أَصْل اَلخُلق وَمَادَّة سُلالتهم اَلأُولى خليط بَيْن مادَّتيْ التُّرَاب والْمَاء هِي اَلتِي صُنعَت مِنهَا الأجْساد الأرْضيَّة أو السُّوءة وِلاعْذاب على هَذِه اَلجُلود بل ستشْهد على الإنْسان كمًّا بيِّنًا فَإذَا نزل إِلى الأرْض كَانَت هَذِه هِي السُّوءة وليْستْ الجسد الطِّينيَّ اَلذِي خلق أوَّلا ثُمَّ اِنفصَل عن الأجْساد اَلتِي خَلقَت مِن طِينة الجنَّة أو مِن طِينة جَهنَّم وَهِي الإنْسان الدَّاخليُّ الآخر الغيْر مَرئِي المخْتفي بِهَذه الأجْساد الإنْسانيَّة لِتعود بَعْد الموْتِ إِلى النَّار اَلتِي خَلقَت مِنهَا كمَا فِي قَولِه تَعالَى { ثُمَّ إِنَّ مرْجعَهم لَالِي اَلجحِيم – الصَّافَّات } فتحمَّلهَا مَلائِكة العذَاب إِلى جَهنَّم والْعَكْس كَذلِك صحيح عن المؤْمنين فَإِن مرْجعَهم إِلى اَللَّه تَعالَى وجْنته ومَا وعدهم بِه مِن نعيم مُقيمٍ وَخلُودا فِي جَنتِه تَعالَى كمَا فِي قَولِه عزَّ وجلَّ { واتَّقوا يوْمًا ترْجعون فِيه إِلى اَللَّه ثُمَّ تُوف كُلُّ نَفْس مَا كَسبَت وَهُم لَا يظْلمون – البقَرة 281 } .

وبيْن التَّنَقُّل فِي تِلْك العوالم والْحياة بَيْن السُّوءة والنَّفْسالمعنىمترادفاتأو النَّفْس وإنْسانهَا الدَّاخليِّ أو السُّوءة والْجَسد الطِّينيُّ يُبيِّن تَعالَى رِحْلَة التَّنَقُّل بِالنَّفْس اَلتِي تَتَناسَب مع كُلِّ بِيئة بَيْن الجنَّة والْأَرْض وبعْد القيامة لِأنَّ مَوْت هَذِه يُبْرِز هَذِه وموْتَ هَذِه يُبْرِز هَذِه فلَا يجْتمعان معًا إِلَّا يَوْم القيامة قال تَعالَى { كَيْف تَكفُرون بِاللَّه وكنْتم أمْواتًا فأحْياكم ثُمَّ يُميتكم ثُمَّ يُحْييكم ثُمَّ إِلَيه ترْجعون – البقَرة 28 } .

ثُمَّ يُنْشأهم اَللَّه تَعالَى فِيمَا لَا يعْلمون وَبيَّن الدُّنْيَا والْآخرة كَأنَّه يَقُول تَعالَى أيْ كُنتُم أَموَات السُّوءة أَحيَاء بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي فِي جَنَّة عَدْن يَختَفِي بِداخلهم سوْأتهم ثُمَّ يُحْيِي اَللَّه تَعالَى الإنْسان فَإذَا أَحيَاه بِسوْأَته فِي الدُّنْيَا تَوارَى بِداخلهَا نَفسُه أو جَسدِه الطِّينيِّ اَلعلْوِي اَلذِي كان يعيش بِه فِي جَنَّة عَدْن فَإذَا مَاتَت السُّوءة برز مِنهَا نَفسُها لِلْوجود بِمَا يَتَناسَب مع جَنَّة عَدْن إِنَّ كَانَت مِن المؤْمنين الصَّالحين ثُمَّ الرُّجوع إِلى اَللَّه تَعالَى يَوْم القيامة بِالنَّفْس والْجَسد .

وَبرُجوع الأجْساد لِلْأرْض مِن بَعْد الموْتِ تَكُون قد عَادَت لِأصْلِهَا اَلذِي خَلقَت مِنْه فَإِن كَانَت خَبِيثَة وأهْلكهَا اَللَّه تَعالَى بِسَنة بِعامَّة فِي الدُّنْيَا كقوْم نُوح أو قَوْم عاد وَثمُود وقوْم لُوط وفرْعَوْن وشعيْب أو غَيرهِم مِن اَلأُمم فَهْم مُعذَّبون مِن بَعْد مَوتهِم إِلى يَوْم القيامة بِهَذه السَّوْءات اَلتِي تَعَاونَت بِغَير رِضَا مِنهَا لِأنْفسهم قال تَعالَى { مِمَّا خطيئاتهم أغْرقوا فأدْخلوا نارًا – نُوح } وَهذِه الأماكن اَلتِي أهْلكوا فِيهَا فِي تُرْبتِهَا تُرابهم اَلذِي تُحلِّل مِنْهم وَهُم مِن أَهْل جَهنَّم وَلذَلِك هُنَاك بِقَاع طِيبة على الأرْض وغيْر طَيبَة وَلذَلِك قال صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ إِذَا دخلْتم مَساكِن الَّذين ظُلموا فلَا تدْخلوهَا إِلَّا باكين أو مُسْتغْفرين . . . اَلحدِيث ] [ عن عَبْد اَللَّه بْن عُمَر : قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم لِأصْحَاب الحجْر لَا تَدخُلوا على هؤلاء القوْم المعذَّبين إِلَّا أن تكونوا باكين فَإِن لَم تكونوا باكين فلَا تَدخُلوا عَليهِم أن يُصيبَكم مِثْل مَا أصابَهم – ص : 407 – شَرْح النَّوَويِّ على مُسْلِم – شَرْح النَّوَويِّ على مُسْلِم » كِتَاب الزُّهْد والرَّقائق ] . وَهذِه الأماكن شَهدَت هَلَاك كُفَّار بِاللَّه تَعالَى وظلَّ فِيهَا آثار أُمَم أُخرَى كَفرَت بِاللَّه تَعالَى وَفِي تُرامِين مِن حِزْب إِبْليس يُمْكِن أن يَتَأثَّر بِهم بُنِي آدم لِذَلك قال فِيهَا اَلنبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه لَا تدْخلوهَا إِلَّا باكين أو مُسْتغْفرين . . اَلحدِيث وَذلِك لِأنَّ اَللَّه تَعالَى تَركهَا أثر على إِهْلاكه القوْم الظَّالمين وَقَال تَعالَى هُنَا { أَفلَم يسيروا فِي الأرْض فينْظروا كَيْف كان عَاقِبة الَّذين مِن قِبلهم دَمَّر اَللَّه عَليهِم وللْكافرين أمْثالهَا – مُحمَّد 10 } .

والْعَكْس فِي أَماكِن التَّقْوى والْإيمان المباركة على الأرْض ومَا تَحوِيه مِن تُرَاب عَملِه أصْحابه بِالصَّالحات وماتوا على ذَلِك وَلذَلِك هَذِه الأماكن بِهَا طَاقَة تَدفَع النُّفوس لِلسَّكينة والْإيمان والطُّمأْنينة لِكثْرة ذِكْر اَللَّه تَعالَى فِيهَا وَذلِك لِتأثُّرهَا بِملائكة طيِّبين وأعْمَال صَالِحة قام بِهَا مُؤْمنِين مِن قَبِل وماتوا وتحلَّلْتُ أجْسادهم إِلى تُرَاب وَأهَم هَذِه الأماكن على الأرْض البقَاع الثَّلاثة المباركة مِن الحجَاز والشَّام وسيْنَاء بِمصْر ثُمَّ بُيُوت اَللَّه تَعالَى فِي الأرْض ومقامات أَهْل البيْتِ والصَّالحين قال تَعالَى فِي البقَاع المباركة الثَّلاثة { سُبْحان اَلذِي أَسرَى بِعبْده لَيْلا مِن اَلمسْجِد الحرَام إِلى اَلمسْجِد الأقْصى اَلذِي باركْنَا حَولُه – الإسْراء } . وَمِن هُنَا أَصبَحت الدُّنْيَا كمَا قال صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ ” سِجْن اَلمُؤمن وَجنَّة الكافر ” – رَوَاه مُسْلِم فِي صَحيحِه ] .

لِأَنَّ اَلْمُؤَمَّنَ يَنْتَظِرُ وَعْدَ اَللَّهِ بِالْجَنَّةِ وَالْكَافِرِ يَتَمَتَّعُ فِيهَا وَلَا حَيَاةً لَهُ بَعْدَ اَلْمَوْتِ فِي جَنَّةِ اَللَّهِ لِذَلِكَ هِيَ سِجْنُ اَلْمُؤَمَّنِ وَجَنَّةِ اَلْكَافِرِ . . فَإِذَا مَاتَ سِجْنُ فِيهَا وَعَادَ جَسَدُهُ إِلَى مَا خَلَقَ مِنْهُ وَمَنْ كَانَ صَالِحًا رَفْعَ عَمَلِهِ وَقَبِلَتْ دَعْوَتُهُ وَفَتَحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ إِذَا مَاتَ فَتَحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ فِي اَلسَّمَاءِ وَعَادَ جَسَدُهُ إِلَى طِينَتِهِ اَلَّتِي خَلَقَ مِنْهَا وَخَرَجَ مِنْهُ اَلْإِنْسَانُ اَلدَّاخِلِيُّ اَلْآخَرُ وَهِيَ نَفْسُهُ بِجَسَدِهَا اَلطِّينِيِّ اَلَّذِي خَلَقَ مِنْ اَلْجَنَّةِ قَبْلَ بُرُوزِ اَلسُّوءَة اَلْإِنْسَانِيَّةَ وَاَلَّتِي هَبَطَ بِهَا آدَمْ وَزَوْجُهُ عَلَيْهِمَا اَلسَّلَامُ .

لِأنَّ اَلمُؤمن يَنتَظِر وَعْد اَللَّه بِالْجَنَّة والْكافر يَتَمتَّع فِيهَا ولَا حَيَاة لَه بَعْد الموْتِ فِي جَنَّة اَللَّه لِذَلك هِي سِجْن اَلمُؤمن وَجنَّة الكافر . . فَإذَا مات سِجْن فِيهَا وَعَاد جَسدُه إِلى مَا خلق مِنْه ومن كان صالحًا رَفْع عَملِه وقبلتْ دعْوته وفتحتْ لَه أَبوَاب السَّمَاء إِذَا مات فَتحَت لَه أَبوَاب الجنَّة فِي السَّمَاء وَعَاد جَسدُه إِلى طِينته اَلتِي خلق مِنهَا وَخرَج مِنْه الإنْسان الدَّاخليُّ الآخر وَهِي نَفسُه بِجسدِهَا الطِّينيِّ اَلذِي خلق مِن الجنَّة قَبْل بُرُوز السُّوءة الإنْسانيَّة وَالتِي هبط بِهَا آدم وزوْجه عَليهِما السَّلَام .

  جسدُ الإنسانِ على الأرضِ هوَ سلالةُ الإنسانِ الذي خلقَ منْ طينٍ في الجنةِ قبلَ الهبوطِ إلى الأرضِ وسوأته التب بدت هى الجسد كله وليس العورة فقط :

وَهنَا بعْدمَا أَكلَا مِن الشَّجَرة فَبدَت لَهمَا سوْآتهمَا كمَا بينا أي أن هذه السُّوءة كَانَت مَوجُودة فِي جَنَّة عَدْن وَلكِن بِطريقة مُستترَة متوارية عن أنظار بني آدم بالنور الذي خلقوا منه كمًّا بيِّنًا لَا يراهَا بُنِي آدم الجنَّة و لَا يَشعُرون بِهَا و بالتالي لَا جِهَاز هَضمِي لِلْإخْراج يعاني منه أو يراه فهو مستتر متوارياً بِداخِله يعيش فِي الجنَّة فيها ونفسه هنا هى سوءته اَلتِي هِي الجسد الطِّينيُّ المتواري بِداخِله والتي بدت بعدما أكلا من الشجرة  فأهبطهم الله تعالى إلى الأرض  فإذا مات هذه الجسد في الدنيا خرجت منه نفسه المخلوقة من طينة الجنة لتعود إليها أو نسجن في الأرض كما سنبين في مواضع عدية من هذا الكتاب فَإذَا قَامَت القيامة جمع اَللَّه تَعالَى الإثْنيْن معًا السُّوءة ونْفسْها المؤْمنة أو الكافرة اَلتِي هِي جَسدُه المخْلوق مِن طِينة الجنَّة أو النَّار وَعَاش بِه فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض ومعهم قُرنائهم مِن شَياطِين اَلجِن اَلتِي اِقْترَنتْ بهم  في الحياة الدنيا للحساب .

– وقد أَخفَى اَللَّه تَعالَى فِي دَاخِل هذَا الجسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي أو النَّفْس الآدميَّة سوْأتهَا وَهِي اَلتِي تَوارَت عن آدم وزوْجه بِالْجَنَّة وعنْدَمَا وَسوَس إِبْليس لِآدم خَرجُوا مِن الجنَّة لِلاخْتبار فِي دار الدُّنْيَا بَعْد أن حَذرَه تَعالَى مِن عَداوَة إِبْليس وكراهيته لَه ولذرِّيَّته مِن بُعْدِه والْعقاب سَيكُون بِالْخروج والْهبوط مِن جَنَّة عَدْن لِلشَّقَاء فِي الأرْض الدُّنْيَا وسمائهَا الدُّنْيَا قال تَعالَى مُنْذِرا آدم عليْه السَّلَام قال تَعالَى { فَقُلنَا يَا آدم إِنَّ هذَا عَدُو لَك وَلزوْجِك فلَا يُخْرجنَّكمَا مِن الْجنَّة فتشْقى إِنَّ لَك أَلَّا تَجُوع فِيهَا ولَا تَعرَّى وَأنَّك لَا تَظمَأ فِيهَا ولَا تُضحِّي فوسْوس إِلَيه الشَّيْطان قال يَا آدم هل أَدُلك على شَجرَة الْخلْد وَمُلك لَا يَبلَى فأكلَا مِنهَا فَبدَت لَهمَا سوْآتهمَا وطفقَا يخْصفَان عَليهِما مِن ورق الجنَّة وَعصَى آدم ربُّه فَغوَى ثُمَّ اجْتبَاه ربُّه فَتَاب عليْه وَهدَى قال اهْبطَا مِنهَا جميعًا بَعضُكم لِبَعض عَدُو فَإمَّا يأْتينكم مِنِّي هُدَى فَمِن اِتَّبع هُدَاي فلَا يُضِل ولَا يَشقَى – طه 117 – 123 }

وَهنَا أخْرجَهم اَللَّه تَعالَى مِن الجنَّة لِيهْبطوا إِلى الأرْض حَيْث العنَاء والتَّعب والشَّقاء قال تَعالَى { قال اهْبطوا بَعضُكم لِبَعض عَدُو وَلكُم فِي الأرْض مُسْتَقِر وَمَتاع إِلى حِين – البقَرة 24 }

وَهنَا إِذَا قُلْت أنَّ جسد الإنْسان يُخْفِي جسدًا آخر أو الإنْسان الآخر بِداخِله فَهذَا حَقيقِي وَلكِن اَلذِي يَختَفِي مِن النَّفْس الإنْسانيَّة بَعْد دُخولِهَا الجنَّة الجهَاز اَلهضْمِي المسْؤول عن الإخْراج فلَا يُوجَد فِي الجنَّة غَيْر العبادة وَهِي سبب التَّمَتُّع بِالْحياة فِي الدَّار اَلآخِرة فهناك جسد لِلْعبادة والصَّلاة وقلْب وفؤاد وعقْل ويد وإحْسَاس بِالْجمال لِلتَّمَتُّع بِالْجَنَّة وأصْل دُخولِهم لِتلْك الجنَّة هُو العمل الصَّالح فِي الدُّنْيَا وَالذِي يَتَحوَّل بَعْد الموْتِ إِلى نُور وَمَاء وَهمَا مَادَّة الحيَاة فِي اَلآخِرة كمًّا بيِّنًا مِن قِبل فيدْخلونهَا بِلَا جِهَاز هَضمِي لِلْإخْراج وَكذَلِك المؤْمنين مِن عَالَم اَلجِن الَّذين كَانُوا يعيشون معه فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض فَهْم عائدون إِليْهَا أن مَاتُوا على الإيمان وتقْوى اَللَّه عزَّ وجلَّ . بِنَفس مَنطِق العيْش فِي الجنَّة ومَا يَتَناسَب مَعهَا يُمْكِن القوْل إِنَّ إِبْليس وَحِزبَه كان لَه جسد أَصلِه مِن نار السُّموم عاش بِه فِي الجنَّة بِمَا يَتَناسَب مع العيْش فِيهَا بِهَذه الكيْفيَّة كمَا خلق اَللَّه آدم مِن طِين لَازِب بِمَا يَتَناسَب مع العيْش فِي الجنَّة عليْه السَّلَام وزوْجه فَلمَّا أكْلا مِن الشَّجَرة وهبطوا مِنهَا جميعًا إِلى الأرْض برز الجسد الآدَميُّ بِمَا يَتَناسَب والْعَيْش على الأرْض وَكذَلِك إِبْليس وعالم اَلجِن بَرزَت مِنْهم أجْسادًا أُخرَى تَتَناسَب مع العيْش فِي الأرْض والدَّليل على ذَلِك أَحكَام الطَّهارة والْوضوء لِكلَا الثِّقْليْنِ مِن عَالَم الإنْس وَالجِن كِلاهمَا مُكلَّف بِمَا أمر اَللَّه تَعالَى فِيه كِتابه اَلكرِيم بِمَا يُؤكِّد أنَّ عَالَم اَلجِن كَانَت لَهُم أجْسادًا فِي جَنَّة عَدْن هَبطُوا إِلى الأرْض مِثْل بُنِّي آدم بِبروز أجْسادًا أُخرَى كَانَت مُتوارية عَنهُم أيْضًا مِثْل نَبِي اَللَّه آدم وزوْجه عَليهِما السَّلَام . – فَلمَّا أَغوَى إِبْليس آدم وزوْجه لِيأْكلَا مِن الشَّحْرة نَسَّى آدم أَمْر لِلَّه تَعالَى لَه بِعَدم الاقْتراب مِنهَا مع عِلْم إِبْليس بِذَلك فَلمَّا هَبطُوا إِلى الأرْض تَحوَّل إِبْليس وحزْبه وذرِّيَّته لِأماكن يروْن مِنهَا بُنِي آدم مِن حَيْث لَا يتمكَّنون مِن رُؤْيتِهم كمَا قال تَعالَى عن إِبْليس وقبيله : { إِنَّه يراكم هُو وقبيله مِن حَيْث لَا تروْنَهم } أيْ أَنَّه يَنظُر لِلْإنْسان مِن أَماكِن لَا يُمْكِن لِلْإنْسان أن يَرَاه فِيهَا إِلَّا فِي اَلحُروب فَإِن اَللَّه تَعالَى بَيِّن حُضُورَه وَحِزبَه بِصورَته الأرْضيَّة الدُّنْيويَّة ثُمَّ فِراره هاربًا مِن المعْركة يتْبعه كُفَّار ومنافقي وعصاة بُنِي آدم لِعملِهم أعْمالا تُوَلوه بِهَا مِن قَبْل قال تَعالَى { فَلمَّا تَراءَت الفئتان نكص على عقبيْه وَقَال إِنِّي بريء مِنْكم إِنِّي أرى مالا تروْن أن أَخَاف اَللَّه وَاَللَّه شديد العقَاب – الأنْفال 48 } .

– أيْ أَنَّه بَعْد فِراره مِن زَحْف المؤْمنين يَفِر بَقيَّة حِزْبِه مِن الإنْس مَهمَا حَملُوا مِن أَسلِحة وَعَتاد وَقوَّة وَتَقدَّم عِلْمِي وَتقنِي وَذلِك لِفرار إِبْليس إِمامهم وقائدهم والْمحرِّض لَهُم بعْدمَا يرى الملائكة فَيفِر هاربًا تَارِكا أوْلياؤه وأتْباعه لِلْهلَاك والْحَشْر إِلى النَّار فتتحَطَّم نُفُوس جَيشِه وينْهَار مَهزُوما أَمَام المؤْمنين . وَمِن هُنَا قال تَعالَى فِي المؤْمنين مَهمَا قلَّ عَددُهم وعدتْهم { كم مِن فِئة قَلِيلَة غَلبَت فِئة كَثِيرَة بِإذْن اَللَّه – البقَرة 249 } وعن جسد بنِي آدم الجسد الطِّينيِّ اَلسفْلِي أو السُّوءة اَلتِي هبط بِهَا الإنْسان مِن الجنَّة أَصبَح التَّكاثر فِي الدُّنْيَا بِاجْتماع بَيْن الذَّكر والْأنْثى كمَا فِي قَولِه تَعالَى { وَلقَد خلقْنَا الْإنْسان مِن سُلَالَة مِن طِين ثُمَّ جعلْنَاه نُطفَة فِي قَرَار مكين ثُمَّ خلقنَا النُّطْفة عَلقَة فَخَلقنَا العلَقة مُضغَة فَخَلقنَا اَلمُضغة عِظامًا فَكَسونَا العظَام لَحْمًا ثُمَّ أنْشأْناه خُلُقا آخر فَتَبارَك اَللَّه أَحسَن الخالقين ثُمَّ إِنَّكم بَعْد ذَلِك لَميِّتون ثُمَّ إِنَّكم يَوْم الْقيامة تُبْعثون – المؤْمنون 12 – 16 } .

 6 – أَعمَار أَجسَاد بُنِي آدم ( السُّوءة اَلتِي بَرزَت ويعيشون بِهَا فِي الحيَاة الدُّنْيَا )

 أوَّلا :

 اَلعُمر الزَّمَنيُّ لَلسُوءة اَلتِي بَرزَت ويعيش بِهَا الإنْسان على الأرْض :

اِعْلم أَخِي اَلمسْلِم أنَّ الإنْسان يعيش فِي هذَا العالم وبيْن العوالم بِجسدَيْنِ عُلْوِي مِن طِين وهى نفسه وسوأتـه أو جسده الذي برز بعدما أكل نبي الله آدم وزوجه من الشجرة فأعْمَار السُّوءة اَلتِي بَرزَت بعْدمَا أكل نَبِي اَللَّه آدم وَزوْجَة مِن الشَّجَرة تعيش مَا بَيْن السِّتِّين والْمائة وقد يَمُد لَهَا اَللَّه فِي اَلعُمر قليلا وَلكِن أَطوَل أَعمَار بُنِي آدم كان سَيدُنا نُوح عليْه السَّلَام اَلذِي قال تَعالَى فِيه { فَلبَث فِيهم أَلْف سنة إِلَّا خمْسين عامًا – العنْكبوتَ 14 } . وَيقُول صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ أَعمَار أُمَّتي بَيْن السِّتِّين والسَّبْعين ]

وَهذَا هُو عُمْر السُّوءة اَلتِي يعيش بِهَا الإنْسان على الأرْض قَبْل أن تَخرُج مِنهَا نَفسُه أو جَسدِه الطِّينيِّ اَلعلْوِي اَلذِي كان يعيش بِه فِي جَنَّة عَدْن كمًّا بيِّنًا .

وَالجِن يَنطَبِق عليْه مِن السُّنن نَفْس مَا يَنطَبِق على بُنِّي آدم كمَا قُلنَا عن تَحوُّر جسد إِبْليس لِيعيش بِجَسد يَتَناسَب لِلْعيْش على الأرْض فِي الحيَاة الدُّنْيَا بَعْد طَردِه مِن الجنَّة وبالتَّالي لَه سَوأَة بَرزَت بَعْد نُزوله إِلى الأرْض وَكَان نَفسَه وسوَّأَتْه بَيَّن نار السُّموم وَمارِج مِن نار فَإذَا مات جَسدُه المتحوِّر لِيعيش بِه على الأرْض بَقيَت نَفسُه الأصْليَّة المخْلوقة مِن النَّار وَ هِي مُنَظرَة إِلى يَوْم يبْعثون أيْ أنَّ نَفسَه مازالتْ حَيَّة وجسده يُعذِّب ومسْجون فِي الدُّنْيَا وَعلَى الأرْض لَا تُصعِّد أنَفسَهم ولا أعمالهم لَا هُو ولَا أيَّ أحدًا مِن حِزْبِه اَلمجْرِم ومن كان مُسْلِما مِن اَلجِن فَهُو اَلذِي يَنطَبِق عليْه مِن السُّنن ما انْطَبق على الإنْس مِن فَتْح أَبوَاب السَّمَاء والسُّكْنى بِجَنة عدن كمًّا بيِّنًا

.وهذا عن جسده (سوأته) وأما عن النفس فهى باقية حتى يوم القيامة لا تموت أي أن الإنسان بجسده ونفسه بين أجلين ولذلك يقول تعالى { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا – آل عمران 145 } و مؤجلا لأنها بين أجلين أجل مسمى وأجل مؤجل قال تعالى فيهما : { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون – الأنعام 2 }

والأجل المسمى أجل محدد كقوله تعالى في مدة حمل المرأة { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج – الحج 5 } .

ثانيًا :

 عُمْرُ اَلنَّفْسِ اَلْإِنْسَانِيَّةِ أَوْ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ اَلْمَرْكَبِ دَاخِلَ جَسَدِ اَلْإِنْسَانِ أَوْ سَوْأَتِهِ :

خَلْقُ اَللَّهِ تَعَالَى اَلنَّفْس اَلْإِنْسَانِيَّةِ وَسِوَاهَا وَأَلْهَمَهَا فُجُورُهَا وَتَقْوَاهَا قَبْلَ أَنْ تَرْكَبَ فِي اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ أَوْ اَلسُّوءة اَلْمُنْدَمِجَةَ فِيهَا وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا نَبِيُّ اَللَّهِ آدَمْ وَزَوْجَتُهُ فَقَالَ تَعَالَى فِي خَلْقِ هَذِهِ اَلنَّفْسِ { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا – اَلشَّمْسُ 7 } .

وَهُنَا كَتَبَ اَللَّهُ تَعَالَى فِي اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ كُلُّ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وَكَانَ إِبْلِيسُ حَاضِرًا لِهَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ مِنْ اَلْخُلُقِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ وَنَحْنُ نَسْبَحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ – اَلْبَقَرَةُ 30 } وَهُنَا لِمَا قَالَتْ اَلْمَلَائِكَةَ { أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا } تَصَوُّرُ اَلْكَثِيرِ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَخَاطَبُونَ مَعَ اَلْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ يُنَاقِشُونَه اَلْقَرَارُ سبحانه وتعالى وَهَذَا فَهْمٌ خَاطِئٌ لِكِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى بعْدُ أَنْ قَرَّرَ سبحانه وتعالى بِأَنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيفَةٌ فِي اَلْأَرْضِ قَالَ عز وجل : { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينِ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ – ص 71 – 72 }.

وَهُنَا تَأْتِ مَرْحَلَةُ تَسْوِيَةِ اَلْجَسَدِ ثُمَّ نَفْخَةُ اَلرُّوحِ وَمَعَهَا اَلنَّفْسُ اَلْمَخْلُوقَةُ مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ أَوْ اَلنَّارِ أَوْ بِخَلِيطِ مِنْهُمَا مِمَّنْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرُ سَيِّئًا وَهَذِهِ اَلْمَقَادِيرُ وَمَا سَتَمُرُّ بِهِ اَلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مِنْ أَحْدَاثٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ عَزَّ وَجَلَّ فَكَتَبَ لَهُمْ كُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ مَعَ اَلْأَمْرِ مع نَفْيِ اَلْعَلَمِ بِمَرْحَلَةِ مَا بَعْدَ اَلْقِيَامَةِ عَنْ مَلَّائْكَتَهْ وَكُلَّ خِلْقَةٍ فَقَالَ تَعَالَى : {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ – اَلْوَاقِعَةُ 60-61} وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا عَنْ اَلْجَنَّةِ فِيهَا { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – اَلسَّجْدَةُ 17 } .

وَهَذِهِ اَلْجُزْئِيَّةِ مِنْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ اَلَّتِي لَا يَعْلَمُهَا أَحَدًا إِلَّا اَللَّهُ تَعَالَى مُدْمَجَة فِي نَفْسِ اَلْإِنْسَانِ وَرُوحِهِ لَا يَعْلَمُ عَنْهَا أَحَدُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ – يس 36 } .

وَهُنَا مَا تَنْبُتُ بِهِ اَلْأَرْضُ اَلْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَهُمَا عُنْصُرِيٌّ اَلطِّينِ وَكُنَّ أَنْفُسُهُمْ اَلنُّطْفَةَ بَيْنَ اَلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ جُزْءًا أَحْتَفِظُ اَللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِنَفْسِهِ وَأَمَّا اَلرُّوح فَهِيَ اَلطَّاقَةُ اَلْمُحَرِّكَةُ لِكُلِّ اَلْعَالَمِ بِمَا فِيهَا اَلْإِنْسَانُ نَفْسَهُ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى عَنْ اَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ أَنَّهُ رُوحٌ فَقَالَ تَعَالَى { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتُ تَدْرِي مَا اَلْكِتَابُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نُهْدِي بِهِ مِنْ نَشَأَ – اَلشُّورَى } .

وَلَمَّا كَانَ إِبْلِيسُ حَاضِرًا لِخَلْقِ آدَمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ وَبُنِيَ آدَمْ جَمِيعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمْ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسٌ – اَلْأَعْرَافَ }.

وَلِذَلِكَ لِمَا عَلِمَ إِبْلِيسِ أَوَامِرَ اَللَّهِ تَعَالَى بِعَدَم اَلِاقْتِرَابِ مِنْ اَلشَّجْرُة اَلْمَلْعُونَةَ أَقْسَمَ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ اَلصِّدْقُ وَهُنَا صِدْقُهُ آدَمْ لِذَلِكَ تَابَ اَللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِعِلْمِ آدَمْ أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ وَذُرِّيَّتَهُ مَرْحَلَةً يُخْتَبَرهُمْ اَللَّه تَعَالَى فِيهَا لِيُثِيبِهُمْ أَوْ يُعَاقِبُهُمْ قَالَ تَعَالَى { وِيا آدَمْ اسكُنَّ أَنْتَ وَزُوجَكْ الجَنَّةُ فَكُلًّا مِنْ حَيٌّث شَئتَمَّا وَلَا تَقِرَبًّا هذَهْ الِشَجَرَةِ فَتُكَوِّنَا مِنْ الَظْالِمِين فُوسْوسْ لَهُمَا الِشَيٍّطان لِيبْدِي لَهُمَا مَا ورَيٌّ عَنْهُمَا مِنْ سُوءاتُهَمًا وَقَالَ مَا نَهَاكَمَا رَبّكُمَا عَنْ هذَهْ الِشَجَرَةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكِين أَوْ تَكُونَا مِنْ الخالِدِينِ وَقَاسِمهُمَا إِنِّي لَكُمَا لِمَنْ الَنْاصِحِّيّنَ – اَلْأَعْرَافَ 19 – 21 } .

وَهَذِهِ اَلسُّوءَة عِنْدَ خَلْقِ اَللَّهِ تَعَالَى لِلْجَسَدِ اَلْإِنْسَانِيِّ كَانَ يَعْلَمُ بِأَمْرِ مُوَارْتَهَا عَنْ بُنِّيٍّ آدَمْ فَلَا يَرَوْهَا وَلَا يَعْلَمُونَ عَنْهَا شَيْئًا لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {مَا وَوَرَى عَنْهُمَا} .

وهُنَا بَدَتْ اَلسُّوءَة أَيْ ظَهَرَتْ بَعْد اِخْتِفَاءٍ قَالَ تَعَالَى { فَأَكِّلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآِتِهِمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمْ رَبُّهُ فَغَوَى – طه 121 } وَالسَّوْءَة هُنَا اَلْجَسَدَ كُلَّهُ كَمًّا بَيِّنًا مِنْ قَبْلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتًا أَعْجَزَتْ أَنْ أَكُونَ مِثْل هَذَا اَلْغُرَابِ فَأُوَارِي سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ اَلنَّادِمِينَ – اَلْمَائِدَةِ 31 } وذلك لأن الدفن يكون لكل الجسد وليس العورة فقط وهذه السوءة بين تعالى أنه أنزل لها لباساً يواريها قال تعالى { يابني آدم قد أنزلنا إليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير – الأعراف 26 } .

وَلَاحَظَ هُنَا أن قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إِبْلِيسٍ { ينزع عنهما لباسهما ليرهم سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم – الاعراف 27} أي ليبرز لهما أجسادهم فاستحيا بعضهم من بعض لذلك قال تعالى { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى – طه 121 } .

وهنا يمكن أن نفهم بأن اَلْمَوْتَ ما هو إلا اِنْفِصَالَ اَلسُّوءَة عَنْ اَلْجَسَدِ اَلْإِنْسَانِيِّ اَلْحَقِيقِيِّ اَلْمَخْلُوقِ الذي كان يعيش به في جنة عدن  وهو راجع إليها إن كان من المؤمنين الصالحين أَوْ يرجع إلى النار إن كانوا من كبراء المجرمين ويسجنون فِي سَجِينٍ وَعَنْ جَسَدِ اَلصَّالِحِينَ أو سوءاتهم التي عاشوا بها في الدنيا وَرَدَ فِي اَلْأَحَادِيثِ أَنَّ اَلْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لِهَذِهِ اَلسُّوءَة اَلْمَرَاكَة لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أَنْ أَتْعَبُوهَا وَأُجْهِدُوهَا فِي طَاعَةِ اَللَّهِ بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا تَقُولُ لَهُ اَلْمَلَائِكَةُ [ نَمَّ نَوْمَةَ اَلْعَرُوسِ فِي لَيْلَةِ عُرْسِهَا ] .

ثُمَّ يُصَعِّدُ جَسَدَ اَلطِّينِيِّ اَلْحَقِيقِيِّ إِلَى جَنَّةِ عَدْنِ حَتَّى تَقُومَ اَلسَّاعَةُ وَعَدَنُ هِيَ جَنَّةُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إن وعده كان مأتيا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا – مَرْيَمْ 61-62 } .

وَبَكَرَةٍ وَعَشِيًّا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنْ { اَلنَّارُ يَعْرِضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْم تَقُومُ اَلسَّاعَةُ اُدْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنْ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ – غَافِرٍ 46 } .

وهذا عذاب في الدنيا لقول أهل النار لخزنة جهنم {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب – غافر 49}

ومعلوم أن الله تعالى ليس عنده زمن وهذا بعد فناء الدنيا وميراث الله تعالى للسماوات و الأرض بنفخة الصعق ثم نفخة البعث وبالتالي يوماً من العذاب فور موتهم في الحياة الدنيا حتى يوم القيامة على أجسادهم الطينية التي خلقت من جهنم وإليها يعودون لقوله تعالى { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم – الصافات }.

وأجسادهم هنا الواضح أنها ليس لها قيمة لأنها تشهد عليهم يوم القيامة و الثابت من كتاب الله انها كانت في حالة من النوم فإذا نفخ نفخة البعث قالوا { ياويلتنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلين } وما نسمعه من صراخ لهم في القبور أو نيران إلا لحرق و عذاب أجسادهم الطينينة التي خلقت من طين جهنم حتى أصبحوا لا يعملون في الدنيا إلا بعمل أهل النار .

وَأمَّا الجَنَّة فيمَا بَعْد يوم القيامة فَهِي الفرْدوْس الأعلى ولا يدخلها المؤمنون إلا بعد يوم القيامة وميراث الله تعالى لسماواته وأرضه وذلك لِاقْترانهَا بِلَفظ مِيرَاث فِي قَولِه تَعالَى { الَّذين يَرثُون الْفرْدوْس هُم فِيهَا خالدون } وعن سَوأَة الكافر والْمنافق فلَا عَذَاب عليْهَا إِلَّا فِي الدُّنْيَا فقط وَفِي القبْر لِأنَّهَا شاركتْ فِي مَعصِية اَللَّه ولَا عَذَاب عليْهَا فِي اَلآخِرة لِأنَّهَا سَتكُون مِن الشَّاهديْنِ قال تَعالَى { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون – فَصلَت 20 } .

وَأمَّا عن جسد الكافر والْمنافق المخْلوق مِن طِينة جَهنَّم وَهِي نَفسُه المدْمجة فِي سَوأَتِه فَهذِه هِي اَلتِي تُعذِّب وَقَال تَعالَى فِيهَا { أنَّ الَّذين كَفرُوا بِآياتنَا سَوْف نصليهم نارًا كُلمَا نَضجَت جُلودَهم بدَّلْناهم جُلودًا غَيرُها لِيذوقوا العذَاب إِنَّ اَللَّه كان عزيزًا حكيمًا – النِّسَاء 56 } .ولذلك يقول تعالى في فصلها عن الجسد أو السوؤة بالموت { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون – الأنعام 93 }

وَهذِه هِي أجْسادهم الطِّينيَّة الأصْليَّة وليْستْ سوْآتهم كمًّا بيِّنًا وَهِي والْمرْفقة بِسوآتهْم اَلتِي عَاشُوا بِهَا فِي الحيَاة الدُّنْيَا على الأرضوبعد الشَّهادة على أجْسادهم أو أَنفسِهم المخْلوقة مِن جَهنَّم تَعُود إِلى التُّرَاب بَعْد أن تَشهَد على همِّ يَوْم القيامة ثُمَّ تَرجِع إِلى التُّرَاب وَهنَا يَقُول الكافر والْمنافق { إِنَّا أنْذرْناكم عذابًا قريبًا يَوْم يَنظُر الْمرْء مَا قَدمَت يَدَاه وَيقُول الْكافر يَا لَيتَنِي كُنْت تُرَابا – النَّبأ 40 } فَإذَا أَحيَاه اَللَّه تَعالَى السُّوءة لِلشَّهادة كشف عَنهَا الغطَاء إِنَّ كَانَت مِن الأنْفس اللَّوَّامة اَلتِي خَلطَت عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا فَإذَا أحْياهَا اَللَّه تَعالَى بُعْد نوْمهَا فِي اَلقُبور وقالوا { ياويلتنَا مِن بعثْنَا مِن مَرقدِنا هذَا مَا وعد اَللَّه وَصدَّق المرْسلون – يس } وَهنَا يظنُّون أَنهُم لَبثُوا فِي الدُّنْيَا مُنْذ اَلخُلق الأوَّل إِلى البعْث أَنهَا سَاعَة مِن نَهَار أو يوْمًا أو بَعْض يَوْم قال تَعالَى { ويوْم يُقسِّم المجْرمون مالْبثْوَا غَيْر سَاعَة كَذلِك كَانُوا يؤْفكون – الرُّوم 55 } وَقَال تَعالَى { قال كم لَبثْتم فِي الْأرْض عدد سِنين قَالُوا لِبثِّنَا يوْمًا أو بَعْض يَوْم فاسْأل العاديِّين قال إِنَّ لَبثْتم إِلَّا قليلا ? لَو أَنكُم كُنتُم تعْلمون – المؤْمنون 112 – 114 } .

وَبُعد الشَّهادة على أَنفسِهم يعودون إِلى التُّرَاب كمًّا بيِّنًا وَحينِها يَتَمنَّى الكافر أن يَكُون تُرَابا أو يكونون مِثْل الحيوانات اَلتِي يَقضِي بيْنهَا اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى ثُمَّ يَقُول فِيهم كَونِي تُرَابا كمَا فِي الأحاديث الشَّريفة اَلتِي ذكرهَا اَلنبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه وَهنَا يَقُول الكافر { يَليتْنِي كُنْت تُرَابا – النَّبأ 40}  .والتراب أحد عناصر الخلق الإنساني والإنسان لم يخلق إلا من تراب مخلوط بالماء وهو الططين أي أنه سيتمنى أن يفكك الله تعالى خلقه ولم يكن شيئا مذكورا كما قالت السيدة مريم عليها السلام { ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا- مريم 23 } والموت تحلل الجسد إلى تراب وهذا ما يتمناه أهل النار في قولهم { ياليتني كنت ترابا }

وبالتالي يتبين لنا من كتاب الله تعالى أن الإنسان بين أجلين الأول خاص بسوءته ومدة مكتثها في الدنيا بين الستين والسبعين وقد تمتد للمائة أو بعدها بقليل وهذا الأجل بعد موت هذه السووءة يكون لقاء الله كما قال تعالى {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم – العنكبوت 5 } والأجل الثاني لنفسه التي لا تموت وتبقى حتى يوم القيامة والحساب وهذين الأجلين قال تعالى فيهما  { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون – الأنعام 60 } وهوأجل قال تعالى فيه أيضاً { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون – الزمر 42 }

والأجل الثاني لنفسه أو لجسده الطيني العلوي الذي عاش به في جنة عدن وهذا الجسد لا يموت و أجله مع قيام الساعة لقوله تعالى في حركة الشمس والقمر وتوقفهما مع القيامة وهو الأجل الذي قال تعالى فيه { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى – الرعد 2 }  .

وبالتالي هذا الأجل المسمى يوم القيامة لقوله تعالى { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير – لقمان 29 }  ونهاية هذه النفس مع القيامة ليبعث الله تعالى الجسد والنفس للحساب ثم النشأة في خلق جديد لا يعلمون عنه شيئاً وقال تعالى فيه { على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون – الواقعة 61 } وهذا الأجل هو المقصود عندما قال تعالى عن سيدنا يونس لو مات في بطنه لظل فيه إلى يوم يبعثون فقال تعالى { فلولاأنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون – الصافات 143-144 }

جسد طِينيٍّ وَنفسِه المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة أو النَّار وكلاهمَا لَه عُمْر مُحدَّد وقد تَمتَد أَعمَار أَهْل بَيْت اَلنبِي عَليهِم السَّلَام إِلى مَا حَوْل المائة عامٍّ وَيقُول تَعالَى هُنَا فِي هَذِه الأعْمار أَنهَا تَطُول بِطاعة اَللَّه وبرِّ الوالديْنِ وَصَلات الرَّحَّام والأعمال الصالحة و تنْقص بِعصْيَان اَللَّه و قطْع الرَّحَّام لَذْلك يَقُول تَعالَى { وَاَللَّه خلْقكم مِن تُرَاب ثُمَّ مِن نُطفَة ثُمَّ جعلكم أزْواجًا ومَا تَحمِل مِن أُنثَى ولَا تضع إِلَّا بِعلْمه ومَا يُعمِّر مِن مُعمِّر ولَا يَنقُص مِن عُمْرِه إِلَّا فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِك على اَللَّه يسير – فَاطِر 11 } .

وهذا الكتاب في الدنيا هو القرآن الكريم فإذا مات رأي أهل الجنة والنار ممن وردت قصصهم في كتاب الله بالحياة الدنيا وهنا يكون العبد قد انتقل من مرحلة العمل بالكتاب إلى مرحلة أم الكتاب وهو كتاب الكون والسماء وما كتبه الله تعالى فيها كما في قوله تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون }  وما في السماء إلا ما هو كائن إلى يوم القيامة و منه الحروف المقطعة التي فيها مراد الله تعالى  .

 عَالَم اَلجِن تَطابُق الأحْكام الفهِّيَّة بيْنهم وبيْن الإنْس :

قال تَعالَى : { سُبْحان الَّذي خلق الْأزْواج كُلهَا مِمَّا تُنْبِت الْأرْض وَمِن أَنفسِهم وَممَّا لَا يعْلمون – يس } وَممَّا تَنبُت الأرْض هُو اَلْماء والتُّراب ومنْه خَلْق اَللَّه تَعالَى الجسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي الأوَّل اَلذِي عاش بِه آدم فِي جَنَّة عَدْن ومنْه بِرْززتْ السُّوءة اَلتِي نعييش بِهَا فِي الحيَاة الدُّنْيَا وَكذَلِك إِبْليس وقد كان خَلْق مِن قَبْل مِن النَّار السُّموم قال تَعالَى { والْجَانَّ خلقْنَاه مِن قَبْل مِن نار السَّموم } وَهِي أَنفسِهم المودعة فِي أَجسَاد مَخلُوقة مِن مَارِج مِن نارٍ قال تَعالَى { خلق الْإنْسان مِن صَلْصال كالْفخَّار وَخلَق الْجانَّ مِن مَارِج مِن نارٍ – الرَّحْمن 14 – 15 }

وَهنَا خَلْق اَلْجان مِن مَارِج النَّار وَهذِه هِي أَجسَاد الإنْس وَالجِن اَلتِي عَاشُوا بِهَا فِي جَنَّة عَدْن فَلمَّا هَبطُوا جميعًا وَتَحورَت أجْسادهم بِمَا يَتَناسَب والْعَيْش فِي الحيَاة الدُّنْيَا بِجَسد يَستوْجِب اَلغُسل والنَّظافة لِكلَا الثِّقْليْنِ ثُمَّ أصْبحوا يتناسلون بِالْجماع والنِّكاح لِقوْله تَعالَى فِي بَنِي آدم { يَا أَيهَا النَّاس اِتَّقوْا رَبكُم اَلذِي خلقكم مِن نَفْس وَاحِدة وخلْق مِنهَا زَوجُها وبثَّ مِنْهمَا رِجالا كثيرًا ونساء واتَّقَوْا اَللَّه اَلذِي تْساءلون بِه والْأرْحام إِنَّ اَللَّه كان عليْكم رقيبًا – النِّسَاء 1 }

وَكمَا بثَّ مِن آدم وزوْجه ذُكورًا وإناثًا بِالنِّكاح كَذلِك حدث مع اَلجِن وَلذَلِك قال تَعالَى فِي إِبْليس وذرِّيَّته { وَإِذ قُلنَا لِلْملائكة اُسْجُدوا لِآدم فسجدوا إِلَّا إِبْليس كان مِن اَلجِن فَفسَق عن أَمْر رَبِّه أفتتخذونه وذرِّيَّته أَولِياء مِن دُوني وَهُم لَكُم عَدُو بِئْس لِلظَّالمين بدلا – الكهْف 50 } .

وبالتَّالي يَنطَبِق على اَلجِن مِن السُّنن نَفْس مَا يَنطَبِق على بُنِّي آدم كمَا قُلنَا مِن تَحوُّر أَجسَاد إِبْليس وذرِّيَّته بِجَسد يَتَناسَب لِلْعيْش على الأرْض بَعْد طَردِه وَهبُوطه وَنبِي اَللَّه آدم وزوْجه عَليهِما السَّلَام مِن الجنَّة وبالتَّالي لَه وَللجِن أيْضًا مِن ذُرِّيَّته سَوأَة بَرزَت بَعْد الطَّرْد إِلى الأرْض وَلهَا أَعمَار كأعْمَار بُنِّي آدم وقد تَطُول أو تَقصُر وَلكِن أجْسادهم تَمُوت وتصعِّد أيْضًا أَنفُس المؤْمنين لِلَّجْنة مِنْهم كَبنَي آدم وَذلِك لِأنَّ اَلقُرآن اَلكرِيم لِلثِّقْليْنِ الإنْس وَالجِن وَسنَن اَللَّه عَليهِما وَاحِدة ومن كان مِنْهم كافرًا سِجْن فِي سجين وِبْرهوتْ بِالْأَرْض السَّابعة كُلٌّ على حسب درْكته فِي جَهنَّم ولَا تُصعِّد نَفسَه ولَا رُوحَه إِلى السَّمَاء . وبالتَّالي أَنفُسهم الأصْليَّة قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض والْمخْلوقة مِن النَّار مازالتْ حَيَّة وتعيش مُؤمنهَا فِي جَنَّة عَدْن وكافرهَا مَسجُون بِالْأَرْض كمًّا بيِّنًا .

وَهنَا أَنزَل اَللَّه تَعالَى كُتُبه السَّماويَّة وَرسلِه وخاتمهَا اَلقُرآن اَلكرِيم اَلمنْزِل على خَاتَم النَّبيَّيْنِ لِكلَا الثِّقْليْنِ مِن الإنْس وَالجِن لِلثِّقْليْنِ وفيه وأوامر اَللَّه تَعالَى اَلتِي فِيهَا صَلَاح دُنْياهم وأخْراهم فَإِن مَاتُوا بدتْ أَنفُسهم المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة أو نار السُّموم وَالتِي كَانُوا يعيشون بِهَا فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض إِنَّ كَانُوا صَالحِين وَإِن كَانُوا مُجْرمِين سجنتْهم الملائكة فِي سجين بِالْأَرْض السَّابعة أو بِمَا يَتَناسَب وحجْم جريمتهم بَيْن الأراضين السَّبْعة .

 

 

 

اَلْفَصْل اَلثَّالِثِ :

 اَلْأَطْوَارُ اَلْأَرْبَعَةُ لِخَلْقِ اَلثِّقْلَيْنِ مِنْ اَلْعَدَمِ حَتَّى رُجُوعِهِمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ في قَوْلِهِ تَعَالَى ( اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتُ اَلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً ) :

( أ ) اَلنَّشْأَةُ اَلْأُولَى من خلال قوله تعالى (اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ ليبلوكم) :

 اَلْأَطْوَارُ اَلْأَرْبَعَةُ لِلثِّقْلَيْنِ بَيْنِ :

  • مَرْحَلَةِ اَلْعَدَمِ قال تعالى { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا }
  • ثُمَّ الطور الثاني وهو خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ اَلنُّورِ والنَّارِ ثم إرفاق هذه الأنفس بالأجساد الطينية الحقيقية سواء كانت من طينة الجنة أو النار في جنة عدن مع إلهام كل نفس بالبصيرة الخير والشر .
  • ثُمَّ اَلْهُبُوطِ إِلَى اَلْأَرْضِ فِي اَلطور الثالث من النشأة باَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا بَعْدَ دُخُولِ أنفسهم في سوءاتهم ببطون الأمهات ثم الخروج للدنيا للإختبار والإبتلاء كما قال تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} وهذا الإبتلاء بدأ في جنة عدن ثم الهبوط إلى الأرض .
  • ثُمَّ اَلطَّوْرِ اَلرابع فِي الخَلْقٍ لتخرج أنفسهم من سواءتهم وهى أجسادهم الطينية التي عاشوا بها في جنة عدن إن كانوا صالحين أو سجنهم في سجين وبرهوت بالأرض السابعة إن كانوا كافرين وهذه هى أطوار حياة الإنس والجن من الخلق الأول حتى الخلق الآخر بين حياتين قال تعالى فيهما  { اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً – اَلْمَلِكِ 2 } .
  • ثم بعد يوم القيامة يخلقون خلقاً جديداً في نشأة نفى الله تعالى العلم بها كما قال تعالى { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ – الواقعة 60-62 } .

وَهُنَا بَيْنَ اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَبَيْنَ هَذَيْنِ اَلْكَوْنَيْنِ اَلْمُتَدَاخِلِينَ بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا كَمًّا بَيِّنًا يَعِيشُ اَلْإِنْسُ وَالْجِنُّ فِي أَطْوَارًا بَيْنَ اَلْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالِانْتِقَالِ بَيْنَ اَلْعَوَالِمِ وَالْأَكْوَانِ قَالَ قَالَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ : { اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً – اَلْمَلِكِ 2 } .

– يَقُولَ تَعَالَى

{ اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً – اَلْمَلِكِ 2 }

وَهُنَا :

 ( اَلَّذِي خَلَقَ )

وَهَذِهِ اَلْآيَةُ تَبَيَّنَ أَنَّ اَلْمَوْتَ مَخْلُوقٌ وَالْحَيَاةُ أَيْضًا مَخْلُوق يَتَنَقَّلُ اَلْإِنْسَانُ فِي أَطْوَارْ بَيْنَهُمَا قَالَ تَعَالَى { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا – نُوحْ 13 – 14 } وَهَذِهِ اَلْأَطْوَارُ فَضْلاً عَنْ كَوَّنَهَا أَطْوَارْ فِي بُطُونِ اَلْأُمَّهَاتِ بَيْنَ اَلنُّطْفَةِ وَالْمُضْغَة وَالْعَلَقَةُ إِلَّا أَنَّ خَلَقَ الْإِنْسَانَ لَهُ أَطْوَارْ أُخْرَى كما بينا مِنْ اَلْعَدَمِ ثم في جنة عدن بالأجساد الحقيقية من طينة الجنة أو النار ثم الهبوط وبروز السوءة وهنا حدث الخلط عند العلماء بين الجسد والسوءة فرفعت علوم وأفهام حقيقية عن القرآن وهذا ما وضحناه هنا  ثم الرجوع إلى الله تعالى بالموت قال تعالى : { وَهُوَ خَلْقُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ وَإِلَيْهِ تَرْجِعُونَ – فَصَلَتْ 21 } ولذلك قال تعالى { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا – نُوحْ 14 } وهذه الأطوار ليتنقل بها بين عالم الموت والحياة .

– وَطَوْرُهُ الأول بَدَأَهُ اَللَّهُ تَعَالَى مِنْ اَلْعَدَمِ و مِنْ اللَا شَيْءً  في مرحلة ماقبل اَلطَّوْرِ اَلْأَوَّلِ والتي قال تعالى فيها  { هَلْ أَتَى عَلَى اَلْإِنْسَانِ حِينَ مَنَّ اَلدَّهْرُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا – اَلْإِنْسَانَ 1 } وَلِذَلِكَ يَقُولُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّ اَللَّهِ زَكَرِيَّا وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْ قِبَلِهِ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ { قَالَ رَبِّي أَنَّى يَكُون لِي غُلَامْ وَكَانَتْ اِمْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغَتْ مِنْ اَلْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذْلَكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلِي هِينْ وَقَدْ خَلَقْتُكُ مِنْ قَبْلُ وَلَمُّ تَكُ شَيْئًا – مَرْيَمْ 8 – 9 }

فَلَمَّا أَصْبَحَ شَيْئًا مَذْكُورًا خُلُقُهُ مِنْ مَاءِ وَطِينِ خَلْطِ بِهُمَا شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اَللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ تَعَالَى { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ – يس 36}

و قَالَ تَعَالَى فِي خَلْقِ كُلِّ اَلْمَخْلُوقَاتِ بِأَنْوَاعِهَا { وَاَللَّهُ خَلْقُ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءِ فَمِنْهُمْ مِنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنُهُ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمْشِي عَلَى رَجُلَيْنِ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٌ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ قَدِيرٍ – اَلنُّورِ 45 } .

وَقَالَ تَعَالَى { وَهُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنْ اَلْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نِسَبًا وَصِهْرًا – اَلْفُرْقَانُ 54 } ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى خَلْقٌ بُنِيَ آدَمْ خَاصَّةٍ مِنْ طِينِ وَهُوَ خَلِيطُ مِنْ اَلْمَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } وَقَدْ خَلْطِهِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتُّرَابِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ – اَلرُّومُ 20 } ثُمَّ قَضَى فِي هَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ آجَالَ اَلْعِبَادِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَّلَ مُسَمَّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونْ – اَلْأَنْعَامُ 2 } ثُمَّ تَحَوَّلَ اَلطِّينَ إِلَى صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَهُوَ اَلْوَارِدُ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وخلق الجان من مارج من نار – اَلرَّحْمَنَ 14 } .

[ وَصَلْصَالٍ : بِمَعْنَى اَلطِّينِ اَلْجَافِّ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُ اَلنَّارُ وَيَصِيرُ فَخَّارًا وَخَزَفًا فَهُوَ طِينٌ يَابِسٍ – مُعْجَمِ أَلْفَاظِ اَلْقُرْآنِ بَابَ اَلصَّادِ فَصْلَ اَللَّامَ وَالصَّاد وَاللَّامِ ] وَقَالَ تَعَالَى { وَلَقَدْ خَلَقَنَا اَلْإِنْسَانُ مِنْ صَلْصَالِ مِنْ حَمَأٍ مُسِنُّونَ – اَلْحَجْرَ 26 }

وَفِي هَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ وَهَذَا اَلطَّوْرُ مِنْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ مَاءِ وَتُرَابِ وَتَحَوُّلِهِمَا إِلَى طِينٍ لَازِبٍ { فَاسْتَفْتَهُمْ أَهَمّ أَشَدَّ خُلُقًا أَمْ مِنْ خَلَقَنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ – اَلصَّافَّاتِ 11 }

[ وَإِنَّمَا وَصَفَهُ جُلُّ ثَنَاؤُهُ بَالْلَزُوبْ ، لِأَنَّهُ تُرَابٌ مَخْلُوطٌ بِمَاءٍ – تَفْسِيرِ اَلطَّبَرِي ]

ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ عَامِلَ ثَالِثٍ وَشَيْئًا آخَر غَيْرَ اَلرُّوحِ اِحْتَكَرَهُ اَللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ كَسْرَ مِنْ أَسْرَارِ اَلصَّنْعَةِ اَلْإِلَهِيَّةِ لِهَذَا اَلْإِنْسَانِ اَلْمَخْلُوقِ اَلْمُعْجِزَةِ اَلْمُكَرَّمِ عَلَى جَمِيعِ اَلْمَخْلُوقَاتِ قَالَ تَعَالَى فِيهِ { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ – يس 36 } ولما أصبح شيئاً مذكوراً وخلق الخلق سبحانه وتعالى أعد لبني آدم ومعهم الصالحين من الجن جنة عدن لأنهم خلقوا من قبل بني آدم عليه السلام كما في قوله تعالى  { والجان خلقناه من قبل من نار السموم } وقال تعالى في هذه الجنة أنها بمثابة استراحة حتى يوم البعث ومقدمة للهبوط إلى الإرض والإمتحان والإبتلاء لهم من الله تعالى في الحياة الدنيا قال تعالى في هذه الجنة { جَنَّاتْ عَدَن اَلَّتِي وَعَدَ اَلرَّحِمُن عِبَادُهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتْيَا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا – مَرْيَمْ 61 – 62 } .

و قَدْ أَعَدَّ اَللَّهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ في هذه الجَنَّةَ كل مَّا يَحْتَاجُهُ ويشتهيه لذلك يقول تعالى لآدم عليه السلام { إنك لا تجوع فيها ولا تعرى ولاتظمأ فيها ولا تضحى – طه }  .

وهذه هى جنة الحياة الدنيا لأن لفظ بكْرَةٌ وَعَشِيًّا تُؤَكِّدُ أَنَّهَا جَنَّةُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا لقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ لفظي بكرة وعشيا وفرعون وعذابه في النار مابقى في الحياة الدنيا { اَلنَّارُ يَعْرِضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْم تَقُومُ اَلسَّاعَةُ اُدْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنْ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ – غَافِرٍ 46 }  .

وَفِي هَذَا اَلطَّوْرِ مِنْ اَلْخُلُقِ الأول خَلْقَ اَللَّهِ تَعَالَى لِآدَمْ زَوْجَتَهُ لِتُؤْنِسِهُ فِي حَيَاتِهِ اَلدُّنْيَا وَتَعَاوُنِهِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ تَعَالَى وَفِيٌّ أُمُورِ اَلدُّنْيَا وَجَعْلِ اَللَّهِ تَعَالَى بَيْنهُمَا مَوَدَّةُ وَرَحْمَةُ بِحَيْثُ لَا تَسْكُنُ نَفْسَيْهِمَا إِلَّا مَعًا قَالَ تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّ خَلْقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعْلِ بَيْنِكُمْ مَوَدَّةُ وَرَحْمَةُ إِنَّ فِي ذلَكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ – اَلرُّومُ 21 } .

وَقَدْ أَعَدَّ اَللَّهُ تَعَالَى هَذَا اَلْكَوْنِ وَهَيْئَةٍ مِنْ قَبْلُ خَلْقِ آدَمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ وَأَعَدَّ لَبَنِيٌّ آدَمْ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَهُ فِي كَوَّنَ خَارِجَ هَذَا اَلْكَوْنِ قَالَ تَعَالَى { إِنَّ رَبَّكُمْ اَللَّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ يُغْشِي اَللَّيْلُ اَلنَّهَارُ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومِ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ إِلَّا لَهُ اَلْخُلُقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبَّ اَلْعَالَمَيْنِ – اَلْأَعْرَافَ 54 } .

ثَمَّ رَفْعُ اَللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ اَلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمْدٍ تَرَى بِالْعَيْنِ المجردة كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { خَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمْدٍ تَرَوْنَهَا – لُقْمَانْ 10 } وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا { اَللَّهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمْدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ وَسَخِرَ اَلشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًى يُدَبِّرُ اَلْأَمْرُ يَفْصِلُ اَلْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ – اَلرَّعْدُ 2 } .

وَهَذِهِ اَلسَّمَاوَاتُ سَبْعَ سَمَاوَاتِ طِبَاقًا قَالَ تَعَالَى فِيهَا : { اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتِ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ اَلرَّحِمِن مِنْ تَفَاوُتِ فَارْجِعْ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ – اَلْمَلِكِ 3 } .

و هَذِهِ اَلسَّمَاوَاتِ اَللَّا نِهَائِيَّةٍ زينها الله تعالى بالكواكب للناظرين قال تعالى { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ } أَيْ أَنَّ هَذِهِ هِيَ سَمَاءُ وَأَرْضُ اَلدُّنْيَا اَلَّتِي هَبَطَ فِيهَا آدَمْ وَزَوْجُهُ وَإِبْلِيسُ مِنْ اَلْجَنَّةِ .

وَفِي هَذِهِ اَلسَّمَاءِ قَدْرَ اَللَّهِ تَعَالَى فِيهَا اَلزَّمَنُ وَسَاعَاتُ اَللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي اِثْنَتَيْ عَشْرًا شَهْرًا لِيَعْلَمَ عَدَدُ اَلسِّنِينَ وَالْحِسَابُ قَالَ تَعَالَى { إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلْقِ اَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حَرَمِ ذلَكَ اَلدِّينُ اَلْقِيَمَ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسُكُمْ – اَلتَّوْبَةَ 36 }

وبالتالي لما خلق الله تعالى السماوات والأرض و جنة عدن ثم الهبوط إلى الأرض وضع في جسد الإنسان أو سوءته نفسه أو جسده الطيني الأصلي يعيش بهما وفقاً لسنن وضعها الله تعالى للعيش في كلا العالمين وملا الكونين و أصبح هَذَا اَلْكَوْنِ اَللَّا نِهَائِيٍّ ما هو إلا بَوَّابَةً لِلْعَالَمِ اَلْآخَرِ والتي هى متوارية بداخلة وتتحرك الأبدان والأنفس أو السوءات والأنفس بينهما بما يتناسب مع كل طور من الأطوار سواء كانوا إنساً أو جن وفي الحياة الدنيا ما هذه السوءات إلا المانع الحقيقي للوصول إلى العيش في الطور الآخر وهو الجنة  و مادة الحياة فيها الماء والنور وهما عنصران لا يدركهما العبد في الحياة الدنيا إلا بالتقوى والعمل الصالح كما في قوله تعالى قال تعالى { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ – الأعراف 26 } .

( ب ) ثَلَاثُ أَوَامِرَ إِلَهِيَّةٍ أَمْرَ اَللَّهِ تَعَالَى عِبَادَة بِهَا فِي جَنَّةِ عَدْنِ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمْ وَزَوْجُهُ عَلَيْهِمَا اَلسَّلَامُ :

وَفِي هَذَا اَلطَّوْرِ مِنْ اَلْخُلُقِ حَذَّرَهُ اَللَّهُ تَعَالَى وَزَوْجَتهَ مِنْ أُمُورِ إلهية ثَلَاثٍ يَتَعَبَّدُونَ بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى :

 وَهنا فِي هَذَا اَلطَّوْرِ بعد أن خَلْقَ اَللَّهِ تَعَالَى لِآدَمْ زَوْجَةُ تُؤْنِسِهُ فِي حَيَاتِهِ اَلدُّنْيَا وَتَكُونُ مُعَيَّنَةً لَهُ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ تبارك وتعالى وَأَعْبَاءِ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا والمكابدة فيها فيما بعد وقد وَجَعْلِ اَللَّهِ تَعَالَى بَيْنهُمَا مَوَدَّةُ وَرَحْمَةُ بِحَيْثُ لَا تَسْكُنُ نَفْسَيْهِمَا إِلَّا مَعًا قَالَ تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّ خَلْقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعْلِ بَيْنِكُمْ مَوَدَّةُ وَرَحْمَةُ إِنَّ فِي ذلَكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ – اَلرُّومُ 21 } .

ثم أمرهم الله تعالى بثلاث أوامر لا رابع لهم وهى :

  • أنه ما خلقهم الله تعالى إلا لعبادته كما في قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ – اَلذَّارِيَاتِ 56 }
  • التحذير من أن يأكلا من الشجرة الملعونة كما في قوله تعالى . { وَقُلْنَا يَا آدَمْ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ اَلْجَنَّةُ وَكُلًّا مِنْهَا رَغْدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقَرُّبًا هذَهْ اَلشَّجَرَةُ فَتَكَوَّنَا مِنْ اَلظَّالِمِينَ – اَلْبَقَرَةِ 35 } .
  • اَلتَّحْذِيرَ مِنْ إِبْلِيسِ لِأَنَّهُ عَدُوّ لَهُ وَلِزَوْجِهِ وَإِنْ أَطَاعَهُ فَسَيُخْرَجُهُ مِنْ اَلْجَنَّةِ فَيَشْقَى قَالَ تَعَالَى { فَقُلْنَا يَا آدَمْ إِنَّ هذَا عَدُوِّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يَخِرْجَنْكَمَا مِنْ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعَرَّى  وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تُضَحِّي فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ اَلشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمْ هَلْ أُدَلِّكُ عَلَى شَجَرَةُ اَلْخُلْدِ وَمَلِكٍ لَا يَبْلَى فَأَكِلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآِتِهِمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَى  آدَمْ رَبُّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهُدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوِّ فَإِمَّا يَأْتِينَكُمْ مِنِّي هُدَى فَمِنْ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يُضِلُّ وَلَا يَشْقَى – طه 117 – 123 } .

وَفِي هَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ قلنا إن إبليس كان يعلم بما توارى عنهما من سوءاتهما إذا عصيا الله تعالى فلما أكلا بدت لهما أجسادهما بما تحويه من مخرجات كالدم والمخاط والبول والبراز والصماخ وهنا تغيرت السنن ولا يمكن أن يعيشا بهذه السوءة في الجنة ولذلك هبطوا منها جميعاً للأرض وهنا :

ظهرت سنن جديدة لبني آدم تحتاج أوامر إلهية جديدة كأحكام الطهارة من النجاسات وأحكام الجهاد والدفاع والمواريث والأمر بالمعروف والنهي عنن المنكر لاختفاء أنفس السوء والشياطين داخل هذه السوءة (الأجساد) وكل هذه الأحكام التي سيحتاجها المؤمن أنزلها الله تبارك وتعالى في القرآن المدني لهذا السبب بعد هبوط الإنسان إلى الأرض بعد أن كان يتعبد في الجنة بثلاثة أوامر إلهية فقط و هذا سبب ورود قصة الخلق الأول بالسور المكية وبعد الهبوط إلى الأرض واختفاء أنفس السوء والشياطين بداخل سوءة لا يعلم عنها البشر شيئاً إلا من خلال المعاملة فهنا كان القرآن المدني منظماً لأحوال الإنسان بالحياة الدنيا ليعرف كلاً منهما الآخر من خلال عمله وأخلاقه .

 (ج) تفاصيل الأوامر الإلهية الثلاثة :

وَفِي هَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ وَهَذَا اَلطَّوْرُ فِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ مَاءِ وَتُرَابِ وَتَحَوُّلِهِمَا إِلَى طِينٍ لَازِبٍ قَالَ تَعَالَى { فَاسْتَفْتَهُمْ أَهَمّ أَشَدَّ خُلُقًا أَمْ مِنْ خَلَقَنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ – اَلصَّافَّاتِ 11 } [ وَإِنَّمَا وَصَفَهُ جُلُّ ثَنَاؤُهُ بَالْلَزُوبْ ، لِأَنَّهُ تُرَابٌ مَخْلُوطٌ بِمَاءٍ – تَفْسِيرِ اَلطَّبَرِي ]

أُضِيفَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ عَامِلَ ثَالِثٍ وَشَيْئًا آخَر غَيْرَ اَلرُّوحِ اِحْتَكَرَهُ اَللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ كما بينا من قبل في قوله تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ – يس 36 } .فإذا كان يوم القيامة أنشأهم في خلق جديد فيما لا يعلمون قَالَ تَعَالَى { وَنُنْشَأُكُمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ } وَفِيهَا أَعَدَّ اَللَّهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ مُالَّا يَعْلَمُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَلَا تَعَلُّمَ نَفْسِ مَا أَخْفَى لَهُمْ مِنْ قُرَّةَ أَعْيُنَ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .

وَلِذَلِكَ قَالَ اِبْنْ عَبَّاسْ رَضِيَ اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا : [ لَا يَعْرِفُ مِنْ فَاكِهَةِ اَلْجَنَّةِ إِلَّا اَلْأَسْمَاءَ فَقَطْ . . اَلْحَدِيثُ ] . ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ تَعَالَى وَأَسْكَنَهُ جَنَّاتْ عَدَن كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { جَنَّاتْ عَدَن اَلَّتِي وَعَدَ اَلرَّحِمُن عِبَادُهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتْيَا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا – مَرْيَمْ 61 – 62 } وَكَانَ قَدْ خَلَقَ عَزَّ وَجَلَّ اَلْجَانُّ مِنْ قَبْلُ كَمًّا بَيِّنًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ } .

 وَفِي هَذَا اَلطَّوْرِ مِنْ اَلْخُلُقِ حَذَّرَهُ اَللَّهُ تَعَالَى وَزَوْجَتهَ مِنْ أُمُورِ ثَلَاثٍ يَتَعَبَّدُونَ وهى الصلاة والعبادة كما بينا وعدم الإقتراب من الشجرة واتخاذ إبليس عدواً لأنه عدواً لله وعدوا لهما ولكل بني آدم :

وَالسُّؤَالُ هُنَا لِمَا هَبَطُوا إِلَى اَلْأَرْضِ كَيْفَ اِلْتَقَى اَلثَّلَاثَةُ إِلَّا إِذَا كَانُوا يَبْحَثُونَ جَمِيعًا عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَلَمَّا هَبَطُوا إِلَى اَلْأَرْضِ حَدَثَ اَلتَّحَوُّرُ وَالِاخْتِفَاءُ لِإِبْلِيسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ أَنَا جَعَلَنَا اَلشَّيَاطِينُ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ – اَلْأَعْرَافُ 27 }

وَلَاحَظَ هُنَا كَلِمَةَ قَبِيلَهُ أَيْ أَنَّ لَهُ قَبِيلَةٌ كَانَتْ مَسْجُونَةً فِي اَلْأَرْضِ من قبل و هم كفار وعصاة ماقبل خلق آدم وزوجه عليهما السلام  لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ } أَيْ أَنَّ اَلْجِنَّ خَلَقُوا قَبْلُ اَلْإِنْسِ وَمِنْ عَصَى اَللَّهُ تبارك وتَعَالَى فِيهِمْ سجن في الأرض بسجين قِبَلِ الهَبَوطَ  فَكَانَ لَهُ قَبِيلَةٌ من العصاة ألحق بها كَمَا قَالَ تَعَالَى عن هذه القبيلة من أمم سابقة من الجن وذريته معهم  لقَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ اَلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ بِهِ } وَمِنْ هُنَا أَصْبَحَتْ لَهُ قَبِيلَةٌ وَزَوْجَةٌ وَذَرِّيَّةٌ قال تعالى فيهم { أَفَتِتَخَذُونَهْ وَذُرِّيَّتُهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً – اَلْكَهْفَ } .

وَأَصْبَحَ هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ لا دَوْرُهُمْ لهم فِي اَلْحَيَاةِ الدنيا إلا اَلْإِغْوَاءُ وَالْوَسْوَسَةُ وَالتَّحْرِيضُ عَلَى اَلْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى والفسوق والعصيان وَسَفْكَ اَلدِّمَاءِ وِكَانْتِ أولْ جَرِيمَةً عَلَى اَلْأَرْضِ بَيْنَ اِبْنِي آدَمْ حَيْثُ قُتِلَ قَابِيلْ أَخَاهُ هَابِيلْ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ وَرَاءِ هَذَا اَلتَّحْرِيضِ اَلشَّيْطَانِيِّ فَيُؤَوِّلُ مُهِمَّةً نَجَحَ فِيهَا عَلَى اَلْأَرْضِ كَمَا بَيَّنَتْ كُتُبُ اَللَّهِ تَعَالَى اَلسَّمَاوِيَّة أَنَّ دَوْرَ اَلشَّيْطَانِ هُوَ اَلْغَوَايَةُ لَبَنِيٌّ آدَمْ وَالْإِيقَاعُ بِهُمْ فِي اَلْكَبَائِرِ مِنْ اَلْمُنَظِّرِينَ فَكَانَتْ أَوَّلَ كَبِيرَةٍ مِنْهُ أَنْ جَعَلَ أَخَوَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرُ وَيَظَلّ هَكَذَا مِنْ اَلْمُنَظِّرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ فَإِنَّ مَاتَ جَسَدُهُ اَلْمَخْلُوقُ مِنْ اَلنَّارِ فَإِنَّ نَفْسَهُ بَاقِيَةً لَا تَمُوتُ وَهِيَ مَسْجُونَةٌ وَأَنْفُسُ اَلشَّيَاطِينِ فِي سَجِينٍ بِالْأَرْضِ اَلسَّابِعَةِ اَلسَّفَلَى كَمَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى [ ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) . .

[ عَنْ اَلْبَرَاءْ بْنْ عَازِبْ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : ” سَجِينٌ : أَسْفَلَ سَبْع أَرْضِينَ ” – تَفْسِيرَ اَلْبُرْهَانِ لِلسَّيِّدِ هَاشِمْ اَلْبَحْرَانِيّ  ] .

وَسَجِين هُنَا بِالْأَرْضِ اَلسَّابِعَةِ كَمَا أَنَّ اَلْجَنَّةَ دَرَجَاتٍ كَذَلِكَ جَهَنَّمَ اَلْعَكْسِ دَرَكَاتْ وَكُلَّ اَلْمِجْرِيمِينْ مَجْمُوعِينَ فِيهَا كُلٌّ عَلَى قَدْرِ جَرِيمَتِهِ مَعَ اَلْأَخْذِ فِي اَلِاعْتِبَارِ بِأَنَّ اَلْمُنَافِقِينَ فِي اَلدَّرَكِ اَلْأَسَفَلْمَنَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّ اَلْمُنَافِقِينَ فِي اَلدِّرِيكْ اَلْأَسْفَلُ مِنْ اَلنَّارِ } ثُمَّ اَلْفَرَاعِينْ وَالْمُتَجَبِّرِينَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ جَرَائِمِهِ مَعَ اَللَّهِ فِي خُلُقِهِ .

وَلِذَلِكَ اَلْقُرْآنِ اَلْكَريِّمْ لَمْ يَفْصِلْ لَنَا أي تَفَاصِيلُ عَنْ اَلْأَرَاضِينْ اَلسَّبْعَةَ وذلك لِأَنَّهَا سُجُونُ ودركات أَهْلِ اَلنَّارِ  قَالَ تَعَالَى { اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ اَلْأَرْضِ مَثَلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وَأَنَّ اَللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءِ عِلْمًا – اَلطَّلَاقَ 12 }

وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَجْمُوعُونَ فِي جَهَنَّمَ مِنْ بَعْدُ اَلْمَوْتِ إِلْىْ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ لِأَنَّ تَكَالِيفَ اَلْقُرْآنِ اَلْكرَيِّمْ عَلَيْهِمَا وَهُمَا اَلثِّقْلَيْنِ اَلَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمَا { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ – الذاريات} .

فَمِنْ أَمْنِ مِنْهُمَا فَهْمًا مَعًا فِي اَلْجَنَّةِ وَمِنْ كَفْرِ مِنْهُمَا فَهْمًا مَعًا فِي سَجِينٍ قَالَ تَعَالَى { وَيَوْم يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرُ اَلْجِنِّ قَدْ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ اَلْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ اَلْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضِ وَبَلَّغْنَا أَجْلَنَا اَلَّذِي أَجَّلَتْ لَنَا قَالَ اَلنَّارَ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اَللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ – اَلْأَنْعَامِ 128 }

وَقَالَ تَعَالَى { قَالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قِبَلِكُمْ مِنْ اَلْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي اَلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةً لُعِنَتْ أُخْتُهَا حَتَّى إِذَا اَدَارْكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبّنَا هؤلَاءٌ أَضِلُّوْنَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضَعْفًا مِنْ اَلنَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضَعْفٍ وَلكُنَّ لَا تَعْلَمُونَ – اَلْأَعْرَافُ 38 } . وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ يَمُوتُونَ .

قَالَ اَلْأَلُوسِي فِي تَفْسِيرِهِ رُوحَ اَلْمَعَانِي [ قَالَ اَلْأَلُوسِي : ( وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ [ اَلْأَحْقَافُ : 18 ] . اَلْآيَةُ عَلَى أَنَّ اَلْجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنِ كَالْأَنَسِ – تَفْسِيرُ رُوحِ اَلْمَعَانِي ) ) ( 26 / 21 ] [ وَرُوِيَ عَنْ اَلْحَسَنْ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ : أَنَّ اَلْجِنَّ لَا يَمُوتُونَ ، فَاعْتَرَضَهُ قَتَادَة بِهَذِهِ اَلْآيَةِ فَسَكَتَ – تَفْسِيرُ رُوحِ اَلْمَعَانِي ) ) ( 26 / 21 ] [ وَيَقُولُ اِبْنْ حَجَرْ اَلْهَيْتَمِي مُعَلِّقًا عَلَى قَوْلِ اَلْحَسَنْ هَذَا : ( اَلْآيَةُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ ، فَإِنَّ أَرَادَ اَلْحَسَنْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ مِثْلُنَا ، بَلْ يَنْظُرُونَ مَعَ إِبْلِيسٍ ، فَإِذَا مَاتَ مَاتُوا مَعَهُ ، قُلْنَا : إِنَّ أَرَادَ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ كَشَيَاطِين إِبْلِيس وَأَعْوَانُهُ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ نَافَاهُ مَا وَرَدَ مِنْ اَلْوَقَائِعِ اَلْكَثِيرَةِ فِي مَوْتِهِمْ – ) ( ( اَلْفَتَاوَى اَلْحَدِيثِيَّةُ ) ) ( ص : 71 ) ] .

وَنَقُولُ هُنَا بِأَنَّ مَوْتَ اَلْجِنِّ أَيْضًا مَثَّلَهُمْ مَثَلُ اَلْإِنْسِ بِأَنَّ أَجْسَادَهُمْ اَلَّتِي تَحَوَّرَتْ لِيَعِيشُوا بِهَا فِي اَلدُّنْيَا هِيَ اَلَّتِي تَمُوتُ وَأَنْفُسَهُمْ مِثْلُهُمْ مِثْلٌ بُنِّيٍّ آدَمْ اَلْمُؤَمَّنِ جَسَدَهُ اَلْأَصْلِيَّ اَلَّذِي كَانَ يَعِيشُ بِهِ فِي اَلْجَنَّةِ يَرْجِعُ إِلَيْهَا وسوؤتهُ في الدنياَ هِىَ التي تَموت وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلنَّارِ رَجَعَ إِلَيْهَا قَالَ تَعَالَى { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَالِي اَلْجَحِيمِ- الصافات }

(د) لا يوجد أوامر لله تعالى بعد الموت غير الصلاة و عبادة الله تعالى :

والسؤال هنا :

 ماذا عن شريعة الله تعالى بعد الموت :

هنا يجب أن نعلم بأن الإنسان بعد الموت سيرى كل الأقوام التيكفرت بالله تعالى في النار وسيجد كل أنبياء الله وهنا لا يكون في الجنة قرآناً مكياً لأن الأنبياء ومن حاربوهم سيكونون مع أهل الجنة على اختلاف درجاتها :

  • ما افترضه الله تعالى ما افترضه الله تعالى على المؤمنين بعد الموت :

وهى :

  • الصلاة والتسبيح فهى حياتهم فهى ومصدر سعادتهم قال تعالى في الملائكة وهم كائنات نورانية تعيش مع مؤمنين لهم أنفس نورانية أيضاً وأولهم النبي الذي وصفه الله تعالى بالنور في قوله تعالى { قد جائكم من الله نور وكتاب مبين – المائدة} وهذا النور أنزل معه نور قال تعالى { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه فأولائك هم الفلحون -الأعراف } و بالتالي المؤمنون جميعا ملائكة وإنس وجن لهم أنفس نورانية بأعمالهم الصالحة في الدنيا سيسبحون أيضاً مع الملائكة لله تعالى في الجنة قال تعالى فيهم { يسبحون الليل والنهار لا يفترون – الأنبياء 20 } .
  • الحج والطواف حول البيت المعمور الذي هو فوق الكعبة في مكة المكرمة حرسها الله .ثم شغلهم بعد ذلك بما أعده الله تعالى لهم من نعيم وزوجات وجنات ولكن الفريضة التي ستصاحب المؤمن بعد موته هى الصلاة والتسبيح والذكر لذلك في الحديث لا عذر في تركها حتى ولو يؤديها بالعين و التخيل إرضاءاً لله تبارك وتعالى :
[ ولربما كانت اليوجا ببعض دول أسيا والتأمل بقايا صلاة مسلمين و أهل كتاب من قبلنا بعيداً عن أعين وتوقعات وتخيلات الظالمين بعد بطشهم بالمؤمنين في كل زمن و مثله فعل المنافقين في الديانات الثلاثة بالمؤمنين في كل زمن حتى اضطروا المؤمنين للهروب بدينهم وتعمد إخفاء كل مايمت لهم بصلى إلى السماء ورب السماء  إخفاءاً  لكل شيء من معالم دينهم فلا يؤدونه إلا خفية خشية التنكيل والقتل ] .

  • أنواع السكن في الجنة ودرجاته :

فمنهم سكان :

  • سكان قصور وهذه للأنبياء ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وآله : لقوله تعالى { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا – الفرقان 10 }
  • سكان غرف مبنية كالعمارات الشاهقة في الدنيا وهى مساكن المتقين كما قال تعالى { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد –الزمر 20 } وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات لقوله تعالى فيهم : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين – العنكبوت 58 }
  • سكان بيوت وهى درجة عالية من درجات المؤمنين الذن ابتلاهم الله تعالى في الحياة الدنيا وكتموا إيمانهم كامرأة فرعون سلام الله تعالى عليها : { وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين – التحريم 11 }
  • سكان خيام وهى كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله من لؤلؤ و ياقوت ومرجان وهى خاصة بالمؤمنين : قال تعالى فيها { حور مقصورات في الخيام – الرحمن 72 }
  • وعن الأحكام القرآنية المدنية في الجنة :

لا قتال في الجنة بالتالي يرفع آيات الجهاد من العمل بها وكذلك الموارث فلا وارث غير الله تعالى وليس في الجنة إلا الخلود إذن لا يوجد أحكام مواريث في الجنة ولا اعتداء بالتالي لا يوجد فرائض جهاد ولا أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر .

وهنا تكون الثلاث فرائض التي تعبد بها بني آدم قبل الهبوط إلى الأرض للفتنة والإختبار وهنا لا توجد شجرة قد نهى الله تعالى عنها وهنا يرفع حكمها ولا يوجد إبليس منظر في هذه الجنة لأنه قد طرد منها وهبط منها في الهبوط الثاني إلى الأرض .

و حيث أنه لا جائع ولا فقير في الجنة بالتالي لا يوجد يوجد زكاة في الجنة و لا صيام بعد الموت لأنها دوافع للمؤمن كي يشعر بجوع الفقير وتنقية جسده صحياً من السموم وأدران الطعام في وتجديد خلايا جسده في الحياة الدنيا وهذا غير موجود في الجنة فلا إخراج ولا إحساس بالجوع في الجنة ليصوم العبد .بل يقول القرآن في ثواب هؤلاء { كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية –الحاقة 24 } وقال تعالى { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون – المرسلات 43 }أي لا صيام في الجنة  لأن كلوا واشربوا وردت في قوله تعالى {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر – البقرة }. أي لا صيام في الجنة كما بينا .

وبالتالي أخيراً  لن يتبقى للمؤمن بعد موته غير قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد منهم أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين – الذاريات } أي ما خلق الله تعالى الثقلين في طور ما قبل الهبوط إلى الأرض أو في الأرض أو ما بعد الرجوع إلى جنة عدن أو مابعد يوم القيامة إلا للصلاة والتسبيح بحمده عز وجل كما تفعل الملائكة إلا أن الثقلين لهما احتياجات قال فيها عز وجل  في جنة عدن { ولهم فيا ماتشتهي أنفسهم } وفي الفردوس الأعلى بعد القيامة وميراث السماوات والأرض قال تعالى هنا { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة عين جزاءاً بما كانوا يعملون } .

 ( هـ ) إِبْلِيسُ يَخْلُقُ شَيَاطِينُ فِي اَلْأَرْضِ تَدْفَعُ لِعِدَّةِ جَرَائِمَ اِقْتَرَفَتْهَا اَلْأُمَمُ مِنْ قَبْلُ وَتَتَكَرَّرُ آخِرٌ اَلزَّمَانِ :

وَهُنَا وَفْقًا لِخَلْقِ اَلْأَعْمَالِ فَإِنَّ إِبْلِيسَ وَحِزْبَهُ وَذُرِّيَّتَهُ خَلَقُوا فِي اَلْأَرْضِ شَيَاطِينُ مُخَلَّقَةٌ تَدْفَعُ نَحْوَ اِرْتِكَابِ عِدَّةِ جَرَائِمَ أَصْبَحَتْ مُتَكَرِّرَةً فِي كُلِّ زَمَنِ مُنْذُ خَلْقِ اَللَّهِ اَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ اِخْتَارَ اَللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا عِدَّةَ أُمَمٍ فِي أَهْلَكَهَا اَللَّهُ تَعَالَى فِي اَلتَّارِيخِ اَلْإِنْسَانِيِّ لِيُؤَكِّدَ لَبَنِي آدَمْ أُنْهَكُمْ سَيَتَكَرَّرُونَ نَفْسَ أَفْعَالِ اَلْأُمَمِ مِنْ قِبَلٍ :

وَهَذِهِ اَلْجَرَائِمُ :

1 – اَلْكُفْرُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَسَفْكَ اَلدِّمَاءِ وَهِيَ مُتَكَرِّرَةٌ فِي كُلِّ اَلْأُمَمِ وَأَشْهَرَهُمْ قَوْمُ نُوحْ وَاَلَّذِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ قَائِلاً { رَبٌّ لَا تَذَرُ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنْ اَلْكَافِرِينَ دِيَارَا رَبُّنَا إنِّ إِنَّ تَذَرَهُمْ يَضَلوْ عِبَادُكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كُفَّارًا – نُوحْ } .

2 – قَوْمٌ عَادَ وِكْفْرِهْمْ بِاَللَّهِ وَالِاسْتِكْبَارِ فِي اَلْأَرْضِ وَصِنَاعَةِ اَلسِّلَاحِ وَالْبَطْشِ بِالْأُمَمِ اَلْمُسْتَضْعَفَةِ قَالَ تَعَالَى { اَتْبِنُونْ بِكُلِّ رَيْعِ آيَةٍ تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِع لَعَلَّكُمْ تَحْلَدُونْ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ – اَلشُّعَرَاءِ }

3 – ثَمُود وَقَتْلِهِمْ اَلصَّالِحِينَ وَكُفْرَهُمْ بِغَيْرِ ضَغْطِ مِنْ أَحَدٍ قَالَ تَعَالَى { وَأَمَّا ثَمُودُ فِهْدِينَاهْمْ فَاسْتَحَبُّواَ اَلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى }

4 – قَوْمُ لُوطْ : كُفْرُهُمْ وَإِصْرَارُهُمْ وَدَأْبُهُمْ عَلَى اَلشُّذُوذِ اَلْجِنْسِيِّ .

5 – قَوْمُ فِرْعَوْنْ وَهُمْ أَئِمَّةُ اَلْكُفْرِ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مِنْ اِسْتَخْدَمَ اَلتَّعْذِيبُ قَبْلَ قَتْلِ اَلضَّحِيَّةِ وَاسْتِخْدَامِ اَلضَّجَّةِ اَلْإِعْلَامِيَّةِ وَالسِّحْرِ وَالتَّحْرِيضِ بَيْنَ جُمُوعٍ بَعْدَ أَنْ يَلْبَثهَا شَيَّعَا لِيَبْطِشْ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ تُحَرِّضُ اَلْأُمَّةُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضِهَا لِتَمْكِينِ طَائِفَتِهِ مِنْ اَلْبِلَادِ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلنَّارِ }

6 – قَوْمُ شُعَيْبْ وَبَخْسِ اَلْمِيزَانِ . وأكلهم الربا  .

7 – هَذِهِ اَلْجَرَائِمِ كُلِّهَا سَتَتَكَرَّرُ آخِر اَلزَّمَانِ وَمِنْ هُنَا قَالَ تَعَالَى { وَأَمَّمَ بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا } وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا { وَرُسُلاً قَدْ قَصْصَنَاهِمْ عَلَيْكَ مِنْ قِبَلِ وَرُسُلاً لَمّ نَقْصَصْهَمْ عَلَيْكَ } .

وَكَّلَ هَذِهِ اَلْأُمَمِ لِمَا فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ فِي اَلْأَرْضِ خَلَقَتْ فِيهَا شَيَاطِينُ مُحَرِّضَةٌ عَلَى تَكْرَارِ نَفْسِ اَلْجَرَائِمِ وَبِنَفْس اَلصُّورَةِ بَلْ رُبَّمَا أَبْشَعَ بِاسْتِخْدَامِ وَسَائِلِ تِقْنِيَّةٍ تِكْنُولُوجِيَّةٍ اِسْتَخْدَمَتْهَا أُمَمُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى أَفْنَاهُمْ اَللَّهُ تَعَالَى وَلِتَكْرَار اَلْأُمَمِ لِلْجَرِيمَةِ بِوَحْيٍ شَيْطَانِيٍّ بَيْنَهُمْ يَقُولُ تَعَالَى { وَقَالَتْ اَلْيَهُودَ عُزَيْرْ اِبْنُ اَللَّهِ وَقَالَتْ اَلنَّصَارَى اَلْمَسِيحَ اِبْن اَللَّهِ ذلَكَ قَوْلِهِمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يَضَاهَئْونْ قَوْلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلٌ قَاتِلُهُمْ اَللَّهُ أَنَّى يَؤْفَكُونْ – اَلتَّوْبَةُ 30 } .

أَيْ أَنَّهُمْ لِيُسَوِّ مَصْدَرَ هَذِهِ اَلْفِرْيَةِ بَلْ قَالَتْهَا أُمَمُ مِنْ قَبْلٌ وَمِنْ وَرَائِهِمْ إِبْلِيسُ لَعْنَةَ اَللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ تَعَالَى فِي بَايَانْ تَشَابُهُهُ اَلْأَعْمَالَ يُؤَدِّي لِتَشَابُهِ اَلْقُلُوبِ وَتَشَابُهِ اَلْأَعْمَالِ وَالسُّلُوكِ بَيْنَ اَلْأُمَمِ اَلْغَابِرَةِ وَالْحَالِيَّةِ فَيَقُولُ تَعَالَى { وَقَالَ اَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اَللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذْلكَ  قَالَ اَلَّذِينَ مِنْ قِبَلِهِمْ مَثَّلَ قَوْلُهُمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبَهُمْ قَدْ بَيِّنًا اَلْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ – اَلْبَقَرَةُ 118 } . وَبِالتَّالِي اَلْأَرْضُ تَعِجُّ بَمَخَلْوُوقَاتْ شَيْطَانِيَّةً مِنْ اَلْأُمَمِ اَلسَّالِفَةِ وَجَسَدِ إِبْلِيسِ وَنَفْسُهُ هُوَ اَلْمَسْجُونَةُ بِالْأَرْضِ اَلسَّابِعَةِ تَقُومُ بِالْإِغْوَاءِ وَنَشْرِ اَلْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَلَهُمْ جُنُودُ مِنْ اَلْجِنِّ وَخَدَمَ مِنْ اَلْإِنْسِ وَهُمْ اَلْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ وَأَهْل اَلْمَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ وَمَا أَكْثَرَهُمْ . وَهَؤُلَاءِ بِتَسَلُّطِهِمْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمَظْلُومِينَ قَتْلاً وَسَفْكًا لِلدِّمَاءِ يَتَحَوَّلُونَ إِلَى رِضَا اَللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَصِيرُ اَلْمَظْلُومِ وَيَحُولُ هَذَا اَلظُّلْمِ أَنْفُسَهُمْ لِمُقَاتِلِينَ غَيَّرَ مَنْظُورَيْنِ يَقُومُونَ بِإِحْدَاثِ اَلزَّلَازِلِ وَالْبَرَاكِينِ وَالْهَلَاكِ اَلْعَامِّ وَالْأَحْدَاثِ اَلْجِسَامِ بِسَبَبِ سَفْكِ اَلدِّمَاءِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَغَيُّرِ اَلْمُنَاخِ وَتَحَوُّلِهِ لِأَعَاصِيرَ وَرِيَاحِ سُمُومِ وَعَوَاصِفَ مُدَمِّرَةٍ بِسَبَبَ قَتْلِ اَلْمَظْلُومِينَ خَاصَّةً مِنْ اَلْأَنْبِيَاءِ وَأَئِمَّةِ أَهْلُ اَلْبَيْتِ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ وَالصَّالِحِينَ .

وَلِذَلِكَ يَقُولُ تَعَالَى فِي سُنَنِهِ اَلَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ { وَتِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُدَاوِلهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ } وَقَالَ تَعَالَى { قُلْ اَللَّهُمَّ مَالِك اَلْمَلِكُ تَأْتِيَ اَلْمَلِكَ مِنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ اَلْخَيْرَ أَنَّكَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ قَدِيرٍ – آلِ عِمْرَانْ 26 } .

فَيَقُومُ هَؤُلَاءِ اَلْمُجْرِمِينَ فِي أَزْمِنَةٍ سَالِفَةٍ وَإِلَى أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ بِقَتْلِ نَبِيٍّ لِيَبْعَثَ اَللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً لِلْقِصَاصِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اَلْقَتْلَ لَمْ يَرُدْ فِي كِتَابِ اَللَّهِ إِلَّا عَلَى نَبِيِّ مِنْ اَلْأَنْبِيَاءِ قَالَ تَعَالَى { وَيَقْتُلُونَ اَلْأَنْبِيَاءَ بِغَيْر حَقٍّ } وَلَمْ يَقُلْ يَقْتُلُونَ اَلْمُرْسَلِينَ فَهَذَا لَمْ يَرُدْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اَلرَّسُولُ مُنْتَصِرَ غَالِبٍ لِلْقِصَاصِ مِمَّنْ قُتِلُوا اَلْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَظْلُومِينَ قَالَ تَعَالَى { كُتُبُ اَللَّهِ لِأَغْلِبِنَ أَنَا وَرُسُلِي } وَلَمْ يَقُلْ وَأَنْبِيَائِي وَقَالَ تَعَالَى { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكٌ اَلْقُرَى  حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي اَلْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ – اَلْقِصَصَ 59 }

وَآخَر اَلزَّمَانُ قَالَ تَعَالَى لِذَلِكَ { هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولُهُ بِالْهُدَى وَدِينَ اَلْحَقِّ لِيَظْهَرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ – اَلصَّفَّ 9 }

وَهَذِهِ هِيَ اَلْأَيَّامُ اَلَّتِي اِنْتَصَرَ فِيهَا رُسُلُ اَللَّهِ وَتَمَكَّنُوا فِيهَا مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اَللَّهِ وَاَلَّتِي قَالَ تَعَالَى فِيهَا مُحَذِّرًا هَذَا اَلْحَزْزَبْ اَلشَّيْطَانِيَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَذَكَّرَهُمْ بِأَيَّامِ اَللَّهِ } وَهِيَ اَلْأَيَّامُ اَلَّتِي دَانَتْ فِيهَا اَلدُّنْيَا لِرُسُلِ اَللَّهِ وَهِيَ قَلْيُهُ مِنْ عُمْرِ اَلزَّمَنِ لِتَسَلُّطِ حِزْبِ اَلشَّيْطَانِ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ , وَلَكِنَّ اَلْبُشْرَى اَلْآنَ وَسَطَ هَذَا اَلظَّلَامِ اَلدَّامِسِ أَنَّ اَلْعَالَمَ اَلْآنَ يَنْتَظِرُ أَحْدَاثًا جِسَامًا يَخْرُجُ فِيهَا إِمَامًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اَلنُّبُوَّةِ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اَللَّهِ وَلِتَكُونَ اَلْأَيَّامُ وَالشُّعُوبُ اِقْتَرَبَتْ مِنْ أَنْ تُدِينَ جَمِيعًا لَهُ عِزٌّ وَجِلٌ وَهِيَ أَيَّامُ اَللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .

(و) اَلطَّوْرُ الأول والثاني مِنْ اَلْخُلُقِ :

قَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا أَنَّهُ خَلْقُ كُلٍّ بُنِّيٍّ آدَمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجُهَا قَالَ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقَوْا رَبُّكُمْ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلْقِ مِنْهَا زَوْجُهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءٌ وَاتَّقَوْا اَللَّهَ اَلَّذِي تْسَاءلُونْ بِهِ وَالْأَرْحَامِ إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا – اَلنِّسَاءِ 1 }

ثُمَّ اِنْتَقَلَ اَلْإِنْسَانُ إِلَى اَلطَّوْرِ اَلثَّانِي مِنْ اَلْخُلُقِ بَعْدَ اَلْهُبُوطِ إِلَى اَلْأَرْضِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ اَلدُّنْيَا مِنْ جَنَّةِ عَدْنِ لِيَتَحَوَّلَ إِلَى سُلَالَةٍ خَلَقَتْ مِنْ ذَكَرِ وَأُنْثَى أَصْلِهَا مِنْ طِينٍ قَالَ تَعَالَى { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقَنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقَنَا اَلْعَلَقَةُ مُضْغَةً فَخَلَقَنَا اَلْمُضْغَةُ عِظَامًا فَكَسَوْنَا اَلْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خُلُقًا آخَر فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْد ذلَكَ لَمِيتُونْ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ – اَلْمُؤْمِنُونَ 12 – 17 } .

جَسَدُ اَلْإِنْسَانِ عَلَى اَلْأَرْضِ هُوَ اَلسُّوءَة كما بينا من قبل وللأهمية نعيد ونكرر ونقول مرة أخرى أن :

هَذَا اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ مَا هُوَ إِلَّا اَلسُّوءَة اَلَّتِي بَدَتْ بَعْدَمَا أَكَلَا مِنْ اَلشَّجَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { فَأَكِّلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآِتِهِمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمْ رَبُّهُ فَغَوَى  – طه 121 } .

وَهَذِهِ اَلسُّوءَة وَفْقًا لِبَيَانِ اَلْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لَيْسَتْ اَلْعَوْرَةَ فَقَطْ بَلْ كُلُّ اَلْجَسَدِ اَلْإِنْسَانِيِّ بَرَزَ مِنْ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ اَلَّذِي كَانَ يَعِيشُ بِهِ سَيِّدُنَا آدَمْ وَزَوْجُهُ عَلَيْهِمَا اَلسَّلَامُ فِي جَنَّةِ عَدْنِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتًا أَعْجَزَتْ أَنْ أَكُونَ مَثَلَ هذَا اَلْغُرَابِ فَأُوَارِي سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ اَلنَّادِمِينَ – اَلْمَائِدَةِ 31 } .

وَهُنَا لَيْسَ مِنْ اَلْمَعْقُولِ أَنْ يُدْفَنَ اَلْغُرَابُ وَرَتَهْ فَقَطْ بَلْ كُلُّ اَلْجَسَدِ وَهَذَا يُثْبِتُ بِأَنَّ اَلْجَسَدَ اَلطِّينِيَّ اَلسُّفْلِيَّ اَلَّذِي نَعِيشُ بِهِ فِي حَيَاتِنَا اَلدُّنْيَا وَهُوَ اَلسُّوءَة اَلَّتِي بَدَتْ وَأَخْرَجَ مِنْ أَجْلِهَا نَبِيَّ اَللَّهِ آدَمْ وَزَوْجَتُهُ عَلَيْهِمَا اَلسَّلَامُ مِنْ اَلْجَنَّةِ مَوْجُودٌ بِدَاخِلِ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ لَا يَرَاهُ اَلْإِنْسَانُ وَمَا كَانَ يَعْلَمُ عَنْهُ أَيُّ شَيْءِ وَإِبْلِيسِ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى { فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآِتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذَهْ اَلشَّجَرَةُ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ اَلْخَالِدِينَ – اَلْأَعْرَافَ 20 } .

وَكُلٌّ بُنِّيٌّ آدَمْ خَلَقُوا دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي جَنَّةِ عَدْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ – اَلْأَعْرَافَ 11 } .

وَبِالتَّالِي سَوْأَةُ كُلٍّ بُنِّيٍّ آدَمْ كَانَتْ دَاخِلَ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ وَمَوْتِ اَلْإِنْسَانِ رِحْلَةً لِلتَّنَقُّلِ بِالْجَسَدَيْنِ بَيْن جَنَّةِ عَدْنِ وَالْهُبُوطِ لِلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَبُرُوزِ اَلسُّوءَة يُخْرِجُهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنِ وَمَوْتِهِ إِنَّ كَانَ مِنْ اَلصَّالِحِينَ يُعِيدُهُ فِيهَا حَتَّى تَقُومَ اَلْقِيَامَةُ وَيَنْتَقِلُ إِلَى اَلْحِسَابِ ثُمَّ جَنَّةُ اَلْفِرْدَوْسِ وَفِيهَا اَلْخُلُودُ اَلْأَبَدِيُّ وَبِالتَّالِي خُرُوجُ اَلسُّوءَة مَوْت وَاخْتِفَاءً لِلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ وَتَوَارِيهِ بِدَاخِلِ اَلطِّينِيِّ اَلسُّفْلِيِّ أَوْ اَلسُّوءَة وَمَوْتِ اَلسُّوءَة بُرُوزٍ لِلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ .

وَبِالتَّالِي هِيَ عَمَلِيَّةُ إِخْرَاجٍ لِلْحَيِّ مِنْ اَلْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَ مِنْ اَلْحَيِّ قَالَ تَعَالَى { يَخْرُجَ اَلْحَيُّ مِنْ اَلْمَيِّتِ وَيَخْرُجُ اَلْمَيِّتُ مِنْ اَلْحَيِّ وَيُحْيِي اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكْذْلَكَ تَخْرُجُونَ – اَلرُّومُ 19 }

وَهَذِهِ هِيَ رِحْلَةُ اَلْإِنْسَانِ بَيْنَ اَلْجَسَدَيْنِ اَلطِّينِيِّ وَالسَّوْءَة أَوْ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ اَلَّذِي أَصْبَحَ يُظْهِرُ بِعَمَلِيَّةِ نِكَاحٍ عَادِيَّةٍ قَدْرُهَا اَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيَّنَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ بِالزَّوَاجِ اَلِاعْتِيَادِيِّ جِمَاعًا بَيْنَ اَلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ كُنْتُمْ فِي رَيْبِ مِنْ اَلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مَضْغِهِ مُخَلَّقَةً وَغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنَقْرٍ فِي اَلْأَرْحَامِ مَا نَشَأَ إِلَى أَجْلٌ مُسَمًى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدُّكُمْ وَمِنْكُمْ مِنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مِنْ يَرُدُّ إِلَى أَرْذَلْ اَلْعُمْرِ لِكَيْلَا يَعْلَم مِنْ بَعْدُ عِلْمِ شَيْئًا وَتَرَى اَلْأَرْضُ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا اَلْمَاءُ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ – اَلْحَجِّ 5 } وَفِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا هَيَّأَهَا اَللَّهُ تَعَالَى وَأَعِدْهَا لِيَتَنَاسَب هَذاَ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلسُّفْلِيِّ أَوْ اَلسُّوءَة التي أُعدت وهيأ الله تعالى لها كُلَّ مَا تحْتَاجهُ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَدِفَاعٍ وَحِمَايَةٍ مِنْ غَوَائِلِ اَلطَّبِيعَةِ وَالْمُفْتَرِسَاتِ وَهِيَ مَرْحَلَةُ شَقَاءٍ حَذَّرَ اَللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا نَبِيِّ اَللَّهِ آدَمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { إَنْ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعَرَّى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تُضَحِّي – طه 118 } .

( ي ) الطور الثالث والنشأة الآخرة بعد القيامة فيما لا علم للخلق به  :

وَهِيَ اَلنَّشْأَةُ اَلْآخِرَةُ اَلْوَارِدُ ذِكْرُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { قَلَّ سَيَّرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ اَلْخُلُقُ ثم اَللَّهِ يُنْشِئُ اَلنَّشْأَةَ اَلْآخِرَةَ إِنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ قَدِيرٍ – اَلْعَنْكَبُوتِ 20 } وَهَذِهِ اَلنَّشْأَةُ اَلْآخِرَةُ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ اَلنَّاسِ قَالَ تَعَالَى فِيهَا { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ – يس 36 }

وَهُنَا ( وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ) هِيَ اَلْمَادَّةُ اَلْمَخْلُوقَ مِنْهَا اَلْإِنْسَانُ وَالْجَانُّ فِي مَرْحَلَةِ اَلطُّورِ اَلثَّالِثِ من الخَلْقٍ الجَدِيدٍ وَهَذِهِ اَلْأَطْوَارُ :

– اَلْأَوَّلَ مِنْ اَلْمَاءِ وَالطِّينِ .

– وَالثَّانِي بَيْنِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى .

 – وَالثَّالِثُ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ اَلْخُلُقِ وَذَلِكَ لِأَنْ ( وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ) يُبَيِّنُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى { وَيَخْلُقَ مَالاً تَعْلَمُونَ – اَلنَّحْلُ } .

وَذَلِكَ فِي اَلنَّشْأَةِ اَلْآخِرَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ بَعْدَ اَلْمَوْتِ بِنَفْسِ جَدِيدَةٍ جَزَاءً وَثَوْبًا لِمَا فَعَلُوهُ فِي اَلدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ عَمَلُهَا بِجَسَدِهِ اَلْمَخْلُوقِ مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ وَبِنَفْسِهِ اَلنُّورَانِيَّةِ فِي اَلدُّنْيَا فَيُنْشَأهُ اَللَّهُ تَعَالَى نَشْأَة أُخْرَى بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهُمْ اَلنَّشْأَةُ اَلْأُولَى فِي أَرْضٍ جَدِيدَةٍ وَسَمَاءِ جِدِّيَّةٍ قَالَ تَعَالَى فِيهَا { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالُكُمْ وَنُنْشِئكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ اَلنَّشْأَةُ اَلْأُولَى فُلُولاً تَذْكُرُونَ – اَلْوَاقِعَةُ 60 – 62 } . وَمَالاً تَعْلَمُونَ هُنَا يُبَيِّنُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – اَلسَّجْدَةُ 17 } وَذلكَ فيما بعد القيامة

– وَالْمَوْتَةُ اَلْأُولَى هِيَ مَوْتُ اَلسُّوءَة أَوْ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلسُّفْلِيِّ اَلَّذِي عَاشَ بِهِ اَلْمَرْءُ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَالْعَوْدَةِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى جَنَّةِ عَدْنِ وَقَدْ فَصَلَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تَرْجِعُونَ – اَلْبَقَرَةُ } وَهُنَا نَكُون قَدْ بَيِّنًا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا – نُوحْ 12 } .

ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلْقٌ لَبَنِيٌّ آدَمْ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَهُ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى اَلسَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سُبْعُ سَمَاوَاتِ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ – اَلْبَقَرَةُ 29 } . ثُمَّ يُبَيِّنُ اَللَّهُ تَعَالَى بُعْدُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى مَا خَلَقَ اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ وَتَنَقُّلُ اَلْإِنْسَانِ بَيْنَهُمَا بِالْجَسَدَيْنِ وَالطِّينِيّ إِلَّا لِيُبْتَلِيهُمْ وَيَخْتَبِرُهُمْ أَيّهمْ أَحْسَنَ عَمَلاً كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا { اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً – اَلْمَلِكُ } .

وَأَمَّا :

( اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ ) :

هُنَا يُبَيِّنُ اَللَّهُ تَعَالَى أَنْ اَلْمَوْتَ مَخْلُوقٌ كَالْحَيَاةِ بِمَخْلُوقَاتِهَا يَأْتِي كَبَوَّابَةٍ لِلْحَيَاةِ اَلْآخِرَةِ اَلْأَبَدِيَّةِ وَالْخُلُودِ فِيهَا بِالْجَنَّةِ أَوْ اَلنَّارِ وَالْعِيَاذِ بِاَللَّهِ فَيَأْتِي لَبَنِيٌّ آدَمْ فَيُحَاوِلُ اَلْفِرَارُ مِنْهُ وَلَكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَالَ تَعَالَى { قَلَّ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تَرُدُّونَ إِلَى عَالَمُ اَلْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ – اَلْجُمْعَةُ 8 }

وَيُلَاقِيهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَلَا يَسْتَطِيعُ اَلْفِرَارُ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَيَأْتِيهُ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ – إِبْرَاهِيمْ 17 } وَأَيْنَمَا كَانَ اَلْإِنْسَانُ فَهُوَ مُلَاقِيهُ وَلَوْ كَانَ فِي بُرُوجَ مُشِيدَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ – اَلنِّسَاءِ 78 } ثُمَّ يَأْتِي مَلِكَ اَلْمَوْتِ اَلْمَوْكُولِ بِكُلِّ إِنْسَانٍ لِيُمِيتَ جَسَدَهُ اَلطِّينِيَّ اَلسُّفْلَى وَهِيَ سَوْأَتُهُ لِيَنْقُلهُ إِلَى جَنَّةِ عَدْنِ إِنَّ كَانَ مِنْ اَلصَّالِحِينَ قَالَ تَعَالَى { قَلَّ يَتَوَفَّاكُمْ مَلِكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وَكَّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبُّكُمْ تَرْجِعُونَ – اَلسَّجْدَةُ 11 } وَإِنْ كَانَ مِنْ اَلْمُجْرِمِينَ اَلْخَارِجِينَ عَلَى أَوَامِرِ اَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَالِي اَلْجَحِيمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَالِي اَلْجَحِيمِ – اَلصَّافَّاتِ 68 }

وَهَذِهِ مَرْحَلَةُ إِخْرَاجٍ وَفَصْلٍ لِلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلسُّفْلِيِّ وَالسَّوْءَة اَلْمَيِّتَةَ لِتَخْتَفِيَ وَيُبْرِز اَلطِّينِيُّ اَلْعُلْوِيُّ اَلْأَصْلِيُّ و هى نفسه المرتبط بها لِيَعِيشَ بها فِي جَنَّةِ عَدْنِ  وهى المخلوقة حقيقة من طينة الجنة كَمًّا بَيِّنًا لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى { يَخْرُجَ اَلْحَيُّ مِنْ اَلْمَيِّتِ وَمُخْرِجٍ اَلْمَيِّتِ مِنْ اَلْحَيِّ ذلَكَمَ اَللَّهُ فَأَنَّى تَؤْفَكُونْ – اَلْأَنْعَامُ 91 } وَهُنَا يُبَيِّنُ تَعَالَى أَنَّهُمَا مُوتْتَانْ وَحَيَاتَانِ قَالَ تَعَالَى فِيهِمَا { قَالُوا رَبُّنَا أُمَّتَنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحِييتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجُ مِنْ سَبِيلٍ – غَافِرٍ 11 } .

وَعَلَى اَلرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمَا مُوتْتَانْ إِلَّا أَنَّ اَلْإِنْسَانَ لَا يَشْعُرُ وَلا يَذُوقُ فِيهَا إِلَّا اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْتُ إِلَّا اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ اَلْجَحِيمِ – اَلدُّخَّانُ 56 } .

  • وَالْمُوتَتَة اَلْأُولَى لِنَعْلَم مَا هِيَ :

بَيِّن تَعَالَى اَلْمُوتُتَيْنْ وَالْحَيَاتَيْنِ أَنَّنَا كُنَّا أَمْوَاتَ اَلسُّوءَة أَحْيَاءً بِالْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ ثُمَّ يُمِيتُ اَلطِّينِيُّ اَلْعُلْوِيُّ فَيَخْتَفِي دَاخِلَ اَلسُّوءَة لِيَعِيشَ وَيَحْيَا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا ثُمَّ يُمِيتُ اَللَّهُ تَعَالَى اَلسُّوءَة أَوْ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلسُّفْلِيِّ لِيَخْتَفِيَ مَرَّةً أُخْرَى دَاخِلَ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ لِيَعِيشَ فِي جَنَّةِ عَدْنِ وَهِيَ مَرْحَلَةُ اِخْتِفَاءٍ لَلْسُوءَة بِدَاخِلَ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ كَمَا خَلَقَ اَللَّهُ تَعَالَى سَيِّدُنَا آدَمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ بَعْدَ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ يَبْعَثُ اَلْجَسَدُ وَالسَّوْءَة لِتَشْهَد عَلَيْهِ سَوْأَتُهُ اَلَّتِي عَاشَ بِهَا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَذَلِكَ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تَرْجِعُونَ – اَلْبَقَرَةُ 28 }

وَبِالتَّالِي لَا يَذُوقُ اَلْإِنْسَانُ فِيهَا اَلْمَوْتُ إِلَّا مَوْتَةً اَلسُّوءَة بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَرُبَّمَا مَوْتُ وَاخْتِفَاءُ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ حِينَ اَلنُّزُولِ إِلَى اَلْأَرْضِ وَيَكُونُ اَلْمَوْتُ عَلَى اَلْمُؤَمَّنِ هِينْ لَيِّنٍ لَا يَشْعُرُ بِهِ وَانْتِقَامًا شَدِيدًا مِنْ اَلْمُجْرِمِينَ اَلْخَارِجِينَ عَلَى طَاعَتِهِ تَعَالَى وَطَاعَة رَسُولِهِ وَوِلَايَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَكُون اَلْقَبْرُ أَوَّلَ مَنَازِلِ جَهَنَّمَ لَهُمْ أَوْ أَوَّلَ مَنَازِلِ اَلْجَنَانِ لِأَهْلِ اَلْيَمِينِ .

وَأَمَّا :

( لِيَبْلُوَكُمْ )

وَيُبَلُوهُمْ أَيْ يَمْتَحِنُهُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ قَالَ تَعَالَى { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً – وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ – اَلْأَنْبِيَاء 35 } وَهَذَا اَلِابْتِلَاءُ كَانَ فِي جَنَّةِ عَدْنِ كَمًّا بَيِّنًا بِثَلَاثِ أُوَامَرَ إِلهِيَّهْ وَهِيَ :

  • عِبَادَةُ اَللَّهِ تَعَالَى .
  • اَلنَّهْي عَنْ اَلْأَكْلِ مِنْ اَلشَّجَرَةِ .
  • اِتِّخَاذُ اَلشَّيْطَانِ عَدُوًّا لِأَنَّهُ عَدُوٌّ لِآدَمْ وُوزُوجَهْ وَذُرِّيَّتُهُ . فَلَمَّا هَبَطَ آدَمْ وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا أَصْبَحَ اَلْأَمْرُ يَتَطَلَّبُ أَحْكَامًا أُخْرَى مِنْ اَللَّهِ يَحْتَاجُهَا لِتَدْبِيرِ حَيَاتِهِ مِنْ اَلطَّعَامِ اَلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَأَحْكَامِ اَلدِّفَاعِ وَالْحَرْبِ وَالتِّجَارَةِ وَالْبُيُوعِ وَالطَّلَاقِ وَالزَّوَاجِ وَهِيَ أَحْكَامٌ لَمْ تَكُنْ فِي جَنَّةِ عَدْنِ .

وَفِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا يَبْتَلِي اَللَّهُ بُنِيَ آدَمْ بِكُلِّ أَنْوَاعِ اَلِابْتِلَاءَاتِ لِاخْتِلَافِ أَهْوَاءِ اَلنَّاسِ وَمَشَارِبِهِمْ بَيْنَ أَهْلِ اَلْخَيْرِ وَأَهْلِ اَلشَّرِّ فَإِبْلِيس كَانَ مَعْرُوفًا فِي جَنَّةِ عَدْنِ وَهُوَ مِنْ اَلْمُنَظِّرِينَ وَالشَّيَاطِينِ مِنْ حِزْبِهِ وَذُرِّيَّتِهِ اَلْوَارِدَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { أَفَتِتَخَذُونَهْ وَذُرِّيَّتُهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً – اَلْكَهْفَ . }

وَهَذِهِ اَلذَّرِّيَّةِ لِمَا هَبَطَ آدَمْ وَزَوْجَةٌ مِنْ اَلْجَنَّةِ ثُمَّ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ أَصْبَحَ كِلَاهُمَا لَا يَعْرِفُ اَلْآخَرُ إِلَّا مِنْ خِلَالِ اَلتَّعَامُلِ فَظَهَرَ اَلْبَغْيُ مِنْ حِزْبِ اَلشَّيْطَانِ وَعِصْيَانِ اَللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ وَقَتْلِهِمْ لِلْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ بَيْتِ اَلنَّبِيِّ وَالصَّالِحِينَ فِي كُلِّ زَمَنٍ وَظَهَرَ اَلصَّلَاحُ وَالصِّدْقُ مِنْ أَوْلَادِ نَبِيِّ اَللَّهِ آدَمْ وَهَذِهِ اَلتَّعَامُلَاتُ لَهَا أَحْكَامٌ نَزَلَتْ فِي كُتُبِ اَللَّهِ اَلسَّمَاوِيَّةِ يَبْتَلِي اَللَّهُ اَلْإِنْسَانُ بِشَتَّى أَنْوَاعِ اَلْبَلَايَا اَلَّتِي يَقُومُ بِهَا إِبْلِيسُ وَأَوْلَادُهُ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : { وَلْنَبْلَوْنَكَمْ بِشَيْءٍ مِنْ اَلْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ اَلْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ – اَلْبَقَرَةُ 155 } وَيَقُومُ بِذَلِكَ حِزْبَ إِبْلِيسِ فِي كُلِّ زَمَنِ وَالنَّاجِونَ مِنْ تُوكَلوا عَلَى اَللَّهِ تعالىَ وَعَمِلَوا بِأَوَامِرِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَوَلَّوا رُسُلَهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ .

وهنا :

( أَيُّكُمْ )

وَرَدَ هَذَا لِلَّفْظِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { ” قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ – اَلنَّمْلُ } أَيْ أَنَّ اَللَّهَ تعالى سَيَبْتَلِي اَلنَّاسُ أَيّهمْ أَحْسَنَ عَمَلاً كَمَا قَالَ نَبِيُّ اَللَّهِ سُلَيْمَانْ أَيَّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا لِتَوْضِيحِ اَلْمَعْنَى قَالَ تَعَالَى هُنَا { لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً – اَلْمَلِكُ } ؟

وأما :

(أحْسَنَ )

وَهُنَا أَحْسَنَ عَمَلاً هُوَ اَلَّذِي عَمِلَ بِالْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ وَأَحْكَامِهِ لِوُرُودِ لَفْظِ أَحْسَنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ – اَلزُّمَرُ 55 } وَهُوَ أَحْسَنُ اَلْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { اَللَّهُ نَزَلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِي تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودْ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبُّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرُ اَللَّهِ ذلَكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمِنْ يُضَلِّلُ اَللَّهُ فَمًا لَهُ مِنْ هَادٍ – اَلزُّمَرِ 23 } .

وَبِالتَّالِي أَيّهمْ أَحْسَنَ عَمَلاً أَيْ أَيّهمْ كَانَ مُتَوَلِّيًا لِكِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّة رَسُولِهِ وَوِلَايَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ لِأَنَّ اَلْقُرْآنَ لَمْ يَدَعُوا إِلَّا لِوِلَايَةِ هَؤُلَاءِ .

وأما :

(عَمَلاً)

هُنَا يُبَيِّنُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ كُتُبَ اَللَّهِ تَعَالَى إِلَّا لِيَعْمَلُوا بِهَا وَسَيُجَازُونَ عَلَى طَاعَتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْعَمَل وَفْقَ أَوَامِرِهِ وَآخِرَهَا اَلْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ مُحَمَّدْ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا اَلْيَوْمِ تَجْزُونَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ – اَلْجَاثِيَةَ } وَلْيَبْتَلِي اَللَّهَ تَعَالَى بُنِّيٌّ آدَمْ جَعَلَ كُلُّ مَا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِيَبْلُوَهُمْ هَلْ يَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا أُم لِلْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى { أَنَا جَعَلَنَا مَا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوِهُمْ أَيّهمْ أَحْسَنَ عَمَلاً – اَلْكَهْفَ 7 }

 وَأَمَّا :

( وَهُوَ اَلْعَزِيزُ)

وَالْعَزِيزُ أَيْ اَلَّذِي لَا يَغْلِبُ قَالَ تَعَالَى { قَالَتْ إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةُ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكْذْلَكَ يَفْعَلُونَ – اَلنَّمْلُ 34 } وَاَللَّهُ تَعَالَى اَلْعَزِيز أَيْ اَلَّذِي لَا يَغْلِبُ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ اَلْعِزَّة جَمِيعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { مَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ اَلْعِزَّة جَمِيعًا إِلَيْهِ يُصَعِّدُ اَلْكَلِمَ اَلطَّيِّبَ وَالْعَمَلَ اَلصَّالِحَ يَرْفَعُهُ وَاَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئَاتُ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أَوَّلٍأَكُ هُوَ يَبُورُ – فَاطِرٌ 10 } وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُؤْتِي اَلْمُلْكُ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ وَيَعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ اَللَّهُمَّ مَالِك اَلْمَلِكُ تَأْتِيَ اَلْمَلِكَ مِنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ اَلْخَيْرَ أَنَّكَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ قَدِيرٍ – آلِ عِمْرَانْ 26 } .

وَبِالتَّالِي هُوَ اَلْعَزِيزُ وَمِنْ أَرَادَ اَلْعِزَّةَ فَلْيَتَعَزَّز بِاَللَّهِ تَعَالَى .

 وَأَمَّا :

(اَلْغَفُورْ)

أَيُّ غَافِرٍ اَلذَّنْبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { غَافِر اَلذَّنْبِ وَقَابَلَ اَلتُّوبْ ذِي اَلطُّولِ شَدِيدٍ اَلْعِقَابِ – غَافِرٍ } وَمِنْ يَعْمَلُ سُوءًا أَوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اَللَّهُ تَعَالَى يَجِدُ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى غَفُورًا رَحِيمًا قَالَ تَعَالَى { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا – اَلنِّسَاءَ 110 } .

الفصْل الرَّابع :

إِبْليس وَبنِي آدم :

( 1 ) بَعْد آباء إِبْليس السُّجود لِآدم لَعنَة اَللَّه تَعالَى فَعمَّي وأغْبر وَجهُه وأسْود ثُمَّ تَعرَّى عن ثِيَاب أَهْل الجنَّة كمَا وعد اَللَّه تَعالَى أَهْل النَّار وَهبَط مِنهَا اَلهُبوط الأوَّل ثُمَّ اَلهُبوط الثَّاني إِلى الأرْض  :

{ قال يَا إِبْليس مَا مَنعَك أن تَسجُد لِمَا خَلقَت بِيَدي اِسْتكْبرتْ أُمٌّ كُنْت مِن العالين قال أنَا خَيْر مِنْه خلقْتَني مِن نار وخلْقَته مِن طِين قال فاخْرج مِنهَا فَإنَّك رجيم وأنَّ عليْك لَعنَتِي إِلى يَوْم الدِّين قال ربِّ فأنْظرْني إِلى يَوْم يُبْعثون قال فَإنَّك مِن الْمنْظرين إِلى يَوْم الْوقْتِ الْمعْلوم قال فبعزَّتك لَأغْوينَّهم أَجمعِين إِلَّا عِبادك مِنْهم الْمخْلصين – ص 75 – 83 } وَلمَا لَعنَة اَللَّه تَعالَى وجعْله رجيمًا اِنطبَق عليْه أَحكَام أَهْل النَّار وابْعد عن الجنَّة وَطرَد مِنهَا لِقوْله تَعالَى { قال فَاهبِط مِنهَا فمًا يَكُون لَك أن تَتَكبَّر فِيهَا فاخْرج أَنَّك مِن الصَّاغرين – الأعْراف 13 } وَهنَا اَلهُبوط هُبوطَيْنِ الأوَّل مِن الفرْدوْس اَلأُولى إِلى جَنَّة عَدْن اَلتِي كان يَعِي فِيهَا وقد أعدَّهَا اَللَّه تَعالَى لَبنِي آدم والثِّقْليْنِ فَلمَّا أكْلا مِن الشَّجَرة هَبطُوا مِنهَا هُبوطًا ثانيًا قال تَعالَى فِيه { قُلنَا اِهبِطوا مِنهَا جميعًا بَعضُكم لِبَعض عَدُو وَلكُم فِي الأرْض مُسْتَقِر وَمَتاع إِلى حِين – البقَرة } والرَّجوع إِلى اَللَّه تَعالَى يُكوِّن بِعَكس اَلهُبوط فَيكُون اِرْتفاعًا إِلى جَنَّة عَدْن فَإذَّا قَامَت القيامة اِرْتفعوا إِلى الفرْدوْس الأعْلى .

وَهنَا لِمَا طرد إِبْليس وَهبَط مِن الجنَّة اِنطبَق عليْه مِن السُّنن والْأحْكام مَا يَنطَبِق على أَهْل النَّار لأنه أول من كفر بالله تعالى وإمامهم فأغْبر وَجهُه كمَا فِي قَولِه تَعالَى { وُجُوه يَومَئِذ مُسْفِرة ضَاحِكة مُسْتبْشرة وَوجُوه يَومئِذ عليْهَا غَبرَه ترْهقهَا قَترَة أُولئك الكفَرة الفجَرة } .

ثُمَّ أَسوَد لِقوْله تَعالَى فِي أَهْل النَّار { يَوْم تَبيَض وُجُوه وتسْودُّ وُجُوه – آل عمران} وَذلِك لِأنَّهم كَفرُوا بِاللَّه وكذبوا كمًّا فِي قَولِه تَعالَى عن اِسوِداد وُجوهِهم وكلاحْتهَا { يَوْم ترى الَّذين كَذبُوا اَللَّه وُجوهَهم مُسَودَة } .

وَهنَا عَمِّي عن رُؤيَة كُلِّ مَا فِي الفرْدوْس الأعْلى بَعْد أن طرد وَهبَط مِنهَا مَذؤُوما مَدحُورا إِلى جَنَّة عَدْن وهى جنة الحياة الدنيا فلا يرى منها إلا متاعها وَكمَا أَعمَى اَللَّه تَعالَى أَهْل النَّار عن رؤية كل خير فَأوَّل مِن عمًى عن الفرْدوْس الأعْلى إِمامَهم إبليس قال تَعالَى : { ومن أَعرَض عن ذِكْرِي فَإِن لَه مَعِيشَة ضنكًا ونحْشره يَوْم الْقيامة أَعمَى قال ربِّ لِم حشرْتَني أَعمَى وقد كُنْت بصيرًا – طه 125 } .

وإذا كان هذا حاله يوم القيامة ففي الدنيا وَإبلِيس أَوَّل مِن أَعرِض عن ذِكْر اَللَّه تَعالَى لِذَلك هُو أَوَّل من عمى عن الجنَّة ونعيمهَا اَلذِي قد أَعدَّه اَللَّه تَعالَى لِلْمؤْمنين المتَّقين ولا يرى في الدنيا إلا متاعها والكفر والفسوق والعصيان والعري والشذوذ وهذا أطلق عليه القرآن الكريم أنه عمى قال تعالى { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } وقال تعالى في إبليس لذلك وحزبه { صم بكم عمي فهم لا يرجعون } .

. وَهبُوطه إِلى جَنَّة عَدْن أصبح من الغاوين الذين لا هم لهم إلا غواية بني آدم وعصيان الله تعالى وهذا عمى فلما هبط مرة ثانية من جنة عدن للدنيا أيضاً عمى عن رؤية كل مايرضي الله تعالى هو وحزبه وهو من المنظِّرين إِلى يَوْم الْوقْتِ الْمعْلوم وجنة عدن هذه جنة الحياة الدنيا لأنه قال تَعالَى فِيهَا { جَنَّات عدن اَلتِي وعد الرَّحْمن عِبادة بِالْغَيْب إِنَّه كان وَعدُه ماتْيَا لَا يسْمعون فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سلامًا وَلهُم فِيهَا رِزْقهم بِكرة وعشيًّا – مَريَم } .

وَقُلنَا أنَّ بَكرَة وعشيًّا أيْ أَنهَا جَنَّة الحيَاة الدُّنْيَا . وبعْد أن عُمْي كَذلِك تَعرَّى مِن ثِيَاب التَّقْوى فِي الجنَّة إِلى ثِيَاب وسراويل مِن قَطْران قال تَعالَى { سرابيلهم مِن قطران وتغْشى وُجوهَهم النَّار – إِبْراهيم 50 } و [ القطْران اَلشدِيد الاشْتعال , وتلْفح وُجوههم النَّار فتحرُّقهَا – التَّفْسير اَلمُيسر ] .

وَذلِك لِأَنه خرج مِن دِيوان أَهْل الجنَّة المتَّقين وَالذِين بَيَّن اَللَّه تَعالَى فِيهم أنَّ التَّقْوى هِي لِباسهم وترْك التَّقْوى له ولحزبه الكفار والمنافقين عراهم فِي اَلآخِرة عن الثياب وهى يصنعها المؤمن في الدنيا بالعمل الصالح وطاعة الله تعالى فلا ثياب لأبليس وحزبه في الآخرة إلا القطران بعد أن طرد من الفردوس الأعلى مذؤوماً مدحورا قال تعالى { قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ – الأعراف 18 } .

أي أنه تعالى قال لإبليس لعنه الله : [ اخرج من الجنة ممقوتًا مطرودًا , لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين ] . وقال تعالى فيه أيضاً { قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين – ص 77-78 } أي [فاخرج من الجنة فإنك مرجوم بالقول، مدحور ملعون ].

ثُمَّ أَقسَم إبليس لعنه الله لِنَبي اَللَّه آدم عليْه السَّلَام وزوْجه أَنَّه لَهمَا مِن النَّاصحين { ثُمَّ يَقُول تَعالَى فِي بِداية مَرْحَلة وسْوسه لِآدم وَزوجِه عَليهِما السَّلَام : { فوسْوس لَهمَا الشَّيْطان لِيبْدي لَهمَا مَا وُوري عَنهُما مِن سوْآتهمَا وَقَال مَا نَهَاكمَا رَبكُما عن هَذِه الشَّجَرة إِلَّا أن تَكونَا ملكيْنِ أو تَكونَا مِن الْخالدين وقاسمهمَا إِنِّي لَكمَا لَمِن النَّاصحين فدلَّاهمَا بِغرور فَلمَّا ذَاقَا الشَّجَرة بدتْ لَهمَا سوْآتهمَا وطفقَا يخْصفَان عَليهِما مِن ورق الجنَّة وناداهمَا ربِّهمَا ألم أُنْهكمَا عن تِلْكمَا الشَّجَرة وَأقَل لَكمَا إِنَّ الشَّيْطان لَكمَا عَدُو مُبيَّن قَالَا رَبنَا ظلمْنَا أَنفُسنا وَإِن لَم تَغفِر لَنَا وترْحمْنَا لَنَكونَن مِن الْخاسرين قال اهْبطوا بَعضُكم لِبَعض عَدُو وَلكُم فِي الأرْض مُسْتَقِر وَمَتاع إِلى حِين قال فِيهَا تحْيوْن وَفِيهَا تموتون وَمِنهَا تُخْرجون يَا بُنَي آدم قد أنْزلْنَا عليْكم لِباسًا يُوَارِي سَوآتِكم وريشًا ولباس التَّقْوى ذَلِك خَيْر ذَلِك مِن آيات اَللَّه لَعلَّهم يَذكُرون يَا بُنَي آدم لَا يفْتنْنكْم الشَّيْطان كمَا أَخرَج أَبوِيكم مِن الجنَّة يَنزِع عَنهُما لِباسهمَا لِيريهمَا سوْآتهمَا إِنَّه يراكم هُو وقبيله مِن حَيْث لَا تروْنَهم أنَا جعلنَا الشَّياطين أَولِياء لِلَّذين لَا يُؤْمنون – الأعْراف 20 – 27 } . وَهُو يَعرِف أَنهُما سيتعرَّيان مِن ثِيَاب الجنَّة أَهْل الجنَّة وسيطْردان مِنهَا وَلَكنَّه لَم يَكُن لِيعْلم أنَّ اَللَّه تَعالَى مُطلِع على مَا فِي قلْبهمَا مِن تَقوَى اَللَّه عزَّ وجلَّ وَأَنهمَا لَم يَكُونَا يتوقَّعان بِأن يَكُون هُنَاك مَخلُوق يَحلِف ويقسِّم بِاللَّه كاذبًا حِينمَا قال تَعالَى { وقاسمهمَا إِنِّي لَكمَا لَمِن النَّاصحين } وَمِن هُنَا يَتَبيَّن لَنَا أنَّ إِبْليس حِلْف يمينًا كَاذِبة وَوعَد بِإضْلَال بُنِي آدم وإغْوائهم قال تَعالَى { ولْأضلنهم أَجمعِين إِلَّا عِبادك مِنْهم الْمخْلصين } . وَقَال أيْضًا { لِأنَّ أَخرتْنِي إِلى يَوْم القيامة لَأحْتنْكن ذُرِّيَّته إِلَّا قليلا } أيْ [ وَقَال إِبْليس جَراءَة على اَللَّه وكفْرًا بِه : أَرأَيت هذَا المخْلوق اَلذِي ميَّزتْه عليَّ ؟ لِأنَّ أبْقيْتني حيًّا إِلى يَوْم القيامة لِأسْتوْلين على ذُرِّيَّته بِالْإغْواء والْإفْساد ، إِلَّا المخْلصين مِنْهم فِي الإيمان ، وَهُم قليل . – التَّفْسير اَلمُيسر ]

فَقَال تَبارَك وَتَعالَى لَه { اِذْهب فَمِن تَبعَك مِنْهم لَأملْئْن جَهنَّم مِنْكم أَجمعِين } . وَلذَلِك تاب اَللَّه تَعالَى عَليهِما ولم يَتُب على إِبْليس لَعنَة اَللَّه لِأَنه أَقسَم فِي يمين كَاذِبة وَكذِب على آدم لِأَنه رَأْي عَمَليَّة خُلُقه وشاهد أَمْر اَللَّه تَعالَى حِينمَا أَمرَه بِالسُّجود لَه عليْه السَّلَام ولم يَكُن حِينهَا قد دَبَّت فِيه الرُّوح فِيه عِلْسله السَّلَام لِيَعي ويفْهم مَا يَدُور وَمِن هُنَا تَأْت اَلثقَة فِي اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى وكتابه اَلكرِيم والْإيمان بِه هُو أَوَّل طريق دُخُول الجنَّة لِأَنه تَعالَى هُو الخالق وَهُو أَعلَم بِمن خلق ولَا عِلْم لَنَا كمخْلوقين قال تَعالَى { ألَا يَعلَم من خلق وَهُو اللَّطِيف الْخبِير } وَلذَلِك حَذَّر اَللَّه تَعالَى آدم وزوْجه وذرِّيَّته مِن بُعْدِه فَقَال تَعالَى { فَقُلنَا يَا آدم إِنَّ هذَا عَدُو لَك وَلزوْجِك فلَا يخْرنْكمَا مِن الجنَّة فتشْقى – طه 117 }

لَقد عاش كُلُّ هؤلاء اَلخُلق مِن بَنِي آدم فِي جَنَّة عَدْن ومعهم إِبْليس وَلقَد أَنذَر اَللَّه عزَّ وجلَّ نَبِي اَللَّه آدم وزوْجه بِأنَّ هذَا عَدُو لَه وَلزوْجِه وذرِّيَّته مِن بُعْدِه وَأَنذرَه مِن الاقْتراب مِن تِلْك الشَّجَرة الملْعونة والْأَكْل مِنهَا وَحينِها سيطْرد مِن الجنَّة لِلشَّقَاء والْعناء فِي الأرْض والْمكابدة قال تَعالَى { فَقُلنَا يَا آدم إِنَّ هذَا عَدُو لَك وَلزوْجِك فلَا يُخْرجنَّكمَا مِن الْجنَّة فتشْقى إِنَّ لَك أَلَّا تَجُوع فِيهَا ولَا تَعرَّى وَأنَّك لَا تَظمَأ فِيهَا ولَا تُضحِّي فوسْوس إِلَيه الشَّيْطان قال يَا آدم هل أَدُلك على شَجرَة الْخلْد وَمُلك لَا يَبلَى فأكلَا مِنهَا فَبدَت لَهمَا سوْآتهمَا وطفقَا يخْصفَان عَليهِما مِن ورق الجنَّة وَعصَى آدم ربُّه فَغوَى ثُمَّ اجْتبَاه ربُّه فَتَاب عليْه وَهدَى قال اهْبطَا مِنهَا جميعًا بَعضُكم لِبَعض عَدُو فَإمَّا يأْتينكم مِنِّي هُدَى فَمِن اِتَّبع هُدَاي فلَا يُضِل ولَا يَشقَى – طه 117 – 123 } .

وَهنَا أخْرجَهم اَللَّه تَعالَى مِن الجنَّة لِيهْبطوا إِلى الأرْض وَهُو اَلهُبوط الثَّاني لِإبْلِيس والْأَوَّل لِآدم وَزوجِه حَيْث العنَاء والتَّعب والشَّقاء قال تَعالَى هُنَا { قال اهْبطوا بَعضُكم لِبَعض عَدُو وَلكُم فِي الأرْض مُسْتَقِر وَمَتاع إِلى حِين – البقَرة 24 } .

فلما هبط إبليس الهبوط الثاني إلى الدنيا مذؤوما مدحوراً كما بينا بسواد وجهه وعماه عن رؤية الجنة وما يؤدي لها ونزع ثياب الجنة عنه .

ولذلك قال تعالى عنه أنه رجيم و الرجم لأبليس وحزبه من أنفس السوء بذكر الله تعالى وقول الحق و هو القرآن الكريم الذي يكون ستراً لهؤلاء المؤمنين من شياطين الجن التي تراهم من حيث لا يراهم بني آدم  فيكون ذكر الله لهم حفظاً وستراً وحجاباً في الدنيا من مكر و كيد إبليس وحزبه من الجن ووسوستهم إلى الإنس ونقلهم لأخبار المؤمنين لتتبعهم والفتك بهم خاصة في الحروب و بالتالي كما أن الرجم للأجساد الإنسانية أو السوءات في الدنيا بالحجارة كذلك رجم إبليس وحزبه من الجن وتعميتهم عن رؤية المؤمنين وتتبعهم يكون بذكر الله تعالى لذلك يقول عز وجل : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا – الإسراء 45 } ولذلك السبب يوصي عز وجل المؤمنين المقاتلين في سبيل الله بكثرة ذكر الله عند لقاء العدو حتى ينتصرون عليه بإذن الله قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون –الأنفال 45 }

و هذا الذكر أيضاً يأتي بإجابة الدعاء وتفتح أبواب السماء لنزول ملائكة لنصرة المسلمين فيتحقق وعد الله تعالى ولا يتحقق هذا الوعد إلا بولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام والولاية لغيرهم لا تفتح لهم أبواب الدعاء والإجابة فلا يظنن أحداً أنه بذكر الله وبغير ولاية أهل بيت النبي عليهم السلام يمكن أن يحقق نصراً على العدو .

وفي الآخرة العمل الصالح للمؤمنين يتحول إلى متاع لهم من ماء ونور و ملبس ومأوى قال تعالى في ثياب الدنيا أنها الريش والتقوى في الآخرة فكما أن لباس الدنيا الريش والملابس بكافة أنواعها كذلك بين تعالى أن ثياب المؤمن بعد الموت تقوى الله عز وجل كما في قوله عز وجل { يَا بُنَي آدم قد أنْزلْنَا عليْكم لِباسًا يُوَارِي سَوآتِكم وريشًا ولباس التَّقْوى ذَلِك خَيْر – الأعراف 26 } .

  • فَلمَّا لَعنَ الله تعالى إبليس وطرْده مِن الجنَّة مذؤوماً مدحورا كمَا أسْلفْنَا لذَلِك كاد ومكْر بِنَبي اَللَّه آدم وزوْجه وذرِّيَّتهمَا مِن بَعْد وأقْسم على ذَلِك غَيَّر حانثًا فِي قَولِه تَعالَى { قال فاخْرج مِنهَا فَإنَّك رجيم وأنَّ عليْك لَعنَتِي إِلى يَوْم الدِّين قال ربِّ فأنْظرْني إِلى يَوْم يُبْعثون قال فَإنَّك مِن الْمنْظرين إِلى يَوْم الْوقْتِ الْمعْلوم قال فبعزَّتك لَأغْوينَّهم أَجمعِين إِلَّا عِبادك مِنْهم الْمخْلصين قال فالْحقُّ والْحقَّ أَقُول لَأَملأَن جَهنَّم مِنْك وَممَّن تَبعَك مِنْهم أَجمعِين – ص 77 – 85 } .

 

 ( 2 ) بِداية الطُّور الثَّاني ومشاركة الشَّيْطان أو الملَاك لِتلْك النُّطْفة مُنْذ وضْعهَا فِي رَحِم اَلأُم مِن يوْمهَا الأوَّل :

بَيِّن تَعالَى أنَّ السُّوءة وَهذَا الجسد الطِّينيُّ اَلسفْلِي وَهبَه اَللَّه تَعالَى اَلقُدرة على الإنْجاب فِي الدُّنْيَا بِواسِطة الاتِّصال المباشر بَيْن ذكر وَأُنثَى وهْمًا جسديْنِ يحْويَان بِداخلهمَا نفْسيْنِ أَمَّا صَالِحة أو طَالِحة والْبداية تَكُون فِي خَلْق بُنِي آدم ومشاركة إِبْليس لِلذُّرِّيَّة مُنْذ الدُّخول بِالزَّوْجة ونكاحهَا وَمِن هُنَا حَذَّر اَللَّه تَعالَى مِن عدم تَسمِية اَللَّه تَعالَى عِنْد نِكَاح الزَّوْجة قال تَعالَى فِي مُشَاركَة إِبْليس بُنِي آدم فِي ذُرِّيَّاتهم : { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد – الإسْراء 64 }

ورد فِي تَفسِير الطَّبَري :

[ . . وأوْلى الأقْوال فِي ذَلِك بِالصَّواب قَوْل من قال : عُنِي بِذَلك كُلُّ مالٍ عصى اَللَّه فِيه بِإنْفَاق فِي حَرَام أو اِكتِساب مِن حَرَام ، أو ذَبْح لِلْآلِهة ، أو تِسييب ، أو بَحْر لِلشَّيْطان ، وغيْر ذَلِك مِمَّا كان معصيا بِه أو فِيه ، وَذلِك أنَّ اَللَّه قال { وشاركهم فِي الأمْوال } فَكُل مَا أُطيع الشَّيْطان فِيه مِن مالٍ وَعصَى اَللَّه فِيه ، فقد شَارَك فَاعِل ذَلِك فِيه إِبْليس ، فلَا وَجْه لِخصوص بَعْض ذَلِك دُون بَعْض . . . وقوْله : { والْأوْلاد } اِختلَف أَهْل التَّأْويل فِي صِفة شَركَتِه بُنِي آدم فِي أوْلادهم ، فَقَال بَعضُهم : شركته إِيَّاهم فِيهم بِزناهم بِأمَّهاتهم . ذِكْر من قال ذَلِك : حَدثَنِي مُحمَّد بْن سَعْد ، قال : ثَنْي أَبِي ، قال : ثَنْي عَمِّي ، قال : ثَنْي أَبِي ، عن أبيه ، عن اِبْن عَبَّاس ، قَولُه { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } قال : أَولَاد الزِّنَا . حَدثَنِي أَبُو السَّائب ، قال : ثَنَاء اِبْن إِدْريس ، قال : سُمعَت لَيْثًا يُذكَر عن مُجَاهِد { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } قال : أَولَاد الزِّنَا . حَدثَنِي مُحمَّد بْن عمْرو ، قال : ثَنَاء أَبُو عَاصِم ، قال : ثَنَاء عِيسى وحدَّثَني الحرْث ، قال : ثَنَاء الحسن ، قال : ثَنَاء وَرْقاء ، جميعًا عن اِبْن أَبِي نجيح ، عن مُجَاهِد { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } قال : أَولَاد الزِّنَا . حدَّثنَا القاسم ، قال : ثَنَاء اَلحُسين ، قال : ثَنْي حُجَّاج ، عن اِبْن جُرَيج ، عن مُجَاهِد قال : أَولَاد الزِّنَا . حَدثَت عن اَلحُسين ، قال : سُمعَت أبًا مُعَاذ قال : ثَنَاء عُبَيد بْن سُليْمَان ، قال : سَمعَت الضَّحَّاك يَقُول { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } قال : أَولَاد الزِّنَا ، يَعنِي بِذَلك أَهْل الشِّرْك . حدَّثنَا اِبْن حميد ، قال : ثَنَاء جرير ، عن مَنصُور ، عن مُجَاهِد ، فِي قَولِه : { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } قال : الأوْلاد : أَولَاد الزِّنَا . وَقَال آخرون : عُنِي بِذَلك : وَأدُهم أوْلادهم وقتلْهموهم . ذِكْر من قال ذَلِك : حَدثَنِي عَلِي ، قال : ثَنَاء عَبْد اَللَّه ، قال : ثَنْي مُعَاويَة ، عن عَلِي ، عن اِبْن عَبَّاس { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } قال : مَا قُتلوا مِن أوْلادهم ، وأتوْا فِيهم الحرَام . وَقَال آخرون : بل عُنِي بِذَلك : صَبغُهم إِيَّاهم فِي اَلكُفر . . . – الطَّبَري ] القرْطبيَّ : [ رُوِي عن مُجَاهِد قال : إِذَا جَامِع الرَّجل ولم يُسَم اِنطوَى اَلْجان على إِحْليله فجامع معه ، فَذلِك قَولُه تَعالَى : { لَم يطْمثْهنَّ إِنْس قبْلهم ولَا جانٌّ } وَسيأْتِي . ” وَروِي مِن حديث عَائِشة قَالَت قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم : أنَّ فِيكم مغْربيِّين قَلَّت : يَا رَسُول اَللَّه ، ومَا المغرْبون ؟ قال : الَّذين يَشتَرِك فِيهم اَلجِن ” رَوَاه التِّرْمذي اَلحكِيم فِي نَوادِر اَلأُصول . . . . قال الهرَوي : سُمُّوا مغْربيِّين لِأَنه دخل فِيهم عِرْق غريب . قال التِّرْمذي اَلحكِيم : فَللجِن مُسَاماَة بِابْن آدم فِي اَلأُمور والاخْتلاط ، فمنْهم مِن يَتَزوَّج فِيهم ، وكانتْ بِلْقيس مَلكَة سبأ أحد أَبَويهَا مِن اَلجِن – تَفسِير القرْطبيِّ ] .

تَفسِير اَلقُرآن اَلعظِيم لِابْن كثير :

[ قال اِبْن جرير وأوْلى الأقْوال بِالصَّواب أن يُقَال كُلٌّ مَولُود ولدتْه أُنثَى عصى اَللَّه فِيه بِتسْميته بِمَا يكْرهه اَللَّه ، أو بِإدْخاله فِي غَيْر الدِّين اَلذِي اِرْتضَاه اَللَّه ، أو بِالزِّنَا بِأمِّه ، أو بِقتْله ، أو غَيْر ذَلِك مِن اَلأُمور اَلتِي يُعصَى اَللَّه بِفعْله بِه أو فِيه ، فقد دخل فِي مُشَاركَة إِبْليس فِيه مِن ولد ذَلِك الولد لَه أو مِنْه لِأنَّ اَللَّه لَم يُخصِّص بِقوْله { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } مَعنَى اَلشرِكة فِيه بِمعْنًى دُون مَعْنى ، فَكُل مَا عُصِي اَللَّه فِيه ، أو بِه وأطيع الشَّيْطان فِيه ، أو بِه ، فَهُو مُشَاركَة ، . . . ” يَقُول اَللَّه عزَّ وجلَّ إِنِّي خَلقَت عَبادِي حُنَفاء ، فجاءتْهم الشَّياطين ، فاجْتالتهم عن دِينهم ، وَحُرمَت عَليهِم مَا أَحلَلت لَهُم ” وَفِي ” الصَّحيحيْنِ ” أنَّ رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم قال ” لَو أنَّ أَحدَهم إِذَا أَرَاد أن يَأتِي أَهلُه ، قال بِسْم اَللَّه ، اللَّهمَّ جنِّبْنَا الشَّيْطان ، وجنْب الشَّيْطان مَا رَزَقتنَا فَإنَّه إِن يُقدَّر بيْنهمَا وُلِد فِي ذَلِك ، لَم يَضُره الشَّيْطان أبدًا ” وقوْله تَعالَى { وَعدُهم ومَا يَعدُهم لَشيط ن إِلَّا غُرورًا } كمَا أَخبَر تَعالَى عن إِبْليس أَنَّه يَقُول إِذَا حَصحَص اَلحَق يَوْم يُقضَى بِالْحقِّ { إِنَّ اَللَّه وعْدكم وعد لَحِق ووعدتْكم فِأخْلفْتكْم – إِبْراهيم 22 } . وقوْله تَعالَى { أنَّ عَبادِي لَيْس لَك عَليهِم سُلْطان } إِخبَار بِتأْييده تَعالَى عِباده المؤْمنين ، وحفْظه إِيَّاهم ، وحراسته لَهُم مِن الشَّيْطان اَلرجِيم ، وَلِهذَا قال تَعالَى { وَكفَى بِرَبك وكيلا } أيْ حافظًا ومؤيِّدًا ونصيرًا ، وَقَال الإمَام أَحمَد حدَّثنَا قُتيْبَة ، حدَّثنَا اِبْن لَهِيعَة عن مُوسَى بْن وَرَدان عن أَبِي هُريْرَة رَضِي اَللَّه عَنْه أنَّ رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم قال ” إِنَّ اَلمُؤمن لِينْضي شياطينه كمَا يَنضِي أَحدَكم بَعِيرَه فِي السَّفر ” يَنضِي ، أيْ يَأخُذ بِناصيته ويقْهَره .

ورد فِي تَفسِير البرْهان : عن بَيَان هَذِه الآية :

[ عن أَبِي بصير ، عن أَبِي عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) فِي مَعْنى : ولَا تَجعلُه شرك الشَّيْطان ، قال : قَلَّت : وكيْف يَكُون مِن شرك الشَّيْطان ؟ قال : ” إِذَا ذكر اِسْم اَللَّه تَنحَّى الشَّيْطان ، وَإِن فِعْل ولم يُسَم أَدخَل ذِكْره ، وَكَان العمل مِنْهمَا جميعًا والنُّطْفة وَاحِدة ” . – وعن أَبِي بصير ، قال : قال أَبُو عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : ” يَا أبَا مُحمَّد ، أيُّ شَيْء يَقُول الرَّجل مِنْكم إِذَا دَخلَت عليْه اِمْرأَته ؟ ” . قَلَّت : جَعلَت فَدَاك ، أ يَستطِيع الرَّجل أن يَقُول شيْئًا ؟ فَقَال : ” أَلَّا أُعَلمَك مَا تَقُول ؟ ” قَلَّت : بلى . قال : ” تَقُول : بِكلمَات اَللَّه اسْتحللتْ فَرجُها ، وَفِي أَمانَة اَللَّه أَخَذتهَا ، اللَّهمَّ إِنَّ قضيْتَ لِي فِي رَحِمهَا شيْئًا فاجْعَلْه بَارَا تقيًّا ، واجْعَلْه مُسْلِما سويًّا ، ولَا تَجعَل فِيه شِرْكًا لِلشَّيْطان ” . قَلَّت : وَبأَي شَيْء يَعرِف ذَلِك ؟ قال لَه : ” أُمًّا تَقرَأ كِتَاب اَللَّه عزَّ وجلَّ ، ثُمَّ اِبتدَأ هُو : { وشاركهم فِي ا لِأمْوَال والْأوْلاد } فَإِن الشَّيْطان يجيء حَتَّى يَقعُد مِن المرْأة كمَا يَقعُد الرَّجل مِنهَا ، ويحْدث كمَا يَحدُث ، وَينكِح كمَا يَنكِح ” . قَلَّت : بِأيِّ شَيْء يَعرِف ذَلِك ، قال : ” بِحبِّنَا وَبغضِنا ، فمن أَحِبنَا كان مِن نُطفَة العبْد ، وَمِن أبْغضنَا كان مِن نُطفَة الشَّيْطان ” . – عن أَبِي بصير ، قال : قال لِي أَبُو عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : ” يَا أبَا مُحمَّد ، إِذَا أتيْتُ أَهلُك ، فأيُّ شَيْء تَقُول ؟ ” قال : قَلَّت : جَعلَت فَدَاك ، وأطيق أن أَقُول شيْئًا ؟ قال : ” بلى ، قلَّ : اللَّهمَّ إِنِّي بِكلماتك اسْتحللتْ فرجَّهَا ، وبأمانتك أَخَذتهَا ، فَإِن قضيْتَ فِي رَحِمهَا شيْئًا فاجْعَلْه تقيًّا زكيًّا ، ولَا تَجعَل لِلشَّيْطان فِيه شِرْكًا ” . قال : قَلَّت : جَعلَت فَدَاك ، ويكوِّن فِيه شرك لِلشَّيْطان ؟ قال : ” نَعِم ، أُمًّا تَسمَع قَوْل اَللَّه عزَّ وجلَّ : { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } فَإِن الشَّيْطان يجيء فيقْعد كمًّا يَقعُد الرَّجل ، وَينزِل كمَا يَنزِل الرَّجل . قال : قَلَّت : بِأيِّ شَيْء يَعرِف ذَلِك ؟ قال : ” بِحبِّنَا وَبغضِنا ” . – وعن سُليْمَان بْن قَيْس ، قال : سُمعَت أمير المؤْمنين ( عليْه السَّلَام ) يَقُول : ” قال رَسُول اَللَّه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) : إِنَّ اَللَّه حرم الجنَّة على كُلِّ فَحَاش بذيء قليل الحيَاء ، لَا يُبَالِي مَا قال ومَا قِيل لَه ، فَإنَّك إِن فتَّشتْه لَم تجدْه إِلَّا لِغَيه أو شرك الشَّيْطان . فَقَال رَجُل : يَا رَسُول اَللَّه ، وَفِي النَّاس شرك شَيْطان ؟ فَقَال : أُمًّا تَقرَأ قَوْل اَللَّه عزَّ وجلَّ : { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } . فقيل : وَفِي النَّاس مِن لَا يُبَالِي مَا قال ومَا قِيل لَه ؟ فَقَال : نعم ، مِن تَعرُّض لِلنَّاس فَقَال فِيهم وَهُو يَعلَم أَنهُم لَا يتْركونه ، فَذلِك اَلذِي لَا يُبَالِي مَا قال ومَا قِيل لَه ” . – عن أَبِي جَعفَر ( عليْه السَّلَام ) قال : سألتْه عن شرك الشَّيْطان : قَولُه : { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } . قال : ” مَا كان مِن مال حَرَام فَهُو شرك الشَّيْطان – قال – ويكوِّن مع الرَّجل حَتَّى يُجَامِع ، فَيكُون مِن نُطْفته وَنُطفَة الرَّجل إِذَا كان حرامًا ” . – عن زُرَارَة ، قال : كان يُوسُف أَبُو الحجَّاج صديقًا لِعَلي بْن اَلحُسين ( عليْه السَّلَام ) وَأنَّه دخل على اِمْرأَته فَأَراد أن يَضُمهَا – أَعنِي أُمُّ اَلحُجاج – قال : فقالتْ لَه : إِنَّما عَهدُك بِذَاك السَّاعة ، قال : فَأتَى عَلِي بْن اَلحُسين ( عليْه السَّلَام ) فَأَخبرَه ، فأمْره أنَّ يُمْسِك عَنهَا ، فأمْسك عَنهَا ، فَوُلدَت بِالْحجَّاج ، وَهُو اِبْن شَيْطان ذِي الرَّدْهة . – عن عَبْد اَلمَلِك بْن أَعيُن ، قال : سُمعَت أبًا جَعفَر ( عليْه السَّلَام ) يَقُول : ” إِذَا زنى الرَّجل أَدخَل الشَّيْطان ذِكْره ، ثُمَّ عملا جميعًا ثُمَّ تَختَلِط النُّطْفتان ، فيخْلق اَللَّه مِنْهمَا ، فَيكُون شَركَة الشَّيْطان ” . عن سليم بْن قَيْس الهلالي ، عن أمير المؤْمنين ( عليْه السَّلَام ) ، قال : ” قال رَسُول اَللَّه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) : ” إِنَّ اَللَّه حرم الجنَّة على كُلٍّ فَاحِش بذيء قليل الحيَاء ، لَا يُبَالِي بِمَا قال ولَا مَا قِيل لَه ، فَإنَّك إِن فتَّشتْه لَم تجدْه إِلَّا لِغَيه أو شرك الشَّيْطان ” . قِيل : يَا رَسُول اَللَّه ، وَفِي النَّاس شرك الشَّيْطان ؟ فَقَال : أو مَا تَقرَأ قَوْل اَللَّه : { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } ” .

– عن يُونُس ، عن أَبِي اَلربِيع الشَّاميِّ ، قال : كُنْت عِنْده لَيلَة ، فَذكَر شرك الشَّيْطان فَعظمَة حَتَّى أفْزعَني ، فَقُلت : جَعلَت فَدَاك ، فمًا اَلمخْرِج مِنهَا ، ومَا نَصنَع ؟ قال : ” إِذَا أردْتُ المجامعة فقلَّ : بِسْم اللَّه الرَّحْمن الرَّحِيم ، اَلذِي لَا إِله إِلَّا هُو ، بديع السَّماوات والْأَرْض ، اللَّهمَّ إِنَّ قضيْتَ شيْئًا خلقتْه فِي هَذِه اللَّيْلة ، فلَا تَجعَل لِلشَّيْطان فِيه نصيبًا ، ولَا شِرْكًا ، ولَا حظًّا ، واجْعَلْه عبْدًا صالحًا خالصًا مُخْلِصا مُصيبًا وذرِّيَّته ، جُلُّ ثناؤك ” . – عن سُليْمَان بْن خَالِد ، قال : قَلَّت لِأَبي عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : مَا قَوْل اَللَّه : { وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد } ؟ قال : فَقَال : ” قلَّ فِي ذَلِك قوْلا : أَعُوذ بِاللَّه اَلسمِيع اَلعلِيم مِن الشَّيْطان اَلرجِيم ” . – عن العلَاء بْن رزين ، عن مُحمَّد ، عن أَحدِهما ( عَليهِما السَّلَام ) ، قال : ” شرك الشَّيْطان ، مَا كان مِن مال حَرَام فَهُو مِن شَركَة ، ويكوِّن مع الرَّجل حِين يُجَامِع ، فَتكُون نُطْفته مِن نُطْفته إِذَا كان حرامًا – قال – فَإِن كِلْتيْهمَا جميعًا تخْتلطان – وَقَال – رُبمَا خلق مِن وَاحِدة ، وَرُبمَا خَلْق مِنْهمَا جميعًا ” . – صَفْوان الجمَال ، قال : كُنْت عِنْد أَبِي عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) فاسْتأْذن عِيسى بْن مَنصُور عليْه ، فَقَال لَه : ” مَا لَك وَلفُلان ، يَا عِيسى ، أُمًّا إِنَّه مَا يَحبُك ! ” فَقَال : بِأَبي وَأُمي ، يَقُول قَولُنا ، وَهُو يَتَولَّى من نَتَولَّى . فَقَال : ” إِنَّ فِيه نَخوَة إِبْليس ” . فَقَال : بِأَبي وَأُمي ، أليْس يَقُول إِبْليس : ( خلقْتَني مِن نار وخلْقَته مِن طِين – الأعْراف : 12 ) ، ص : 76 ] ؟ فَقَال أَبُو عَبْد اَللَّه ( عليْه السَّلَام ) : ” أليْس اَللَّه يَقُول : ( وشاركهم فِي الأمْوال والْأوْلاد ) فالشَّيْطان يباضع اِبْن آدم هَكذَا ” وقرْن بَيْن إِصْبعَيْه . – عن زُرَارَة ، عن أَبِي جَعفَر ( عليْه السَّلَام ) قال : سُمْعته يَقُول : ” كان اَلحُجاج اِبْن شَيْطان يباضع ذِي الرَّدْهة ” . ثُمَّ قال : ” إِنَّ يُوسُف دخل على أُمِّ اَلحُجاج ، فَأَراد أن يُصيبَهَا ، فقالتْ : أليْس إِنَّما عَهدُك بِذَلك السَّاعة ؟ فأمْسك عَنهَا ، فَوُلدَت اَلحُجاج ” . – تَفسِير البرْهان لِلسَّيِّد هَاشِم البحْرانيّ ] .

وَهنَا بِمشاركة الزَّوْجة يَخرُج الولد كَبذْرَة تُوضَع فِي رَحِم اَلأُم فَإمَّا أن تَخرُج طِيبة بِصلاح الزَّوْج أو صَلَاح الزَّوْجيْنِ أو صَلَاح الزَّوْج وَسُوء نِسب الزَّوَّة فيخْرج الولد مائلا بِطبْعه وجبلَّته لِعصْيَان اَلأَب تبعًا لِنسب السُّوء اَلذِي خلط بِنسب طَيِّب وَلعَل مِثَال وُلِد نُوح ( كَنْعان ) خَيْر مِثَال على ذَلِك حَيْث قال تَعالَى { قال ربُّ إِنَّ اِبْنِي مِن أَهلِي وَإِن وَعدَك اَلحَق وأنْتَ أَحكَم الحاكمين قال يَانُوح إِنَّه لَيْس مِن أَهلِك إِنَّه عمل غَيْر صَالِح ) وبعْد الميلاد يَكُون وُلِد السُّوء لَه علامَات فَترَى فِيه العنَاد والْغباء وَفعَل كُلُّ مَايغِيظ الوالديْنِ وَهُو طِفْل صغير وَلذَلِك يَقُول صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ مِن علامَات السَّاعة أن يَكُون الولد غيْظًا والْمَطر قيْظًا . . اَلحدِيث ] . وَهذَا يَبدَأ مِن الطُّفولة بِالشَّقاوة وينْتَهي بِالاعْتداء والضَّرْب والْقَتْل لِلْوالديْنِ وَهُو مِن علامَات السَّاعة أيْضًا قال صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ مِن علامَات السَّاعة قَتْل الأرْحام . . اَلحدِيث ]  .

وذلِك لِسوء اِختِيار اَلأَب أوَّلا لِنطْفَته وَخرُوجه على قَوْل اَلنبِي المعنى اَلتِي قال فِيهَا صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ تخيَّروا لِنطفِكم فَإِن العرْق دَسَّاس . . . اَلحدِيث ]

وَهنَا يُمْكِن القوْل بِأنَّ هُنَاك مِن الذَّرِّيَّة اَلتِي تَكُون نُطْفتهَا صَالِحة مُنْذ الميلاد وَهُو طِفْل رضيع فيجْعَله اَللَّه تَعالَى قُرَّة عَيَّن أَبوَاه مُنْذ الميلاد وَهذَا هُو الدُّعَاء اَلذِي قال تَعالَى فِيه { رَبنَا هبَّ لَنَا مِن أزْواجنَا وذرِّيَّاتنَا قُرَّة أَعيُن واجْعلْنَا لِلْمتَّقين إِمامًا } فَمُنذ مِيلاده يُرزَق اَللَّه تَعالَى أَبوَاه رِزْقه كمَا قال تَعالَى { نَحْن نَرزُقكم وإيَّاهم } فَإذَا – صُبْح فتًى ترى فِي عَينِه ثِقَته التَّامَّة فِي أَبَاه وَيكُون تَابِعا لَه غَيْر شاقٍّ ولَا عاق كمَا قال تَعالَى فِي سيِّدنَا إِسْماعيل وقوْله لِأبيه عَليهِما السَّلَام { يَا أبتْ اِفْعل مَا تَأمُر ستجدني إِن شاء اَللَّه مِن الصَّالحين } وَهنَا يَكُون اَلأَب قد وضع أبْناءه على اَلطرِيق الصَّوَاب لِنَيل خَيرِي الدُّنْيَا والْآخرة وَتظَل هَذِه البرَكة حَوْل السُّرَّة وَارِفة مادام يُطْعمهم مِن حَلَال ولم يَظلِم أحد .

 ( 3 ) جُلُود النَّاس فِي الدُّنْيَا ( سَوآُتهم ) تُخْفِي بِداخلهَا أَهْل النَّار وأهْل الجنَّة فلَا يَعرِف أَحَدهمَا الآخر إِلَّا بِعمله :

 بيِّنًا مِن قَبْل أنَّ ثِيَاب المؤْمنين فِي جَنَّة عَدْن وَأولِهم أَبُو البشر سَيدُنا آدم وزوْجه عَليهِما السَّلَام كان لِباسهمَا التَّقْوى فَنزَع عَنهُما إِبْليس هَذِه التَّقْوى لِتظْهر أجْسادهم وَلذَلِك نَقُول إِنَّ إِبْليس وَحِزبَه بِلَا تَقوَّى كَانُوا عُرَاة فِي جَنَّة عَدْن يَعرِف كُلًّا مِنْهمَا الآخر أو بِثياب القطْران اَلتِي يلْبسونهَا وَأَراد إِبْليس أن يَنزِع عن بُنِّي آدم هذَا اللِّبَاس فَلمَّا نَزلُوا إِلى الدُّنْيَا أَنزَل اَللَّه تَعالَى لَهُم اللِّبَاس والرِّيش كمَا فِي اَلآيَة لِيواري كُلًّا مِنْهمَا جِلْده وسوَّأَتْه وَبيَّن تَعالَى أنَّ هذَا اللِّبَاس غَيْر مَوجُود فِي اَلآخِرة بَعْد الموْتِ لِأنَّ لِبَاس الجنَّة هُو تَقوَّى اَللَّه تَعالَى والْعَمل بِمَا أمر وَهذِه السُّوءة اَلتِي بدتْ مُثلَهَا لِحزْب الشَّيْطان واللِّباس فِي الدُّنْيَا لِكلَا الحزْبيْنِ وبالتَّالي جُلُود الدُّنْيَا اَلتِي أَطلَق اَلقُرآن اَلكرِيم عليْهَا السُّوءة وَالتِي هِي بِداخل جُلُود بُنِي آدم هَذِه اَلجُلود لَا عَذَاب عليْهَا لِأنَّهَا مَأمُورة بِسَتر جُلُود أُخرَى بِداخلهَا نَفْس جَهنمِية خَلقَت مِن طِينة جَهنَّم وَمِن هُنَا قال تَعالَى عن هَذِه اَلجُلود اَلتِي بدتْ بِأَمر اَللَّه بعْدمَا هَبطُوا إِلى الأرْض ستشْهد على بُنِّي آدم وتعْطيهم درْسًا تُوبيخْيَا لِعصْيانهم اَللَّه تَعالَى فِي قَولِه تَعالَى : { ويوْم يُحشَر أَعدَاء اللَّه إِلى النَّار فَهُم يُوزعون حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون وقالوا لِجلودهم لِم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة وإليْه ترْجعون ومَا كُنتُم تسْتترون أن يَشهَد عليْكم سَمعُكم ولَا أبْصاركم ولَا جُلودكم وَلكِن ظننْتم أنَّ اللَّه لَا يَعلَم كثيرًا مِمَّا تعْملون وذلكم ظَنكُم الَّذي ظننْتم بِربِّكم أرْداكم فأصْبحْتم مِن الْخاسرين – فُصلَت 19 – 23 } وعن جُلودِهم الخاصَّة بِالنَّفْس الجهنَّميَّة الأمَّارة بِالسُّوء أو الإنْسان الدَّاخليِّ لِأعْدَاء اَللَّه فَهِي نَفْس تعيش فِي الدُّنْيَا مُتوارية دَاخِل سَوأَتِه كمَا قُلنَا فَهذِه هِي اَلتِي يُعَذبهَا اَللَّه تَعالَى فِي جَهنَّم لِتذوق العذَاب كمَا فِي قَولِه تَعالَى { أن الَّذين كَفرُوا بِآياتنَا سَوْف نصليهم نارًا كُلمَا نَضجَت جُلودَهم بدَّلْناهم جُلودًا غَيرُها لِيذوقوا العذَاب إِنَّ اَللَّه كان عزيزًا حكيمًا – النِّسَاء 56 } .

(4) القاعدة القرْآنيَّة العامَّة اَلتِي تَقُول بِأنَّ الصَّالح يَلِد صالحًا والْكافر يَلِد كافرًا وخصوصيَّة القاعدة :

قال تَعالَى : { وَالذِين آمنوا وعملوا الصَّالحات ألْحقَنَا بِهم ذُرِّيَّاتهم ومَا ألتْناهم مِن عَملهِم مِن شَيْء } وَقَال تَعالَى فِي أَهْل النَّار { ربٌّ لَا تذر على الأرْض مِن الكافرين دِيارَا إِنَّك إِن تَذرهُم يُضلُّوا عِبادك ولَا يَلدُوا إِلَّا فاجرًا كفَّارًا – نُوح } وَشَواذ القاعدة أَزْر عمِّ نَبِي اَللَّه إِبْراهيم أو اِبْن نَبِي اَللَّه نُوح عَليهِما السَّلَام وقد بيِّنًا الأسْباب اَلخفِية والْعَكْس صحيح فقد تَكُون اِمرأَة مِن قَوْم كَافرِين وَلكِن تُبْطِن بِداخلهَا الصَّلَاح مِن عِرْق مُمتَد فِي أحد أَفرُع أُسْرتِهَا فيخْرج مِنهَا صالحًا وسط قَوْم كافْرينْن لِإقامة اَلحُجة عَليهِم مِن أَنفسِهم قال تَعالَى { ويوْم نَبعَث فِي كُلِّ أُمَّة شهيدًا عَليهِم مِن أَنفسِهم – النَّحْل 89 } . فَإذَا بلغ أَشُده هذَا الإنْسان بِسوْأَته بعْدمَا خرج مِن بَطْن أُمِّه وَيكُون اِقتِران النَّفْس فِي رَحِم اَلأُم بِناءًا على نُطفَة اَلأَب وهل سَمَّى اَللَّه أم لَا وهل هُو يَعمَل صالحًا أم لَا وَهنَا يَكُون اَلأَب قد اِخْتَار لِنطْفَته النَّفْس اَلتِي ستقْتَرن بِهَا فَإِن كَانَت فِي زِنَا نَزلَت لَه نَفْس مِن جَهنَّم تَقتَرِن بِهَا وغذاء قُلنَا الزِّنَا فلَا نَعنِي شابًّا وَفَتاة أَحبَّا بَعضُهما واتَّفَقَا على الزَّوَاج وَحدَث بيْنهمَا الفاحشة فَهذَا لَيْس الزِّنَا المقْصود وَالذِي يَخرُج مِنْه وُلِد الزِّنَا لِأنَّ ولد اِلونَا قال فِيه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ أن تَزنِي بِحليلة جَارِك . . ] . أيُّ الجمَاع مع اِمرأَة مُحَصنَة وَهذَا أوَّلا ثانيًا اَلحُب والْمودَّة بَيْن الذِّكْر والْاثْنيّ فِيه رُكْن مِن أَركَان الزَّوَاج وَهُو القبول والْإيحاب ويفْتَقد رُكْنيْنِ آخريْنِ وَهمَا إِذْن الأهْل اَلذِي قال تَعالَى { فانْكحوهن بِغْذِن أَهلُهن } والثَّالث اَلمُهر وَالذِي قال تَعالَى فِيه : { وآتوْا النِّسَاء صدقاتهنَّ نَحلَة } فَإِن أتاهَا سِرًّا مهْرًا فَهُو زَوَاج فَاسِد يَفتَقِد بَعْض رُكْنًا أو رُكْنيْنِ والْإشْهار مِن الشُّروط اَلتِي يفْتقدهَا . والْخلاصة هُنَا أنَّ مِثْل هَذِه العلاقات وَإِن كَانَت مُخَالفَة لِلشَّرْع والْقانون وَعَليهَا حدُّ مِن حُدُود اَللَّه إِلَّا أَنَّه لَيْس اِبْن الزِّنَا اَلذِي تميل نَفسَه نَحْو كُلِّ شرٍّ مُطلَق فكثيرًا وُلدوا بِزواج طَبيعِي وَشهُود وإشهارفلْمَا اِسْتقَرَّتْ دُنْياهم وأطْعمهم والديْهم السُّحْتَ والْحرام أصْبحوا أَكابِر مُجْرِمي وسفَّاحيهَا . وعن هذَا الجسد الفاعل لِلْجرائم بيِّنًا هُنَا مَنبَت بَذرتِها كَيْف بِناءًا على فِعْل اَلأَب والْأمِّ وبناءَا على هذَا الاخْتيار يَكتُب على جَبينِه شقيًّا أم سعيد لِأنَّ أَبَاه قد اِخْتَار لَه طَرِيقَة ووضْع لَه بَذرَتِه فِي حَلَال أو حَرَام حسب هَوَاه : [ عن اَلنبِي أَنَّه أَخبَر أنَّ اَلجنِين إِذَا مضى عليْه ثَلاثَة أَطوَار ، كُلٌّ طَوَّر أرْبعون ، يَعنِي : أَربَعة أَشهُر يَدخُل عليْه مَلِك ، وَيَأمرَه اَللَّه بِكتب رِزْقِه ، وأجْله ، وعمله ، ويكْتب هل هُو شَقِي ، أو سعيد ؟ هل هُو يَعنِي مِن أَهْل النَّار ، أو مِن أَهْل الجنَّة ؟ فالشَّقيُّ مِن أَهْل النَّار ، والسَّعيد مِن أَهْل الجنَّة – حديث صحيح ، رَوَاه البخاري وَمسلِم فِي الصَّحيحيْنِ مِن حديث اِبْن مَسعُود – رَضِي اَللَّه تَعالَى عَنْه ] [ عن عُمَر بْن الخطَّاب سُئِل عن هَذِه اَلآيَة : { وَإِذ أخذ ربُّك مِن بَنِي آدم مِن ظُهورِهم } قال : قرأ القعْنبي اَلآيَة ، فَقَال عُمْر : سُمعَت رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم سُئِل عَنهَا فَقَال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم : إِنَّ اَللَّه عزَّ وجلَّ خَلْق آدم ، ثُمَّ مَسْح ظَهرِه بِيمينه ، فاسْتخْرج مِنْه ذَريَّة ، فَقَال : خَلقَت هؤلاء لِلَّجْنة وَبِعمَل أَهْل الجنَّة يعْملون ، ثُمَّ مَسْح ظَهرِه فاسْتخْرج مِنْه ذَريَّة ، فَقَال : خَلقَت هؤلاء لِلنَّار وَبِعمَل أَهْل النَّار يعْملون . فَقَال رَجُل : يَا رَسُول اَللَّه ، ففيم العمل ؟ فَقَال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم إِنَّ اَللَّه عزَّ وجلَّ إِذَا خلق العبْد لِلَّجْنة اِسْتعْمله بِعَمل أَهْل الجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل مِن أَعمَال أَهْل الجنَّة فيدْخله بِه الجنَّة ، وَإذَا خلق العبْد لِلنَّار اِسْتعْمله بِعَمل أَهْل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل مِن أَعمَال أَهْل النَّار فيدْخله بِه النَّار – رَوَاه أَبِي دَاوُود فِي صَحيحِه ]  . [عن عَلِي رَضِي اَللَّه عَنْه قال كان اَلنبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم فِي جِنازة فَأخَذ شيْئًا فَجعَل يَنكُت بِه الأرْض فَقَال مَا مِنْكم مِن أحد إِلَّا وقد كتب مَقْعَده مِن النَّار ومقْعَده مِن الجنَّة قَالُوا يَا رَسُول اَللَّه أَفلَا نَتكِل على كِتابِنَا وَندَع العمل قال اِعْملوا فَكُل مُيسَّر لِمَا خلق لَه أَمَّا من كان مِن أَهْل السَّعادة فييسِّر لِعَمل أَهْل السَّعادة وَأمَّا من كان مِن أَهْل الشَّقَاء فييسِّر لِعَمل أَهْل الشَّقاوة ثُمَّ قرأ فَأمَّا من أَعطَى واتَّقى وَصدَّق بِالْحسْنى اَلآيَة – الأدب اَلمُفرد لِلْبخاريِّ ] .

[ عن عَلِي بْن أَبِي طَالِب ( عليْه السَّلَام ) قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه : مَا مِنْكم مِن أحد إِلَّا قد كتب مَقْعَده مِن النَّار ومقْعَده مِن الجنَّة اِعْملوا ؛ فَكُل مُيسَّر لِمَا خلق لَه ، قال : أَمَّا من كان مِن أَهْل السَّعادة فَسيُيسر لِعَمل السَّعادة ، وَأمَّا من كان مِن أَهْل الشَّقاوة فَسيُيسر لِعَمل الشَّقاوة – الأدب اَلمُفرد لِلْبخاريِّ ] . وَهذِه مَرْحَلة اِسْتباقيَّة فِي عِلْم اَللَّه اَلقدِيم عن نِسْبَة ونطْفَته ومَا سيعْمَله وَشقِي أم سعيد حَتَّى الأسْماء لِلْمواليد قد لَا يَكُون لِلنَّاس خِيَار فِيه كمَا يتوهَّمون فكثير مِن النَّاس يرى فِي المنَام اِسْمه فيسمِّيه كمَا هِي إِرادة اَللَّه تَعالَى .

 ( 5 ) مَرْحَلة اَلهَم بَا الحسَنة أو السَّيِّئة بَيْن الثَّوَاب والْعقاب والْحدود :

بيِّنًا مِن قَبْل مَرْحَلة التَّفَكُّر بَيْن السُّوءة والنَّفْس والْقرين ثُمَّ بِداية الانْطلاق نَحْو العمل الصَّالح ومَا فِيه مِن خَيْر أو الطَّالح ومَا فِيه مِن شرٍّ وَهنَا يَقُول صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه أَنَّه مَرْحَلة اَلهَم بِالْحسنة أو السَّيِّئة قال صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه [ ” مِن همٍّ بِحسنة فلم يعْملْهَا ، كَتبَت لَه حَسنَة ، وَمِن همٍّ بِحسنة فَعَملهَا ، كَتبَت لَه عشْرًا إِلى سَبْع مِئة ضَعْف ، وَمِن همٍّ بِسيِّئة فلم يعْملْهَا ، لَم تَكتُب ، وأنَّ عملهَا كَتبَت ” . – رَوَاه مُسْلِم ] .

وَفِي هَذِه المرْحلة قد يَنوِي العبْد القيَام بِعَمل صَالِح وَلكِن حَالَت الظُّروف دُون إِتْمامه بِغَير عَمْد مِنْه وَهنَا تَكتُب لَه الحسَنة كمَا هِي بِنْيته وَكذَلِك مِن همٍّ بِسيِّئة ثُمَّ تَراجَع ونفْسه لَم تُطَوعه نَحْو عِصْيَان اَللَّه تَعالَى . وَنجِد هُنَا تَطبِيق حُدُود اَللَّه تَعالَى فِي الاعْتداء على الأنْفس بِالْمَثل وَتقُوم بِه الحكومات والْقوى المسْؤولة وَذلِك لِقوْله تَعالَى { وَكتُبنا عَليهِم فِيهَا أنَّ النَّفْس بِالنَّفْس والْعَيْن بِالْعَيْنِ والْأَنف بِالْأَنف والْأذن بِالْأذن والسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجروح قِصَاص فَمِن تُصدِّق بِه فَهُو كَفَّارة لَه وَمِن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَل اَللَّه فأولَئك هُم الظَّالمون – المائدة 45 } وَكذَلِك بَقيَّة حُدُود الحلْف الكاذب أو حدِّ الرَّمْي والْقَذْف أو شُرْب الخمْر أو اَلسرِقة أو القتْل والزِّنَا ( وَهُو الجلْد ) وَغَيرهَا مِن اَلحُدود والتَّعزيرات الرَّحيمة وليْستْ إِليتْ قرأْنَا عَنهَا فِي بَعْض الفتاوى خمْسمائة جَدلُه تَقسِم على خمْسين جَلسَة بَيْن كُلٍّ جَليَّة وَآخِرة يَوْمان فَهذَا اِنتِقام وَهذَا مَا لَم يَرُد فِي كِتَاب اَللَّه ولَا فِي سنة رَسولِه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) بِكتب اَلحدِيث وَإِن صدر مِن أَشخَاص فَهُم لَيسُوا حُجَّة على كِتَاب اَللَّه وَسنَّة رَسولِه لِأنَّ اَلحُجة فِيكْتَاب اَللَّه وَسنَّة رَسولِه ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه ) وَفاعِل ذَلِك لَا يعْنيه إِلَّا الاسْتهْزاء بِدين اَللَّه وَذلِك لِأنَّ العقوبة القصْد مِنهَا الإصْلاح وليْس الانْتقام والتَّشفِّي والْقضاء على الجنْس العرَبيِّ بِاسْم الشَّريعة . وبالتَّالي تَطبِيق اَلحُدود تَحُول دُون اِندِفاع النَّفْس فِي حَديثِها مع سَوأتِها نَحْو اَلشَّر والْكفْر والْفسوق والْعصْيان فَإِن هَمَّت السُّوءة بِالسُّوء أو الجريمة والْكبيرة قَالَت فِي نفْسهَا وهل سيتْركني المسْلمون دُون حدٍّ أو ثَأْر أو اِنتِقام وَهنَا تَكُون أَهَميَّة اَلحُدود الإسْلاميَّة الحامية لِلْمسْتضْعفين مِن بَطْش الجبابرة والْمسْتكْبرين .

 ( 6 ) الوعْد والْوعيد لِلْأنْفس يَبدَأ مِن سَكرَة الموْتِ جسد اَلمُؤمن أو سَوأَتِه تَرجِع لِلتُّرَاب وَجسَد الكافر والْمنافق يُعذِّب فِي الدُّنْيَا فَإذَا قَامَت القيامة خَرجُوا مِن الأجْداث كَجَراد مُنْتَشِر وَتكُون سَوأَة الكافر ( جَسدُه ) شَاهِدة عَليهِم :

أَعلَم أَخِي اَلكرِيم أَنَّه لِمَا هبط آدم وزوْجه وَإبلِيس لَعنَة اَللَّه إِلى الدُّنْيَا بَعْد أن أَكلَا مِن الشَّجَرة فبرزتْ السَّوْءات وَهِي أجْسادهمَا الأرْضيَّة بِمَا فِيهَا مِن عُذرَة ودم ومخاط ونجاسات بِمَا لَا يَتَناسَب مع الحيَاة فِي جَنَّة عَدْن وَهذَا مَا كان مُتواريًا عَنهُما ويعْلَمه إِبْليس اَلذِي شَهِد خُلقهمَا وَأمَر بِالسُّجود لِآدم وَهُو مُنْجَدِل فِي طِينته فَأبَى السُّجود وَلذَلِك كان يَعلَم بِأَمر الشَّجَرة اَلمنْهِي عن أن يَأكُلا مِنهَا وَهنَا قال تَعالَى { فوسْوس لَهمَا الشَّيْطان لِيبْدي لَهمَا مَا وُوري عَنهُما مِن سوْآتهمَا وَقَال مَا نَهَاكمَا رَبكُما عن هَذِه الشَّجَرة إِلَّا أن تَكونَا ملكيْنِ أو تَكونَا مِن الْخالدين – الأعْراف 20 } فَلمَّا هَبطُوا جميعًا إِلى الأرْض غَطَّت سوْآتهمَا وذرِّيَّتهمَا مِن بَعْد أَنفُس السُّوء اَلتِي خَلقَت مِن طِينة الأرْض والْأنْفس الطَّيِّبة المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة حَتَّى أَصبَح لَا يَعرِف أَحَدهمَا الآخر بَيْن حِزْب اَللَّه وحزْب الشَّيْطان إِلَّا بِعمله المتوافق مع مَا أمر اَللَّه تَعالَى بِه أو خالفه وَلذَلِك فِي قَبرِه إِنَّ مات فلن يُجيب على أَسئِلة الملكيْنِ مُنكَر ونكير إِلَّا عَملُه فِي الدُّنْيَا اَلذِي كان يعْمله . – وأعْلم أَخِي اَلكرِيم إِذَا كَانَت النَّفْس مُرفَقَة بِجَسد الإنْسان فَهِي اَلتِي ستحاسب فَوْر خُرُوج الرُّوح مِنهَا بِالْمَوْتِ فِي الحيَاة الدُّنْيَا وَلذَلِك قال تَعالَى فِي سُورَة ( قِ ) بَعْد الموْتِ مُبَاشرَة { وجاءتْ كُلُّ نَفْس مَعهَا سَائِق وشهيد – ق } ولم يَقُل وَجَاء الجسد أو وَجَاء الإنْسان وَمِن هُنَا تُثْبِت النُّصوص بِأنَّ الجسد الطِّينيَّ اَلعلْوِي هُو نَفسُه المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة وَهُو رَاجِع إِليْهَا لِقوْله تَعالَى { كُلُّ نَفْس ذَائِقة الْموْتِ ثُمَّ إِليْنَا ترْجعون – العنْكبوتُ 57 } وَقَال تَعالَى أيْضًا { ثُمَّ إِلى رَبكُم ترْجعون – الجاثية 15 } .

وَأمَّا إِنَّ كان مَخلُوقة مِن طِينة الأرْض وَفِيهَا سجين وِبْرهوتْ فَهِي تَعمَل بِعَمل أَهْل الدُّنْيَا وَجَهنَّم وَهِي أيْضًا عَائِدة وَسيرْجِع هذَا الجسد إِليْهَا يُعذِّب فِيهَا بِالْحياة الدُّنْيَا ثُمَّ يَشهَد على النَّفْس اَلتِي كَانَت تعيش فِيه وَتَعذَّب هُنَا فِي جَهنَّم ولَا عَذَاب على السُّوءة اَلتِي تَتَحوَّل إِلى شَاهِد عليْه وعن عَودَة هؤلاء إِلى جَهنَّم والْأَرْض السُّفْلى يَقُول تَعالَى { ثُمَّ إِنَّ مرْجعَهم لَالِي اَلجحِيم – الصَّافَّات } وَقَال تَعالَى أيْضًا { إِنَّ جَهنَّم كَانَت مِرْصادًا لِلطَّاغين مآبًا لَابثِين فِيهَا أحْقابًا – النَّبأ 21 – 22 } أيْ أَنهُم كَانُوا فِيهَا وبعْد مَوتهِم راجعون إِيبون إِليْهَا إِن كَانُوا كَافرِين أو مُنافقين مُجْرمِين . تَعوُّد السُّوءة إِلى الأرْض فتسْجن وتعذِّب فِيهَا حَتَّى قِيَام السَّاعة فَإذَا قَامَت السَّاعة تَحولَت إِلى شَاهِد و ينْتَهي أَمرُها ثُمَّ تُخلِّد نَفسَه فِي جَهنَّم لِأنَّهَا سَوأَة بدتْ خَلقَت مِن الأرْض وإليْهَا تَعوَّد أَرفَقت بِجَسد مَخلُوق مِن طِينة جَهنَّم . ويوْم القيامة سَتكُون هَذِه السُّوءة شَاهِدة عليْه ولَا حِسَاب عليْهَا بَعْد ذَلِك لِأنَّ الشَّاهد لَا يُعذَّب وَقَال تَعالَى فِي شَهادَة هذَا الجسد اَلذِي هُو جِلْد الإنْسان ومَا خَلقَه اَللَّه تَعالَى فِيه مِن حَوَاس { حَتَّى إِذَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون وقالوا لِجلودهم لَم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة – فَصلَت } . وَهذِه شَهادَة أجْسادهم على أَنفسِهم وَالتِي قال تَعالَى فِيهَا عزَّ وجلَّ { يَا مَعشَر اَلجِن وَالإِنس ألم يأْتكم رُسُل مِنْكم يقصُّون عليْكم آياتي وينْذرونكم لِقَاء يوْمكم هذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنفسِنا وغرَّتْهم الحيَاة الدُّنْيَا وشهدوا على أَنفسِهم أَنهُم كَانُوا كَافرِين – الأنْعام 130 } .

وَهذِه هِي شهادتهم على أَنفسِهم اَلتِي خَلقَت مِن طِينة جَهنَّم وَلعدْلِه تَعالَى مِن اِشتِراك هذَا الجسد فِي مَعصِية اَللَّه تَعالَى أو الطَّاعة لَه عزَّ وجلَّ فَإِن لِلْجسد علامَات عن الموْتِ بِحسْن أو سُوء الخاتمة لِيعْلم النَّاس كَرامَة اَلمُؤمن عِنْد اَللَّه تَعالَى ومهانة الكافر فِي الدُّنْيَا قَبْل رَحيلِهم عَنهَا – أَخرَجه أَبُو يَعلَى – كمَا فِي تَفسِير اِبْن كُثيِّر 4 / 504 – 507 ] . فَيمكِن أن ترى وُجهَة الكافر مُزْرقًا أو عابسًا أو يَتَفوَّه بِكلمَات اِسْتغاثة مِن أَشخَاص يضْربونه أو يَستغِيث مِنْهم غَيْر مرْئيَّيْنِ لَمِن حَولِه أن يرى النَّاس بَعْد دَفنِه حنشًا أو حَيَّة ضَخمَة تَنتظِره فِي قَبرِه أو نارًا تَخرُج مِن قَبرِه أو مَا شَابَه مِن اِعتِراض نَعشِه عن السَّيْر نَحْو القبْر ومَا شَابَه والْعَكْس صحيح إِنَّ كان مِن المؤْمنين فقد ترى الجسد مُبْتسِمًا أو كَأنَّه نَائِم وليْس ميِّتًا وَعدَم فناءه فِي الأرْض إِنَّ كان مِن الأنْبياء والصَّالحين والشُّهداء ] . علامَات سُوء الخاتمة عِنْد التَّغْسيل : يَقُول الشَّيْخ القحْطاني فِي مُحَاضرَة لَه بِعنْوَان ” تَذكِرة الإخْوان بِخاتِمة الإنْسان ” : ” إِنَّ بَعْض الأمْوات عِنْدمَا كُنْت أُغسَّلهم كان بَعضُهم تَنقَلِب بشرته إِلى السَّوَاد ، وبعْضَهم يَقبِض يده اَليُمنى ، وبعْضَهم يَدخُل يده فِي فُرجَة ، وبعْضَهم تَشُم رَائِحة الشِّوَاء مِن فُرجَة ، وبعْضَهم تَسمَع كأنَّ أسْياخًا مِن نارٍ أَدخَلت فِي فُرجَة ، يَقُول : وَلقَد جِيء بِمَيت ، فمًا اِبْتدأنَا بِتغْسيله حَتَّى اِنقلَب لَونُه كَأنَّه فَحمَة سَوْداء ، وَكَان قَبْل ذَلِك أَبيَض البشَرة ، فخرجتْ مِن مَكَان التَّغْسيل وَأنَا خَائِف ، فوجدتْ رَجُلا ، فَقُلت : أَنْت أَبُوه ؟ قال : نعم ، قَلَّت مَا شَأْن الرَّجل ؟ قال : هذَا الرَّجل كان لَا يُصلِّي ، فَقُلت لَه : خُذ مَيتَك فَغُسلَه ” . وَقَال الشَّيْخ القحْطاني أيْضًا : ” وَلقَد حَدثَنِي عدد مِمَّن يغْسلون اَلْمَوتى مِن مَناطِق مُختلفَة عن بَعْض مَا شاهدوه أَثنَاء التَّغْسيل مِن هَذِه العلامات ، والْغريب فِي الأمْر أَنهُم يتَّفقون على صِفَات مُعَينَة يَرَونهَا على هؤلاء اَلْمَوتى ؛ مِن ذَلِك أنَّ الرَّجل اَلذِي يَمُوت على الخيْر يَبدُو وَكَأنَّه نَائِم ، وَأمَّا مِن مات على خِلَاف ذَلِك ، فيظْهر عليْه الفزع وخوْف الموْتِ مع تَغيُّر فِي وَجهِه . وَلقَد حَدثَنِي أَحدُهم ، فَقَال : ” غُسلَت رَجُلا وَكَان لَونُه مُصْفرًّا ، وَفِي أَثنَاء التَّغْسيل أَخْذ لَونِه يَتَغيَّر إِلى السَّوَاد مِن رَأسِه إِلى وَسطِه ، فمًا اِنْتهَيْتُ مِن التَّغْسيل فَإذَا بِه قد أَصبَح كالْفحْمة السَّوْداء . وحدَّثَني مُغسِّل آخر ، فَقَال : ” إِنَّه غَسْل رَجُلا وَكَان لَونُه مُصْفرًّا ، فَلمَّا فَرغُوا مِن التَّغْسيل اِسْودَّ وَجْه ذَلِك الرَّجل ، فَقُلت لَه : أَسوَد مِثْل لِحْيتي ، قال : لَا ، أَسوَد كالْفَحْم ، قال : ثُمَّ صار يَخرُج مِن عيْنيْه دم أَحمَر ، وَكَأنَّه يَبكِي اَلدَّم والْعياذ بِاللَّه ” . وحدَّثَني مُغسِّل آخر فَقَال : ” إِنَّه دخل ذات مَرَّة على بَعْض الإخْوان وَهُم يغْسلون ميِّتًا ، قال : فرأيْتُ وَجهُه مُسْودًّا كَأنَّه قُرْص مُحْتَرِق ، وجسْمه أَصفَر ، ومنْظَره مُخيف ، ثُمَّ جاء بَعْض أَهلَه لِينْظروا إِلَيه ، فَلمَّا رأوْه على تِلْك الصُّورة فرُّوا هَاربِين خوْفًا مِنْه – ” – علامَات سُوء الخاتمة عِنْد التَّغْسيل لِلشَّيْخ القحْطاني فِي مُحَاضرَة لَه بِعنْوَان ” تَذكِرة الإخْوان بِخاتِمة الإنْسان ” ( ص 47 ) ] .

وَهذِه العلامات كُلهَا وَغَيرهَا عِنْد الموْتِ مَا هِي إِلَّا إِظْهارًا لِمعْجِزة اَللَّه تَعالَى لِلنَّاس فِي الدُّنْيَا حَتَّى يتيقَّنوا أَنهُم مُحاسبون مِن بَعْد الموْتِ وأنَّ هُنَاك ثَوَاب وعقاب يَبدَأ مع سَكَرات الموْتِ . وَلكِن هَذِه الظَّواهر اَلتِي يراهَا أَهْل الميِّتِ بَادِية عليْه مَاهِى إِلَّا ظُواهْروعلامات تُبْديهَا الملائكة لِلنَّاس بِأَمر اَللَّه تَعالَى كيٌّ يعْلموا أنَّ هُنَاك ثَوَاب وعقاب ويبْدأ مع سَكَرات الموْتِ فَإذَا مَاتُوا فَهْم إِلى الجنَّة أو النَّار يَقُول تَعالَى عن قَوْم نُوح لَعنهم اَللَّه لِذَلك { مِمَّا خطيئاتهم أغْرقوا فأدْخلوا نارًا – نُوح 25 }  .

ومَا نُريد توْضيحه هُنَا أنَّ الجسد الطِّينيَّ اَلذِي أَطلَق اَلقُرآن اَلكرِيم عليْه أَنَّه السُّوءة لَا عَذَاب عليْهَا إِلَّا فِي الدُّنْيَا بِالْقَبْر لِاشْتراكه فِي مَعصِية اَللَّه تَعالَى أو طَاعَتِه وَيَنام فِي الأرْض نَومَة هَنِيئَة إِنَّ كَانَت بِداخل نَفْس مُؤْمِنة فلَا يبْعثه وَيوقِظه يَوْم القيامة إِلَّا أحبَّ النَّاس إِلَيه كمَا هُو وَارِد فِي سنة اَلنبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه .

– عن هَذِه السُّوءة المؤْمنة ( جسد الإنْسان اَلمؤْمِن بَعْد مَوتِه ) بَينَت الأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة أَنهَا تَنَام نَومَة هَنِيئَة لَا يُوقظهَا يَوْم القيامة عِنْد البعْث إِلَّا أحبَّ أَهلَها إِليْهَا وَإِن كَانَت كَافِرة مُنَافقَة عَذبَت فِي الحيَاة الدُّنْيَا حَتَّى يَوْم البعْث كمَا فِي هَذِه الرُّويَّات اَلتِي وَردَت فِي كُتُب السُّنن والتَّفاسير : [ وَقَال الحافظ أَبُو عِيسى التِّرْمذي رَحمَه اَللَّه حدَّثنَا يَحيَى بْن خلف ، حدَّثنَا بشر بْن اَلمُفضل عن عَبْد الرَّحْمن بْن إِسحَاق ، عن سعيد بْن أَبِي سعيد المقْبري ، عن أَبِي هُريْرَة قال قال رَسُول اَللَّه صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم ” إِذَا قَبْر الميِّتِ أو قال أَحدُكم أَتَاه مَلَكان أسْودَان أزْرقَان ، يُقَال لِأحدهمَا مُنكَر ، والْآخر نكير ، فيقولان مَا كُنْت تَقُول فِي هذَا الرَّجل ؟ فَيقُول مَا كان يَقُول هُو عَبْد اَللَّه وَرسُوله ، أَشهَد أنَّ لَا إِله إِلَّا اَللَّه وأشْهد أنَّ مُحَمدا عَبدُه وَرسُوله ، فيقولان قد كُنَّا نَعلَم أَنَّك تَقُول هذَا ، ثُمَّ يُفْسِح لَه فِي قَبرِه سَبعُون ذِراعًا فِي سبْعين ، وَينُور لَه فِيه ، ثُمَّ يُقَال لَه نمَّ ، فَيقُول أَرجَع إِلى أَهلِي فأخْبرهم ، فيقولان نمَّ نَومَة العروس اَلذِي لَا يُوقظه إِلَّا أحبَّ أَهلَه إِلَيه ، حَتَّى يبْعثه اَللَّه مِن مَضجَعِه ذَلِك ، وَإِن كان مُنافِقًا قال سُمعَت النَّاس يقولون ، فَقُلت مِثلَهم ، لَا أَدرِي ، فيقولان قد كُنَّا نَعلَم أَنَّك تَقُول هذَا ، فيقال لِلْأرْض اَلتئْمِي عليْه ، فتلْتَئم عليْه حَتَّى تَختَلِف أضْلاعه ، فلَا يَزَال فِيهَا مُعَذبا حَتَّى يبْعثه اَللَّه مِن مَضجَعِه ذَلِك . . . – تَفسِير اِبْن كُثيِّر سُورَة إِبْراهيم اَلآيَة 27 ]

– وَفِي رِوايَات أنَّ الجسد يَذهَب إِلى التُّرَاب وتنْعم النَّفْس بِالْجَنَّة إِنَّ كَانَت مُؤْمِنة وتعذِّب هَذِه السُّوءة إِنَّ كَانَت كَافِرة كمَا يَلِي :

[ عن أَبِي هُريْرَة رَضِي اَللَّه عَنْه ، عن اَلنبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم قال ” وَالذِي نَفسِي بِيَده أنَّ الميِّتَ لِيسْمع خفق نِعالَكم حِين تُولون عَنْه مُدبِّرِين ، فَإِن كان مُؤْمِنا ، كَانَت الصَّلَاة عِنْد رَأسِه ، والزَّكاة عن يَمينِه ، والصَّوْم عن يَسارِه ، وَكَان فِعْل الخيْرات مِن الصَّدَقة والصِّلة والْمعْروف والْإحْسان إِلى النَّاس عِنْد رِجْليْه ، فَيُؤتَى مِن قَبْل رَأسِه ، فَتقُول الصَّلَاة مَا قَبلِي مَدخَل ، فَيُؤتَى عن يَمينِه ، فَتقُول الزَّكَاة مَا قَبلِي مَدخَل ، فَيُؤتَى عن يَسارِه ، فَيقُول الصِّيَام مَا قَبلِي مَدخَل ، فَيُؤتَى عِنْد رِجْليْه ، فَيقُول فِعْل الخيْرات مَا قَبلِي مَدخَل ، فيقال لَه اِجْلِس ، فَيجلِس ، قد مَثلَت لَه الشَّمْس قد دِنْتْ لِلْغروب ، فيقال لَه أخْبرَنَا عَمَّا نسْألك ، فَيقُول دَعنِي حَتَّى أَصلِي ، فيقال لَه إِنَّك ستفْعل ، فأخْبرنَا عَمَّا نسْألك ، فَيقُول وعمًّ تسْألوني ؟ فيقال أَرأَيت هذَا الرَّجل اَلذِي كان فِيكم ، مَاذَا تَقُول فِيه ، وماذَا تَشهَد بِه عليْه ؟ فَيقُول أَمحَمد ؟ فيقال لَه نَعِم ، فَيقُول أَشهَد أَنَّه رَسُول اَللَّه ، وَأنَّه جاءنَا بِالْبيِّنات مِن عِنْد اَللَّه ، فصدقناه ، فيقال لَه على ذَلِك حَييَت ، وَعلَى ذَلِك مُتُ ، وعليْه تَبعَث إِن شاء اَللَّه ، ثُمَّ يُفْسِح لَه فِي قَبرِه سَبعُون ذِراعًا ، وَينُور لَه فِيه ، ويفْتح لَه باب إِلى الجنَّة ، فيقال لَه اُنظُر إِلى مَا أعدَّ اَللَّه لَك فِيهَا ، فيزْدَاد غِبْطَة وَسرُورا ، ثُمَّ تَجعَل نسمته فِي النَّسْم الطَّيِّب ، وَهِي طَيْر خِضْر تَعلَّق بِشَجر الجنَّة ، ويعاد الجسد إِلى مَا بِدْىِء مِن التُّرَاب ، وَذلِك قَوْل اَللَّه { يُثبِّت اللَّه الَّذين آمنوا بِالْقَوْل الثَّابتِ فِي الحيَاة الدُّنْيَا وَفِي اَلآخِرة ” } – تَفسِير اِبْن كُثيِّر سُورَة إِبْراهيم اَلآيَة 27 ] .

فَإذَا كان يَوْم البعْث كَانَت هَذِه السُّوءة أو الجسد اَلذِي عاش بِه فِي الحيَاة الدُّنْيَا شَاهِدة عليْه كمًّا بيِّنًا مِن قَبِل وَلقوْلِه تَعالَى { ويوْم يُحشَر أَعدَاء اللَّه إِلى النَّار فَهُم يُوزعون حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون – فَصلَت 19 – 20 }

– ورد فِي تَفسِير قَولِه تَعالَى { الَّذين تُتَوفَّى أهمَّ الملائكة طيِّبين يقولون سَلَام عليْكم اُدْخُلوا الجنَّة بِمَا كُنتُم تعْملون – النَّحْل 32 } أنَّ الجسد اَلمؤْمِن فِي الدُّنْيَا بَعْد الموْتِ سَيقُول لِلرُّوح جزالك اَللَّه عَنِّي خيْرًا لَقد كُنْت خَيْر عَوْن لِي على طَاعَة اَللَّه وَإِن مات كافرًا قال لَه جَزَاك اَللَّه عَنِّي شرٌّ لَقد كُنْت عَوْن لِي على مَعصِية اَللَّه . . . اَلحدِيث ] ثُمَّ يفْترقان .

يَقُول صَلَّى اَللَّه عليْه وَآلِه : [ فَإذَا قبض مَلِك الموْتِ رُوحَه يَقُول الرُّوح لِلْجسد : لَقد كُنْت بِي سريعًا إِلى طَاعَة اَللَّه ، بطيئًا عن معْصيَته ، فهنيئًا لَك اليوْم ؛ فقد نجوْتُ وَأَنجيَت . وَيقُول الجسد لِلرُّوح مِثْل ذَلِك ، وَتبكِي عليْه بِقَاع الأرْض اَلتِي كان يُطيع اَللَّه عليْهَا كُلِّ باب مِن السَّمَاء كان يُصعِّد مِنْه عَملُه وَينزِل مِنْه رِزْقه أَربعِين لَيلَة ، فَإذَا قَبضَت الملائكة رُوحُه أقامتْ الخمْسمائة مَلِك عِنْد جَسدِه ، لَا يُقَلبه بَنُو آدم لِشقٍّ إِلَّا قلبتْه الملائكة قِبلهم ، وعلَّته بِأكْفَان قَبْل أكْفانهم ، وَحنُوط قَبْل حنوطَهم ، وَيقُوم مِن باب بَيتِه إِلى باب قَبرِه صَفَّان مِن الملائكة يسْتقْبلونه بِالاسْتغْفار ، ويصيح إِبْليس عِنْد ذَلِك صَيحَة تَتَصدَّع مِنهَا بَعْض عِظَام جَسدِه ، وَيقُول لِجنوده : الويْل لَكم ؛ كَيْف خلص هذَا العبْد مِنْكم ؟ فيقولون : إِنَّ هذَا كان مَعصُوما . فَإذَا صَعَّد مَلِك الموْتِ بِروحه إِلى السَّمَاء يسْتقْبله جِبْريل فِي سبْعين ألْفًا مِن الملائكة ، كُلهُم يأْتيه مِن رَبِّه ، فَإذَا اِنتهَى مَلِك الموْتِ إِلى العرْش خَرَّت الرُّوح سَاجِدة لِربِّهَا ، فَيقُول اَللَّه لِمَلك الموْتِ : اِنطلَق بِروح عَبدِي فضعْه فِي سِدْر مَخضُود ، وطلْح مَنضُود ، وَظِل مَمدُود ، وَمَاء مَسكُوب . فَإذَا وضع فِي قَبرِه جَاءَت الصَّلَاة فكانتْ عن يَمينِه ، وَجَاء الصِّيَام فَكَان عن يَسارِه ، وَجَاء اَلقُرآن والذَّكر فكانَا عِنْد رَأسِه ، وَجَاء مَشيُه إِلى الصَّلَاة فَكَان عِنْد رِجْليْه ، وَجَاء الصَّبْر فَكَان نَاحِية القبْر ، ويبْعث اَللَّه عُنُقا مِن العذَاب فَيأتِيه عن يَمينِه ، فَتقُول الصَّلَاة : وراءك ، وَاَللَّه ، مَا زال دائبًا عُمرُه كُلُّه ، وَإِنمَا اِسْترَاح الآن حِين وَضْع فِي قَبرِه . فَيأتِيه عن يَسارِه ، فَيقُول الصِّيَام مِثْل ذَلِك ، فَيأتِيه مِن قَبْل رَأسِه ، فَيقُول لَه مِثْل ذَلِك ، فلَا يأْتيه العذَاب مِن نَاحِية فيلْتَمس هل يَجِد لَهَا مساغَا إِلَّا وجد وَلِي اَللَّه قد أحْرزَتْه الطَّاعة ، فيخْرج عَنْه العذَاب عِنْدمَا يرى ، وَيقُول الصَّبْر لِسائر الأعْمال : أُمًّا إِنَّه لَم يَمنعْنِي أن أُباشَره بِنفْسي إِلَّا أَنِّي نَظرَت مَا عِنْدكم ، فِلو عجزْتم كُنْت أنَا صَاحِبة ، فَأمَّا إِذَا أجْزأْتم عَنْه فَأنَا ذخر لَه عِنْد الميزان . قال : ويبْعث اَللَّه إِلَيه ملكيْنِ أبْصارهمَا كالْبَرْق الخاطف ، وأصْواتهمَا كالرَّعْد القاصف ، وأنْيابهمَا كالصياصي ( جَمْع صِيصيَّة ، وَهِي قَرْن البقر والظِّباء ) وأنْفاسهمَا كاللَّهب ؛ يطآن فِي أشْعارهمَا بَيْن مَنكبِي كُل وَاحِد مِنْهمَا مَسِيرَة كذَا وَكذَا ، قد نَزعَت مِنْهمَا الرَّأْفة والرَّحْمة إِلَّا بِالْمؤْمنين ، يُقَال لَهمَا : مُنكَر ونكير ، وَفِي يد كُلٍّ وَاحِد مِنْهمَا مِطرَقة لَو اِجتمَع عليْهَا الثَّقلان لَمَّ يُقَلوهَا . فيقولان لَه : اِجْلِس . فيسْتَوي جالسًا فِي قَبرِه ، فتسْقط أكْفانه فِي حَقَويَّه ، فيقولان لَه : مِن رَبِّك ؟ ومَا دِينك ؟ وَمِن نبيِّك ؟ فَيقُول : رَبِّي اَللَّه وَحدَه لَا شريك لَه ، والْإسْلام دِينيٌّ ، ومحمَّد نَبِي ، وَهُو خَاتَم النَّبيِّين . فيقولان لَه : صَدقَت ، فيدْفعان القبْر ، فِيوسعانه مِن بَيْن يديْه ، وَمِن خَلفِه ، وعن يمينه ، وعن يَسارِه ، وَمِن قِبل رَأسِه ، وَمِن قِبل رِجْليْه ، ثُمَّ يقولَان لَه : اُنظُر فَوقَك . فينْظر ، فَإذَا هُو مَفتُوح إِلى الجنَّة ، فيقولان لَه : هذَا منْزلك ، يَا وَلِي اَللَّه ، لِمَا أطعْتَ اَللَّه » . قال رَسُول اَللَّه : « فَوالِذي نَفْس مُحمَّد بِيَده ، إِنَّه لِتَصل إِلى قَلبِه فَرحَة لَا تَرتَد أبدًا ، فيقال لَه : اُنظُر تَحتَك . فينْظر تَحتَه ، فَإذَا هُو مَفتُوح إِلى النَّار ، فيقولان : يَا وَلِي اَللَّه ، نجوْتُ مِن هذَا . فَوالِذي نَفسِي بِيَده ، إِنَّه لِتَصل إِلى قَلبِه عِنْد ذَلِك فَرحَة لَا تَرتَد أبدًا ، ويفْتح لَه سَبعَة وسبْعون بَابَا إِلى الجنَّة يأْتيه رِيحهَا وَبَردهَا حَتَّى يبْعثه اَللَّه تَعالَى مِن قَبرِه » . قال : « وَيقُول اَللَّه تَعالَى لِمَلك الموْتِ : اِنطلَق إِلى عَدوَى ، فَائتِني بِه ، فإنِّي قد بَسطَت لَه رِزْقِي ، وسْربلْته نِعْمتي ، وَأبَى إِلَّا معْصيَتي ، فَائتِني بِه لِأنْتَقم مِنْه اليوْم . فينْطَلق إِلَيه مَلِك الموْتِ فِي أَكرَه صُورَة رَآهَا أحد مِن النَّاس ، لَه ثَنتَا عَشرَة عُينَا ، وَمعَه سُفُود ( بِالتَّشْديد : حَدِيدَة ذات شَعْب ، مَعْقَفة ، يَشوِي بِه اللَّحْم ) مِن النَّار كثير الشِّوك ، وَمعَه خمْسمائة مِن الملائكة ، مَعهُم نُحَاس وجمْر مِن جَمْر جَهنَّم ، مَعهُم سِيَاط مِن النَّار تَأجُّج ، فَيضرِبه مَلِك الموْتِ بِذَلك السُّفود ضَربَة ، يغيب أَصْل كُلِّ شَوكَة مِن ذَلِك السُّفود فِي أَصْل كُلِّ شَعرَة وَعرَق مِن عُروقه ، ثُمَّ يلْويه لِيَا شديدًا ، فَينزِع رُوحُه مِن أَظفَار قدميْه ، فيْلقيْهَا فِي عقبيْه ، فيسْكر عَدُو اَللَّه عِنْد ذَلِك سَكرَة ، وَتضرِب الملائكة وَجهَه وَدبُره بِتلْك السِّيَاط ، ثُمَّ يجْذبه جَذبَة ، فَينزِع رُوحُه مِن عقبيْه ، فيْلقيْهَا فِي رُكْبتَيْه ، فيسْكر عَدُو اَللَّه سَكرَة ، وَتضرِب الملائكة وَجهَه وَدبُره ، ثُمَّ كَذلِك إِلى حَقَويَّه ، ثُمَّ كَذلِك إِلى صَدرِه ، ثُمَّ كَذلِك إِلى حَلقَة ، ثُمَّ تَبسُط الملائكة ذَلِك النُّحَاس وجمْر جَهنَّم تَحْت ذَقنِه ، ثُمَّ يَقُول مَلِك الموْتِ : اُخْرُجي – أَيتُها النَّفْس اللَّعينة الملْعونة – إِلى سُمُوم وحميم ، وَظِل مِن يَحمُوم ، لَا بَارِد ولَا كريم . فَإذَا قبض مَلِك الموْتِ رُوحَه قَالَت الرُّوح لِلْجسد : جَزَاك اَللَّه عَنِّي شرًّا ، لَقد كُنْت بِي سريعًا إِلى مَعصِية اَللَّه ، بطيئًا بِي عن طَاعَة اَللَّه ، فقد هَلكَت وَأَهلكَت . وَيقُول الجسد لِلرُّوح مِثْل ذَلِك ، وَتَلعنَه بِقَاع الأرْض اَلتِي كان يَعصِي اَللَّه تَعالَى عليْهَا ، وتنْطَلق جُنُود إِبْليس إِلَيه يُبشِّرونه بِأنَّهم قد أوْردوا عبْدًا مِن بَنِي آدم النَّار ، فَإذَا وضع فِي قَبرِه ضَيِّق عليْه قَبرُه حَتَّى تَختَلِف أضْلاعه ؛ فَتَدخَّل اليمَنيَّ فِي اَليُسرى ، والْيسْرى فِي اَليُمنى ، ويبْعث اَللَّه إِلَيه حَيَّات دهْمًا ، تَأخُذ بِأرْنبته وإبْهَام قدميْه ، فَتقرِضه حَتَّى تَلتَقِي فِي وَسطِه ، قال : ويبْعث اَللَّه إِلَيه الملكيْنِ ، فيقولان لَه : مِن رَبِّك ؟ ومَا دِينك ؟ وَمِن نبيِّك ، فَيقُول : لَا أَدرِي . فيقال لَه : لَا دريْتَ ، ولَا تُليَت . فِيضْرْبانه ضَربَة يَتَطايَر الشَّرَار فِي قَبرِه ، ثُمَّ يَعُود ، فيقولان لَه : اُنظُر فَوقَك . فينْظر ، فَإذَا باب مَفتُوح مِن الجنَّة ، فيقولان : عَدُو اَللَّه ، لَو أطعْتُ اَللَّه كان هذَا منْزلك . فَوالِذي نَفْس مُحمَّد بِيَده ، إِنَّه لِتَصل إِلى قَلبِه عِنْد ذَلِك حَسرَة لَا تَرتَد أبدًا ، ويفْتح لَه باب إِلى النَّار ، فيقال : عَدُو اَللَّه ، هذَا منْزلك لِمَا عصيْتَ اَللَّه . ويفْتح لَه سَبعَة وسبْعون بَابَا إِلى النَّار ، يأْتيه حَرهَا وسمومهَا ، حَتَّى يبْعثه اَللَّه يَوْم القيامة إِلى النَّار » – – أَخرَجه أَبُو يَعلَى – كمَا فِي تَفسِير اِبْن كُثيِّر ج 4 ص 504 – 507 ] .

وَهنَا تَفاصِيل قَبْض مَلِك الموْتِ لِلرُّوح هُو الفصْل بَيْن السُّوءة اَلتِي يعيش بِهَا فِي الدُّنْيَا وَهِي جَسدُه اَلذِي يَنفَصِل عن نَفسِه وَهِي جسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي المخْلوق مِن طِينة الجنَّة وَهِي ( النَّفْس المطمْئنة ) أو المخْلوقة مِن طِينة جَهنَّم ( وَهِي الأمَّارة بِالسُّوء ) أو المخْلوقة مِن طِينة الأرْض المخْلوطة مع طِينة الجنَّة مِمَّن خَلطُوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا ( وَهِي النَّفْس اللَّوَّامة ) تَفصِل هَذِه الأجْساد عن أرْواحهَا اَلتِي أوْدعَهَا اَللَّه تَعالَى فِيهَا واقْترنتْ بِهَا وَمِن ثمَّ يَكُون الموْتُ وبداية الحسَاب بِالْوَعْد والْوعيد اَلذِي بَينِه اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى فِي كِتابه اَلكرِيم . – فَإذَا كان يَوْم القيامة واخْتَصم الجسد والنَّفْس والْقرين قال اَللَّه تَبارَك وَتَعالَى لَهُم : { قال لَا تخْتصموا لَديَّ وقد قدَّمْتُ إِليْكم بِالْوعيد } فَإذَا كان يَوْم القيامة بعث لِلَّه تَعالَى حَرجَت جميع هَذِه السَّوْءات اَلتِي هِي الأجْساد وَالتِي عَاشَت بِهَا فِي الحيَاة الدُّنْيَا خَارِجة مِن الأجْداث كمَا فِي قَولِه تَعالَى { يَوْم يَخرُجون مِن الأجْداث كأنَّهم جَرَاد مُنْتَشِر – القمر } .

وَهنَا يَبعَث هذَا الجسد المقْترن بِأنْفس السُّوء واللَّوَّامة بِالشَّهادة على نفْسهَا اَلتِي كَانَت مُقترنَة بِهَا فِي الحيَاة الدُّنْيَا وَالتِي خلقهَا اَللَّه تَعالَى مِن طِينة جَهنَّم أو مِن الأرْض وَتكُون هَذِه السُّوءة أو هذَا الجسد يَوْم القيامة مِن الشُّهداء على الإنْسان كمًّا بيِّنًا وَلقوْلِه تَعالَى { ويوْم يُحشَر أَعدَاء اللَّه إِلى النَّار فَهُم يُوزعون حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون – فَصلَت 19 – 20 } .

– وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ اَلْأَحَادِيثَ اَلَّتِي تَقُولُ فِي اَلْخُلُقِ اَلْأَوَّلِ أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى أَمْرُ جِبْرِيلْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ بِالنُّزُولِ إِلَى اَلْأَرْضِ وَيَقْبِضُ مِنْهَا قَبْضَةَ فَهْمِ أَهْلِ اَلنَّارِ اَلَّذِينَ سَيَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا وَالْعَكْسِ صَحِيحٍ أَنَّ هُنَاكَ قَبْضَةٌ قَبَضَهَا اَللَّهُ تَعَالَى مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ فِي اَلسَّمَاءِ مِنْ جَنَّةِ عَدْنِ وَهُمْ اَلَّذِينَ سَيَعْمَلُونَ لَآخَرَاهَمْ وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي اَلْأَحَادِيثِ أَنَّ اَلرُّوحَ اَلطَّيِّبَةَ تَسْكُنُ اَلْجَسَدَ اَلطَّيِّبَ

[ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ” إِنَّ اَلْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ اَلْمَلَائِكَةُ ، فَإِذَا كَانَ اَلرَّجُلُ اَلصَّالِحُ ، قَالُوا اُخْرُجِي أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي اَلْجَسَدِ اَلطَّيِّبِ ، اُخْرُجِي حَمِيدَة ، وَأَبْشِرِي بِرُوحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانْ . قَالَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ ، حَتَّى تَخْرُجَ ، ثُمَّ يُعَرِّجُ بِهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ ، فَيَسْتَفْتِحُ لَهَا ، فَيُقَال مِنْ هَذَا ؟ فَيُقَال فُلَانٌ ، فَيَقُولُونَ مَرْحَبًا بِالرُّوحِ اَلطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي اَلْجَسَدِ اَلطَّيِّبِ ، اُدْخُلِي حَمِيدَة ، وَأَبْشِرِي بِرُوحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانْ . قَالَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ اَلَّتِي فِيهَا اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَإِذَا كَانَ اَلرَّجُلُ اَلسُّوءُ ، قَالُوا اُخْرُجِي أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي اَلْجَسَدِ اَلْخَبِيثِ ، اُخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِي بِحَمِيمِ وَغْسَاقْ ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ، ثُمَّ يُعَرِّجُ بِهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ ، فَيَسْتَفْتِحُ لَهَا فَيُقَالُ مِنْ هَذَا ؟ فَيُقَال فُلَانٌ ، فَيُقَال لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ اَلْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي اَلْجَسَدِ اَلْخَبِيثِ ، اِرْجِعِي ذَمِيمَةً ، فَإِنَّهُ لَا تَفْتَحُ لَكَ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ ، فَيُرْسِلُ مِنْ اَلسَّمَاءِ ، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى اَلْقَبْرِ ، فَيَجْلِسُ اَلرَّجُلُ اَلصَّالِحُ ، فَيُقَال لَهُ مِثْلٍ مَا قِيلَ فِي اَلْحَدِيثِ اَلْأَوَّلِ ، وَيَجْلِسَ اَلرَّجُلُ اَلسُّوءُ فَيُقَالُ لَهُ مِثْلٍ مَا قِيلَ لَهُ فِي اَلْحَدِيثِ اَلْأَوَّلِ ( مِنْ رَبِّكَ مَا دِينكْ وَمِنْ نَبِيِّكَ )

وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحَ اَلْعَبْدِ اَلْمُؤْمِنِ ، تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصَعِّدَانِ بِهَا . قَالَ حَمَّادْ فَذَكَرَ مِنْ طَيِّبٍ رِيحَهَا ، وَذَكَرَ اَلْمِسْكُ قَالَ وَيَقُولُ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ رُوحَ طِيبَةَ جَاءَتْ مِنْ قَبْلُ اَلْأَرْضِ ، صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتُ تُعَمَّرِينَهُ ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيُقَال اِنْطَلَقُوا بِهِ إِلَى آخَرَ اَلْأَجَلَ . وَإِنَّ اَلْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحَهُ قَالَ حَمَّادْ وَذَكَرَ مِنْ نَتَّنَهَا ، وَذَكَرَ مَقْتًا ، وَيَقُولَ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ رُوح خَبِيثَةٍ جَاءَتْ مِنْ قَبْلُ اَلْأَرْضِ ، فَيُقَال اِنْطَلَقُوا بِهِ إِلَى آخَرَ اَلْأَجَلَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَرْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِيطَةْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا . وَقَالَ اِبْنْ حِبَّانْ فِي صَحِيحِهِ حَدَّثَنَا عُمَرْ بْنْ مُحَمَّدْ اَلْهَمْدَانِي ، حَدَّثَنَا زَيْدْ بْنْ أَخْزَمْ ، حَدَّثَنَا مُعَاذْ بْنْ هِشَامْ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَة ، عَنْ قَسَّامْ بْنْ زُهَيْرْ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ” إِنَّ اَلْمُؤَمَّنَ إِذَا قَبَضَ ، أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ اَلرَّحْمَةِ بِحُرَيْرَة بَيْضَاءٍ ، فَيَقُولُونَ اُخْرُجِي إِلَى رُوحِ اَللَّهِ ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبَ رِيحُ مَسْكٍ ، حَتَّى إِنَّهُ لِيُنَاوِلِهُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا يَشُمُّونَهُ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَابُ اَلسَّمَاءِ ، فَيَقُولُونَ مَا هَذِهِ اَلرِّيحِ اَلطَّيِّبَةِ اَلَّتِي جَاءَتْ مِنْ قَبْلُ اَلْأَرْضِ ؟ وَلَا يَأْتُونَ سَمَاءٌ إِلَّا قَالُوا مِثْلٌ ذَلِكَ ، حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاحَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، فَلَهُمْ أَشَدّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ ، فَيَقُولُونَ مَا فَعَلَ فُلَانٌ ؟ فَيَقُولُونَ دَعْوَةً حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غمَ ، فَيَقُولُ قَدْ مَاتَ ، أُمًّا أَتَاكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ ذَهَبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ اَلْهَاوِيَةِ ، وَأَمَّا اَلْكَافِرُ فَيَأْتِيهُ مَلَائِكَةُ اَلْعَذَابِ بِمَسْحٍ ، فَيَقُولُونَ اُخْرُجِي إِلَى غَضَبِ اَللَّهِ ، فَتَخَرَّجَ كَأَنْتُنَّ رِيحِ جِيفَةٍ ، فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى بَابِ اَلْأَرْضِ ” وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامْ بِنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي اَلْجَوْزَاءْ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ ، قَالَ ” فَيَسْأَلُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ ، مَا فَعَلَ فُلَانٌ ، مَا فَعَلَتْ فُلَانَةً ؟ قَالَ وَأَمَّا اَلْكَافِرُ فَإِذَا قَبَضَتْ نَفْسُهُ ، وَذَهَبَ بِهَا إِلَى بَابِ اَلْأَرْضِ ، تَقُولَ خَزَنَة اَلْأَرْضِ مَا وَجَدْنَا رِيحًا أَنْتَنَ مِنْ هَذِهِ ، فَيَبْلُغُ بِهَا اَلْأَرْضُ اَلسُّفْلَى ” قَالَ قَتَادَة وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ سَعِيدْ بْنْ اَلْمُسَيِّبْ ، عَنْ عَبْدِ اَللَّهْ بْنْ عَمْرُو قَالَ أَرْوَاحَ اَلْمُؤْمِنِينَ تَجْتَمِعُ بَالجَابِيَّة ، وَأَرْوَاحَ اَلْكُفَّارِ تَجْتَمِعُ بَبْرَهُوتْ ، سَبْخَةٌ بِحَضْرَمَوْت ، ثُمَّ يَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ . ” – تَفْسِيرُ اِبْنْ كُثَيِّرْ سُورَةَ إِبْرَاهِيمْ اَلْآيَةِ 27 ] .

– وَأَمَّا اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اَللَّهِ اَلْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْ عَذَابِ اَللَّهِ تَعَالَى مُبْعَدُونَ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ :

( 7 ) حِسَابُ اَلنَّفْسِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ وَالْجَسَدِ هُوَ اَلشَّاهِدُ عَلَيْهَا يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ :

قَالَ تَعَالَى فِي اَلْمُؤْمِنِينَ وَاصْطِفَاءِ اَللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَاسْتِبْعَادُهُمْ عَنْ عَذَابِ اَللَّهِ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اَللَّهُمَّ إِلَّا فِتْنَةَ إِبْلِيسِ وَحِزْبُهُ لَهُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَلِذَلِكَ هَؤُلَاءِ اَلْمُؤْمِنِينَ سَيُكَوِّنُونَ أَحَدَ أَسْبَابِ دُخُولِهِمْ اَلنَّارَ قَالَ تَعَالَى { أَنْ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ – اَلْأَنْبِيَاءَ 101 } . وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا { لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ – اَلْأَنْبِيَاءُ 103 } وَأَمَّا عَنْ إِثْبَاتِ حِسَابِ اَلنَّفْسِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ وَهِيَ اَلْجَسَدُ اَلْأَصْلِيُّ لِمَخْلُوقٍ مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ أَوْ اَلنَّارِ وَاَلَّتِي تَعِيشُ بِدَاخِلِ سَوْأَةٍ وَهِيَ جَسَدُهُ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا فَهَذِهِ اَلسُّوءَة أَوْ اَلْجَسَدِ اَلطِّينِيِّ اَلسُّفْلِيِّ اَلَّذِي خَلَقَهُ اَللَّهُ تَعَالَى بِاجْتِمَاع نُطْفَتِي ذَكَرَ وَأُنْثَى فَهَذَا اَلْجَسَدُ هُوَ اَلشَّاهِدُ عَلَيْهَا يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ يَقُولُ تَعَالَى فِي سُورَةٍ ( قِ ) اَلْآيَةُ رَقْمٌ (21 )

وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 )

وَهُنَا :

( وَجَاءَتْ )

أَيْ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى هنا { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتُ مِنْهُ تَحِيدُ – قِ 19 } فَإِذَا مَاتَ وَخَرَجَتْ رُوحَهُ جَاءَتْ كُلَّ نَفْسِ مَعَهَا سَائِق وَشَهِيد قَالَ تَعَالَى هُنَا { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ – قِ 21 } .

وَلَاحَظَ هُنَا قَوْلَهُ تَعَالَى كُلّ نَفْسٍ وَلَمْ يَقُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ أو كل جسد بِمَا يُؤَكِّدُ بِأَنَّ هَذِهِ اَلنَّفْسِ هِيَ اَلَّتِي خَلَقَتْ مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ أَوْ اَلنَّارِ وَأَمَّا اَلْجَسَدُ فَيَبْعَثُهُ اَللَّهُ تَعَالَى يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ وَلِيُشْهَد عَلَى اَلْإِنْسَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لَم شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اَللَّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلُّ شَيْءِ وَهُوَ خَلْقُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ وَإِلَيْهِ تَرْجِعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمِعَكُمْ وَلَا أَبْصَارَكُمْ وَلَا جُلُودَكُمْ وَلكُنَّ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اَللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وذْلَكُمْ ظَنِّكُمْ اَلَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ اَلْخَاسِرِينَ فَإِنَّ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ وَأَنَّ يَسْتَعْتِبُوا فَمًا هُمْ مِنْ اَلْمُعْتَبِينْ وَقُيِّضَنَا لَهُمْ قُرَنَاءُ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقٌّ عَلَيْهِمْ اَلْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قِبَلِهِمْ مِنْ اَلْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ – فُصِلَتْ 19 – 25 }

وَهَؤُلَاءِ اَلْقُرَنَاءِ هُنَا هُمْ اَلَّذِينَ سَيَخْتَصِمُونَ مَعَ نَفْسِ اَلْإِنْسَانِ اَلْمَخْلُوقَةِ مِنْ طِينَةِ جَهَنَّمَ وَكَانُوا يَعْمَلُونَ بِعَمَلِ أَهْلِ اَلنَّارِ فِي اَلدُّنْيَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتُ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرَكَ اَلْيَوْمَ حَدِيد وَقَالَ قَرِينُهُ هذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ اَلَّذِي جَعَلَ مَعَ اَللَّهِ إلَهَاً آخِرُ فَأُلْقِيَاهُ فِي اَلْعَذَابِ اَلشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبُّنَا مَا أَطْغَيَتُهُ وَلكُنَّ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ – ق 21 – 27 }

وَأَمَّا :

 ( كُلُّ نَفْسٍ )

وَهُنَا يَقُولُ تَعَالَى { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفُّونَ أُجُورُكُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَمِنْ زُحْزِحَ عَنْ اَلنَّارِ وَأَدْخَلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ اَلْغُرُورِ – آلِ عِمْرَانْ 185 } فَإِذَا جَاءَ اَلْمَوْتُ فَصْلَ بَيْنَ اَلنَّفْسِ وَمَا هُوَ مُقْتَرِنٌ بِهَا مِنْ رُوحِ وَسِوَاهُ اَلْإِنْسَانِ لِيَحْيَا مَرَّةً أُخْرَى بِنَفْسِهِ اَلْمَخْلُوقَةِ مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ أَوْ تَرْجِعُ إِلَى اَلْجَحِيمِ اَلَّذِي خَلَقَتْ وَخَرَجَتْ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَالِي اَلْجَحِيمِ – اَلصَّافَّاتِ } فَإِذَا مَاتُوا وَجَدُوا بَعْدُ مَوْتِهِمْ مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرِ أَوْ شَرِّ مَحْضَرًا وَمِنْ عَمِلَتْ سُوءًا سِتُودْ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَمَلِهَا أَمَدًا بَعِيدًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { يَوْمٌ تَجِدُ كُلَّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ مَحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذَّرَكُمْ اَللَّهُ نَفْسُهُ وَاَللَّهِ رَءُوفْ بِالْعِبَادِ – آلِ عِمْرَانْ 30 } وَكَأَنَّ اَلْمَوْتَ يَوْمَ اَلْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ عَلَى مَا عِلْمُهُ اَلْعَبْدُ فِي اَلدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى { لِيَجْزِيَ اَللَّهُ كُلَّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اَللَّهَ سَرِيعٌ اَلْحِسَابِ – إِبْرَاهِيمْ 51 } وَقَالَ تَعَالَى { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ – اَلزُّمَرُ 70 }

وَأَمَّا :

( مَعَهَا )

وَهُنَا كَأَنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ { وَمِنْ يُطِعْ اَللَّهُ وَالرَّسُولُ فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ اَلنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحُسْنِ أُولَئِكَ رَفِيقًا – اَلنِّسَاءِ 69 } وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلنَّارِ { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ – اَلْمَائِدَةِ 36 } وَكُلُّ نَفْسُ مِنْ هَذِهِ اَلْأَنْفُسِ تَأْتِي مَعَهَا سَائِق وَشَهِيد كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } .

 وَأَمَّا :

( سَائِقٌ )

السَّائِقِ هُوَ اَلَّذِي يُسَوِّقُ كُلُّ نَفْسٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَى اَلْجَنَّةِ أَوْ إِلَى اَلنَّارِ وَتَبْدَأُ هَذِهِ اَلْمَرْحَلَةِ بِمَوْتِ اَلْإِنْسَانِ وَالْتِفَافِ اَلسَّاقِ بِالسَّاقِ إِذَا كَانَ مِنْ اَلْمُجْرِمِينَ قَالَ تَعَالَى { كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مِنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبُّكَ يَوْمئِذٍ اَلْمَسَاقَ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلكُنَّ كَذِب وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلُهُ يَتَمَطَّى أُولَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى – اَلْقِيَامَة 26 – 36 } .

وَهُنَا بَعْدَمَا اِلْتَفَتَ اَلسَّاقَ بِالسَّاقِ وَأَصْبَحَتَا سَاقًا وَاحِدَةً بِكُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ وَسَحَبَتْهُمْ اَلْمَلَائِكَةُ عَلَى وَجُووهَمْ وَحِينَهَا يَدْعُونَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ – اَلْقَلَمَ 42 – 43 }

ثُمَّ تَسُوقُهُمْ اَلْمَلَائِكَةُ لِلْمَحْكَمَةِ اَلْإِلَهِيَّةِ بِسَائِقٍ وَشَهِيدٍ قَالَ تَعَالَى فِيهِمَا هُنَا { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ – قِ 21 }

وَبَعْدَ اَلْمُحَاكَمَةِ يُسَاقُونَ فَرِيق إِلَى اَلْجَنَّةِ وَفَرِيقٍ إِلَى اَلسَّعِيرِ قَالَ تَعَالَى { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَسِيقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّم زَمْرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فَتَحَتْ أَبْوَابَهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتْهَا أَلَم يَأْتِكُمْ رُسُلُ مِنْكُمْ يَتَلَوَّنُ عَلَيْكُمْ آيَاتُ رَبِّكُمْ وَيُنْذَرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا قَالُوا بَلَى وَلكُنَّ حَقَّتْ كَلِمَةَ اَلْعَذَابِ عَلَى اَلْكَافِرِينَ قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبُّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زَمْرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفَتَحَتْ أَبْوَابَهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتْهَا سَلَام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا اَلْحَمْدَ لِلَّهِ اَلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدُهُ وَأَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْر اَلْعَامِلِينَ – اَلزُّمَرِ 70 – 74 }

وَأَمَّا :

( وَشَهِيد )

الشَّهِيدِ عَلَى كُلِّ شَيْءِ وَإِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ كُلِّ شَيْءِ وَالْحُكْمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { إِنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ شَهِيدٍ – اَلنِّسَاءِ 33 }

وَبَعْدَمَا بَيِّنٌ تَعَالَى أَنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَيَوْم نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنُزُلِنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءِ وَهُدَى وَرَحْمَةُ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ – اَلنَّحْلِ 89 } .

أَيْ أَنَّ اَلشَّهِيدَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بَعْدَ مَوْتِهَا مَلَائِكَةً تَسْأَلُهُ عَنْ رَبِّهِ وَدَيْنِهِ وَإِمَامِهِ وَفِي بَعْضِ اَلرِّوَايَاتِ ” مِنْ هَذَا اَلَّذِي بَعَثَ فِيكُمْ ” وَيَوْمِ اَلْقِيَامَةِ يَسْأَلُ اَللَّهُ تَعَالَى اَلشَّاهِد وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ اَلرَّسْسَلْ وَالْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ – اَلْأَعْرَافَ 6 } وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا { لِيَسْأَل اَلصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا – اَلْأَحْزَابَ 8 }

وَالسُّؤَالَ هُنَا لِلْمُرْسَلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ وَفِي حَقِّ مِنْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ وَشَهَادَاتِهِمْ عَلَى قَوْمِهِمْ . وَآخِرٌ هَؤُلَاءِ اَلشُّهُودِ وَخَاتَمِهِمْ وَإِمَامِ أَنْبِيَاءِ اَللَّهِ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدْ صَاحِبِ اَلْمِيثَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا – اَلنِّسَاءِ 41 } ثُمَّ تَأْتِ شَهَادَةُ أَئِمَّةِ أَهْلِ بَيْتِ اَلنَّبِيِّ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ عَلَى هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مِنْ بَعْدُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَىْلَهْ وَأَوَّلِهِمْ اَلْإِمَامْ عَلِي عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ لِمَا نَزَلَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى { وَيَقُولَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِسِتِّ مُرْسَلاً قَلَّ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ اَلْكِتَابِ – اَلرَّعْدِ 43 } .

[ يَقُولَ اِبْنْ عَبَّاسْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا اَلَّذِي عَلَى اَلْبَيِّنَةِ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَالِهٌ وَالشَّاهِدُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ – مُنْتَخَبِ كَنْزِ اَلْعُمَّالِ هَامِشَ مَسْنَدِ أَحْمَدْ ج 2 بَابِ اَلتَّفْسِيرِ طَبْعَةَ اَلْبَابِيِّ اَلْحَلَبِي ] .

ثَمَّ تأتي شَهَادَةَ عَبْدِ اَللَّهْ بْنْ سَلَامْ عَلَى اَلْيَهُودِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اَللَّهَ لَا يَهْدِي اَلْقَوْمُ اَلظَّالِمِينَ – اَلْأَحْقَافَ 10 } .

ثُمَّ تَأْتِ شَهَادَةُ جَسَدِ اَلْإِنْسَانِ أو سوءتهُ التي كانت تُصَاحِبُهُ في الدنياَ لتشَهِدَ عَلَيْهِ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – فَصَلَتْ 20 }

وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي اَلْآثَارِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ اَلنَّبِيِّ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ : [ أَنَّ إِسْرَافِيلْ أَوْ جِبْرَائِيلْ عَلَيْهِمَا اَلسَّلَامُ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا اَلْعِظَامِ وَالْأَوْصَالِ اَلْمُتَقَطِّعَةِ اَلْبَالِيَةِ وَاللُّحُومِ اَلْمُتَمَزِّقَةِ وَالشُّعُورِ اَلْمُتَفَرِّقَةِ إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرَكُنَّ أَنَّ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ اَلْقَضَاءِ – أَنْوَارِ اَلتَّنْزِيلِ ج 2 ص 418 وَكَنْزِ اَلدَّقَائِقِ لَلْقَمِي اَلْمَشْهَدِيِّ ج 12 ص 400 ]

وَفِيٍّ تَفْسِيرِ اَلْقُرْطُبِيِّ :

[ وَالْمُنَادِي جِبْرِيلْ . وَقِيلَ : إِسْرَافِيلْ . اَلزَّمَخْشَرِي : وَقِيلَ إِسْرَافِيلْ يَنْفُخُ وَجِبْرِيلْ يُنَادِي ، فَيُنَادِي بِالْحَشْرِ وَيَقُولُ : هَلُمُّوا إِلَى اَلْحِسَابِ فَالنِّدَاءُ عَلَى هَذَا فِي اَلْمَحْشَرِ . وَقِيلَ : وَاسْتَمَعَ نِدَاءَ اَلْكُفَّارِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ، أَيْ يَسْمَعُ اَلْجَمِيعُ فَلَا يَبْعُدُ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ اَلنِّدَاءِ . قَالَ عِكْرِمَة : يُنَادِي مُنَادِيَ اَلرَّحْمَنِ فَكَأَنَّمَا يُنَادِي فِي آذَانِهِمْ . وَقِيلَ : اَلْمَكَانُ اَلْقَرِيبُ صَخْرَةَ بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ . وَيُقَالَ : إِنَّهَا وَسَطَ اَلْأَرْضِ وَأَقْرَبُ اَلْأَرْضِ مِنْ اَلسَّمَاءِ بِاِثْنَيْ عَشَرَ مِيلاً . وَقَالَ كَعْبٌ : بِثَمَانِيَةِ عَشَرِ مِيلاً ، ذَكَرَ اَلْأَوَّلُ اَلْقُشَيْرِي وَاَلزَّمَخْشَرِي ، وَالثَّانِي اَلْمَاوَرْدَيْ . فَيَقِفُ جِبْرِيلْ أَوْ إِسْرَافِيلْ عَلَى اَلصَّخْرَةِ فَيُنَادِي بِالْحَشْرِ : أَيَّتُهَا اَلْعِظَامِ اَلْبَالِيَةِ ، وَالْأَوْصَالُ اَلْمُتَقَطِّعَةُ ، وَيَا عِظَامًا نَخِرَةً ، وَيَا أَكْفَانًا فَانِيَةً ، وَيَا قُلُوبًا خَاوِيَةً ، وَيَا أَبْدَانًا فَاسِدَةً ، وَيَا عُيُونًا سَائِلَةً ، قُومُوا لِعَرْضِ رَبِّ اَلْعَالَمَيْنِ . قَالَ قَتَادَة : هُوَ إِسْرَافِيلْ صَاحِبُ اَلصُّوَرِ – تَفْسِيرَ اَلْقُرْطُبِيِّ ] ثُمَّ تَأْتِ شَهَادَةُ اَلْأُمَّةِ اَلْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى بَقِيَّةِ اَلْأُمَمِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ أَوْ حَدَثَ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ مَعْرَكَةٍ أَوْ جِدَالِ أَوْ سَفْكِ دِمَاءٍ فِي كُلِّ وَقَائِعِ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى اَلنَّاسِ وَيَكُونُ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلَنَا اَلْقُبْلَةَ اَلَّتِي كُنْتُ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مِنْ يَتْبَعُ اَلرَّسُولُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لِكَبِيرَةٍ إِلَّا عَلَى اَلَّذِينَ هُدَى اَللَّهِ وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُضَيِّعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اَللَّهَ بِالنَّاسِ لِرَؤُوفْ رَحِيمٍ – اَلْبَقَرَةِ 143 }

وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا اَلشَّاهِدُ اَلْأَوَّلُ عَلَى اَلْإِنْسَانِ اَلَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْهِ هُوَ جَسَدُهُ اَلطِّينِيُّ اَلسُّفْلِيُّ وَسَوْأَتَهُ اَلَّتِي بَدَتْ بَعْدَمَا أَكَلَ نَبِيُّ اَللَّهِ آدَمْ مِنْ اَلشَّجَرَةِ وَزَوْجِهِ مِنْهَا فَهَبَطَا إِلَى اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا هَذِهِ اَلسُّوءَة هُوَ اَلْجَسَدُ اَلَّذِي يَحْوِي اَلسَّمْعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجُلُودُ وَهُوَ اَلَّذِي يَشْهَدُ عَلَى اَلْإِنْسَانِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ كَمًّا بَيِّنًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – فَصَلَتْ 20 } ثُمَّ يَأْتِي عَمَلُهُ مُصَاحِبٌ لَهُ شَاهِدًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا – اَلْكَهْفِ 49 } ثُمَّ تَأْتِ شَهَادَةُ صَاحِبِ اَلْوَاقِعَةِ ثُمَّ شَهَادَةُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ثُمَّ اَلْإِمَامْ عَلِي وَالْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ كُلُّ نَفْسِ وَالشَّاهِدِ عَلَيْهَا مِنْ أَئِمَّةِ زَمَانِهِمْ وَهَؤُلَاءِ جَمِيعًا هُمْ اَلشُّهُودُ بِالْجَمْعِ اَلْوَارِدِ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلِ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تَفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَلَا فِي اَلسَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبَيَّنٍ – يُونُسْ 61 } وَهَؤُلَاءِ اَلشُّهُود كَمًّا بَيِّنًا .

1- جَسَدُهُ اَلَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْهِ .

2 – اَلشَّاهِدُ عَلَيْهِ مِنْ اَلرُّسُلِ أَوْ اَلْأَنْبِيَاءِ وَأَئِمَّةِ أَهْلُ اَلْبَيْتِ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ .

3 – اَلْمُسْلِمِينَ شُهُودٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ .

4 – عَمَلُ اَلْإِنْسَانِ يَكُونُ فِي هَذَا اَلْيَوْمِ شَاهِدًا عَلَيْهِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ اَلشُّهُودُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ . كِتَابُ اَللَّهِ اَلنَّاطِقِ وَالْمَكْتُوبِ بِكُلِّ أَعْمَالِ اَلْإِنْسَانِ كَأَنَّهُ تَسْجِيلُ فِيدْيُو لِأَعْمَالِ اَلنَّاسِ وَكِتَابٍ مُوَثَّقٍ مَكْتُوبٍ قَالَ تَعَالَى فِيهِ { هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ – اَلْجَاثِيَةُ 19 } .

اَلْفَصْل اَلْخَامِسِ :

 ( 1 ) أَنْوَاعُ اَلْأَنْفُسِ اَلْبَشَرِيَّةِ اَلثَّلَاثَةِ :

– وَيُمْكِنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ اَلْأَنْفُسَ اَلْبَشَرِيَّةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ مُحَرِّضٌ عَلَى اَلشَّرِّ و الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ – بِصَرْفِ اَلنَّظَرِ عَنْ اَلدِّيَانَةِ أَوْ اَلْمَذْهَبِ , وَنَفْس أُخْرَى تَدْفَعُ لِلْخَيْرِ وَالتَّقْوَى وَالْبِرِّ وَالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ وَبَيْنَهُمَا نُفُوسٌ خَلَطَتْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرُ سَيِّئًا وَهِيَ اَلنَّفْسُ اَللَّوَّامَةُ وهذه الأنفس الثلاثة مجتمعة ليست أنواع منفصلة إنما كل نفس فيها هذه الأنواع الثلاثة لقوله تعالى { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } و فجورها الجزء الذي يأممر بالسوء في قوله تعالى { إن النفس لأمارة السوء } وتقواها النفس اللوامة والمطمئنة التي لا تطمئن إلا بذكر الله ومن غلب شره كان بسبب طينته التي خلق منها لذلك قال في ابني آدم { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله} وكأن النفس فيها جزء نوراني من الله تعالى ينهاها عن الشر و آخر يعرف ما هو الشر .

وَقَالَ تَعَالَى هُنَا فِي هَذِهِ اَلْأَنْوَاعَ اَلثَّلَاثَةَ :

1 – اَلنَّفْسُ مُطَمْئِنَةً . { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } وَهِيَ اَلنَّفْسُ اَلْآمِنَةُ اَلَّتِي لَا يَسْتَفِزُّهَا خَوْفٌ وَلَا حُزْنَ وَالْوَاصِلَةِ إِلَى مَرْحَلَةِ اَلِاطْمِئْنَانِ وَالرَّاحَةِ وَالطَّاعَةِ اَلتَّامَّةِ لِأَوَامِرِ اَللَّهِ وَالْمَشْمُولَةِ بَعَنَايَاتَهْ اَلرَّبَّانِيَّةَ .

2 – اَلنَّفْسُ اَللَّوَّامَةُ . وَاَلَّتِي قَالَ عَنْهَا اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيمُ : { وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ – اَلْقِيَامَةُ } وَهِيَ اَلَّتِي تَنْدَمُ بَعْدَ اِرْتِكَابِ اَلْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ فَتَلُوم نَفْسهَا .

3 – اَلنَّفْسُ اَلْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ . { وَمَا أَبْرَىَءْ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي أَنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ – يُوسُفْ } .

وَبِالتَّالِي هَذِهِ اَلنَّفْسِ هِيَ جَسَدُكَ اَلْآخَرَ اَلْمَخْلُوقَ مِنْ طِينَةِ اَلْجَنَّةِ أَوْ اَلنَّارِ وَاَلَّتِي خَلَطَتْ فِيهَا طِينَةٌ مِنْ اَلْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُمْ اَلَّذِينَ يَخْلِطُونَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ بِالسَّيِّئِ وَهُمْ كَثِيرٌ .

أَمَّا بُعْدٌ : يُحَدِّثُنَا اَلْقُرْآنُ بِأَنَّ اَلْإِنْسَانَ قَدْ وَهَبَهُ اَللَّهُ تَعَالَى قُدْرَة وَمَوْهِبَةِ إِلَهِيَّةٍ عَلَى خَلْقِ اَلْأَعْمَالِ بِإِذْنِ اَللَّهِ بِأَنَّ جَعْلَهُ يَرَى نَتِيجَةِ عَمَلَهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فِي صُورَةِ مَلَائِكَةِ أَوْ شَيَاطِينَ فَتَتَجَسَّد لِيَرَاهَا اَلنَّاسُ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ مُنْذُ نُزُولِهِمْ اَلْقَبْرِ . وَفِي مَرْحَلَةِ مَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ يَرَاهَا اَلْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ خُلُقًا يَسْعَى وَيَسِيرُ وَيَرَى بِالْعَيْنِ وَتُحِسُّ بِهَا نَفْسُهُ . وَهَذِهِ اَلْأَعْمَالُ اَلْإِنْسَانِيَّةُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ تَنْعَكِسُ عَلَى اَلْإِنْسَانِ بِجَسَدِهِ اَلطِّينِيِّ اَلسُّفْلِيِّ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا سَلْبًا أَوْ إِيجَابًا فَتَحَوَّلَ حَيَاتُهُ إِلَى ضَنْكٍ أَوْ رِضَا وَسَعَادَةٍ وَقَنَاعَةٍ . وَلِذَلِكَ تَجِدُ اَلْعَوَامَّ اَلْبُسَطَاءَ إِذَا وَجَدُوا شَقِيًّا لَا يَنْجُو مِنْ مُعْضِلَةٍ قَالُوا لَقَدْ [ ” وَقَفَ لَهُ عَمَلِهِ ” ] أَوْ قَوْلِهِمْ [ ” هَذَا مِنْ أَعْمَالِهِ ” ] وَذَلِكَ صَحِيحٌ كَمَا سَنُبَيِّنُ لِذَلِكَ يَسْعَى اَلِاسْتِعْمَارُ أَوْ اَلْأَعْدَاءِ دَائِمًا لِلْإِيقَاعِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي اَلرَّذِيلَةِ أُوَالْفُوَاحَشْ وَسَفْكِ اَلدِّمَاءِ لِيَتَسَلَّطُوا هُمْ كَسَيْفِ اِنْتِقَامٍ إِلَهِيٍّ مُسَلَّطٍ مِنْ اَللَّهِ عَلَى رِقَابِهِمْ لِيَكُونَ اَلْقِصَاصُ بِأَيْدِيهِمْ بَعْدَمَا أَوْقَعُوا اَلْأُمَّةُ فِي اَلْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْكَبَائِرِ وَالْآثَامِ . يَقُولَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّ اَللَّهِ إِبْرَاهِيمْ عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ وَقَوْلُهُ لِقَوْمِهِ حِينَمَا عَبَّدُوا اَلْأَصْنَامُ : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ اَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رُزِقَا فَابْتَغَوْا عِنْدَ اَللَّهِ اَلرِّزْقِ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تَرْجِعُونَ – اَلْعَنْكَبُوتُ 19 } .

وَلَاحَظَ هُنَا قَوْلَهُ لَهُمْ ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) وَلَمْ يَقُلْ وَتَعْمَلُونَ إِفْكًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ خَلَقُوا بِمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهُمْ صِنَاعَاتٍ لِيَعْبُدُوهَا مِنْ دُونِ اَللَّهِ تَعَالَى فِيهَا إِفْكٌ وَافْتِئَاتٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى اَللَّهِ تَعَالَى جَلَبَتْ عَلَيْهِمْ اَلشَّيَاطِينُ بِتِلْكَ اَلْأَعْمَالِ لِذَلِكَ يَقُولُ لَهُمْ فِي سُورَةِ اَلصَّافَّاتِ { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وَمَا عَمِلُوهُ وَفْقًا لِبَيَانِ اَلْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ : هِيَ أَعْمَالُهُمْ مِنْ اَلصَّالِحَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لِتُبْعَثِنَ ثُمَّ لِتُنْبِئِنَ بِمَا عَمِلْتُمْ – اَلتَّغَابُنُ 7 } أَيْ أَنَّ أَعْمَالَ اَلْعِبَادِ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ يَحْجُبُكَ جَسَدُكَ اَلطِّينِيُّ اَلسُّفْلِيُّ أَوْ اَلسُّوءَة عَنْ رُؤْيَتِهَا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا بِهَذِهِ اَلْأَجْسَادِ اَلطِّينِيَّةِ فَلَا نَرَى مِنْ أَعْمَالِنَا إِلَّا جَلْبُ بِرْكَةٍ وَخَيْرٍ إِنَّ كَانَتْ صَالِحَةً أَوْ جَلْبِ مَصَائِبَ وَشُرُورٍ إِنَّ كَانَتْ سَيِّئَةً وَبَيْنَهُمَا أَهْلُ اَلْمَعَاصِي وَابْتِلَاءِ يَبْتَلِيهِمْ اَللَّهُ تَعَالَى بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَلَكِنْ لَا تَسْتَمِرُّ بَلْ تِلْكَ اَلْفِتْنَةِ بَلْ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَلْنَبْلَوْنَكَمْ بِشَيْءٍ مِنْ اَلْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ اَلْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ – اَلْبَقَرَةَ } .

وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يَرَى اَلْإِنْسَانُ بِجَسَدِهِ اَلطِّينِيِّ اَلْعُلْوِيِّ أَوْ نَفْسِهِ اَلَّتِي عَاشَ بِهَا فِي جَنَّةِ عَدْنِ قَبْلَ اَلْهُبُوطِ إِلَى اَلْأَرْضِ إِنَّ كَانَتْ خَيْرًا فَخَيْرٍ وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا فَسَتَجِدُ شَرُّهَا وَعَمَلُهَا مُتَجَسِّدًا حَاضِرًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَوَجَدُوا مَاعَمَلْوَا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا – اَلْكَهْفِ 49 } .

وَاَللَّهُ مِنْ هَذِهِ اَلْأَعْمَالِ فِي اَلدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ اَلْمِثَالِ مَا ذَكَرَهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ [ عَنْ عَبْدِ اَللَّهْ بْنْ مَسْعُودْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ “ لَقِيَتْ إِبْرَاهِيمْ لَيْلَةَ أُسَرِيٍّ بِي فَقَالَ : يَا مُحَمَّدْ ، أَقْرَأُ أُمَّتُكَ مُنِيَ اَلسَّلَامُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اَلْجَنَّةَ طِيبَةَ اَلتُّرْبَةَ عَذْبَةٌ اَلْمَاءِ ، وَأَنَّهَا قِيعَان ، وَأَنَّ غَرَاسَهَا سُبْحَانَ اَللَّهِ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ” . ] . أَيْ أَنَّ تَسْبِيحُكَ هُوَ زَرْعُكَ فِي اَلْجَنَّةِ وَتَنْظِيفِ وَكَنْسِ بُيُوتِ اَللَّهِ مُهُورِ اَلْحُورِ اَلْعَيْنِ [ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِخْرَاجُ اَلْقُمَامَةِ مِنْ اَلْمَسْجِدِ ، مُهُورُ اَلْحُورِ اَلْعَيْنِ – رَوَاهُ أَبُو نَعِيمْ فِي مَعْرِفَةِ اَلصَّحَابَةِ ، وَالطَّبَرَانِي فِي اَلْكَبِيرِ ] .

وَبِالتَّالِي كُلُّ أَعْمَالٍ بُنِيَ آدَمْ فِي اَلدُّنْيَا سَيَرَاهَا بَعْدَ مَوْتِهِ مُتَجَسِّدَةً لَا يَعْرِفُ مِنْهَا إِلَّا اَلْأَسْمَاءَ فَقَطْ قَالَ بْنْ عَبَّاسْ [ عَنْ اِبْنْ عَبَّاسْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَيْسَ فِي اَلْجَنَّةِ شَيْءً مِمَّا فِي اَلدُّنْيَا إِلَّا اَلْأَسْمَاءَ – . أَخْرَجَهُ أَبُو نَعِيمْ فِي صِفَةِ اَلْجَنَّةِ ( 124 ) بِاخْتِلَافٍ يَسِيرٍ ، وَالْبَيْهَقِي فِي اَلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ( 332 ) ، وَابْنُ عَسَاكِر فِي مُعْجَمِ اَلشُّيُوخِ ( 1194 ) ] .

– وَهَذَا فِي جَنَّةِ عَدْنِ وَهِيَ جَنَّةُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا كَمًّا بَيِّنًا وَأَمَّا اَلْفِرْدَوْسُ لَا يَدْخُلُهَا اَلنَّاسُ إِلَّا بَعْدَ اَلْقِيَامَةِ لِاقْتِرَانِهَا بِلَفْظِ مِيرَاثٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ اِبْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ – اَلْمُؤْمِنُونَ 1 – 11 } وَالْمِيرَاثَ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ اَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فَإِذَا وَرِثَهَا اَللَّهُ تَعَالَى بُعْدُ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ أُوثْ اَلْمُؤْمِنُونَ جَنَّةَ اَلْفِرْدَوْسِ وَفِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُن سُمِعَتْ . [ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي اَلصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُن سُمِعَتْ وَلَا خَطَر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ . – رَوَاهُ اَلْبُخَارِي – وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ : وَلَا يَعْلَمُهُ مَلِكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِي مُرْسَلٍ . . [ وَزَادَ اِبْنْ مَسْعُودْ فِي حَدِيثِهِ : وَلَا يَعْلَمُهُ مَلِكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِي مُرْسَلٍ . أَخْرَجَهُ اِبْنْ أَبِي حَاتِمْ . . . ] وَمِصْدَاقَ ذَلِكَ فِي فُولِهِ تَعَالَى { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .

وَبِالتَّالِي كُلُّ اَلْأَعْمَالِ اَلصَّالِحَةِ وَالطَّالِحَةِ أَوْ اَلسَّيِّئَةِ بَلْ وَكُلَّ مَا صَنَعَهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ سَيَجِدُهُ اَلْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيُعَايِنهُ بِنَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى { وَوَجَدُوا مَاعَمَلْوَا حَاضِرٌ – اَلْكَهْفِ } وَحَاضِرًا مِنْ بَعْدُ اَلْمَوْتِ يَرَى عَمَلُهُ ثُمَّ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ يَجِدُهُ حَاضِرًا وَيَحْمِلُ أَعْمَالَهُ اَلسَّيِّئَةَ عَلَى ظَهْرِهِ مَادِّيَّةً مُتَجَسِّدَةً وَكَمَا أَنَّ كُلَّ اَلصِّنَاعَاتِ اَلَّتِي صَنَعَهَا اَلْإِنْسَانُ مَخْلُوقَةً خَلَقَهَا بِعَقْلِهِ اَلْمَخْلُوقِ بَيِّنٍ تَعَالَى أَنْ اَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرَ مِنْ خَلْقِ اَلنَّاسِ اَلَّذِي خَلَقُوهُ بِعُقُولِهِمْ قَالَ تَعَالَى { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ – غَافِرٌ 57 }

[ وَهُنَا قَالَ اَلْبَغَوِي فِي تَفْسِيرِهِ اَلدَّجَّالِ مَذْكُورٍ فِي هَذِهِ اَلْآيَةِ – تَفْسِيرَ اَلْبَغَوِي ] وَذَلِكَ لِأَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ صِنَاعَةِ صُنْعِهَا اَلْإِنْسَا وَمَعَ ذَلِكَ يُجْبِرُ حُكَّامُهُمْ شُعُوبُهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ اَلْمُطْلَقَةِ وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَجْعَلُونَهَا اِمْتِثَالاً لِكُتُبِ اَللَّهِ اَلسَّمَاوِيَّةِ إِلَّا مِنْ بَعْدُ مُوَافَقَتَهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوهُ هُمْ وَلَيْسَ كُلُّ مَايْرِيدَهْ اَللَّهِ وَهُنَا كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا حُكَّامُهُمْ بِأَسْلِحَتِهِمْ اَلَّتِي أَرْهَبُوا بِهَا شُعُوبُهُمْ أَكْبَرَ مِنْ خَلْقِ اَللَّهِ وَهَذَا دَجْلٌ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .

وَبِهَذَا اَلْخُلُقِ اَلَّذِي خَلَقَهُ اَلْإِنْسَانُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ أَصْنَامٍ وَصِنَاعَاتٍ جَلَبُوا بِهَا شَيَاطِينُ عَاثَتْ فِي اَلْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُمْ وَعُقُولَهُمْ وَمَا يَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالِ وَصِنَاعَاتِ فِيهَا إِفْكٌ لِأَنَّهُمْ اِبْتَعَدُوا بِهَذِهِ اَلْأَعْمَالِ عَنْ طَاعَةِ اَللَّهِ تَعَالَى وَلَم يَجْعَلُوهَا لِلَّهِ قَالَ تَعَالَى فِي سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمْ وَقَوْمُهُ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ إِفْكًا وَلَمْ يَقُلْ يَعْمَلُونَ اَلْإِفْكُ : { وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ – اَلصَّافَّاتِ 83 – 97 } .

أَيْ أَنَّكَ وَمَا صَنَعَتْهُ بِيَدِكَ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اَللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ اَلْأَعْمَالُ اَلصَّالِحَةُ تَدَخُّل تَحْتَ ذَلِكَ اَلْمَعْنَى مِنْ اَلْخُلُقِ وَلَكِنَّهُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ وَتَتَجَسَّدُ أَعْمَالُهُمْ كَمًّا بَيِّنًا مِنْ قِبَلِ وَالْعَكْسُ فِي أَهْلِ اَلنَّارِ وَأَعْمَالِهِمْ هُنَا يَقُولُ تَعَالَى { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } وَلَمْ يَقُلْ وَتَعْمَلُونَ إِفْكًا وَهُنَاكَ فَارِقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ اَللَّفْظَيْنِ تَخْلُقُونَ وَتَعْمَلُونَ . وَالْأَعْمَالُ اَلصَّالِحَةُ تَجْلِبُ اَلْمَلَائِكَةَ وَالطَّالِحَةِ تَجْلِبُ اَلشَّيَاطِينَ وَبِأَفْعَال أُمَم سَابِقَةٍ مِنْ كَفْرِ وَسَفْكِ دِمَاءٍ خَلَقُوا شَيَاطِينُ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَجَعُهُمْ اَللَّهُ تَعَالَى أَئِمَّة فِي اَلْكُفْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي فِرْعَوْنْ بِالذَّاتِ لِأَنَّهُ تَفَنَّنَ فِي اَلتَّعْذِيبِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى اَلنِّسَاءِ وَاسْتِخْدَامِ اَلضَّجَّةِ اَلْإِعْلَامِيَّةِ تَمْهِيدًا لِلْمَذْبَحَةِ وَكَانَتْ أَلْمَمْ مِنْ قَبْلُ تَقْتُلُ كَقَوْلِهِ لِإِبْرَاهِيمْ { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرَّجَمَنْكْ } وَمِنْ هُنَا كَانَتْ إِمَامَةُ فِرْعَوْنْ بِأَعْمَالِهِ اَلْمُجْرِمَةِ حَتَّى بَعْدِ مَوْتِهِ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى فِي رَفْعِهَا مِنْ اَلْأَرْضِ وَمِنْ هُنَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلنَّارِ } وَلِخَلْقِهِمْ تِلْكَ اَلْأَعْمَالِ وَحَبْسِ أَنْفُسِهِمْ فِي اَلْأَرْضِ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي اَلْأَجْسَادِ اَلَّتِي تَشَابَهَتْ مَعَهُمْ فِي طِينَةِ اَلنَّارِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَلِّدَهُمْ مِنْ تَشَابَهَتْ طِينَتُهُمْ مَعَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَلِلتَّحْذِيرِ مِنْ اَلْوَقْعِ فِي شَرَكِ تَقْلِيدِهِمْ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ اَلْعَبْدُ فَقَدْ حَذَّرَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ دُخُولِ مَسَاكِنِهِمْ إِلَّا مُسْتَغْفِرِينَ قَالَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ [ عَنْ اِبْنِ عُمَرْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ – يَعْنِي : لِمَا وَصَلُوا اَلْحَجْرُ دِيَارْ ثَمُود : لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ اَلْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنَّ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ : لِمَا مَرَّ رَسُولُ اَللَّهِ بِالْحَجْرِ قَالَ : لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنُ اَلَّذِينَ ظُلِمُوا أَنْفُسُهُمْ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، ثُمَّ قَنِعَ رَسُولُ اَللَّهِ رَأْسَهُ وَأَسْرَع اَلسَّيْرِ حَتَّى أَجَازَ اَلْوَادِي . – مُتَّفَق عَلَيْهِ ] .

وَذَلِكَ اَلتَّحْذِيرُ خَوْفًا مِنْ مَيْلِ قُلُوبِهِمْ إِلَى تَقْلِيدِ هَؤُلَاءِ فِي أَعْمَالِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ قُرَنَائِهِمْ مِنْ أَنْ تَتَوَلَّى شَيَاطِينَ خَلَقَتْهَا أُمَمُ مِنْ قَبْلٌ بِأَعْمَالِهِمْ وَاَللَّهِ تَعَالَى خَلْقُ اَلْجَمِيعِ بِأَعْمَالِهِمْ اَلظَّاهِرَةِ بِسُوآتِهْمْ تَحْتَ سَمَاءِ اَلدُّنْيَا وَالْخَفِيَّةِ اَلَّتِي عَمِلُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كَبَائِرَ وَظُلْمٍ وَمُوبِقَاتٍ وَسَيَرَوْنَهَا بَعْدُ مَوْتِهِمْ مُتَجَسِّدَةً لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى هُنَا : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } . وَمِنْ هُنَا نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ دُخُولِهَا إِلَّا بَاكِينَ أَوْ مُسْتَغْفِرِينَ لِأَنَّ فِيهَا خَلْقٌ عَصَوْا اَللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنْ قَبْلُ فَلَا يَدْخُلُهَا اَلْمُسْلِمُ إِلَّا لِلْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ وَلَيْسَ لِتَكْسِيرِهَا وَإِبَادَتِهَا كَمَا فَعَلَ اَلْحَمْقَى مِنْ قَبْلُ اِمْتِثَالاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أُولِم يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةَ اَلَّذِينَ مِنْ قِبَلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا اَلْأَرْضَ وَعَمَّرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَّرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمًا كَانَ اَللَّهُ لِيَظْلِمِهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسهَمْ يَظْلِمُونَ – اَلرُّومُ 9 } وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا { أَفْلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةَ اَلَّذِينَ مِنْ قِبَلِهِمْ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالِهَا – مُحَمَّدْ 10 } .

وَبِالتَّالِي اَلتَّحْذِيرُ هُنَا مِنْ اَلزِّيَارَةِ إِلَّا لِلْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ فِي هَلَاكِ أُمَمٍ كَفَرَتْ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولهُ وَفِيهَا إِثَارَةٌ غَيْرُ مَنْظُورَةٍ بِالْعَيْنِ لِأَعْمَالِهِمْ يُمْكِن أَنْ تُؤَثِّرَ فِي زَائِرِيهَا خَلَقَتْهَا تِلْكَ اَلْأُمَمِ مِنْ قَبْلٌ بِأَعْمَالِهِمْ فَخَلَقُوا فِيهَا أَعْمَالاً غَيْرَ مَنْظُورَةٍ لِلْجَسَدِ وَكَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَسْجُونُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَلَمْ تَفْتَحْ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { أَنْ اَلَّذِينَ كَذَبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةُ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُجْرِمِينَ – اَلْأَعْرَافَ 40 } .

وَعَنْ تَجْسِيدِ اَلْأَعْمَالِ فِي اَلْقَبْرِ نَجِدُ هُنَاكَ حَدِيثًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَيَّهْ وَآلُهُ يُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ تَجْسِيدِ تِلْكَ اَلْأَعْمَالِ اَلشَّيْطَانِيَّةِ فِي اَلْقَبْرِ حَيْثُ يَأْتِيهُ رَجُلٌ جَمِيلٌ اَلصُّورَةِ فَيَقُولُ لَهُ مِنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ اَلصَّالِحُ أَوْ يَأْتِيهُ رَجُلٌ قَبِيحٌ اَلصُّورَةِ بَشِعٌ اَلْمَنْظَرِ مُخِيفٍ فَيَقُولُ لَهُ مِنْ أَنْتَ فَيَقُولُ ” أَنَا عَمَلُكَ اَلْخَبِيبَثْ ” . . . وَفِي اَلْحَدِيثِ :

[ ( ( يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ اَلسَّمَاءِ : إِنَّ صِدْقَ عَبْدِي ، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ اَلْجَنَّةِ ، وَأَلْبَسُوهُ مِنْ اَلْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابَا إِلَى اَلْجَنَّةِ ، قَالَ : فَيَأْتِيهُ مِنْ رُوحِهَا وَطِيبِهَا ، وَيُفْسِحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ، قَالَ : وَيَأْتِيهُ ( وَفِي رِوَايَةٍ : يُمَثِّلَ لَهُ ) رَجُلُ حُسْنِ اَلْوَجْهِ حَسَنْ اَلثِّيَابَ ، طَيِّب اَلرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُرّكَ ، ( أَبْشِرْ بِرَضْوَانْ مِنْ اَللَّهِ ، وَجَنَّاتُ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ) هَذَا يَوْمُكَ اَلَّذِي كُنْتُ تَوَعُّدٌ ، فَيَقُولُ لَهُ : ( وَأَنْتَ فَبِشَرِّكَ اَللَّه بِخَيْرٍ ) مِنْ أَنْتَ ؟ فَوَجَّهَكَ اَلْوَجْهُ اَلَّذِي يَجِيءُ بِالْخَيْرِ ، فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ اَلصَّالِحُ ( فُو اَللَّهِ مَا عَلِمَتْكَ إِلَّا كُنْتَ سَرِيعًا فِي طَاعَةِ اَللَّهِ ، بَطِيئًا فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ ، فَجَزَاكَ اَللَّهُ خَيْرًا ) ، ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بَابُ مِنْ اَلْجَنَّةِ ، وَبَاب مِنْ اَلنَّارِ ، فَيُقَال : هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ عَصَيْتُ اَللَّهُ ، أَبْدَلَكَ اَللَّهُ بِهِ هَذَا ، فَإِذَا رَأَى مَا فِي اَلْجَنَّةِ ، قَالَ : رَبُّ عَجَلِ قِيَامِ اَلسَّاعَةِ ، كَيْمَا أَرْجَعَ إِلَى أَهْلِيٍّ وَمَالِيٍّ ، فَيُقَال لَهُ : اُسْكُنْ ( أَبُو دَاوُودْ 4750 ) ) ]

وَذكر صَلَوَاتِ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامِهِ أَنَّ اَلْعَبْدَ اَلْكَافِرَ أَوْ اَلْفَاجِرِ بَعْدَ أَنْ يُسِيءَ اَلْإِجَابَةَ [ ( ( يُنَادِي مُنَادٍ فِي اَلسَّمَاءِ أَنَّ كَذِب ، فَافْرِشُواَ لَهُ مِنْ اَلنَّارِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابَا إِلَى اَلنَّارِ ، فَيَأْتِيهُ مِنْ حَرِّهَا وَسُمُومِهَا ، وَيُضَيِّقَ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ ، حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعَهُ ، وَيَأْتِيهُ ( وَفِي رِوَايَةٍ : وَيُمَثِّلَ لَهُ ) رَجُلٌ قَبِيحٌ اَلْوَجْهِ ، قَبِيح اَلثِّيَابِ ، مُنْتِن اَلرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُوءكَ ، هَذَا يَوْمُكَ اَلَّذِي كُنْتُ تَوَعُّدٌ ، فَيَقُولُ : ( وَأَنْتَ فَبِشَرِّكَ اَللَّه بِالشَّرِّ ) ، مِنْ أَنْتَ ؟ فَوَجَّهَكَ اَلْوَجْهُ اَلَّذِي يَجِيءُ بِالشَّرِّ ، فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ اَلْخَبِيثُ ، ( فُو اَللَّهِ مَا عَلِمَتْكَ إِلَّا كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اَللَّهِ ، سَرِيعًا إِلَى مَعْصِيَةِ اَللَّهِ ) ، ( فَجَزَاكَ اَللَّهُ شَرًّا ، ثُمَّ يُقَيِّضُ اَللَّهُ لَهُ أَعْمَى أَصَمَّ أَبْكَمَ فِي يَدِهِ مِرْزَبَّةً ، لَوْ ضَرَبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا ، فَيَضْرِبُهُ حَتَّى يَصِيرَ بِهَا تُرَابًا ، ثُمَّ يُعِيدُهُ كَمَا كَانَ ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةٌ أُخْرَى ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءِ إِلَّا اَلثِّقْلَيْنِ ، ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بَابُ مِنْ اَلنَّارِ ، وَيُمَهِّدَ مِنْ فُرَشِ اَلنَّارِ ) ، فَيَقُولُ : رَبٌّ لَا تَقُمْ اَلسَّاعَةُ ) ) . أَبُو دَاوُودْ 4753 ] .

وَهُنَا يَسْجُنُ هَؤُلَاءِ فِي اَلْأَرْضِ اَلسُّفْلَى كَمَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى [ ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) . . عَنْ اَلْبَرَاءْ بْنْ عَازِبْ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : ” سَجِينٌ : أَسْفَلَ سَبْع أَرْضِينَ ” – تَفْسِيرَ اَلْبُرْهَانِ لِلسَّيِّدِ هَاشِمْ اَلْبَحْرَانِيّ ] .

وَفِي حَدِيثِ أَنَسْ : أَنَّ اَلْعَبْدَ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا أَجَابَ اَلْإِجَابَةَ اَلصَّادِقَةَ فِي قَبْرِهِ ، ) ( يُقَال لَهُ : اُنْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ اَلنَّارِ ، أَبْدَلَكَ اَللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ اَلْجَنَّةِ ، قَالَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَيُرَاهُمَا جَمِيعًا ، قَالَ قَتَادَة : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسِحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ) ) وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ أَنَسْ أَنَّ اَلْكَافِرَ وَالْمُنَافِقَ بَعْدَ أَنْ يُجِيبَ فِي قَبْرِهِ تِلْكَ اَلْإِجَابَةِ اَلْكَاذِبَةِ ، يُقَال لَهُ : ( ( لَا دَرَيْتَ ، وَلَا تُلِيَتْ ، ثُمَّ يَضْرِبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدِ ضَرْبَةٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مِنْ يَلِيهُ إِلَّا اَلثِّقْلَيْنِ ) ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي وَمُسْلِمٌ ، وَلَفَظَ اَلْحَدِيثُ لِلْبُخَارِيِّ ، وَلِمُسْلِمٍ : ( ( إِنَّ اَلْعَبْدَ إِذَا وَضَعَ فِي قَبْرِهِ ) ) ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا تَقَدَّمَ إِلَى قَوْلِهِ : ( ( وَذَكَرَ لَنَا : إِنَّهُ يُفْسِحُ فِيهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا ، وَيَمْلَأَ عَلَيْهِ خَضْرَاء إِلَى يَوْمٍ تَبْعَثُونَ ) ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدْ أَنَّ اَلْعَبْدَ اَلْمُؤْمِنَ بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَ وَيُجِيبُ : ( ( يَنْطَلِقَ بِهِ إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ فِي اَلنَّارِ ، فَيَقُولُ لَهُ : هَذَا كَانَ لَكَ ، وَلَكِنَّ اَللَّهَ عَصَمَكَ ، فَأُبْدِلَكَ بِهِ بَيْتًا فِي اَلْجَنَّةِ ، فَيَرَاهُ ، فَيَقُولُ : دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرُ أَهْلِي ، فَيُقَال لَهُ : اُسْكُنْ ) ) أَبُو دَاوُودْ 4751 ] .

[ ثَنَاءُ اَلْبَرَاءْ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي جِنَازَةِ أَحَدٍ مِنْ اَلْأَنْصَارِ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى اَلْقَبْرِ وَلَمْ يُلْحِدْ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اَللَّهِ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَرْفَعَ رَأْسُهُ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَيَنْظُرُ إِلَى اَلْأَرْضِ وَيَحْدُثُ نَفْسَهُ ، قَالَ ثُمَّ يَقُولُ : ” اُسْتُعِيذُواَ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ اَلْقَبْرِ ” مِرَارًا ثُمَّ قَالَ : ” إِنَّ اَلرَّجُلَ اَلْمُسْلِمَ إِذَا كَانَ فِي قِبَلِ مِنْ اَلْآخِرَةِ ، وَانْقِطَاع مِنْ اَلدُّنْيَا ، تَرَاءَتْ لَهُ مَلَائِكَةٌ مِنْ اَلسَّمَاءِ كَانَ وُجُوهَهُمْ اَلشَّمْسَ ، فَتَجْلِسُ لَهُ مَدُّ اَلْبَصَرِ ، مَعَهُمْ أَكْفَانَ مِنْ أَكْفَانِ اَلْجَنَّةِ ، وَحْنُوطْ مِنْ حَنُّوطْ اَلْجَنَّةُ ، وَيَجِيءَ مَلِكُ اَلْمَوْتِ فَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَيَقُولُ : اُخْرُجِي أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطَمْئِنَةُ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اَللَّهِ [ ص : 239 ]  .

وَرَضْوَانْ ، قَالَ : فَيَخْرُجُ فَيَسِيل كَمَا تَسِيلُ اَلْقَطْرَةُ مِنْ اَلسِّقَاءِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا قَامُوا إِلَيْهِ فَلِمَ يَتْرُكُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، قَالَ : وَيَخْرُجَ مِنْهُ مِثْلٍ أَطْيَبِ رِيحِ مَسْكٍ يُوجَدُ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ ، يَتَصَعَّدُونَ بِهِ فَلَا يَمُرُّونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ اَلْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالَ : مَا هَذَا اَلرُّوحِ اَلطَّيِّبِ ؟ قَالَ : فَيَقُولُونَ : هَذَا فُلَانٌ ، فَتَفْتَحُ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ ، وَيُشَيِّعَهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءِ مُقَرَّبُوهَا ، حَتَّى إِذَا اِنْتَهَى إِلَى اَلسَّمَاءِ اَلسَّابِعَةِ قِيلَ : اُكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي اَلْعِلِّيِّينَ : قَالَ : فَيَكْتُبُ ، قَالَ : ثُمَّ يُقَالُ : أَرْجَعُوهُ إِلَى اَلْأَرْضِ ؛ فَإِنَّ مِنْهَا خَلَقْنَاهُمْ ، وَفِيهَا نُعِيدهُمْ ، وَمِنْهَا نُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ، فَيَجْعَلُ فِي جَسَدِهِ ، فَيَأْتِيهُ اَلْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ لَهُ : اِجْلِسْ ، مِنْ رَبِّكَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّي اَللَّهُ ، قَالَ : يَقُولُونَ : مَا دِينكْ ؟ قَالَ : يَقُولَ : دِينِي اَلْإِسْلَامِ ، فَيَقُولُونَ : مَا هَذَا اَلرَّجُلِ اَلَّذِي بَعَثَ فِيكُمْ ؟ يَقُولَ : هُوَ رَسُولُ اَللَّهِ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، فَيَقُولُونَ : مَا يُدْرِيكَ ؟ فَيَقُولُ : قَرَأَتْ كِتَابَ اَللَّهِ فَآمَنَتْ وَصَدَّقَتْ ، فَيُنَادُونَ مِنْ اَلسَّمَاءِ : إِنَّ قَدْ صَدَّقَ ، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ اَلسَّمَاءِ ، وَأَلْبَسُوهُ مِنْ اَلْجَنَّةِ ، وَأَرُوهُ مَنْزِلُهُ مِنْ اَلْجَنَّةِ ، قَالَ : فَيُصِيبُ مِنْ رُوحِهَا ، وَيُوَسِّعَ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ، وَيُمَثِّلَ لَهُ رَجُلُ حُسْنِ اَلثِّيَابِ ، طَيِّب اَلرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُرّكَ ، هَذَا يَوْمُكَ اَلَّذِي كُنْتُ تَوَعُّدٌ ، فَيَقُولُ هُوَ : مِنْ أَنْتَ رَحِمُكَ اَللَّهُ ؟ فَوَجْهُكَ اَلَّذِي جَاءَ بِالْخَيْرِ ، قَالَ : فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ اَلصَّالِحُ ” . قَالَ : ” وَإِنَّ كَانَ كَافِرًا نَزَلَتْ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ اَلسَّمَاءِ ، سُودَ اَلْوُجُوهِ مَعَهُمْ مُسُوح فَيُجْلَسُونَ مِنْهُ مَدِّ اَلْبَصَرِ ، قَالَ : وَيَجِيءَ مَلِكُ اَلْمَوْتِ فَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ : اُخْرُجِي أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْخَبِيثَةُ إِلَى غَضَبِ مِنْ اَللَّهِ وَسُخْطِهِ ، قَالَ : فَيُفَرِّقُ فِي جَسَدِهِ كَرَاهِيَةً لَهُ ، قَالَ : فَيُسْتَخْرَجُهَا تَنْقَطِعَ مَعَهَا اَلْعُرُوقَ وَالْعَصَبَ كَمَا يَسْتَخْرِجُ اَلصُّوفَ اَلْمَبْلُولَ بَالَسْفُودْ ، فَإِذَا أَخَذَهَا قَامُوا إِلَيْهِ فَلِمَ يَتْرُكُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، فَيَأْخُذُونَهَا فِي أَكْفَانِهَا فِي اَلْمُسُوحِ ، قَالَ : وَيَخْرُجَ مِنْهُ مِثْلٍ أَنْتَنَ رِيحَ جِيفَةٍ وَجَدَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ ، وَيُصَعِّدُونَ بِهَا ، فَلَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ اَلْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالَ : مَا هَذَا اَلرُّوحِ اَلْخَبِيثِ ؟ قَالَ : يُقَال : هَذَا فُلَانٌ ، بَشَرُ أَسْمَائِهِ ، فَإِذَا اِرْتَفَعَ إِلَى اَلسَّمَاءِ اِسْتَفْتِحُوا فَغَلَقَتْ دُونَهُ اَلْأَبْوَابُ ، وَنَوَدُّوْا : أَرْجَعُوهُ إِلَى اَلْأَرْضِ ؛ فَإِنِّي مِنْهَا خِلْقَتُهُمْ ، وَفِيهَا أُعِيدَهُمْ ، وَمِنْهَا أَخْرَجَهُمْ تَارَة أُخْرَى ، فَيَجْعَلُ فِي جَسَدِهِ ، فَتَأْتِيهُ اَلْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ : اِجْلِسْ ، فَيَقُولُونَ : مِنْ رَبِّكَ ؟ قَالَ : يَقُولَ : هَاهُ هَاهُ ، لَا أَدْرِي ، فَيَقُولُونَ : مَا دِينكْ ؟ فَيَقُولُ : هَاهُ هَاهُ ، لَا أَدْرِي ، سَمِعْتُ اَلنَّاسُ يَقُولُونَ ، لَا أَدْرِي ، قَالَ : فَيَقُولُونَ : مِنْ هَذَا اَلرَّجُلِ اَلَّذِي بَعَثَ فِيكُمْ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، سَمِعْتُ اَلنَّاسُ يَقُولُونَ ، قَالَ : فَيُنَادُونَ مِنْ اَلسَّمَاءِ أَنَّ كَذِب ، أَفْرِشُوهُ مِنْ اَلنَّارِ ، وَأَلْبَسُوهُ مِنْ اَلنَّارِ ، وَأَرُوهُ مَنْزِلُهُ مِنْ اَلنَّارِ ، قَالَ : فَيَرَى مَنْزِلُهُ مِنْ اَلنَّارِ ، فَيُصِيبُهُ مِنْ حَرِّهَا وَسُمُومِهَا ، وَيُضَيِّقَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعَهُ ، وَيُمَثِّلَ لَهُ رَجُلٌ قَبِيحٌ اَلْوَجْهِ ، قَبِيح اَلثِّيَابِ ، مُنْتِن اَلرَّائِحَةِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِمَا يَسُوءُكَ ، هَذَا يَوْمُكَ اَلَّذِي كُنْتُ تَوَعُّدٌ ، فَيَقُولُ : مِنْ أَنْتَ وَيْلَكَ ؟ فُو اَللَّهِ وَجْهَكَ اَلَّذِي جَاءَنَا بِالشَّرِّ ، فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ اَلْخَبِيثُ ، فَهُوَ يَقُولُ : يَا رَبٌّ لَا تَقُمْ اَلسَّاعَةُ ، يَا رَبٌّ لَا تَقُمْ اَلسَّاعَةُ ” . – اَلْمُعْجَمُ اَلْكَبِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ ] .

وَهَذَا اَلْمَخْلُوقُ فِي اَلدُّنْيَا إِنَّ كَانَ عَمَلاً خَبِيثًا فَقَدْ تَحَوُّل إِلَى شَيْطَانًا يَسْعَى فِي اَلْأَرْضِ وَيُحَرِّضُ عَلَى اَلشُّرُورِ وَلَا نَجَاةً إِلَّا بِالِاعْتِصَامِ بِكِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَسَنَتهَ وَوِلَايَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلَيْهِمْ اَلسَّلَامُ سَفِينَةَ اَلنَّجَاةِ وَالِالْتِزَامِ بِالصَّلَوَاتِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْأَعْمَالِ اَلصَّالِحَةِ وَإِغَاثَةُ اَلْمَهْوِفْ وَبَرُّ وَالدِّينُ وَصْلَةَ أَرْحَامٍ وَصَدَقَاتٍ تَبْعُدُ هَذَا اَلْحِزْبِ اَلشَّيْطَانِيِّ عَنْ اَلشَّخْصِ وَتَمْتَدُّ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ بِرْكَةَ هَذِهِ اَلْأَعْمَالِ . قَالَ تَعَالَى : { وَأَمَّا اَلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزُ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدُّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلَتْهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطَعْ عَلَيْهِ صَبْرًا – اَلْكَهْفَ 82 } . وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ إِنَّ اِبْتَلَى اَللَّهُ تَعَالَى اَلْوَالِدَيْنِ بِوَلَدْ عَاقٍّ قَالَ تَعَالَى { وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا – اَلْكَهْفُ 80 } .

وَبِالتَّالِي اَلتَّقْوَى وَالْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَبْعُدَانِ أَيُّ شَرٍّ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ اَلْأَبْنَاءِ إِمَّا بِصَلَاحْ أَحْوَالِهِمْ أَوْ اَلتَّقْصِيرِ فِي أَعْمَارِهِمْ لِأَنَّ هُنَاكَ أَعْمَالٌ تُطِيلُ اَلْعُمْرَ مِنْهَا صِلَةَ اَلرَّحِمِ وَأَعْمَالٍ تُصِرُّ اَلْعُمْرَ وَأَهَمُّهَا عُقُوقُ اَلْوَالِدَيْنِ وَقَطْعِ اَلرَّحَّامْ قَالَ تَعَالَى لِذَلِكَ { وَمَا يُعَمِّرُ مِنْ مُعَمِّرٍ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ عُمْرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبَيَّنٍ}.

(2) طبائع النفس الإنسانية :

يبين تعالى في كتابه الكريم أن النفس لها طبائع والجسد هو المنفذ للخير أو الشر بناءاً على ما اعتقده في قلبه وعقله  والله يعلم ما تعقده هذه النفس من خير وشر لقوله تعالى { ربكم أعلم بما في نفوسكم – الاسراء 25 }  ويحذر الله تعالى من ذلك لقوله تعالى { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (- البقرة 235 } ولذلك سيحاسب الله تعالى بالثواب والعقاب على ما أضمرته النفس افنسانية من خير أو شر قال تعالى { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير – البقرة 284 }

ولأنه قد أودع الله تعالى في هذه النفس الإنسانية جزءاً من نوره وهى البصيرة التي يعرفون بها خالقهم ويعرفون بها الخير والشر كما في قوله تعالى {الإنسان على نفسه بصيرة  ولو ألقى معاذيره – القيامة 14- 15  }  ويعرفون هنا الخير والشر بإلهام من هذه النفس وهى تتخاطر مع جسدها وعقله وقلبه قال تعالى { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها – الشمس 1-8 }

ومن غلبت عليه شقوته وترك العمل بهذه البصيرة فسينسيه الله تعالى هذه البصيرة ويعمي قلبه لقوله تعالى لذلك مبيناً أن العمى في هذا البصر وهذه البصيرة قال تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور – الحج 46 } وهؤلاء هم الذين أنساهم الله تعالى البصيرة وإلهام الخير في أنفسهم وقد أنذر الله تعالى الناس من ذلك إذا نسوا ذكر الله والعمل بما أمر الله تعالى فقال عز وجل { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون – الحشر 19 }  وهؤلاء يوم القيامة هم الذين خسرواأنفسهم وأهليهم كما في قوله تعالى { فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين – الزمر 15 } .

وهذا الخسران يوم القيامة لأنهم أخلفوا وعدوهم مع خالقهم عز وجل حيث أخذ من ظهورهم ذريتهم لقوله تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين – الأعراف 172 } وهؤلاء سيشهدون على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين لقوله تعالى { وشهدوا على انفسهم أنهم كانوا كافرين – الانعام 130 }

ولم يكونوا مؤمنين بالله تعالى حيثلم يستمعوا لبصيرتهم وإلهام الله تعالى لهذه الأنفس بالخير والشر قال تعالى { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون – الانعام 12 } وهنا سيمقتون أنفسهم السوء لأنهم لم يسمعوا ما ألهمتهم به من خير وردع عن الشر والكفر والنفاق في أنفسهم وهم يتحادثون ويتخاطبون مع أنفسهم قبل فعل أي عمل بين الأمر والنهي مع نفسه وبنيته قبل الإقدام على العمل فيقال لهم يوم القيامة { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون  – غافر 10 }

ومن هذه الطبائع للنفس الإنسانية :

اليقين والجحود :

لقوله تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا  – النمل 14 }

اللوم على المعصية :

لقوله تعالى { ولا أقسم بالنفس اللوامة  -القيامة 2 }

الدفع نحو السوء والمعصية قال تعالى { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم –يوسف 53 }

الهوى والشهوة :

لقوله تعالى { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس – النجم 23 }  وقال تعالى أيضاً { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون – فصلت 31 }

التخطيط نحو الشر والتزيين :

لقوله تعالى { كذلك سولت لي نفسي – طه 96 } وقال تعالى أيضاً {  قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا – يوسف 18 }

الحزن الشديد :

لقوله تعالى { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا  -الكهف 6 }

إخفاء الأسرار :

لقوله تعالى { وتخفي في نفسك ما الله مبديه – الأحزاب 37 } وقال تعالى أيضاً {   قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون – يوسف 77 } وقال تعالى أيضاً { يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك – آل عمران 154 }

التزيين والحسرة :

لقوله تعالى { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون – فاطر 8 }

الدفع نحو سفك الدماء :

لقوله تعالى { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين – المائدة 30 }

الخوف والتوجس :

لقوله تعالى { فأوجس في نفسه خيفة موسى – طه 67 }

الإكتناز :

لقوله تعالى { هذا ما كنزتم لأنفسكم – التوبة 35 }

الحسد :

لقوله تعالى { حسدا من  عند أنفسهم – البقرة 109 }

 

 

 

 (3) مَعرِفة أَهْل اَلحُنة والنَّار فِي الدُّنْيَا بِظواهر أعْمالهم لِجهْلِهم مَا تَحوِيه أَنفُسهم مِن ضَمائِر وَطِينَة حَقيقِية خَلقُوا مِنهَا وَهنَا يَعرِف النَّاس بَعضُهم فِي الدُّنْيَا بِظاهر الأعْمال :

أَهْل الخيْر أو اَلشَّر مِن النَّاس بِغَير كِتَاب مَنزِل ولَا رَسُول مُرسَل اللَّهمَّ إِلَّا بِأعْمالهم الظَّاهرة اَلتِي بَرزَت بَعْد إِقنَاع اَلقرِين ودفْع النَّفْس ( الإنْسان الدَّاخليُّ ) ثُمَّ تَقُوم السُّوءة بِتنْفِيذ الجريمة اَلتِي تَبيَّن حُكْم النَّاس على الشَّخْص بَعْد أن فعل جريمَته وَهُو يَعرِف أَنهَا جَرِيمَة بِغَير نصِّ مِن كِتَاب اَللَّه السَّماويِّ اَلمنْزِل ولَا رَسُول مُرسَل فقد أَلهَم اَللَّه تَعالَى هَذِه النَّفْس اَلفُجور والتَّقْوى ألْهمَهَا العمل الصَّالح والطَّالح بِغَير نصٍّ قال تَعالَى لِذَلك . . { ونفْس ومَا سوَّاهَا فألْهمهَا فُجورَهَا وتقْواهَا قد أَفلَح من زكَّاهَا وقد خاب من دسَّاهَا – الشَّمْس } .

وَهنَا تَكُون بَعثَة الأنْبياء والْمرْسلين والْأئمَّة لِمضاعفة العذَاب لِأنَّ النُّفوس تَعرِف الخيْر مِن اَلشَّر بِغَير نَبِي ولأنَّهم عَليهِم الصَّلَاة والسَّلام دعوْا البشريَّة لِأمور فِطْريَّة يعْرفهَا الإنْسان بِغَير نَبِي ولَا رَسُول اللَّهمَّ إِلَّا لِإقامة اَلحُجة عَليهِم . – وبالتَّالي بَعثَة الرَّسول أو الإمَام تَكُون لِمضاعفة العذَاب على المنْكرات اَلتِي عرفهَا اَللَّه تَعالَى لَهُم بِالْإلْهام وبغيْر كِتَاب أو رَسُول : مِن السَّمَاء قال تَعالَى { وَالذِين لَا يَدعُون مع اَللَّه إِلَها آخر ولَا يَقتُلون النَّفْس اَلتِي حرم اَللَّه إِلَّا بِالْحقِّ ولَا يَزنُون وَمِن يَفعَل ذَلِك يَلْق آثامًا يُضَاعَف لَه الْعذَاب يَوْم الْقيامة ويخْلد فِيه مُهَانا إِلَّا مِن تاب وَآمِن وَعمِل عملا صالحًا فأولَئك يُبدِّل اَللَّه سيِّئاتهم حَسَنات وَكَان اَللَّه غفورًا رحيمًا – الفرْقان 68 – 70 } والْعَكْس صحيح يُضَاعِف اَللَّه تَعالَى الأجْر لِلنُّفوس المؤْمنة اَلتِي أطاعتْ اَللَّه تَعالَى وَتَولَّت رَسُولَه وأهْل بَيتِه عَليهِم السَّلَام  .

  • درجتين من عذاب الله تعالى للإنس والجن بين الدنيا والآخرة :

وهنا يبين تعالى لمن أعمى الله قلوبهم أنه يعذب ويرحم دون أن يدرك الإنسان ذلك بنفسه ففي جنة عدن أنذر الله تعالى نبي الله آدم وزوجه وذريته بأن عصيانه تعالى في أمر الشجرة واتخذا الشيطان عدو سيخرجه من الجنة فإذا خرج منها خرج للشقاء والعناء والمكابدة وهى نوع بسيط من العذاب في الدنيا لينال العبد رضا الله تعالى بعد ذلك وهنا قال تعالى { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ طه 116-124}.

وفي الدنيا بعد الهبوط بين الله تعالى أن كل معصية أو ذنب سيعاقب بها العبد بعذاب في الحياة الدنيا لعله يتوب أو يرجع وذلك هو العذاب الأدنى أنه الأدنى وفي الآخرة هو العذاب الأكبر فقال تعالى { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون – السجدة 21 } وعذاب اللآخرة الأكبر أشق من عذاب الدنيا كما في قوله تعالى { لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق – الرعد34 } .

ثم يبين تعالى أن متاع الحياة الدنيا والترف فيها لا يناله أحد إلا بالبغي على غيره من المستضعفين فقال عز وجل { فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون –يونس 23 }

وهنا بفرض نال العبد أو نالت دولة من الدول أعلى درجات الترف والتمتع في الحياة الدنيا فهذا يجلب لهم عذاباً من عنده يفقدهم التمتع بما سلبوه بالبغي من أموال فيبتليهم الله تعالى بالأمراض الناتجة لا تساع أمعائهم وبطونهم بظلمهم كما قال النبي صلى الله عليه وآله [ الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد ] وقال أيضاً صلى الله عليه وآله [ إذا غضب الله على قوم نادى منادي من السماء ألا يا أمعاء اتسعي ألا يابطون لا تشبعي  .. الحديث ]

وهنا يبتليهم الله تعالى كما قلنا بكثرة الأمراض الفتاكة والتي يعذبهم الله تعالى بها في دنياهم قبل أخراهم وكثرة الإنتحار كما نعلم أنه منتشر في أكثر البلاد تقدماً .

فهل جلب لهم كثرة المال وسعة عَرَض الحياة الدنيا السعادة ؟! .

نعم لقد نجحوا في سلب شعوب إنما رد الله تعالى عليهم ظلمهم بأن سلط عليهم أنفسهم حتى يقتلونها  بعد الإنتحار بالمخدرات والشذوذ وسفك دماء بعضهم بعضاَ لأتفه الأسباب بين الأفراد والجماعات والدول حتى قتل بعضهم على بعضاً في حروب عالمية عظمى و ابتلاهم الله تعالى بكثرة عدد النساء بما يجبرهم جبراً على جلب واستيراد رجالاً من دول أخرى إسلامية بالإضافة إلى أمراض وأوجاع انشرت بينهم وهى في حالة تجدد باستمرار  مع استمرار عصيانهم لله تعالى وهنا قال صلى الله عليه وآله [ عن عبد الله بن عمر قال  كنَّا عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقال : كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمسٌ ؟ وأعوذُ باللهِ أن تكونَ فيكم أو تُدركوهنَّ : ما ظهرت الفاحشةُ في قومٍ قطُّ يُعملُ بها فيهم علانيةً إلَّا ظهر فيهم الطَّاعونُ والأوجاعُ الَّتي لم تكُنْ في أسلافِهم ، وما منع قومٌ الزَّكاةَ إلَّا مُنِعوا القطرَ من السَّماءِ ، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا ، وما بخَس قومٌ المِكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين وشِدَّةِ المُؤنةِ وجوْرِ السُّلطانِ عليهم ، ولا حكم أمراؤُهم بغيرِ ما أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ إلَّا سلَّط اللهُ عليهم عدوَّهم واستفقدوا بعضَ ما في أيديهم ، وما عطَّلوا كتابَ اللهِ وسنَّةَ رسولِه إلَّا جعل اللهُ بأسَهم بينهم ،- رواه البيهقي في شعب الإيمان ]

وهنا يبين تعالى لنا أن للكون سنن وله إله يعاقب ويثيب والناس لا يشعرون قال تعالى في عذاب الدنيا {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين –الشورى 40} وهذا العذاب في الدنيا حتى الشوكة يشاكها العبد المؤمن كفارة له كما في الحديث [ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا.

[ .. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ – البخاري ]. وللكافر عذاباً يعذبه الله تعالى به حتى يرجع إلى الله تعالى وهذا عذاب في الدنيا قال تعالى فيه :

{ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون – السجدة 21 } وهذا العذاب الأدنى قد يكون مرضاً إذا سلب أموال مستحقين من عمل أو ميراث أوغيره من خيانة أمانة أو مال بغير حق مملوكاً للغير وقد يكون انتقاماً عاماً لأمم كاملة بعد بعثة نبي فيهم أو إماماً من أهل بيت النبي عليهم السلام فيكون هلاكهم في الدنيا عاماً لقوله تعالى بعد أن ذكر جرائم أمة نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون ثم قال تعالى { أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر – القمر } وقال تعالى لذلك في عذاب الدنيا لأمم كفرت بالله تعالى وظلمت { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها –محمد 10 } وهؤلاء لشدة ظلمهم نقلتهم الملائكة من عذاب الدنيا الأدنى إلى عذاب الآخرة وهو الأكبر وفيه العقاب والمحاكمة والإقرار بالذنب وشهادة الجوارح قال تعالى  في قوم نوح { مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا – نوح 25 } وقال تعالى في قوم فرعون { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب – غافر46 } ومن هذا العذاب في الدنيا وعدين توعد الله تعالى فيهما قتلة أهل البيت والمسلمين الذين تولوهم في عذابين أول زمن النبي وآخر الزمان نظنه بزماننا هذا وقد سلبهم الله تعالى مدد الإمهال لشدة كفرهم وظلمهم وفسوقهم كما فعلت الأمم من قبل قال تعالى { سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم – التوبة 101 } .

ولذلك كانوا إذا استعجلوا نزول العذاب قال في قوله تعالى { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجائهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون – العنكبوت 53} وقال تعالى أيضاً لهم لما استعجلوا العذاب { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون –سبأ 30 } .

و هؤلاء منظرون ليوم عذاب قد حدده الله تعالى لهم آخر الزمان وبالتالي هؤلاء الذين كفروا بالله تعالى وسفكوا دماء أهل بيت النبي عليهم السلام وأترفوا في الحياة الدنيا بالعمل لها ولا يعيرون للآخرة والعمل الصالح بالا هؤلاء منظرون أول المنظرين بعد الهبوط إلى الأرض  إبليس قال تعالى عنه عليه لعائن الله المتتالية الى يوم الدين { قال ربي فأنظرني الى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين – الحجر 37 }  .

وهنا إبليس لم يقسم بالله تعالى على غواية بني أدم إلا بعد أن أخذ العهد من الله تبارك وتعالى بأن يكون من المنظرين فطرد من رحمة الله تعالى وقد أستثنى الله تعالى المخلصين من هذه الغواية في قوله تعالى { إلا عبادك منهم المخلصين } وبعد قوله تعالى { قال فالحق و الحق أقول لأملئن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين – ص 84-85 } وبعد تعهد الله تعالى بإمهاله إلى يوم الدين ليكون من المنظرين أقسم بعزة الله تبارك و تعالى بإغواء بني أدم وطردهم من رحمة الله تعالى والأيات تبين ذلك كما في قوله تعالى { قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا  لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ – الإسراء 14-18 } وهذا كما بينا من قبل عن هبوطه الأول من الفردوس الأعلى فإذا جاء موعد الهبوط الثاني قال تعالى فيه { قلنا اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر وماع إلى حين – البقرة }

يقول الله عز وجل  عن استعجال قريشاً نزول العذاب { ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لايؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لايشعرون فيقولوا هل نحن منظرون ؟  أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جائهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون – الشعراء 198-208 }

وهنا لنا سؤال  متى قالوا هل نحن منظرون  و قد قالها إبليس أيضاً أمام الله عز وجل ؟ فهل قالوها في عالم الذر ؟ أم قالوها في الدنيا في نقاش مع رسول الله صلى الله عليه وآله استعجالاً لنزول العذاب كما فعلت الأمم من قبل قال تعالى في قوم عاد { بل هو ماستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم – الاحقاف 24 }

ورد في تفسير الجلالين يبين أن المستعجلين للعذاب كانوا (كفار مكة) قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله متى هذا العذاب فأجابهم  الله تعالى { أفعذابنا يستعجلون – الشعراء 204} يدل على أنهم منظرين إلى الفتح الذي قال فيه الله تعالى { ويقولون متى هذا هذا الوعد إن كنتم صادقين  قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون – السجدة – 28- 30}  والأية هنا تدل على أنهم منظرين الى يوم الفتح على يد قائم آل بيت النبي سلام الله عليهم وعجل فرجه الشريف.

وهذا الإستعجال بينه الله تعالى أنه وعدين الأول قريب ردف لهم بعضه في قوله تعالى { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ – النمل 71-72} والبعض الآخر من العذاب منظر إلى يوم الوقت المعلوم آخر الزمان وقال تعالى فيه { أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جائهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون – الشعراء 2-6-207}

كما أن { أفرأيت إن متعناهم سنين – الشعراء } ولفظ سينين ورد في قوله تعالى مثلاً { ولبثت فينا من عمرك سينين – الشعراء18} ومدة لبثه فيهم هما ثلاثون عاماَ قبل هروبه من مصر إلى مدين وهو عمر دولة سيمتعها الله تعالى بعد تآمرهم على أهل بيت النبي عليهم السلام .

ولورد لفظ لبث في قوله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وآله نفس الآية { لبثت فيكم } في قوله تعالى : { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ  قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا َدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ – يونس 15-17 } ومدة لبث رسول الله صلى الله عليه وآله هنا فيهم ومحاولتهم نشر مذوبات افتروها على الله ورسوله (23) عاماً (13) مكية و(10) في المدنية المنورة على ساكنها وأهل بيته أفضل الصلاة والسلام .

كما أن قوله تعالى عن العزير (عليه السلام ) ومدة لبثه (100) عام  { بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه  .. الأية البقرة} تبين أن دولة من دول الحرب على أهل بيت النبي سيقترب مكثها من مائة عام أو ألف شهر وهى دولة بني أمية  وعن تمتعهم سنين من عمر الدنيا القليل حوالى ألف شهر قال تعالى فيها { ليلة القدر خير من ألف شهر – القدر } (تحكمها بنو أمية) وهذه أشهر حكمها فعلا هؤلاء بالحساب  منذ عهد الخليفة عثمان حتى آخر خلفاء بني  أمية كما في حساب العلماء المتابعين لسيرهم  ولبعض آثار أهل بيت النبي الواردة في بيان الآية وكانت نهاية الدولة  الأموية حقيقة  في معركة الزاب عام 132هـ، وبخصم ثلاثون سنة او 32سنة خلافة تكون فعلا مكثها حوالى مائة عام  أو قريب منها كما بينا .

ويقال فترة حكمهم كانت 91 عاما وفقا لما ذكره علماء التواريخ والسير .

ولورود نفس اللفظ لبث ولبثوا في سورة الكهف عند قوله تعالى { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا – الكهف } يشير هذا العدد إلى فترة حكم دولة أخرى سيمتعها الله تعالى هذه المدة حتى تنتهي ويأت أجلها على يد من بعدهم من الظلمة ممن قتلوا أهل بيت النبي عليهم السلام وهى الدولة العباسية .التي انتهت في وقت قريب من ذلك في الغزو هولاكو لبلاد المسلمين سنة 655 هـ  – 1257م واستمرت خلافتهم 114 عام .

بعد ذلك ورود لفظ لبث على سيدنا نوح مبينا أنه الف إلا خمسين عاما في قوله تعالى { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً – العنكبوت 14 }

وهذه الالف سنة هو عمر أمة الإسلام والتزامها بشرع الله تعالى وسنة 1000 للهجرة تعدل سنة 1592 ميلادية وهو عصر سقوط الاندلس بسقوط آخر حصن لغرناطة سنة 1492 وبداية الحروب الصليبية التي تحولت إلى حروب استعمارية ثم حروب اقتصادية والآن و صل عالمنا العربي والإسلامي لمرحلة الفناء بالموت الأبيض والأحمر و تسلط الحكام من الداخل والعدو من الخارج في مرحلة أكون مسلماً بالرجوع إلى ولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وولاية أهل بيت النبي عليهم السلام و التوبة مما فعله الأوائل بدين الإسلام  وحتى يومنها هذا من تكفيرهم وتبديعهم وقتلهم و اضطهاد أتباعهم وهدم مقدساتهم باسم الإسلام أو لا أكون فيستبدل الله تعالى قوماً غيرهم لنصرة دين الإسلام بعد حرق كتابه الكريم في بلاد الغرب ثم إتمام نور الله على الأرض

وفي هذه الفترات من تبدل دول الخلافة على حكم المسلمين قتلوا بعضهم بعضاً أنتقاماإلهياً لسفكهم دماء أهل بيت النبي والمؤمنين والمستضعفين فسلط الله تعالى بعضهم على بعض كما في قوله تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون – الأنعام 65 }

و يظل هذا الإقتتال في متاع قليل من عمر الدنيا بعد أن قتلوا أهل بيت النبي والمؤمنين وهى فترة قلقة من عمر الدنيا قال تعالى فيها لهؤلاء الذين كفروا بالله تعالى ورسوله والمدة التي أمهلهم الله تعالى فيها حيث قال تعالى { أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جائهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون – الشعراء 205-207 } هذه هى سنين متاعهم بما يؤكد أن ما يمر به العالم الإسلامي الآن غير طبيعي ولابد له من تحليل دقيق حتى يخرج من هذا المأزق الحضاري الذي يعرض أكثر الأمة للزوال .

وأما قوله تعالى في الشمس والقمر { لتعلموا عدد السنين والحساب – الإسراء } فيكون هؤلاء المنظرين بعد موتهم أيضاً منظرين مع إبليس وهى فترة لا تتعدى بعد موتهم يوماً أو بعض يوم قال تعالى فيها { يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا  يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا  نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا – طه 102-104 } بل الأقرب للصواب أن هؤلاء منظرين من بعد موتهم بما يقارب ساعة من نهار كما في قوله تعالى { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون – الروم 55} .

وهنا يتبين لنا الله تعالى أن المجرمين منذ أول قاتل لأخيه على الأرض حتى آخر كافر بالله في الحياة الدنيا تابعاً لإبليس من حزبه  منظرون في عالم البرزخ مدة في الحقيقة لا تزيد على يوم من أيام الدنيا كما بين الله تعالى لنا ذلك . فإذا نفخ في الصور أخرج الله تعالى أجسادهم التي عاشوا بها في الحياة الدنيا لتشهد عليهم كما في قوله تعالى {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ – فصلت 19-21 } فإذا نفخ في الصور خرجت أجسادهم بالساهرة ( وهى خروجهم من باطن الأرض إلى  سطحها بالساهرة (فوق الأرض) قال تعالى { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة – النازعات 13-14}  وهنا يكون قد انتهى وقت إمهالهم ومعهم إبليس فيخرجهم الله تعالى للحساب  وعن موعد أجل  هذه الدول الممتدة الممتعة بأمر الله تعالى قال عز وجل  { قل لكم ميعاد يوم لاتستأخرون عنه ساعة ولاتستقدمون- يونس49}

وهذا العذاب هم فيه منظرون ليوم و قت بعثة إمام آخر الزمان من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ليقيم حجة الله تعالى علىهم وعلى الناس جميعاً ويكون هنا قد حل زمان هلاكهم كما في قوله تعالى { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ  إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً  وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ – يونس – 47-50} .

وهنا رسول ليس نبي بل إمام لقوله تعالى { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ – التوبة 33 }

وحيث أن الرسالة ختمت برسول الله صلى الله عليه وآله فامتدادها هو الأمامه التي تقيم الحجة على الأمة فتهلك ببعثة قائم آل محمد عليه السلام وعلى آبائه الطيبين الطاهرين .

وإذا كان القرآن بين أن هذا الوعد الذي استعجلوه  يوم فتح قال فيه تعالى { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين- السجدة } فقد بينت آية سورة يونس أنه وعد وعده الله تعالى والله لا يخلف الميعاد قال تعالى فيه عن قولهم { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين – يونس 47}

وذلك يقول تعالى لهم أنتظوا إنا منتظرون في قوله تعالى { وانتظر إنهم منتظرون- هود } وقال تعالى أيضاً {  وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ – السجدة 28-30 } .

وفي هذا الفتح تنزل ملائكة قال تعالى فيها { هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  – الأنعام 158-159} .

وهذه الملائكة تنزل بتأويل قال تعالى فيه { هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ – الأعراف 53 }

وبين تعالى إستهزاء الكافرين والمنافقين بهذه الوعود القرآنية ونزول عذاب الله تعالى عبارة عن نار تحرق وجوههم وظهورهم قال تعالى فيه { وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم بسوء وهم بذكر الرحمن هم كافرون خلق الأنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين  لو يعلم الذين كفرواحين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون –  الأنبياء 36-40 } .

وهذا الوعد بالنار وحرق الوجوه وطمسها وعد توعده الله تعالى صهاينة أهل الكتاب في الدنيا آخر الزمان مع وعد الآخرة الوارد في سورة الإسراء { فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا- الإسراء } قال تعالى في طمس الوجوه وقتئذٍ  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ  وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا – النساء 47}

ثم يبين الله تعالى بعد إستهزائهم بوعيد الله تعالى واستعجالهم نزول العذاب  في قوله تعالى  { خلق الأنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }  وهذا إستعجال منهم بنزول العذاب عليهم و هو إستأصال نحلتهم ومعتقدهم الباطل الذي قتلوا واستحلوا به دماء اهل بيت النبي والمؤمنين وهدم مساجدهم ومقدساتهم وبيوتهم بين تعالى أنه ليس عنده زمن والعذاب واقع بهم الآن في زمن الله كدليل على سرعة نزول العذاب التدريجي دولة ورائها دولة وجماعة تقتل جماعة ويبيد بعضهم بعضا ً بغضب من الله تعالى قال فيه { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ – الأنعام 65 } وبعد هذا الإختلاف والتمزق في الأمة بما فعلته في أهل بيت نبيها والتيه الذي ضرب عليها وقال فيه الإمام علي (عليه السلام) [ وليضربن عليكم التيه أكثر مما ضرب على بني إسرائيل – نهج البلاغة لابن أبي الحديد  ] بعد ذلك يقول تعالى عن سرعة نزول العذاب واستمراريته تدرجياً حتى مرحلة الإستئصال بإمهال من الله تعالى لعلهم يتوبوا عن جرائمهم في حق أنبياء الله ورسله وأهل بيته عليهم السلام قال تعالى هنا

{ قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذايستعجل منه المجرمون أثُم إذا ما وقع أمنتم به ءالآن وقد كنتم به تستعجلون – يونس 50-51 } .

و هنا (أثم إذا ما وقع) تدل على أن الدين الحق سيقع بواقعة فيها عذاب شديد فقال تعالى عن الدين ووقوعه بإبطال الباطل {وإن الدين لواقع- الذاريات 6 } وهذا يقع بعذاب قال تعالى فيه { إن عذاب ربك لواقع – الطور 7}  وقال تعالى بعد ذلك أن هذه الواقعة تنتهي بعلامات الساعة الكبرى والقيامة قال تعالى فيها { إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة – الواقعة }  وهذا هو الوعد الذي من إحقاق الحق ونزول العذاب قال تعالى فيه { إن ما توعدون لواقع- المرسلات7} وهذا الوقوع للدين بعذاب كبير للكافرين سببه وقوع رجس كبير على الأرض سببه عبادة الرجال وتقديسهم كما في قول سيدنا نوح عليه السلام لقومه  { قال قد وقع عليكم رجس من ربكم وغضب أتجادلونني بأسماء سميتموها أنتم وأبائكم ما أنزل الله بها من سلطان – الأعراف71 } .

وهذا الرجس هو تقليد الأباء وولايتهم وتعظيم القبائل لإخراج الناس عن ولاية الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وهذا منهي عنه بنص قوله تعالى { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون – المجادلة 22 } وهناإذا كان الله تعالى قد نهى عن ولاية آبائهم وأجدادهم فقد جعلها الله تعالى له ولرسوله والإمام عليه لما نزل فيه من قوله تعالى{ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون – المائدة 55 } ثم يبين تعالى أنه قد أذهب الرجس عن أهل بيته وطهرهم تطهريا فقال تعالى في ذلك { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا – الأحزاب  }  .

وهذا العذاب في الدنيا كما بينا بين هلاك أمم بظلمهم حتى الشوكة يشاكها العبد الصالح في الدنيا رحمة من الله تعالى بالمؤمنين حتى لا يعذبوا في الآخرة وأما عن شقاء العبد في الدنيا وسعيه على المعايش فهذا له أجر عند الله تعالى كما في الحديث [ من بات كالاً من عمل يده بات مغفورا له .. الحديث ] وذلك لأنه قدر قدره الله تعالى على بني آدم إن خرجوا من الجنة في قوله تعالى لنبي الله آدم عليه السلام { إنك لا تجوع فيها ولا تعرى ولا تظمأ فيها ولا تضحى – طه } وبالتالي السعى على المعايش حتى لا يمد المؤمن يده  ويسد حاجة أهله وعياله ثواب عند الله يثاب عليه وهنا يكون سعادة المؤمن وجنته في القناعة والرضا وهذه مكافئة للمؤمنين في الدنيا قبل نيل رضاه والجنة في  من بعد الموت [قول الرسول صلى الله عليه وسلم : قد أفلح من أسلم ، ورُزق كفافًا ، وقَنَّعه الله بما آتاه – مسلم ] وهذه مكافئة للمؤمنين في الدنيا والتي قال فيها صلى الله عليه وآله [ لو كانت الدنيا عند تلله تساوي جناح بعوضة ماسقى منها شربة ماء .. الحديث ] . وبالتالي الإنسان دون أن يشعر هبط إلى الأرض في عذاب أدنى ثم ينتقل بعد الموت للعذاب الأكبر إن لم يؤمن بالله تعالى وعلامة هؤلاء الجشع والطمع والقتل وسفك الدماء في سبيل نيل عرض من الدنيا فيبتليهم الله تعالى بالأمراض والحروب وكثرة الساء وكثرة الأموات وقلة والمواليد وهذا يحدث في أماكن كثيرة من العالم بغضب من الله تعالى وليس ذلك يعني أن النساء لعنة بل كثرتهم مع العجز في عدد الرجال مشكلة كبيرة ذكرها النبي صلى الله عليه وآله أنها ستزداد حتى يكون للقيم الواحد أربعون أمرأة … الحديث ] وذلك لمعاصي الأفراد والأمم وكثرة التقاتل ثم تكون الساعة .

( 5 ) السوءة وأنفسُ السوءِ الذينَ خلقوا منْ طينةِ النارِ يرجعونَ إلى الأرضِ ولا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ :

قالَ تعالى { أنْ الذينَ كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ ولا يدخلونَ الجنةُ حتى يلجَ الجملُ في سمِ الخياطِ وكذلكَ نجزي المجرمينَ – الأعرافَ 40 }

وردَ في تفسيرِ الدرِ المنثورِ :

[ أخرجَ ابنْ جريرْ وابنِ أبي حاتمْ عنْ ابنْ عباسْ في قولهِ { لا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ } يعني لا يصعدُ إلى اللهِ منْ عملهمْ شيءً . أخرجَ عبدُ بنْ حميدْ وابنَ جريرْ وابنِ المنذرْ وابنَ أبي حاتمْ وأبو الشيخِ عنْ ابنْ عباسْ { لا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ } قالَ : لا تفتحُ لهمْ لعملٍ ولا دعاءً . – وأخرجَ أحمدْ والنسائيِ وابنُ ماجهْ وابنَ جريرْ وابنِ حبانْ والحاكمُ وصححهُ والبيهقي في البعثِ عنْ أبي هريرة ” أنَ رسولَ اللهِ صلى عليهِ وسلمَ قالَ : الميتَ تحضرهُ الملائكةُ ، فإذا كانَ الرجلُ صالحا قالَ : أخرجي أيتها النفسُ الطيبةُ كانتْ في الجسدِ الطيبِ ، أخرجي حميدة وابشري بروحٍ وريحانٍ وربٍ راضٍ غيرِ غضبانْ ، فلا يزالُ يقالُ لها ذلكَ حتى تنتهيَ إلى السماءِ السابعةِ ، فإذا كانَ الرجلُ السوءُ قالَ : أخرجي أيتها النفسُ الخبيثةُ كانتْ في الجسدِ الخبيثِ ، أخرجي ذميمةً وابشري بحميمِ وغساقْ وآخرُ منْ شكلهِ أزواجٌ ، فلا يزالُ يقالُ لها ذلكَ حتى تخرجَ ثمَ يعرجُ بها إلى السماءِ ، فيستفتحُ لها فيقالُ : منْ هذا ؟ فيقال فلانٌ . . . فيقال : لا مرحبا بالنفسِ الخبيثةِ كانتْ في الجسدِ الخبيثِ ، ارجعي ذميمةً فإنها لا تفتحُ لكَ أبوابُ السماءِ . فترسلُ منْ السماءِ ثمَ تصيرُ إلى القبرِ ” . – وأخرجَ الطيالسيَ وابن أبي شيبةً في المصنفِ واللالكائي في السنةِ والبيهقي في البعثِ عنْ أبي موسى الأشعريّ قالَ : تخرجَ نفسَ المؤمنِ وهيَ أطيبُ ريحا منْ المسكِ ، فيصعدُ بها الملائكةُ الذينَ يتوفونها ، فتلقاهمْ ملائكةً دونَ السماءِ فيقولونَ : منْ هذا معكمْ ؟ فيقولونَ فلان ، ويذكرونهُ بأحسنِ عملهِ ، فيقولونَ : حياكمْ اللهُ وحيا منْ معكمْ ، فيفتحُ لهُ أبوابُ السماءِ فيصعدُ بهِ منْ البابِ الذي كانَ يصعدُ عملهُ منهُ . فيشرقُ وجههُ فيأتي الربُ ولوجههِ برهانِ مثلٍ الشمسِ . قالَ : وأما الكافرُ فتخرجُ نفسهُ وهيَ أنتنُ منْ الجيفةِ ، فيصعدُ بها الملائكةُ الذينَ يتوفونها ، فتلقاهمْ ملائكةً دونَ السماءِ فيقولونَ : منْ هذا ؟ ! فيقولونَ فلان ، ويذكرونهُ بأسوأِ عملهِ ، فيقولونَ : ردوهُ فما ظلمهُ اللهَ شيئا . فيردُ إلى أسفلَ الأرضينَ إلى الثرى ، وقرأَ أبو موسى { ولا يدخلونَ الجنةُ حتى يلجَ الجملُ في سمِ الخياطِ } – وأَخْرَجَ اَلطَّيَالِسِيَّ وَابْن أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدْ وَهْنَادْ بْنْ اَلسِّرِّيِّ وَعَبْدْ بْنْ حُمَيْدْ وَأَبُو دَاوُدْ فِي سُنَنِهِ وَابْنَ جَرِيرْ وَابْنِ أَبِي حَاتِمْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَابْنَ مَرْدُوِيهْ وَالْبَيْهَقِي فِي كِتَابِ عَذَابِ اَلْقَبْرِ عَنْ اَلْبَرَاءْ بْنْ عَازِبْ قَالَ ” خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلِ مِنْ اَلْأَنْصَارِ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى اَلْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحِدْ ، فَجَلَسَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ ، وَكَانَ عَلَى رُؤُوسِنَا اَلطَّيْرُ وَفِي يَدِهِ عُود يَنْكُثُ بِهِ فِي اَلْأَرْضِ ، فَرَفَعَ رَأْسُهُ فَقَالَ : اُسْتُعِيذُواَ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اَلْعَبْدَ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي اِنْقِطَاعِ مِنْ اَلدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ اَلْآخِرَةِ ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ اَلسَّمَاءِ بَيْضُ اَلْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ اَلشَّمْسَ ، مَعَهُمْ أَكْفَانَ مِنْ كَفَنِ اَلْجَنَّةِ وَحْنُوطْ مِنْ حَنُّوطْ اَلْجَنَّةُ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدِّ اَلْبَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلِكَ اَلْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَيَقُولُ : أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلطَّيِّبَةُ أَخْرِجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اَللَّهِ وَرَضْوَانْ . فَتَخْرُجُ تَسِيل كَمَا تَسِيلُ اَلْقَطْرَةُ مِنْ فِي اَلسِّقَاءِ وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدْعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةً عَيَّنَ حَتَّى يَأْخُذُوهَا ، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ اَلْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ اَلْحَنُوطْ ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبَ نَفْحَةُ مَسْكٍ وَجَدَتْ وَجْه عَلَى اَلْأَرْضِ ، فَيُصَعِّدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَلْءِ مِنْ اَلْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا : مَا هَذَا اَلرُّوحِ اَلطَّيِّبِ ؟ ! فَيَقُولُونَ : فُلَانُ بْنْ فُلَانِ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ اَلَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي اَلدُّنْيَا ، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ اَلدُّنْيَا ، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيَفْتَح لَهُمْ ، فَيُشَيَّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءِ مُقَرَّبُوهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ اَلَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى اَلسَّمَاءِ اَلسَّابِعَةِ ، فَيَقُولُ اَللَّهُ : اُكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَاعِيدُوَهْ إِلَى اَلْأَرْضِ ، فَإِنِّي مِنْهَا خِلْقَتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدَهُمْ وَمِنْهَا أَخْرَجَهُمْ تَارَة أُخْرَى ، فَتَعَادٍ رُوحِهِ فِي جَسَدِهِ . فَيَأْتِيهُ مَلَكَانِ فِيجْلِسَانَهْ فَيَقُولَانِ لَهُ : مِنْ رَبِّكَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّي اَللَّهُ . فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينكْ ؟ فَيَقُولُ : دِينِي اَلْإِسْلَامِ . فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا هَذَا اَلرَّجُلِ اَلَّذِي بَعَثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ : هُوَ رَسُولُ اَللَّهِ . فَيَقُولَانِ لَهُ : وَمَا عِلْمُكَ ؟ فَيَقُولُ : قَرَأَتْ كِتَابَ اَللَّهِ فَآمَنَتْ بِهِ وَصَدَّقَتْ . فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ اَلسَّمَاءِ أَنَّ صِدْقَ عَبْدِي ، فَافْرِشُوهُ مِنْ اَلْجَنَّةِ وَأَلْبَسُوهُ مِنْ اَلْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابَا إِلَى اَلْجَنَّةِ ، فَيَأْتِيهُ مِنْ رُوحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسِحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ، وَيَأْتِيهُ رَجُلُ حُسْنِ اَلْوَجْهِ حَسَنْ اَلثِّيَابَ طَيِّبٌ اَلرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُرّكَ . . . هَذَا يَوْمُكَ اَلَّذِي كُنْتُ تَوَعُّدٌ . فَيَقُولُ لَهُ : مِنْ أَنْتَ ؟ فَوَجَّهَكَ اَلْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ . فَيَقُولُ لَهُ : أَنَا عَمَلُكَ اَلصَّالِحُ . فَيَقُولُ : رَبٌّ أَقُمْ اَلسَّاعَةُ . . . رَبٌّ أَقُمْ اَلسَّاعَةُ حَتَّى أَرْجَعَ إِلَى أَهْلِيٍّ وَمَالِيٍّ . قَالَ : وَإِنَّ اَلْعَبْدَ اَلْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي اِنْقِطَاعِ مِنْ اَلدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ اَلْآخِرَةِ ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ اَلسَّمَاءِ مَلَائِكَةُ سُودُ اَلْوُجُوهِ ، مَعَهُمْ اَلْمُسُوحَ . فَيُجْلَسُونَ مِنْهُ مَدِّ اَلْبَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلِكَ اَلْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ : أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْخَبِيثَةُ ، اُخْرُجِي إِلَى سُخْطِ مِنْ اَللَّهِ وَغَضَبٍ . فَتَفَرَّقَ فِي جَسَدِهِ ، فَيُنْتَزَعُهَا كَمَا يَنْتَزِعُ اَلسُّفُودْ مِنْ اَلصُّوفِ اَلْمَبْلُولِ ، فَيَأْخُذُهَا . فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدْعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةً عَيَّنَ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ اَلْمُسُوحِ . وَيَخْرُجَ مِنْهَا كَأَنْتُنَّ رِيحِ جِيفَةٍ وَجَدَتْ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ . فَيُصَعِّدُونَ بِهَا . . . فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلْءِ مِنْ اَلْمَلَائِكَةِ . إِلَّا قَالُوا : مَا هَذَا اَلرُّوحِ اَلْخَبِيثِ ؟ ! . . . فَيَقُولُونَ : فُلَانُ اِبْنِ فُلَانِ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ اَلَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي اَلدُّنْيَا . حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ اَلدُّنْيَا ، فَيَسْتَفْتِحُ فَلَا يَفْتَحُ لَهُ . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ – اَلْأَعْرَافُ : 40 } فَيَقُولُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اُكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سَجِينٍ فِي اَلْأَرْضِ اَلسُّفْلَى . فَتَطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمِنْ يُشْرِكُ بِاَللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ اَلسَّمَاءِ فَتَخَطَّفَهُ اَلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ اَلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ – اَلْحَجُّ : 31 } فَتَعَادٍ رُوحِهِ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهُ مَلَكَانِ ، فِيجْلِسَانَهْ فَيَقُولَانِ لَهُ : مِنْ رَبِّكَ ؟ فَيَقُولُ : هَاهُ . . . هَاهُ ؟ ! . . . لَا أَدْرِي . فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينكْ ؟ فَيَقُولُ : هَاهُ . . . هَاهُ ؟ ! . . . لَا أَدْرِي ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا هَذَا اَلرَّجُلِ اَلَّذِي بَعَثَ فِيكُمْ فَيَقُولَ : هَاهُ . . . هَاهُ . . . لَا أَدْرِي . فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ اَلسَّمَاءِ ، أَنَّ كَذِبَ عَبْدِي ، فَافْرِشُوهُ مِنْ اَلنَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابَا إِلَى اَلنَّارِ . فَيَأْتِيهُ مِنْ حَرِّهَا وَسُمُومِهَا ، وَيُضَيِّقَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعَهُ ، وَيَأْتِيهُ رَجُلٌ قَبِيحٌ اَلْوَجْهِ ، قَبِيح اَلثِّيَابِ ، مُنْتِن اَلرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُوءكَ . . . هَذَا يَوْمُكَ اَلَّذِي كُنْتُ تَوَعُّدٌ . فَيَقُولُ : مِنْ أَنْتَ ؟ ! . . . فَوَجَّهَكَ اَلْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ . فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ اَلْخَبِيثُ . فَيَقُولُ : رَبٌّ لَا تَقُمْ اَلسَّاعَةُ ” . – تَفْسِيرُ اَلدَّرِّ اَلْمَنْثُورِ ]

 وَفِي تَفْسِيرِ اَلْبُرْهَانِ :

[ عَنْ مُحَمَّدْ بِنْ يَحْيَى ، عَنْ أَحْمَدْ بْنْ مُحَمَّدْ بْنْ عِيسَى ، عَنْ اَلْحُسَيْنْ بْنْ سَعِيدْ ، عَنْ اَلْقَاسِمِ اِبْنْ مُحَمَّدْ ، عَنْ عَلِي بْنْ أَبِي حَمْزَة ، عَنْ أَبِي بَصِيرْ ، عَنْ أَبِي عَبْدَ اَللَّهْ ( عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ ) قَالَ : ” إِنَّ اَلْمُؤَمَّنَ إِذَا أَخْرَجَ مِنْ بَيْتِهِ شِيعَتُهُ اَلْمَلَائِكَةَ إِلَى قَبْرِهِ ، يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ ، حَتَّى إِذَا اِنْتَهَى بِهِ إِلَى قَبْرِهِ ، قَالَتْ لَهُ اَلْأَرْضُ : مُرَحِّبًا بِكَ وَأَهْلاً ، أُمًّا وَاَللَّهُ لَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَمْشِيَ عَلِي مِثْلِكَ ، لِتْرَيْنِ مَا اِصْنَعْ بِكَ . فَيُوَسِّعُ لَهُ مَدُّ بَصَرِهِ ، وَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ مِلْكًا اَلْقَبْرَ وَهْمًا قَعِيدًا اَلْقَبْرَ : مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، فَيُلْقَيَانِ فِيهِ اَلرُّوحُ إِلَى حَقَوِيَّهْ ، فِيقَعَدَانَهْ وَيُسْأَلَانِهُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مِنْ رَبِّكَ ؟ فَيَقُولُ : اَللَّهُ . فَيَقُولَانِ : مَا دِينكْ ؟ فَيَقُولُ : اَلْإِسْلَامُ . فَيَقُولَانِ : وَمِنْ نَبِيِّكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدْ ( صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ) . فَيَقُولَانِ : وَمِنْ أَمَامِكَ ؟ فَيَقُولُ : فُلَانٌ – قَالَ – فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ اَلسَّمَاءِ : صِدْقُ عَبْدِي ، اِفْرِشُوا لَهُ فِي قَبْرِهِ مِنْ اَلْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ فِي قَبْرِهِ بَابَا إِلَى اَلْجَنَّةِ ، وَأَلْبَسُوهُ مِنْ ثِيَابِ اَلْجَنَّةِ ، حَتَّى يَأْتِينَا وَمَا عِنْدَنَا خَيْرُ لَهُ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : نَمَّ نَوْمَةَ اَلْعَرُوسِ ، لَا حُلْمَ فِيهَا . قَالَ : وَإِنْ كَانَ كَافِرًا خَرَجَتْ اَلْمَلَائِكَةَ تَشَيُّعَهُ إِلَى قَبْرِهِ يَلْعَنُونَهُ ، حَتَّى إِذَا اِنْتَهَى بِهِ إِلَى قَبْرِهِ ، قَالَتْ لَهُ اَلْأَرْضُ : لَا مُرَحِّبًا بِكَ وَلَا أَهْلاً ، أَمَّا وَاَللَّهُ لَقَدْ كُنْتُ أُبْغِضُ أَنْ يَمْشِيَ عَلِي مِثْلِكَ ، لَا جُرْمَ لِتْرَيْنِ مَا اِصْنَعْ بِكَ اَلْيَوْمِ . فَتَضِيقُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ جَوَانِحَهُ – قَالَ – ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِلْكًا اَلْقَبْرَ ، وَهْمًا قَعِيدًا اَلْقَبْرَ : مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ” . قَالَ أَبُو بَصِيرْ : جَعَلَتْ فَدَاكَ ، يَدْخُلَانِ عَلِي اَلْمُؤْمِنْ وَالْكَافِرِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ فَقَالَ : ” لَا ” . قَالَ : ” فِيقَعَدَانَهْ فَيُلْقَيَانِ فِيهِ اَلرُّوحُ إِلَى حَقَوِيَّهْ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مِنْ رَبِّكَ ؟ فَيَتَلَجْلَجُ ، وَيَقُولَ : قَدْ سُمِعَتْ اَلنَّاسَ يَقُولُونَ . فَيَقُولَانِ لَهُ : لَا دَرَيْتَ . وَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينكْ ؟ فَيَتَلَجْلَجُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : لَا دَرَيْتَ . وَيَقُولَانِ لَهُ : مِنْ نَبِيِّكَ ؟ فَيَقُولُ : قَدْ سُمِعَتْ اَلنَّاسَ يَقُولُونَ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : لَا دَرَيْتَ . وَيُسْأَلَانِهُ عَنْ إِمَامِ زَمَانِهِ – قَالَ – : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ اَلسَّمَاءِ : كَذِبُ عَبْدِي ، اِفْرِشُوا لَهُ فِي قَبْرِهِ مِنْ اَلنَّارِ ، وَأَلْبَسُوهُ مِنْ ثِيَابِ اَلنَّارِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابَا إِلَى اَلنَّارِ ، حَتَّى يَأْتِينَا ، وَمَا عِنْدَنَا شَرُّ لَهُ ، فِيضْرْبَانَهْ بِمِرْزَبَّةِ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ ، لَيْسَ مِنْهَا ضَرْبَةً إِلَّا يَتَطَايَر قَبْرُهُ نَارًا ، لَوْ ضَرَبَتْ بِتِلْكَ اَلْمِرْزَبَّةِ جِبَالِ تُهَامَة لَكَانَتْ رَمِيمًا ” . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهْ ( عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ ) : ” وَيُسَلِّطَ اَللَّهُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ اَلْحَيَّاتِ تَنْهَشُهُ نَهْشًا ، وَالشَّيْطَانُ يُغَمِّهُ غَمًّا – قَالَ – وَيَسْمَعَ عَذَابُهُ مِنْ خَلْقِ اَللَّهِ إِلَّا اَلْجِنُّ وَالْإِنْسُ – قَالَ – وَانْهَ لِيَسْمَع خَفَقَ نِعَالَهُمْ وَنَفَضَ أَيْدِيَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَفِي اَلْآخِرَةِ وَيَضِلُّ اَللَّهُ اَلظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ } ” . – اَلْبُرْهَانُ لِلسَّيِّدِ هَاشِمْ اَلْبَحْرَانِيّ ]

اَلْفَصْل اَلسَّادِسِ :

: تَجْسِيدُ اَلْأَعْمَالِ فِي اَلدُّنْيَا لِيَرَاهَا اَلْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَوْمُ اَلْقِيَامَةِ تَجْسِيدَ اَلْأَعْمَالِ :

– الأجسادُ ترى ماصنعتهْ أيديهمْ منْ صناعاتٍ في الحياةِ الدنيا والنفسِ بعدَ الموتِ وترى أثرَ عملها في الحياةِ الدنيا سواءٌ كانتْ بركةٌ أوْ لعنةٍ ثمَ ترى عملها في القبرِ أيضا في صورةِ رجلٍ جميلٍ الصورةِ طيبٌ الريحِ أوْ بشعٍ الصورةِ قبيحٌ المنظرِ يضربُ صاحبهُ أنَ كانَ منْ الكافرينَ المنافقينَ ويومِ القيامةِ ترى أعمالها التي عملتها في الدنيا مجسدةً أيضا .

يقولَ الإمامْ علي في شعرِ لهُ عليهِ السلامُ :

[ النفسُ تبكي على الدنيا وقدْ علمتْ . . . . أنَ السعادةَ فيها تركُ ما فيها

لا دارٌ للمرءِ بعدَ الموتِ يسكنها . . . . إلا التي كانَ قبلَ الموتِ يبنيها

أموالنا لذويَ الميراثَ نجمعها . . . . ودورنا لخرابِ الدهرِ نبنيها

أَيْنَ اَلْمُلُوكُ اَلَّتِي كَانَتْ مُسَلَطِّنَة . . . . حَتَّى سَقَاهَا بِكَأْس اَلْمَوْتِ سَاقَيْهَا

فكمْ مدائن في الآفاقِ قدْ بنيتْ . . . . أمستْ خرابا وأفنى الموتُ أهليها

لا تركننَ إلى الدنيا وما فيها . . . . فالموتُ لا شك يفنينا ويفنيها

المرء يبسطها والدهرُ يقبضها . . . . والنفسُ تنشرها والموتْ يطويها

إنما المكارمُ أخلاق مطهرةً . . . . الدينُ أولها والعقل ثانيها

والعلمِ ثالثها والحلمِ رابعها . . . . والجودُ خامسها والفضلِ سادسها

والبرِ سابعها والشكرِ ثامنها . . . . والصبرُ تاسعها واللينِ باقيها

والنفسُ تعلمُ أني لا اصدقها . . . . ولستُ أرشدَ إلا حينَ اعصيها

واعملْ لدارِ غدا رضوانْ خازنها . . . . والجارُ أحمدْ والرحمنِ ناشيها

قصورها ذهبَ والمسكُ طينتها . . . . والزعفرانُ حشيشْ نابتٍ فيها

أنهارها لبنَ محضٍ ومنْ . . . . عسلٌ يجري رحيقا في مجاريها

والطيرِ تجري على الأغصانِ عاكفةً . . . . تسبحَ اللهَ جهرا في مغانيها

منْ يشتري الدارَ في الفردوسِ يعمرها . . . . بركعةٍ في ظلامِ الليلِ يحييها – شعرُ الإمامْ علي ] .

كما وهبَ اللهُ تعالى السوءة القدرةُ على الإنجابِ باجتماع بين ذكرِ وأنثى  وكما وهب الله تعالى هذا الجسد على الإنجاب كذلكَ وهبَ النفسَ القدرةَ على تجسيدِ الأعمالِ و خلقها و رؤيتها في القبرِ ثم يومِ القيامةِ يقول تعالى { قدْ خسرَ الذينَ كذبوا بلقاءِ اللهِ حتى إذا جاءتهمْ الساعةُ بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهمْ يحملونَ أوزارهمْ على ظهورهمْ ألا ساءَ ما يزرونَ – الأنعامُ 31 } .

– وهنا هذهِ الأوزارِ والأحمالِ أثقالٌ تجسدتْ يومَ القيامةِ ليحملها العبدُ فإنَ كانتْ صالحةً حملتهُ أعمالهُ يومَ الزحامِ والشدةِ والشمسِ فوقَ الرؤوسِ وذلكَ يوم القيامة لأنَ أحمالَ السيئاتِ التي يحملها العصاةُ لابد و أنْ تكونَ الأعمال الصالحة عكسَ الأعمالِ الطالحة فإن كانت أعمال صالحة تجسدت في صورة جنان ونعيم مقيم تحمله عليها و تكون هيَ الحاملةُ و المنجيهْ لهُ منْ كلِ الشدائدِ و الكروباتْ والأهوالُ يومَ القيامةِ .

وهذهِ الأوزارُ في الحياةِ الدنيا ما هيَ إلا أفعالُ و أقوالٍ سيئةٍ وظلمٍ خرجوا بها على أحكامِ القرآنِ العظيمِ وسنة نبيهِ الكريمِ صلى الله عليه وولايةُ أهلِ بيتهِ عليهمْ السلامُ والمؤمنينَ ليخرج لهمْ عملهمْ بعدَ موتهمْ . في أقبحَ و أبشعِ صورةٍ لا يتخيلها بشرٌ على قدرِ جريمتهم التي عملوها في الحياة الدنيا وتتجسد في القبور في صورة بشعة فكلَ شيءٍ عندَ اللهِ تعالى يقوم بالعدل والميزان فإن ماتوا صعدت بأنفسهم (أجسادهم الأصلية) الملائكةُ لتريهمْ مكانتهمْ في الجنةِ لوْ كانوا أطاعوا اللهُ تعالى ورسولهُ ثمَ تنزلُ بهمْ ليسجنوا في الأرضِ كما قالَ تعالى { أنْ الذينَ كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ ولا يدخلونَ الجنةُ حتى يلجَ الجملُ في سمِ الخياطِ – الأعرافِ } وهنا تزدادُ حسرتهمْ فيقولونَ { ياليتنا أطعنا اللهُ وأطعنا الرسولا } .

والعكسُ صحيحٌ إنَ كانَ صالحا جاءه عملهُ في صورةِ رجلٍ صالحٍ ليفتحَ لهُ أبوابُ الجنانِ وينجيهْ الله تعالى منْ الأهوالِ الموت من أول سكراته حتى دخول الجنة ولا يحزنهم فزع أصفر ولا فزع الأكبر .كما قال تعالى { لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون }

و كما أنَ الجسدَ الطينيَ السفليَ أوْ السوءة أوْ هذا الجسدِ بيديهِ وحواسهِ يصنعُ الأشياءَ منْ صناعاتٍ ماديةٍ تراها عينهُ في الدنيا كذلكَ وهبَ اللهُ تعالى النفس الغيرَ منظورةٌ في الدنيا والمتوارية داخل هذا الجسد القدرةِ على الصناعةِ والخلقِ وقدْ بينَ اللهُ تعالى بينٌ القرآنَ الكريمَ آياتٍ تؤكدُ بأنَ أعمال بنيَ آدمْ في الدنيا سيراها محسوسةً بعدَ موتهِ كما بينا من قبل حيث قال تعالى { وهمْ يحملونَ أوزارهمْ على ظهورهمْ ألا ساءَ ما يزرونَ } . والعكس صحيح التقوى والعمل بم أنزل الله يتجسد إلى ملابس يكتسي بها العبد وتدخله الجنة قال تعالى {يابني آدم قد أنزلنا إليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير – الأعراف }

وهذا هو التجسيدُ لأعمال النفس فيما بعد الموت والتي أحصتها عليهمْ ملائكةُ اللهِ تعالى وسجلتها لهمْ صوتا وصورةٌ كما في الفيديو وذلك واضح من خلال قوله تعالى عن الكتاب الناطق في القرآن الكريم  { هذا كتابنا ينطقُ عليكمْ بالحقِ إنا كنا نستنسخُ ما كنتمْ تعملونَ – الجاثيةُ 29 } .

وهنا سيخسرون ويتحسرون على تفريطهم في كتاب ربهم كما في قوله تعالى { قدْ خسرَ الذينَ كذبوا بلقاءِ اللهِ حتى إذا جاءتهمْ الساعةُ بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهمْ يحملونَ أوزارهمْ على ظهورهمْ ألا ساءَ ما يزرونَ – الأنعامُ 31 } .

وهذهِ الأعمالُ لبني آدم من خير وشر قال تعالى فيها مبيناً أنها مخلوقة قال تعالى { واللهُ خلقكمْ وما تعملونَ – الصافاتُ 78 } و لذلك يقول تعالى في الإفكِ الذي يأفكه المجرمون من أراجيف على المؤمنين والمؤمنات { إنما تعبدونَ منْ دونِ اللهِ أوثانا وتخلقونَ إفكا إنَ الذينَ تعبدونَ منْ دونِ اللهِ لا يملكونَ لكمْ رزقا – العنكبوتَ 17 } .

وهذهِ الأعمالُ مخلوقةً  لذلك قال تعالى ( وتخلقون) ولم يقل وتعملون قالَ تعالى لذلك أيضاً  { واللهُ خلقكمْ وما تعملونَ – الصافاتُ 78 } .

وهذهِ الأوزارُ التي يقترفها المجرمون في الحياةِ الدنيا بعد تجسدها لملائكة عذاب بشعة المنظر موكول لها عذاب من عصوا الله تعالى وكفروا به ونافقوا ولذلك من بعد موتهم وعند الغرغرة سيقولون { ياليتنا أطعنا اللهُ وأطعنا الرسولا } .

 

اَلْفَصْل اَلسَّابِعِ :

 اَلْقَرِينُ :

( 1 ) لِمَاذَا جَعَلَ اَللَّهُ تَعَالَى اَلنَّجْوَى وَبَدَأَهَا بِالثَّلَاثَةِ وَانْتَهَى بِالسِّتَّةِ وَمِنْ هَمِّ اَلسِّتَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةَ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةَ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ) :

القرارات الإنْسانيَّة والْوسْوسة بَيْن الجسد و النَّفْس والْقرين تكون فِي اِجتِماع ثُلَاثِي

وَ اَللَّه تَعالَى أَقرَب إِليْهم مِن أَنفسِهم وَهُم لَا يَشعُرون : يَقُول تعالى عن هذَا الاجْتماع الثُّلاثيِّ { ألم تر أنَّ اَللَّه يَعلَم مَا فِي السَّماوات ومَا فِي الأرْض مَا يَكُون مِن نَجوَى ثَلاثَة إِلَّا هُو رابعهم ولَا خَمسَة إِلَّا هُو سادسهم ولَا أَدنَى مِن ذَلِك ولَا أَكثَر إِلَّا هُو مَعهُم أَيْن مَا كَانُوا ثُمَّ يُنْبئهم بِمَا عَملُوا يَوْم القيامة إِنَّ اَللَّه بِكلِّ شَيْء عليم – المجادلة 7 } و يَحضُر هذا الاجتماع ملكيْنِ آخرين من قبل الله تبارك وتعالى لكتابة أعمالهم وأقوالهم وهما رقيب وعتيد .

وَهنَا السُّؤَال العقْلي والْمنْطقي يقول بأنَّ النَّجْوى تَبدَأ بِاثْنَيْنِ لقوله تعالى { لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ– النساء 114} وهنا يبين تعالى أن عدد المتناجون ثلاثة وانتهى بخمسة ولم يذكر رقم أربعة وهؤلاء الثلاثة هم  ( الجسد اَلذِي هُو السُّوءة والنَّفْس و الْقرين بينهما ) وَاَللَّه تَبارَك وَتَعالَى رابعهم ولماذَا قال خَمسَة ثم تَوقَّف القرآن الكريم عن اَلعَد وَ ذلِك لِأنَّ الخمْسة تَكتَمِل بِإضافة الملكيْنِ ( رقيب وعتيد ) فَيكُون سُبْحانه وَتَعالَى هُو رابع الثلاثة وسَادِس الخمْسة  وهو معهم أينما كانوا وهو أقرب تعالى منهم من حبل الويد كما قال تعالى { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد – ق} ولَا اِجتِماع بَيْن الأجْساد الظَّاهرة لَبنِي آدم بِعددِهَا قلَّ أو أَكثَر إِلَّا وَهُو مَعهُم سُبْحانه وَتَعالَى أَينَما كَانُوا .

إليْكم تَفصِيل هذَا الاجْتماع الثُّلاثيِّ بَيْن العبْد ( جَسدُه أو سَوأَتِه ) وَنفسِه وقرينه :

يَقُول تَعالَى فِي حديث الإنْسان مع نَفسِه كدليل على الحوَار بَيْن السُّوءة والْجَسد { وَلقَد خلقْنَا الْإنْسان ونعْلم مَا تُوسْوِس بِه نَفسُه ونحْن أَقرَب إِلَيه مِن حَبْل اَلورِيد إِذ يَتَلقَّى الْمتلقِّيان عن الْيمِين وعن الشِّمَال قعيد مَا يَلفِظ مِن قَوْل إِلَّا لَديْه رقيب عتيد – قِ 16 – 18 } . والوسوسة للنفس مصدرها إبليس والشيطان الوسواس الخناس قال تعالى { قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس – الناس }

وَالذِي يُوسْوِس لَه اَلقُدرة على النِّقَاش و الْأَخْذ والرَّدِّ فِي مُنَاقشَة وَجدَل طويل وحوار بين الجسد ونفسه التي بداخله لِلْوصول لِقرار محدد بَيْن الجسد وما فيه من عقل وَنفسِ فيقيَّض اَللَّه تَعالَى لَهَا قُرَناء مِن شَياطِين اَلجِن كمًّا بيِّنًا مِن قَبْل وَهنَا يَقُول عزَّ وجلَّ : { وقيِّضَنَا لَهُم قُرَناء فزيَّنوا لَهُم مَا بَيْن أَيدِيهم ومَا خلْفهم – فُصلَت 25 } .

وهؤلاء الشياطين القرناء لا ينزلون على العبد للتزين والوقيعة بينه وبين نفسه أو الوقيعة بين العبد ومن حوله إلا إذا غفل أولاّ عن ذكر الله تعالى فيقيض الله تعالى له شيطانا يقترن به لنسيانه العمل بكتاب الله لقوله تعالى { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى– طه 123-126 }و قال تعالى أيضاً {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ – الزخرف 36 } قال تعالى في هذا القرين أنه يقترن بالإنسان إذا نسى وتغافل عن كتاب الله .

والعشى ضعف إبصار و قيل في التفسير أنه الإعراض عن ذكر الله تعالى وهنا يقيض الله تعالى له شيطاناً يقترن به ثم يكون هذا الشيطان فتح باب لشاطين أخرى تنزل على العبد إن كذب بعد ذلك ونافق نتيجة لإعراضه عن ذكر الله تعالى قولاً وعملاً بكتاب الله فإذا كذب أو نافق ووقع في الآثام دون توبة أو استغفار من الذنوب المختلفة تنززلت عليه شياطين أخرى قال تعالى فيها { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ الشعراء 221-223}

وَالذِي يُزيِّن الأعْمال مَعلُوم أَنَّه إِبْليس وَجنُوده كمَا فِي قَولِه تَعالَى { قال ربِّ بِمَا أغْويْتني لَأزيِّننَّ لَهُم فِي الْأرْض ولأغْوينَّهم أَجمعِين إِلَّا عِبادك مِنْهم الْمخْلصين – الحجْر 39 – 40 } ويعْتَمد هُنَا إِبْليس والْقرناء الشَّياطين مِن حِزْبِه على اَلظَّن لِذَلك يَقُول تَعالَى مُحَذرا مِن هذَا اَلظَّن وَلقَد صَدَّق عَليهِم إِبْليس ظَنَّه فاتَّبعوه تاركين كتاب الله تعالى وحكمه للقول بالهوى والظن في كل الأمور الدينية والدنيوية إِلَّا فريقًا مِن الْمؤْمنين الذين يؤمنون بالله تعالى ويعملون بكتابه الكريم وسنة نبيه وتولوا أهل بيته عليهم السلام وهؤلاء لا سُلْطان لإبليس عليهم إِلَّا لِيعْلم الله تعالى من يُؤْمِن بِالْآخرة مِمَّن هُو مِنهَا فِي شكِّ قال تعالى { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ – سبأ 20 – 21 }  .

ومعْنى اَلظَّن : [ ظنَّ الشَّيْء : عِلْمه بِشكِّ وبغيْر يقين وَكذِب ظَنِّه ، أَخطَأ حَدسُه ، حدث مَا لَم يَكُن يتوقَّعه مِن شَخْص أو أَمْر ] .

والظَّنُّ مِنْه عَكْس اَليقِين لِذَلك يَقُول تَعالَى { وَإذَا قِيل إِنَّ وَعْد اَللَّه حقَّ والسَّاعة لَا رَيْب فِيهَا قُلتُم مَا نَدرِي مَا السَّاعة أن نَظُن إِلَّا ظنًّا ومَا نَحْن بِمسْتيْقنين – الجاثية 32 } كمَا أنَّ كُلَّ ظنٍّ يَقُوم على نصِّ مِن كِتَاب اَللَّه فَهُو يقين وَثقَة فِي اَللَّه تَعالَى وكتابه اَلكرِيم لِذَلك يَقُول تَعالَى { الَّذين يظنُّون أَنهُم ملاقوا رَبهُم وأنَّهم إِلَيه راجعون – البقَرة 46 } .

وَهنَا يُبيِّن تَعالَى لَنَا أنَّ اَلقرِين يَستخْدِم الهوى والرَّأْي والتَّوقُّع والْخروج على أَحكَام اَلقُرآن اَلكرِيم بِاسْتخْدام ظنِّ السُّوء اَلذِي قال تَعالَى فِيه { ويعذِّب المنافقين والْمنافقات والْمشْركين والْمشْركات الظَّانِّين بِاللَّه ظنَّ السُّوء عَليهِم دَائِرة السُّوء وَغضَب اَللَّه عَليهِم ولعنَهم وَأعَد لَهُم جَهنَّم وساءتْ مصيرًا – الفتْح 6 } .

وَبِهذَا اَلظَّن السَّيِّئ فِي حَديثِهم مع أَنفُسهم وقرنائهم إِنَّ عَملُوا بِالْهَوى فِي مُقَابِل اَلنَّص القرْآنيِّ أو أعْرضوا عَنْه بِالْكلِّيَّة ولم يُعيروا لِكتاب اَللَّه بِأَلا فَهنَا يُقيِّض اَللَّه تَعالَى لَهُم قُرَناء مِن شَياطِين اَلجِن ( تَؤزهُم أَزَّا ) قال تَعالَى { ألم تر أَنَّا أرْسلْنَا الشَّياطين على الْكافرين تَؤزهُم أزًّا – مَريَم 83 }  وَتؤُزهم : [ قال اِبْن عَبَّاس : تُزْعجهم إِزْعاجًا مِن الطَّاعة إِلى المعْصية . وعنْه : تُغْريهم إِغرَاء بِالشَّرِّ : اِمْض اِمْض فِي هذَا الأمْر ، حَتَّى تَوقعِهم فِي النَّار حكى الأوَّل الثَّعْلبيُّ ، والثَّاني الماورْديْ ، والْمعْنى وَاحِد . الضَّحَّاك تُغْويهم إِغوَاء . مُجَاهِد : تُشلِّيهم أَشلَاء ، وأصْله الحرَكة والْغليان ، ومنْه الخبر اَلمرْوِي عن اَلنبِي – صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم – قام إِلى الصَّلَاة وَلجوْفِه أزيز كأزيز المرْجل مِن اَلبُكاء وَائتِزت القدر ائْتزازَا اِشْتدَّ غليانهَا ، والْأزُّ التَّهْييج والْإغْراء قال اَللَّه تَعالَى : ألم تر أَنَّا أرْسلْنَا الشَّياطين على الْكافرين تَؤزهُم أزًّا أيْ تُغْريهم على المعاصي والْأزَّ الاخْتلاط – تَفسِير القرْطبيِّ ] .

وَهنَا يَقتَرِن الشَّيْطان بِابْن آدم دُون أن يَدرِي كمَا فِي قَولِه تَعالَى { ومن يَعْش عن ذِكْر الرَّحْمن نُقيِّض لَه شيْطانًا فَهُو لَه قرين وإنَّهم لَيصدُّونهم عن السَّبِيل ويحْسبون أَنهُم مُهْتدون حَتَّى إِذَا جاءنَا قال يَا لَيْت بَينِي وبيْنك بُعْد الْمشْرقيْنِ فبئْس الْقرِين ولن ينْفعَكم الْيوْم إِذ ظلمْتم أَنكُم فِي الْعذَاب مُشْتركون – الزُّخْرف 36 – 38 } .

والنَّتيجة هُنَا سَيجِد العبْد نَفسَه مُقْبِل على اَلشَّر مُدَبرا عن كُلِّ خَيْر لَا تَقبَل نَفسَه أيَّ خَيْر أو عمل صَالِح بِسَبب مَا اِقترَن بِه مِن شَياطِين فَإذَا قَرَّر قرارًا أَخْذ يَتَخاطَب سِرًّا بَينَه وبيْن نَفسِه فِي اِجتمَع ثُلَاثِي بَيْن جَسدِه أو ( سوْأته ) المنفِّذة لِلْأمْر سَوَاء كان خيْرًا أم شرِّ وَنفسِه المخْلوقة مِن طِينة الجنَّة أو النَّار وقرينه سَوَاء كان شيْطانًا أو جِنِّيا مُسْلِما فَإِن كَانَت نَفسُه طَيبَة أَدلَى كُلُّ طرف بِدلْوه وَحجتِه فَإِن كَانَت مُشْكِلة مَالِية على سبيل المثَال : قَالَت سوْأته لِنفْسه على سبيل الظُّنَّة والتَّماسا لِلْمعاذير : أَنْت فقير وَهُم أَغنِياء أو أَنْت رَجُل فقير وإخْوَتك نِسَاء وَلهُم رِجَال مسْؤولون عَنهُن مثلا .

وَهنَا يَكُون بِالظَّنِّ قد أَوقَف حُكْم اَللَّه فِي الميراث فَترُد عليْه نَفسُه إِنَّ كَانَت طَيبَة مُطَمئنَة مِن طِينة الجنَّة وَالتِي قال تَعالَى فِيهَا { يَا أَيتُها النَّفْس الْمطْمئنَّة } فتقول له لَا تَأكُل مالا حرامًا وعليْك العمل بِمَا أمر اَللَّه فِي الميراث ومجرَّد سَمَاع اَلقُرآن أو قَوْل نَفسِه هذَا حَرَام يَسكُت اَلقرِين مُبْتعِدًا فلَا يَتَكلَّم إِلَّا إِذَا فتح باب اَلظَّن وترْك العمل بِمَا أَنزَل اَللَّه وَنافِق نفْسه كمَا فِي قَولِه تَعالَى { اُنظُر كَيْف كَذبُوا على أَنفسِهم وضلَّ عَنهُم مَا كَانُوا يفْترون – الأنْعام 24 } .

وَهذَا اَلكَذِب يَقرُب مِنْه شيْطانه فتتوَحَّد أهْوائهمَا على عِصْيَان اَللَّه تَعالَى والْخروج على أَوامِره عزَّ وجلَّ وَهنَا يُلْقِي اَلقرِين الشَّيْطانيُّ بِرأْيه بِمَا جَمعَه وَوَعاه مِن معْلومات ظَنيَّة فيقيَّض اَللَّه تَعالَى لَه شيْطانًا قال تَعالَى فِيه { ومن يَعْش عن ذِكْر الرَّحْمن نُقيِّض لَه شيْطانًا فَهُو لَه قرين – طه }

فَإِن وَقعَت فِي الذَّنْب ثُمَّ تَابَت أَسكَتت صَوْت اَلقرِين الشَّيْطانيِّ وَهذِه هِي النَّفْس اللَّوَّامة اَلتِي قال تَعالَى فِيهَا { لَا أُقْسِم بِيَوم الْقيامة ولَا أُقْسِم بِالنَّفْس اللَّوَّامة – القيامة } وأخيرًا تَقُوم السُّوءة بِتنْفِيذ القرَار اَلذِي عَزمَت عليْه مِن خَيْر أو شرِّ فَإِن مَالَت إِلى اَلشَّر ولم تَتُب فَهِي أَمارَة بِالسُّوء وَهِي نَفْس قال تَعالَى فِيهَا : { إِنَّ النَّفْس لَأَمارَة بِالسُّوء إِلَّا مَا رَحِم رَبِّي }

والْبداية هُنَا كمَا قُلنَا تَكوُّن بِكَذب الإنْسان على نَفسِه وَهُو يَعلَم بِداخِله أَنَّه على بَاطِل كمَا فِي قَولِه تَعالَى { وجحدوا بِهَا واسْتيْقنتْهَا أَنفسِهم ظُلْمًا وعلوْا – النَّمْل } .

ثمَ ينتهي التنفيذُ بواسطةِ جسدهِ والطينةُ التي خلقَ منها فهيَ التي تطوعهُ نحوَ الكفرِ والنفاقِ والكذبِ على النفسِ أوْ الإيمانِ والصدقِ معَ النفسِ وقولِ الحقِ وعدمِ الكذبِ والقرينِ إذا رأي الشخصِ دائما يلتزمُ بكتابِ اللهِ وسكنَ قلبهُ واطمئنَ لما هوَ حقٌ فهنا يستسلمُ ولكنْ بعد مناقشاتٍ بينَ الأخذِ والردِ وباستمرارِ المواقفُ يفهمُ كلاهما الآخرَ ( النفسُ والقرينُ ) فإما أنْ يتحولَ إلى شيطانِ مريدْ أوْ يسلمُ فلا يأمرُ صاحبهُ إلا بخيرٍ كما أخبرَ النبيُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ . [ . . لكلٍ بنيٍ آدمْ قرينهُ منْ الجنِ . . الحديثُ ] .

وهنا يتحولُ الإنسانُ إلى سوأةٍ أوْ جسدٍ شيطانيٍ إنسيٍ مقترنٍ بهِ قرينهُ الشيطانُ الجنيُ يوحي بعضهمْ إلى بعضِ زخرفِ القولِ غرورا كما في قولهِ تعالى : { وكذلكَ جعلنا لكلِ نبيِ عدوا شياطينُ الإنسِ والجنِ يوحي بعضهمْ إلى بعضِ زخرفِ القولِ غرورا و لوْ شاءَ ربكَ ما فعلوهُ فذرهمْ وما يفترونَ – الأنعامُ 112 } .

وهذا الزخرفُ منْ القولِ بينهُ وبينهُ نفسهُ وقرينهُ الشيطانيُ أوْ مجموعةٍ منْ شياطينِ الإنسِ مقترنينَ بشياطينِ جنيةٍ وهنا يمكنُ أنْ تتصورها مجالسَ عصيانِ اللهِ تعالى منْ النميمةِ و الغيبةِ وجلساتِ الهمز والميسرُ والفواحشُ والمؤتمراتُ والجلساتُ التي لا يعملُ فيها بما أمرَ اللهُ تعالى . . . إلخْ

. وهذا الاجتماعُ الثلاثيُ وابنِ آدمْ أمامكَ سارحٌ في بحرِ منْ الأفكارِ ولا يدري أحدا ممنْ حولهُ بما يدورُ في ضميرهِ ثمَ ينضمُ لهذهِ الجلسةِ الثلاثيةِ لوْ كانتْ اجتماع أوْ مجلسٍ عائليٍ أوْ ما شابهَ عدةَ أشخاصٍ آخرينَ في حوارِ ومناجاةِ سريةٍ ليدورَ التحاورُ بينهمْ حولَ موضوعٍ معينٍ وهنا يبرزُ دورَ القرناءِ في صورةِ آراءٍ تقومُ على الظنهْ فتحدثَ التكتلاتِ في الآراءِ وهذهِ نجوى ومناجاةُ جماعيةٌ سريةٌ قالَ تعالى فيها : { ألمٌ ترَ إلى الذينَ نهوا عنْ النجوى ثمَ يعودونَ لما نهوا عنهُ ويتناجونْ بالإثمِ والعدوانِ ومعصيةِ الرسولِ وإذا جاءوكَ حيوكْ بما لمْ يحيكَ بهِ اللهُ ويقولونَ في أنفسهمْ لولا يعذبنا اللهُ بما نقولُ حسبهمْ جهنم يصلونها فبئسَ المصير – المجادلةِ } .

وهنا ( يقولونَ في أنفسهمْ ) اثنينِ  يحدثُ نفسهُ اثنينِ و ثالثهمْ القرينُ الذي قالَ تعالى فيهِ { ومنْ يعشُ عنْ ذكرِ الرحمنِ نقيضْ لهُ شيطانا فهوَ لهُ قرينٌ – طه }

وهؤلاءِ الثلاثةُ الذينَ يظهرونَ في صورِة شخصٍ واحدٍ أمامكَ بجسدهِ همْ الواردُ ذكرهمْ في قولهِ تعالى { ألمٌ ترَ أنَ اللهَ يعلمُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ ما يكونُ منْ نجوى ثلاثةَ إلا هوَ رابعهمْ ولا خمسةَ إلا هوَ سادسهمْ ولا أدنى منْ ذلكَ ولا أكثرَ إلا هوَ معهمْ أينَ ما كانوا ثمَ ينبئهمْ بما عملوا يومُ القيامةِ إنَ اللهَ بكلِ شيءٍ عليمٍ – المجادلةُ 7 } .

وهذهِ الأحاديثُ السريةُ والمناجاةُ بينَ الشخصِ ونفسهِ أوْ بينهِ وبينَ آخرينَ هيَ سرية بينه وبين نفسه , اللهِ تعالى يعلمها و يعلم ما هوَ أخفى منْه لأنهمْ لا يعلمونَ في ضمائرَ بعضهمْ بعضا ولا يعلمونَ ما هوَ السرُ وما هوَ أخفى منهُ قبل خطراتِ قلوبهمْ فالله تعالى يعلمه لذلكَ يقولُ تعالى { وأنْ تجهرَ بالقولِ فإنهُ يعلمُ السرَ وأخفى – طه 7 } .

وفي مناجاتهمْ أوْ أحاديثهمْ معَ أنفسهمْ ملكانِ لا يشاهدانهِ ولا يشعرانِ بهما كلُ مهامهمْ هوَ كتابةُ خطراتهمْ ونياتهمْ وأعمالهمْ إنَ كانتْ خيرا يثيبهم الله تعالى عليها و إن لم يفعلوها وإن كانت شر كتبته عليهم الملائكة ولا يعاقبون عليها إلا إذا فعلوها وبالتالي النية تسبق العمل في الصالحات فقط وفي الشر قد يحول الله تعالى بين المرء وما يشتهي من قتل نبي أو صالح كما في قوله تعالى { وحيل بينهم وبين مايشتهون كما فعل بأشياعهم } وهنا يعاقب الله تعالى هؤلاء على نياتهم السوء  لذلكَ يقولُ تعالى عنْ عقابِ الناسِ وثوابهمْ بالنيةِ قبل العمل : { للهِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ وأنْ تبدوا ما في أنفسكمْ أوْ تخفوهُ يحاسبكمْ بهِ اللهُ فيغفرُ لمنْ يشاء ويعذبُ منْ يشاءُ واللهُ على كلِ شيءٍ قديرٍ – البقرةِ 284 }   ولذلك قال النبيُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ [ إنما الأعمالُ بالنياتِ ولكلِ امرئِ ما نوى – البخاري ] .

ثمَ يضافُ إلى الاجتماعِ الثلاثيِ بينَ السوءة والنفسُ والقرينُ ملكينِ في اجتماعِ خماسيّ وهما ملكان لا يشهدانهما ولكنهما حاضرانِ معَ كلِ نفسِ منفوسة ولذلكَ يقولُ تعالى في هؤلاءِ { ولاخمسة إلا هوَ سادسهمْ } . وهاذينِ الملكينِ هما رقيبٌ وعتيدٌ قالَ تعالى { ما يلفظُ منْ قولٍ إلا لديهِ رقيبٌ عتيدٌ – ق } وهؤلاءِ القرناءِ المصاحبونَ للإنسانِ قالَ فيهمْ النبيُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ [ لكلٍ بنيٍ آدمْ قرينهُ منْ الجنِ . . الحديثُ ] .

ومنْ هنا لابد للمرءِ أنْ يختارَ خليلهُ وصديقهُ وزملائهِ وجلسائهِ خوفا منْ أنفسِ السوءِ وقرناءِ السوءِ منْ شياطينِ الجنِ والإنس لذلكَ قالَ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ محذرا : [ ” المرءُ على دينِ خليلهِ فلينظرْ أحدكمْ منْ يخاللْ . . الحديثُ ] وذلكَ لأنَ الصديقَ والخليلَ سيكونُ معينا للمرءِ على الخيرِ أوْ الشرِ .

وهكذا كلُ قرارتْ بنيَ آدمْ أوْ حروبهِ أوْ تدبيرهِ للمكر والمكائدْ في عالمِ الدنيا يخضعُ لهذا السلوكِ الحواريِ الذي يدفعهُ نحوَ اقترافِ الجريمةِ و الكفرِ باللهِ تعالى أوْ الإيمانِ به عز وجل والسكينةُ والعملُ الصالحُ والذي يدورُ الحوارُ فيهِ بينَ هذهِ الأطرافِ الثلاثةِ وبهذا المنطقِ الحواريِ بينهمْ .

فإنَ كانتْ نفسهُ أمارةَ السوءِ هنا كانت دافعةً لهُ لتركِ العملِ بكتابِ اللهِ واقترافِ المعاصي في الدنيا وتكون ْقد اقترنتْ بشيطانِ جنيٍ بعدَ أنْ أطاعَ نفسهُ في دفعه لها دفعا نحوَ الكفرِ و الفسوقِ والعصيانِ لأنها مخلوقةٌ منْ جهنمَ وتميل لعمل أهلها وتطوعه نحو  الكبائر والجرائم كما في قولهِ تعالى عنْ ابني آدمْ لما قتلَ أحدهما أخيهِ : { فطوعتْ لهُ نفسهِ قتلَ أخيهِ فأصبحَ منْ الخاسرينَ – المائدةِ } ونفسهِ هنا الإنسانَ الآخرَ المختفيَ بينَ سوأتهِ التي يمشي بها في الدنيا ومعهُ قرينُ السوءِ منْ شياطينِ الجنِ ممنْ كفروا باللهِ تعالى وهؤلاءِ الثلاثةُ ساءَ منْ اقترنَ بهمْ كما في قولهِ تعالى { ومنْ يكنْ الشيطانُ لهُ قرينا فساءَ قرينا – النساءُ 38 } .

ولنشرَ الفضيلةِ والخلقِ الحسنْ أوْ السيطرةِ على أنفسِ هؤلاءِ قبلَ الحربِ معهمْ أوْ للسيطرةِ عليهمْ منْ حكومةٍ أوْ قبيلةِ أوْ جماعةِ لابدٍ منْ دراسةِ الحلالِ والحرامِ و استخدامِ وسائلِ الإعلامِ الحديثةِ والإقناعِ في بيانِ مضارِ الكذبِ و مآلِ تركِ العملِ لأنَ النفسَ تقنعُ نفسها وتتحاورُ معَ سوأتها بما تحويهُ بداخلها ووعتهُ منْ معلوماتٍ عنْ كلِ شيءِ سلبياتهِ بإيجابياتهِ ليستخدمهُ قرنائهم في الوسوسة إليهم وإقناعِ أنفسهم أولا قبل الإندفاع نحو الجريمة أو العمل الصالح يكون بقناعة داخلية وحوار بين الإنسان والإنسان الداخلي وفي وجود قرناء إما يكونون قرناء سوء أو يسلمون ويكونون عوناً على طاعة الله تعالى والعمل الصالح وبعلم الحلال والحرام ومعرفة الإنسان به و علمهِ المسبق بمآلِ كلِ فعلٍ في الدنيا قبلَ الآخرةِ هنا يكون هذا العلم نافعاً للنفس في اتخاذ القرار قبل الجسد .

وهيَ وسيلةٌ لتغذيةِ النفسِ بالمعلوماتِ الصادقةِ التي سيحتاجها لجسدهْ الإنسانيَ عندَ أخذِ قرارٍ معينٍ وستجادلهُ نفسه بما جمعتهُ ووعتهُ منْ معلوماتٍ منْ داخلِ أسرتهِ أوْ مجتمعِه أوْ مسجدِه وكنيستِة أو من أي جهاز جمع معلومات في وسائلَ الإعلامِ الحديثة .

ومنْ هنا يمكنُ القولُ بأنَ كلَ الجرائمِ على الأرضِ والحروبِ مسؤولٌ عنها هؤلاءِ الثلاثةَ : ابنُ آدمْ و طينتهُ المخلوق منها نفسهُ و التي اقترنتْ بسوأتهِ في عالمِ الحياة الدنيا وهذا الجسدُ لهُ بصيرةٌ وعقلٌ قد ألهمهُ اللهُ تعالى فيه الخير والشرِ بغيرِ نبيٍ ولا كتابَ منزلٍ كما قالَ تعالى : { ونفسٍ وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } وقالَ تعالى أيضا { بلِ الإنسانُ على نفسهِ بصيرةٌ ولوْ القيِ معاذيرهُ } أيْ أنهُ لا عذر لأحد في معرفة تعالى ورسوله بالعقل بعد أن أودع الله تعالى فيه ما يعرف به الخير والشر ويعرف به  خالق السماوات والأرض سبحانه وتعالى .

ولأنه قال تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } أي أن الإنسان المفترض بعقله إذا نظر في السماء أن يعلم أن كل شيئ فيها يتحرك ولابد له من محرك فعليه البحث عن رسول لله وهنا سيهديه الله تعالى كما في قوله تعالى { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } .

فإذا جاء الملكين وسألنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فسيعرف الله تعالى بعمله ونيته وجهاده في معرفة الله تعالى فبعمله الصالح الذي كان يعمله في الدنيا سيعرف الله تعالى ورسوله  على الرغم من أمته من لا يعملون الصالحات وسيقولون لمنكر ونكير (هاه هاه أو يقولون لا ندري) فتجيبهم الملائكة توبيخا قائلين ( لا دريت .. الحديث) وهذا يؤكد أن معرفة الإنسان لنبي الله محمداً صلى الله عليه وآله بعملهم  الطيب في الدنيا والإيمان بالله تعالى وليست المعرفة الشخصية الجسدية القائمة على الرؤيا والإختلاط وهذه أدنى درجة من الجنة للنجاة من عذاب الله تعالى في الآخرة بطيب أعمالهم وهى دالة على نياتهم الطيبة ومعلوم في الحديث [ ” النية تسبق العمل ” ].

وبعقولهم و البصيرة التي ألهمهم الله تعالى إياها علموا الخير و الشر لذلك قال تعالى { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون – البقرة 44 } .

أي أن هذه الجريمة وهى القول بخلاف العمل لا تحتاج إلى رسول وكتب منزلة وكان حرياً بهم أن يعرفونها بفطرتهم وعقولهم أنها من الشر و كذلك قال تعالى فيما قاله نبي الله موسى عليه السلام لفرعون { قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون – الشعراء 28 } أي إن كنت تعقل لاهتديت للخالق عز وجل ولما احتجت إلى من يهديك ويرشدك وأنت ترى خلقه في سماواته والتي تهدي إليه سبحانه وتعالى بعقلك

وفي الحديثِ : [ أولُ ما خلقَ اللهُ العقلُ فقالَ لهُ : أقبلُ ، فأقبل ، ثمَ قالَ لهُ : أدبرَ ، فأدبرَ ، فقالَ : وعزتي ما خلقتْ خلقا أكرمَ علي منكَ فبكَ آخذ وبكَ أعطيَ وبكَ الثوابُ وبكَ العقابُ . ورويَ : لما خلقَ اللهُ العقلُ – أخرجهُ ابنْ ماجهْ في سننهِ ] .

[ . . . قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : أولُ ما خلقَ اللهُ العقلُ فقال لهُ : أقبلُ فأقبلُ ثمَ قالَ لهُ : أدبرَ فأدبرَ ثمَ قالَ : وعزتي وجلالي ما خلقتْ خلقا أكرمَ علي منكَ بكَ آخذٌ وبكَ أعطيَ ، وبكَ أثيبَ ، وبكَ أعاقب ) ، قالَ الشيخُ نجمْ الدينْ راويهُ رحمهُ اللهُ تعالى : استدلَ بهِ على أنَ العقلَ متهيئٌ لقبولِ الوحيِ والإيمانِ بهِ ، وفي روايةٍ : وبكَ أعبد ، إذْ كانَ هوَ أولُ منْ اختصَ منْ اللهِ بالوحي ، والخطابُ والمحبةُ والمعرفةُ ، والعبادةُ والعبوديةُ والنبوةُ بأنباءِ الحقِ تعالى إذْ نبأهُ عنْ معرفةِ نفسهِ ومعرفةِ ربهِ ، وإذا أمعنتْ النظرَ ، وأيدتْ بنورِ اللهِ تحققَ لكَ أنَ المعرفةَ بالعقلِ ، والموصوفَ باختصاصِ الوحيِ والخطابِ والمحبةِ والمعرفةِ والعبادةِ والعبوديةِ والنبوةِ هوَ روحُ حبيبْ اللهْ ، ونبيهُ محمدْ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، فإنَ الذي قالَ : أولُ ما خلقَ اللهُ روحيٌ ، وفي روايةٍ : نوريْ فروحهِ جوهر نورانيّ ، ونورهُ هوَ العقلُ ، وهوَ عرضٌ قائمٌ بجوهرهِ ، ومنْ هنا قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : كنتَ نبيا وآدمْ بينَ الروحُ والجسدُ أيْ لمٍ يكنْ يعدْ روحا ولا جسدا ، ومنْ هنا قالَ : منْ عرفَ نفسهُ ، فقدْ عرفَ ربهُ ; لأنهُ عرفَ نفسهُ بتعريفِ اللهِ ، إذْ قالَ لهُ : ما خلقتْ خلقا أحبَ إليَ منكَ ، وعرفَ اللهُ أيضا بتعريفِ اللهِ نفسهُ إياهُ ; إذْ قالَ : وعزتي وجلالي ما خلقتْ خلقا أحبَ إليَ منكَ ، فعرفَ أنهُ الإلهُ الذي منْ صفاتهِ العزةِ والجلالِ ، والخالقية ، والمحبةُ وهوَ المعروفُ لكلِ عارفْ ولهُ القدرةُ والحكمُ على الأخذِ والعطاءِ والثوابِ والعقابِ ، وهوَ المستحقُ للعبادةِ ، وقدْ جاءَ عنْ بعضِ الكبراءِ منْ الأئمةِ ، أنَ أولَ المخلوقاتِ ملكَ كروبي يسمى العقلُ ، وهوَ صاحبُ القلمِ بدليلِ توجهِ الخطابِ إليهِ في قولهِ : أقبلُ فأقبلُ ثمَ قالَ لهُ : أدبرَ فأدبرَ ، ولما سماهُ قلما قالَ لهُ : أخبرَ بما هوَ كائنٌ إلى يومِ القيامةِ ، وتسميتهُ قلما كتسميةِ صاحبِ السيفِ سيفا ، ولا يبعدُ أنْ يسمى روحُ النبيِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، ملكا لغلبةِ صفاتِ الملكيةِ عليهِ كما يسمى جبريلْ عليهِ السلامُ روحا لغلبةِ الروحانيةِ عليهِ ، كقولهِ : فلانُ شعلةِ نارٍ لحدةِ ذهنهِ ، ويسمى عقلاً لوفورْ عقلهِ ، وقلما لكتابةِ المكوناتِ ، ونورا لنورانيتهْ ، وقدْ يكونُ العقلُ في اللغةِ ، بمعنى العاقلِ فعلى هذا التقديرِ والتأويلِ يكونُ روحُ النبيِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، هوَ المخلوقُ الأولُ ، ولكنهُ بهذهِ الاعتباراتِ ملك وعقل ، ونور وقلم ، والقلمُ قريبٌ المعنى منْ العقلِ ، قالَ اللهُ تعالى : علمٌ بالقلمِ جاءَ في التفسيرِ عنْ بعضهمْ : أيْ بالعقلِ ; لأنَ الأشياءَ تعلم بالعقلِ ، وفي قولهِ : أقبلَ ، إلخْ ، إشارةٌ إلى أنَ للعقلِ إقبالاً وإدبارا فورثَ إقبالهُ المقبلونَ وهمْ السابقونَ المقربونَ منْ الأنبياءِ ، والأولياءُ ، وهمْ أصحابُ الميمنةِ ، وهمْ أهلُ الجنةِ ، وورثْ أدبارهُ المدبرونَ ، وهمْ أصحابُ المشأمةَ ، وهمْ أهلُ النارِ ، يدلَ عليهِ قولهُ تعالى : وكنتمْ أزواجا ثلاثةً الآيةَ ، واللهُ أعلمَ آهٍ . كلامهُ سقتهُ بتمامهِ ; لارتباطِ بعضهِ ببعضٍ ، ولما فيهِ منْ الفوائدِ . أخرجَ ابنْ عساكرْ في تاريخهِ فقالَ : وأخبرنا أبو العزْ أحمدْ بنْ عبدِ اللهْ ، أخبرنا محمدْ بنْ أحمدْ بنْ حسنونْ ، أخبرنا أبو الحسينْ الدارقطني ، حدثنا القاضي أبو طاهرْ محمدْ بنْ أحمدْ بنْ نصرٍ ، حدثنا جعفرْ بنْ محمدْ الفريابي ، حدثنا أبو مروانْ هشامْ بنْ خالدْ الأزرقِ ، حدثنا الحسينْ بنْ يحيى الخشني ، عنْ أبي عبدَ اللهْ مولى بني أمية عنْ أبي صالح ، عنْ أبي هريرة سمعتْ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، يقولَ : إنَ أولَ شيءِ خلقِ اللهِ القلمِ ، ثمَ خلقِ النونِ ، وهيَ الدواةُ ، ثمَ قالَ لهُ : اكتبْ ، قالَ : وما أكتبُ ؟ قالَ : اكتبْ ما يكونُ وما هوَ كائنُ منْ عملٍ أوْ أثرٍ أوْ رزقٍ ، أوْ أجلٍ ، فكتبَ ما يكونُ وما هوَ كائنٌ إلى يومِ القيامةِ ، فذلكَ قولهُ : (ن والقلمُ وما يسطرونَ )، ثمَ ختمَ على القلمِ فلمْ ينطقْ ولا ينطقُ إلى يومِ القيامةِ ، ثمَ خلقِ العقلِ ، فقالَ : وعزتي لأكملنكْ فيمنْ أحببتُ ولأنقصنكْ فيمنْ أبغضتْ ” – الترمذي . – إتحافُ السادةِ المتقينَ بشرحِ إحياءِ علومِ الدينِ » ربعَ العباداتِ » كتابَ العلمِ » البابِ السابعِ في العقلِ وشرفهِ وحقيقتهِ وأقسامهِ » ] .

[ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهْ ( عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ ) : لِمَا خَلَقَ اَللَّهُ اَلْعَقْلُ قَالَ لَهُ أَقْبَلُ فَأُقْبَلُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبَرَ فَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقَتْ خُلُقًا هُوَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ ، بِكَ آخِذٌ ، وَبِكَ أُعْطِيَ ، وَعَلَيْكَ أُثِيبَ . – اَلْمَجْلِسِيَّ ج 1 ص 97 ] .

وبالتالي هؤلاءِ الثلاثةَ :

1 – قرينهُ منْ الجنِ الكافرِ باللهِ تعالى منْ ذريةِ إبليسِ والذي يدفعهُ لارتكابِ الجريمةِ ويزينُ لهُ الكبائرُ والجرائمُ وكلُ ما نهى اللهُ تعالى عنهُ وهؤلاءِ ذرية إبليسِ التي قالَ تعالى فيها { أفتتخذونهْ وذريتهُ أولياءَ منْ دوني وهمْ لكمْ عدوٌ بئسَ للظالمينَ بدلاً } .

2 – نفسهُ الدافعةُ لهُ وتحرضهُ وتدفعهْ وتقدمَ لهُ المعاذيرُ والأسبابُ على حتميةِ فعلِ الجريمةِ وهذهِ هيَ النفسُ الأمارةُ بالسوءِ والتي قالَ تعالى فيها { إنَ النفسَ لأمارةٌ بالسوءِ إلا منْ رحمِ ربي – يوسفْ } .

 وهذهِ النفسُ تراجعَ نفسها بما أدعه الله تعالى فيها من الفطرة تعرف الخير والشر بغير نبي أو رسول ولذلك يريد نبي الله إبراهيم أن يبين لهم أن فطرتهم و أنفسهم بما فيها من ميزان حقيقي لمعرفة الحق والباطل تأبى أن تسجد لصنم صنعوه هم بأيديهم كما في قولهِ تعالى { قالَ بلْ فعلهُ كبيرهمْ هذا فاسألوهمْ إنْ كانوا ينطقونَ فرجعوا إلى أنفسهمْ فقالوا إنكمْ أنتمُ الظالمونَ ثمَ نكسوا على رؤوسهمْ لقدْ علمتْ ما هؤلاءِ ينطقونَ – الأنبياءُ 63 – 65 } .

ويوم القيامةِ يقولونَ لأنفسهمْ في أنفسهم ومن حولهم من أنفس السوء في قول فردي وجماعي فيما بينهم  ياليتنا أطعنا الله والرسول قال تعالى { يومَ تقلبُ وجوههمْ في النارِ يقولونَ يا ليتنا أطعنا اللهَ وأطعنا الرسولا – الأحزابُ 66 }

3 – القرينُ الذي يوسوسُ للناسِ كما في قولهِ تعالى { الذي يوسوسُ في صدورِ الناسِ منَ الجنةِ والناسِ } وهذهِ الوسوسةُ قالَ تعالى فيها { ولقدْ خلقنا الإنسانَ ونعلمُ ما توسوسُ بهِ نفسهُ ونحنُ أقرب إليهِ منْ حبلِ الوريدِ إذْ يتلقى المتلقيانِ عنِ اليمينِ وعنِ الشمالِ قعيدٌ ما يلفظُ منْ قولٍ إلا لديهِ رقيبٌ عتيدٌ – قِ 16 – 18 } .

وهذهِ الوسوسةُ يحضرها ملكينِ غيرُ منظورينِ لهمْ ولمنْ حولهمْ وهما رقيبٌ وعتيدٌ وقدْ بينا ذلكَ منْ قبلُ أنْ هذهِ الوسوسةِ بينَ الجسدِ والنفسهْ ويحضرها القرناءُ .

ومعنى القرينِ لغةً :

[ : قرنُ الشيءِ بغيرهِ قرنا : شدهُ إليهِ وكلا منهما قرينٌ أيْ مصاحبٍ واقترنتْ الأشياءُ أوْ الأشخاصِ اصطحبتْ وانضمَ بعضها إلى بعضِ وكلِ منها مقترنٌ والجمعُ مقترنونَ – معجمُ ألفاظِ القرآنِ بابَ القافِ فصلَ الراءِ والنونِ ] .

قالَ تعالى : { وجاءتْ كلُ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ لقدْ كنتَ في غفلةٍ منْ هذا فكشفنا عنكَ غطاءكَ فبصركَ اليومَ حديدٌ وقالَ قرينهُ هذا ما لديَ عتيدٌ ألقيا في جهنمَ كلَ كفارٍ عنيدٍ مناعٍ للخيرِ معتدٍ مريبٍ الذي جعلَ معَ اللهِ إلها آخرَ فألقياهُ في العذابِ الشديدِ قالَ قرينهُ ربنا ما أطغيتهُ ولكنْ كانَ في ضلالٍ بعيدٍ قالَ لا تختصموا لديَ وقدْ قدمتُ إليكمْ بالوعيدِ ما يبدلُ القولُ لديَ وما أنا بظلامٍ للعبيدِ يومَ نقولُ لجهنمَ هلِ امتلأتِ وتقولُ هلْ منْ مزيدٍ – ق 21 – 30 }

وهذا القرينُ هنا هوَ قرينُ الجنِ الذي اقترنَ بأجساد أهلِ النارِ . وهنا جهنمُ لأنهُ قالَ تعالى في إثباتِ أنهمْ خلقوا منْ طينةِ جهنمَ ومرجعهمْ إلى جهنمَ وهيَ شجرةُ نسبٍ خلقوا منها وإليها مرجعهمْ كما في قولهِ تعالى { أذلكَ خيرٌ نزلا أمْ شجرة الزقومِ إنا جعلناها فتنةً للظالمينَ إنها شجرةٌ تخرجُ في أصلِ الجحيمِ طلعها كأنهُ رءوسُ الشياطينِ فإنهمْ لآكلونَ منها فمالئونَ منها البطونَ ثمَ إنَ لهمْ عليها لشوبا منْ حميمٍ ثمَ إنَ مرجعهمْ لالي الجحيمِ إنهمْ ألفوا آباءهمْ ضالينَ فهمْ على آثارهمْ يهرعونَ – الصافاتُ 62 – 69 } فإذا رجعوا للجحيمِ قرنهمْ اللهَ تعالى بالأصفادِ كما في قولهِ تعالى { وترى المجرمينَ يومئذٍ مقرنينَ في الأصفادِ سرابيلهمْ منْ قطرانٍ وتغشى وجوههمُ النارُ – إبراهيمْ 49 – 50 } ويلقوا إلى جهنمَ منْ مكانٍ ضيقٍ قال تعالى فيه { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنينَ دعوا هنالكَ ثبورا – الفرقانُ 13 } .

 ( 2 ) أعمالُ العبادِ حسبَ الطينةِ التي خلقوا منها ودورِ القرينِ :

قالَ تعالى { أنْ الذينَ سبقتْ لهمْ منا الحسنى أولئكَ عنها مبعدونَ لا يسمعونَ حسيسها وهمْ في ما اشتهتْ أنفسهمْ خالدونَ لا يحزنهمُ الفزعُ الأكبرُ وتتلقاهمُ الملائكةُ هذا يومكمُ الذي كنتمْ توعدونَ يومٌ نطوي السماءُ كطيِ السجلِ للكتبِ كما بدأنا أولُ خلقٍ نعيدهُ وعدا علينا إنا كنا فاعلينَ ولقدْ كتبنا في الزبورِ منْ بعدِ الذكرِ أنَ الأرضَ يرثها عباديَ الصالحونَ إنَ في هذا لبلاغا لقومٍ عابدينَ – الأنبياءُ } . وهنا يبينُ تعالى أنهُ منْ بينِ الناسِ خلق خلقهمْ اللهُ تعالى منْ طينةِ الجنةِ فلنْ يعملوا بغيرِ ماخلقوا منهُ ولوْ اجتمعَ عليهمْ شياطينُ الأرضِ وهمَ المخلصينَ الذينَ قالَ عنهمْ إبليسٌ { إلا عبادكَ منهمُ المخلصينَ } وهؤلاءِ لا يحزنهمْ الفزعُ الأكبرُ وقدْ أبعدهمْ اللهُ تعالى عنْ كلِ عذابِ وكلِ شرٍ وبينَ تعالى أنَ علامةَ هؤلاءِ أنهمْ الوارثونَ الأرضَ منْ بعدُ هلاكِ ظالميها في الدنيا ثمَ يرثونَ جنةُ عدنِ منْ بعدُ الموتِ وبعدَ القيامةِ يرثهمْ اللهُ تعالى الفردوس الأعلى .

– وفي الدنيا لما بدتْ هذهِ السوءة وبدأَ الإنسانُ خروجهُ لهذا العالمِ بالطريقةِ العاديةِ منْ اجتماعِ ذكرِ وأنثى أخفى هذا الجسدِ الطينيِ السفليِ حقيقةَ النفسِ إنَ كانتْ طيبةً أوْ خبيثةٍ والطينةِ التي خلقوا منها لا يعرفُ أحدا منهمْ الآخرَ إلا بعملهِ فلا يعلمُ أحدهما منْ همْ أهلُ الجنةِ الذينَ خلقهمْ اللهُ تعالى منْ طينتها والذينَ خلقوا منْ طينةِ جهنمَ فلا يعرفُ أحدهما الآخرُ إلا منْ خلالِ الأعمالِ التي تشيرُ إلى ما خلقَ اللهُ تعالى منهُ ومعَ نفسهِ فهيَ التي تخاطبهُ وتحدثهُ وتحرضهُ على العملِ الصالحِ أوْ ارتكابِ الفواحشِ والجرائمِ فهيَ التي تجعلُ الإنسانَ يتحاورُ ويخاطبُ نفسهُ دونَ أنْ يعلمَ أحدٌ ولا نعلمُ ما في داخلها إلا بعدَ ظهورِ أعمالهِ التي هيَ انعكاسٌ لما دارَ في عقلهِ بينهُ وبينَ قرينهِ أوْ بينهِ وبينَ نفسهِ وكلا العمل والتخاطبِ الذي يدورُ بينَ الإنسانِ وقرينةٍ قالَ تعالى فيهِ { للهِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ وإنْ تبدوا ما في أنفسكمْ أوْ تخفوهُ يحاسبكمْ بهِ اللهُ فيغفرُ لمنْ يشاء ويعذبُ منْ يشاءُ واللهُ على كلِ شيءٍ قديرٍ البقرةِ 284 } .

وهنا يغفرُ لمنْ يشاء أنْ كانتْ نفسهُ طيبةً مخلوقةً منْ طينةِ الجنةِ وأقلعتْ عما يوسوسُ لها الشيطانُ ويعذبُ التي أطاعتْ نفسها في عصيانِ اللهِ تعالى . وما يدورُ في خلدِ الإنسانِ وعقلهِ فتوجههُ نفسهَ أوْ يقنعهُ قرينهُ بالفكرةِ ويتخاطبُ معهُ في داخلهِ كأنهُ إنسانٌ آخرُ يتكلمُ معهُ ويحادثهُ سرا دونَ أنْ يدريَ أحداً  حولهُ فيما يفكرُ هذا يعلمهُ اللهُ تعالى ولا يعلمهُ الخلقُ إلا إذا خرجَ أمامهمْ في عملِ صالحٍ أوْ طالحٍ . فإذا ترسختْ الفكرةُ اندفعَ إنسانهُ الداخليُ لتحريكِ هذا الجسدِ نحوَ الشرِ أوْ الخيرِ لذلكَ قالَ تعالى عنْ ابني آدمْ { فطوعتْ لهُ نفسهُ قتلَ أخيهِ فقتلهُ فأصبحَ منَ الخاسرينَ – المائدةُ } .

فإما أنْ تدفعهُ نفسهُ للعملِ الصالحِ إنَ كانتْ منْ طينةِ الجنةِ فتقولُ لهُ في نفسهِ وبينَ جنباتِ عقلهِ لماذا لا تصلي قمْ إلى الصلاةِ أوْ لا تظلمَ أحدٍ أوْ ساعدَ هذا الفقيرِ أوْ اعملْ صالحا هذا هوَ القرينُ المسلمُ الذي قالَ فيهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ [ عنْ عبدِ اللهْ بنْ مسعودْ رضيَ اللهُ عنهُ أنَ النبيَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ( ( ما منكمْ منْ أحدٍ إلا وقدْ وكلَ بهِ قرينهُ منْ الجنِ ) ) قالوا : وإياكَ يا رسولُ اللهِ ؟ قالَ : ( ( وإيايَ ، إلا أنَ اللهَ أعانني عليهِ فأسلمَ ، فلا يأمرني إلا بخيرٍ ) ) ، غيرَ أنَ في حديثِ سفيانْ : ( ( وقدْ وكلَ بهِ قرينهُ منْ الجنِ ، وقرينهُ منْ الملائكةِ ) ) صحيحٌ مسلمٌ ( 9 / 17 / 157 النوويُ ] .

[ وعنْ عائشة أنَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ خرجَ منْ عندها ليلاً ، قالتْ : فغرتْ عليهِ ، فجاءَ فرأى ما أصنعُ ؛ فقالَ : ( ( ما لكَ يا عائشة أغرتْ ؟ ) ) فقلتُ : وما لي لا يغارُ مثلي على مثلكَ ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( أقدْ جاءكَ شيطانكَ ؟ ) ) قالتْ : يا رسولُ اللهِ أوْ معي شيطان ؟ قالَ : ( ( نعمْ ) ) ، قلتْ : ومعَ كلِ إنسانٍ ؟ قالَ : ( ( نعمْ ) ) قلتْ : ومعكَ يا رسولُ اللهِ ؟ قالَ : ( ( نعمْ ، ولكنْ ربي أعانني عليهِ حتى أسلمَ ) ) – النووري على مسلمٍ ( 9 / 17 / 158 ] .

[ لكلٍ بنيٍ آدمْ قرينهُ منْ الجنِ قالوا وأنتَ يارسولْ اللهِ قالَ نعمْ ولكنْ اللهَ أعانني عليهِ فلا يأمرني إلا بخيرٍ . . الحديثُ ] .

وهنا لا يأمرهُ إلا بخيرٍ لحادثِ شقٍ صدرَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ حتى لا يعملُ جسدهُ في الدنيا إلا للهِ تعالى فقطْ ولا سلطانْ عليهِ قالَ تعالى { أنَ عبادي ليسَ لكَ عليهمْ سلطانْ } . وحادثَ شقِ الصدرِ حدثَ معَ النبيِ ثلاثَ مراتٍ في طفولتهِ وعندَ المبعثِ وفي الإسراءِ والمعراجِ : [ ثبتَ شقٌ صدرَ النبيُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ثلاثَ مراتٍ : الأول : في طفولتهِ عندَ حليمة لنزعِ العلقةِ التي قيلَ لهُ عندها هذا حظُ الشيطانِ منكَ ، والحديثُ في ذلكَ ثابتٌ صحيحٌ أخرجهُ مسلمٌ وغيرهِ ولفظَ مسلمٌ ” عنْ أنسْ بنْ مالكْ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ أنَ النبيَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أتاهُ جبريلْ وهوَ يلعبُ معَ الغلمانِ فأخذهُ فصرعهُ فشقَ عنْ قلبهِ فاستخرجَ القلبُ فاستخرجَ منهُ علقةً فقالَ : هذا حظُ الشيطانِ منكَ ثمَ غسلهِ في طستِ منْ ذهبَ بماءِ زمزمَ ثمَ لأمهِ ثمَ أعادهُ في مكانهِ ، وجاءَ الغلمانُ يسعونَ إلى أمهِ – يعني ظئيرهْ – فقالوا إنَ محمدا قدْ قتلَ . فاستقبلوهُ وهوَ منتقعْ اللونِ . قالَ أنسْ : أرى أثرُ المخيطِ في صدرهِ ” . والظئيرْ المرضعةُ وهيَ هنا حليمة كما هوَ معلومٌ ” . – ( رواهُ مسلمٌ في صحيحهِ : كتابُ الإيمانِ ، بابُ الإسراءِ برسولْ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إلى السمواتِ وفرضِ الصلواتِ ) .

الثانية :

عندَ مبعثهِ ليتلقى ما يوحي إليهِ بقلبٍ قويٍ في أكملَ الأحوالَ منْ التطهيرِ قالَ الحافظْ في الفتحِ عندَ شرحهِ لحديثِ بابِ المعراجِ منْ البخاري قالَ : وثبتَ شقُ الصدرِ عندَ البعثةِ كما أخرجهُ أبو نعيمْ في الدلائلِ . وقدْ ذكرَ هذهِ الشقةِ أصحابَ السيرِ .

والثالثةُ : عندَ الإسراءِ والمعراجِ ليتأهبَ للمناجاةِ . قالَ الحافظْ ويحتمل أنْ تكونَ الحكمةُ في هذا الغسلِ لتقعَ المبالغةُ في الإسباغ بحصولِ المرةِ الثالثةِ كما تقررَ في شرعهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وقدْ ثبتتْ هذهِ المرةِ في الصحيحينِ وغيرهما . – نورُ اليقينِ للخضريِ ص : 19 – 20 ] .

لذلكَ لا يقربُ جسدهُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ شيطانا بعدَ أنْ غسلِ سيدنا جبريلْ ( عليهِ السلامُ ) قلبهُ كما بينا لا قبلَ الوحيِ ولا بعدهُ كما هوَ واردٌ بالسيرةِ النبويةِ .

وأما : إنَ اعتادتْ النفسُ الشرَ تحولتْ قرينهُ إلى شيطانا يحركُ حواسهُ نحوَ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ فلا يقبلُ خيرَ أبدا ويضربُ اللهُ تعالى السواد على قلبهِ كما في قولهِ تعالى [ { بلْ رانْ على قلوبهمْ ماكانوا يكسبونَ – المطففينَ 14 }

– عنْ أبي هريرة ، عنْ النبيِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ” إنَ العبدَ إذا أذنبَ ذنبا كانتْ نكتةٌ سوداءُ في قلبهِ ، فإنَ تابَ منها صقلِ قلبهِ ، فإنَ زادَ زادتْ فذلكَ قولُ اللهِ : ( كلا بلْ رانْ على قلوبهمْ ما كانوا يكسبونَ ) – تفسيرُ بنْ الطبري ] .

وذنب على ذنبٍ يتحولُ إلى مكذبٍ بآياتِ اللهِ قالَ تعالى : { ثمَ كانَ عاقبةَ الذينَ أساءوا السوءُ أنْ كذبوا بآياتِ اللهِ – الرومَ } .

– وأما عنْ القرينِ الشيطانيِ منْ ذريةِ إبليسٍ : فهوَ الذي يقومُ بإقناعهِ للانطلاقِ بهِ نحوَ الشرِ فإذا أقنعةٌ في داخلهِ بالفكرةِ قامتْ نفسهُ السيئةُ بدفعِ الجسدِ ( السوءة ) وتطويعها نحوَ الكبائرِ والجرائمِ والشرِ كأنَ تقولُ لهُ قمْ اقتلْ أوْ أسرقُ أوْ اضربْ أوْ ازني أوْ أهدمُ بيوتُ الناسِ أحرقَ أكذبُ فهذا حقكَ طبعا بغيرِ نصِ منْ كتابِ اللهِ ليكونَ منْ الهالكينَ وبعدِ ترسحْ الفكرةِ في أخذٍ وعطاءٍ كأنها محكمةٌ داخليةٌ أطرافها ثلاثةٌ يقوم الجسدُ أوْ السوءِ بالعملِ مباشرةَ وهنا يحكمُ عليهِ إنَ كانَ مؤمنا أوْ غيرِ مؤمنٍ بعملهِ الذي بدىْ منهُ بعد اختفاءٍ . وذلكَ بعدَ أنْ قامَ القرينُ بتبريرِ الجريمةِ أوْ الكبيرةِ الكبائرِ وهؤلاءِ همْ قرناءُ شياطينِ الجنِ الذينَ يقومونَ بتزيينِ الأعمالِ المنكرةِ فلا يعرفُ الناسُ بعضهمْ بعضا بعدَ ذلكَ إلا منْ خلالِ تلكَ الأعمالِ بعدَ أنْ تبرزَ للوجودِ .

( 3 )  مكرُ القرينِ وفوائدِ ذكرِ اللهِ :

كنَ على حذرِ منْ نفسكَ إنْ كانتْ أمارةٌ بالسوءِ وقرينكَ المحرضِ لها على الشرِ وأنتَ تتحدثُ معَ نفسكَ وتنظرُ بعينكَ لمنْ حولكَ وتظنُ أنَ اللهَ ومنْ حولكَ لا يعلمونَ بما يدورُ في خلدكَ .

فأما الله تعالى فهوَ يعلمُ ما ستفعلهُ قبلَ خلقكَ ويعلمُ ما تفعلهُ وكتبهُ عليكَ رقيبٌ وعتيدٌ وأما الخلقُ فسيعرفونَ ما يدورُ بعقلكَ منْ فلتاتِ لسانكَ قالَ الإمامْ علي ( عليهِ السلامُ ) [ ما أضمرَ أحدُ شيئا إلا ظهرَ في فلتاتِ لسانهِ ، وصفحاتُ وجههِ – المستطرفِ في كلِ فنٍ مستظرفٍ & موسوعةَ الإمامْ علي بنْ أبي طالبْ ( عليهِ السلامُ ) في الكتابِ والسنةِ والتاريخِ – محمدْ الريشهري – ج 10 – الصفحةُ 204 ]

منْ أكبرِ المكائدْ التي يوقعُ فيها القرينُ ابنَ آدمْ وسوستهُ ومناقشاتهِ معَ نفسِ الإنسانِ فتجدُ كلُ شخصٍ ذاهبٍ إلى مكانِ ما أوْ عملٍ ولكنَ عقلهُ في حالةِ انشغالٍ مستمرٍ يناقشُ ويتكلمُ وفقَ ما يهوى فيضمرُ في نفسهِ السوءَ فيسبَ في نفسهِ أصدقائهِ أوْ يناقشهُ في تدبيرِ مكيدةِ أوْ تلفيقِ تهمةِ أوْ إحداثِ مخالفةِ ما أوْ ويلعن هذا ويسبُ ذاكَ في نفسهِ وهذا مما يشعرُ بهِ قرينُ الآخرِ فيحدث التنافرُ والخلافُ وربما التشاجرُ والمواقفُ الحادةُ بينَ الناسِ وهذهِ الحوار بينَ الشخصِ ونفسهِ وقرينهِ سيحاسبُ اللهُ عليهِ العبدُ وفقَ نيتهِ قالَ تعالى { للهِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ وأنْ تبدوا ما في أنفسكمْ أوْ تخفوهُ يحاسبكمْ بهِ اللهُ فيغفرُ لمنْ يشاء ويعذبُ منْ يشاءُ واللهُ على كلِ شيءٍ قديرٍ – البقرةِ 284 }

ولقدْ قدمَ لنا القرآنُ الكريمُ والنبيُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ علاجا لهذهِ المشكلةِ حتى لا يحتسبُ علىىْ المسلمَ ذنوبا بنيتهُ السوءَ والتي قدْ تدفعهُ للوقوعِ في الذنوبِ والكبائرِ والجرائمِ بينهُ وبينَ نفسهِ أولاً ثمَ تبدو أمامَ الناسِ في صورةِ كلمةٍ بذيئةٍ أوسبهْ أوْ غيبةٍ ونميمية أوْ مكيدةٍ وكلها تبدأُ بحديثِ بينَ الجسدِ ونفسهِ وقرينهِ وهنا يحذرُ اللهُ تعالى مبينا للناسِ أنَ كلامَ ابنِ آدمْ كلهُ ونجواهُ معَ نفسهِ أوْ الآخرينَ عليهِ لا لهُ وسيأتي عليهِ بالذنوبِ والكبائرِ إلا ما كانَ للهِ تعالى ورضاهُ قالَ تعالى :

{ لا خير في كثيرٍ منْ نجواهمْ إلا منْ أمرٍ بصدقةٍ أوْ معروفٍ أوْ إصلاحِ بينَ الناسِ ومنْ يفعلُ ذلكَ ابتغاءُ مرضاةِ اللهِ فسوفَ نؤتيهُ أجرا عظيما – النساءَ 114 } .

أيْ لا تتكلمُ إلا بمعروفٍ أوْ خيرٍ وإصلاحٍ بينَ الناسِ أوْ اصمتْ واشغلْ نفسكَ بذكرِ اللهِ يقولُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ [ منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرا ، أوْ ليصمت ، منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليكرم جارهُ ، ومنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليكرم ضيفهُ . – رواهُ مسلمٌ ] .

وكانَ يقولُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ [ ” أمرني ربي بتسعِ    خصالٌ  خشيةَ اللهِ   في السرِ والعلانيةِ  وكلمةُ العدلِ في الغضبِ والرضا  والقصدُ في الفقرِ والغنى ، وأنَ أصلَ منْ قطعني  وأعطى منْ حرمني وأعفو عمنْ ظلمني وأنْ يكونَ صمتي فكرا ونطقيٌ ذكرا ونظري عبرةَ وأمرَ بالعرفِ   – مشكاة المصابيحِ – كتابَ الآدابِ ] .

( 4 ) محاجاةٌ بنيَ آدمْ وأنفسهمْ وقرنائهمْ وتبرأَ الكبراءُ وتابعيهمْ بعضهمْ منْ بعضِ يومِ القيامةِ :

الإنسانُ ونفسهُ وقرينهُ هؤلاءِ الثلاثةَ يومَ القيامةِ سيتبادلونَ إلقاءَ التهمِ فيما بينهمْ ليبعدوا عذابَ اللهِ تعالى عنْ أنفسهمْ فيقول القرينُ الشيطانيُ عنْ جسدِ الكافرِ { ربنا ما أطغيتهْ ولكنْ كانَ في ضلالٍ بعيدٍ – ق } ويخاطبُ الجسدُ الطينيُ نفسهُ وقرناءَ السوءِ حولهُ قائلاً { وقالوا مالنا لا نرى رجالاً كنا نعدهمْ منْ الأشرارِ اتخذناهمْ سخريا أنْ زاغتْ عنهمْ الأبصارُ إنَ ذلكَ لحقٌ تخاصمُ أهلِ النارِ } وكذلكَ سيتحاورونَ معَ جلودهمْ التي كانتْ تحوي أنفسهمْ السيئة في الدنيا حينما كانَ في عالمٍ الدينا كما في قولهِ تعالى : { ويومَ يحشرُ أعداءُ اللهِ إلى النارِ فهمْ يوزعونَ حتى إذا ما جاءوها شهدَ عليهمْ سمعهمْ وأبصارهمْ وجلودهمْ بما كانوا يعملونَ وقالوا لجلودهمْ لمَ شهدتمْ علينا قالوا أنطقنا اللهُ الذي أنطقَ كلُ شيءِ وهوَ خلقكمْ أولَ مرةِ وإليهِ ترجعونَ – فصلتْ 19 – 21 } .

ويقولَ إبليسُ كما بينا منْ قبلٌ { ما كانَ لي عليكمْ منْ سلطانْ إلا أنَ دعوتكمْ فاستجبتمْ لي – إبراهيمْ } . وعنْ الحوارِ بينَ الكبراءِ والمستضعفينَ أيضا سيتبرأُ بعضهمْ منْ بعضِ تابعينَ ومتبوعين كبراء ومستضعفين كما في قولهِ تعالى { إذْ تبرأَ الذينَ اتبعوا منْ الذينَ اتبعوا – البقرةُ } وقالَ تعالى في هذا النصِ الحواريِ بينَ الكبراءِ والمستضعفينَ { وقالَ الذينَ كفروا لنْ نؤمنَ بهذا القرآنِ ولا بالذي بينَ يديهِ ولوْ ترى إذْ الظالمونَ موقوفونَ عندَ ربهمْ يرجعُ بعضهمْ إلى بعضِ القولِ يقولُ الذينَ استضعفوا للذينَ استكبروا لولا أنتمْ لكنا مؤمنينَ قالَ الذينَ استكبروا للذينَ استضعفوا أنحنُ صددناكمْ عنِ الهدى بعدَ إذْ جاءكمْ بلْ كنتمْ مجرمينَ وقالَ الذينَ استضعفوا للذينَ استكبروا بلْ مكرُ الليلِ والنهارِ إذْ تأمروننا أنْ نكفرَ باللهِ ونجعلُ لهُ أندادا وأسروا الندامةَ لما رأوا العذابُ وجعلنا الأغلالَ في أعناقِ الذينَ كفروا هلْ يجزونَ إلا ما كانوا يعملونَ – فصلتْ 31 – 33 } .

وهنا كلمةٌ مهمةٌ للجنودِ المؤمنينَ المحاربينَ لهؤلاءِ لابدٍ منْ الحربِ أنْ تكونَ باللسانِ والسنانِ أيْ بالأذكارِ لوقفِ النفسِ عنْ الدفعِ والقرينِ عنْ التحريضِ وذلكَ بأذكارِ محددةٍ منْ كتابِ اللهِ ليسَ مكانها الآنَ . وهنا يتوقفُ سلاحَ العدوِ عنْ العملِ أوْ يفرُ هاربا بلا نصيرٍ بعدَ أنْ حرضهُ الشيطانُ  وزين له عمله كما في قولهِ تعالى

{ وإذْ زينْ لهمْ الشيطانُ أعمالهمْ وقالَ لا غالبَ لكمْ اليومِ منْ الناسِ وإني جارٍ لكمْ فلما تراءتْ الفئتانِ نكصَ على عقبيهِ وقالَ إني بريءٌ منكمْ إني أرى ما لا ترونَ إني أخافَ اللهُ واللهُ شديدٌ العقابِ – الأنفالِ 48 }

ثمَ تكون الهزيمةُ المنكرةُ لحزبِ الشيطانِ وإعلاءِ كلمةِ اللهِ . ويبينَ تعالى في كتابهِ الكريمِ لمنعِ الاختلافِ بينَ الناسِ عليهمْ العملُ بما أمرَ اللهُ تعالى درأَ للاختلافِ والتغلبْ على الشياطينِ كما في قولهِ تعالى { يا أيها الذينَ آمنوا لا تقدموا بينُ يديْ اللهِ ورسولهِ } فإذا تحاورتْ لا تقدم على كتابِ اللهِ شيءً لأنهُ أحسنَ الحديثُ كما قالَ تعالى { وقلَ لعباديٍ يقولوا التي هيَ أحسنُ إنَ الشيطانَ ينزغُ بينهمْ } والأحسنِ هوَ القرآنُ الكريمُ كما في قولهِ تعالى { اللهُ نزلَ أحسنُ الحديثِ كتابا متشابها – الزمرُ } وقالَ تعالى أيضا { اتبعوا أحسنُ ما أنزلَ إليكمْ منْ ريكمْ } .

وهنا ينصرفُ الشياطينُ والقرناءُ وتسكتُ أنفسُ السوءِ عنْ الجدالِ فلا يكونُ أمامهمْ غيرِ قولهمْ ( سمعنا وأطعنا ) ومنْ خالفَ وشاققْ وشذَ فقدٌ شذَ إلى النارِ .

وبالتالي عودٌ على بدءٍ :

ظهورُ النفسِ الطيبةِ في جنةِ عدنِ بالسماءِ هوَ الجسدُ الطينيُ العلويُ الذي سجدَ لآدمْ والذي أبى السجودُ لآدمْ عليهِ السلامُ فهم ممنْ اقترنتْ أنفسهمْ بقرناء سوءِ منْ طينةِ جهنمَ { لا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ ولا يدخلونَ الجنةُ حتى يلجَ الجملُ في سمِ الخياطِ } . كما بينا فهمَ مسجونونَ في الأرضِ لا تصعدُ أنفسهمْ منها كما بينا ولا يرفعُ لهمْ دعاءُ وكلا الفريقينِ أوْ الحزبينِ قبلَ النزولِ للدنيا والامتحانِ فيها كانَ يعرفُ كلا منهما الآخرَ في جنةِ عدنِ فهذا إبليسُ وحزبهُ وهذا آدمْ وحزبهُ المؤمنينَ وكلاهما منظرٌ إلى يومِ البعثِ والقيامةِ وكلا منهما يعرفُ الآخرُ وذريتهِ ويتخاطبُ كلاهما بالوصفِ الحقيقيِ والنداءِ كما وردَ في كتابِ اللهِ ب يا آدمْ ويا إبليسِ في جنةِ عدنِ بسماءِ الحياةِ الدنيا عندما كانَ إبليسِ منْ المنظرينَ حيثُ أخفى اللهُ عزَ وجلَ بينَ جنباتِ الجسدِ الطينيِ العلويِ السوءة التي سيعيشُ بها ابنُ آدمْ في الدنيا إذا هبطَ منها كما فصلنا منْ قبلٌ .

( 5 ) ذكرَ اللهُ ووحدةُ النفسِ والجسدِ علاجا للأمراضِ النفسيةِ وثباتِ الجندِ عندَ لقاءِ العدوِ :

منْ أهمِ فوائدِ ذكرِ اللهِ تعالى هنا : أولاً : الوحدةُ بينَ الجسدِ والنفسِ الداخليةِ أوْ الإنسانِ الداخليِ وهنا أعلى درجاتِ القناعةِ والرضا بينَ العبدِ ونفسهِ وهذهِ أهمُ أسبابِ العلاجِ النفسيِ كما أخبرَ علماءُ النفسِ وذلكَ بعدَ أنْ يكونَ قدْ شغلَ نفسهُ وقلبهُ ولسانهُ بذكرِ اللهِ فلا يفكرُ ولا يذكرُ أيُ شخصٍ بالسوءِ ولوْ في داخلهِ ولا يضيعُ وقتهُ عبثا وسدى إلا في عملٍ يفيدهُ في الدنيا أوْ ذكرا للهِ أوْ مساعدةِ ضعيفٍ أوْ إعاثة ملهوف منْ أعمالٍ تنفعهُ في الآخرةِ .

ثانيا : الفائدةُ الثانيةُ هنا للمجاهدينَ في سبيلِ اللهِ إيمانَ وإسلامْ قرينهِ لكثرةِ ذكرِ اللهِ تعني أنهُ صادقَ القولُ والعملُ وبالتالي لا يفرُ في معركةٍ ولا يهابُ الموتُ ولذلكَ يقولُ تعالى

{ يا أيها الذينَ آمنوا إذا لقيتمْ فئةً فاثبتوا واذكروا اللهَ كثيرا لعلكمْ تفلحونَ – الأنفالُ 45 } وهنا يبينُ تعالى أنْ ذكرَ اللهُ يثبتُ المقاتلُ في سبيلِ اللهِ والعكسِ صحيحا أنْ كانَ لا يعيرُ لذكرِ اللهِ بألا فهوَ إلى الفرارِ منْ الزحفِ أقربُ قالَ تعالى { أنْ الذينَ تولوا منكمْ يومٍ التقى الجمعانْ إنما استزلهمْ الشيطانُ ببعضِ ما كسبوا ولقدْ عفا اللهُ عنهمْ إنَ اللهَ غفورٌ حليمْ – آلِ عمرانْ 155 }  .

وذكرَ اللهُ تعالى وتلاوة القرآنِ قالَ تعالى فيهِ { وإذا قرأتَ القرآنَ جعلنا بينكَ وبينَ الذينَ لا يؤمنونَ بالآخرةِ حجابا مستورا – الإسراءَ 45 }

وهنا الحجابُ كيفَ والأجسادُ متلاحمةٌ في المعركةِ أوْ في أيِ موضعٍ كانَ في مواطنِ السلمِ أوْ الحربِ هذا الحجابِ يكونُ ساترا للمؤمنِ والمجاهدِ عنْ قرناءِ السوءِ والشياطينِ الغيرُ منظورةً بالعينِ فإذا حدثتْ الحربُ عميتْ تلكَ المخلوقاتِ فلا تستطيعُ الوحيَ لأوليائهمْ بالحقيقةِ فيقعوا في نقطةٍ عمياءَ عما يددورْ حولهمْ فيفرُ الشيطانُ إذا رأيُ ملائكةِ العذابِ ببركةِ القرآنِ وتلاوتهِ وذطرْ اللهُ تعالى عند لقاءِ العدوِ قالَ تعالى  { وإذْ زينْ لهمْ الشيطانُ أعمالهمْ وقالَ لا غالبَ لكمْ اليومِ منْ الناسِ وإني جارٍ لكمْ فلما تراءتْ الفئتانِ نكصَ على عقبيهِ وقالَ إني بريءٌ منكمْ إني أرى ما لا ترونَ إني أخافَ اللهُ واللهُ شديدٌ العقابِ – الأنفالِ 48 } .

ومنْ : ذكرَ اللهُ فضائلهُ وأنواعهُ منْ موقعِ الكلمِ الطيبِ :

[ فضلَ الذكرُ عنْ معاذْ بنْ جبلْ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ : [ ألا أخبركمْ بخيرِ أعمالكمْ وأزكاها عندِ مليككمْ ، وارفعها في درجاتكمْ ، وخير لكمْ منْ إنفاقِ الذهبِ والفضةِ ، ومنْ أنْ تلقوا عدوكمْ فتضربوا أعناقهمْ ، ويضربوا أعناقكمْ ( قالوا : بلى يا رسولُ اللهِ . قالَ : ) ذكرُ اللهِ عزَ وجلَ رواهُ أحمدْ ] .

وفي صحيحٍ البخاري عنْ أبي موسى ، عنْ النبيِ قالَ : ( مثلٌ الذي يذكرُ ربهُ ، والذي لايذكرْ ربهِ مثل الحيِ والميتَ ) وفي الصحيحينِ عنْ أبي هريرة قالَ : قالَ رسولُ اللهِ : ( يقولَ اللهُ تباركَ وتعالى : أنا عندُ ظنِ عبدي بي ، وأنا معهُ إذا ذكرني ، فإنَ ذكرني في نفسهِ ذكرتهُ في نفسيٍ ، وإنْ ذكرني في ملءٍ ذكرتهُ في ملءِ خيرِ منهمْ ، وإنْ تقربَ إلى شبرا تقربتْ إليهِ ذراعا ، وإنْ تقربَ إلى ذراعا تقربتْ منهُ باعا ، وإذا أتاني يمشي أتيتهُ هرولةً ) . وقدْ قالَ تعالى : يا أيها الذينَ آمنوا اذكروا اللهَ ذكرا كثيرا [ الأحزابَ : 41 ] ، وقالَ تعا ليٌ : والذاكرينَ اللهَ كثيرا والذاكراتُ [ الأحزابَ : 35 ] ، أيْ : كثيرا . ففيهِ الأْ مرَ با لذكرٍ بالكثرةِ والشدةِ لشدةِ حاجةِ العبدِ إليهِ ، وعدمَ استغنائهِ عنهُ طرفةُ عينٍ . وقالَ أبو الدرداءْ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ : ( لكلِ شيءِ جلاءٍ ، وإنَ جلاءَ القلوبِ ذكرَ اللهُ عزَ وجلَ ) . ولا ريب أنَ القلبَ يصدأُ كما يصدأُ النحاسُ والفضةُ وغيرهما ، وجلاؤهُ بالذكرِ ، فإنهُ يجلوهُ حتى يدعهُ كالمرآةِ البيضاءِ . فإذا تركَ الذكرُ صدئٌ ، فإذا ذكرهُ جلاهُ . وصدأُ القلبِ بأمرينِ : بالغفلةِ والذنبِ ، وجلاؤهُ بشيئينِ : بالاستغفارِ والذكرِ . قالَ تعالى : ولا تطعْ منْ أغفلنا قلبهُ عنْ ذكرنا واتبعَ هواهُ وكانَ أمرهُ فرطَ الكهفِ : 28 ] . فإذا أرادَ العبدُ أنْ يقتديَ برجلٍ فلينظرْ : هلْ هوَ منْ أهلِ الذكرِ ، أوْ منْ الغافلينَ ؟ وهلْ الحاكمُ عليهِ الهوى أوْ الوحيِ ؟ فإنَ كانَ الحاكمُ عليهِ هوَ الهوى وهوَ منْ أهلِ الغفلةِ ، وأمرهُ فرطٌ ، لمُ يقتدْ بهِ ، ولمْ يتبعهُ فإنهُ يقودهُ إلى الهلاكِ . أنواعُ الذكرِ الذكرِ نوعانِ : أحدهما : ذكرَ أسماءَ الربِ تباركَ وتعالى وصفاتهَ ، والثناءُ عليهِ بهما ، وتنزيههُ وتقديسهُ عما لا يليقُ بهِ تباركَ وتعالى ، وهذا أيضا نوعانِ : أحدهما : إنشاءُ الثناءِ عليهِ بها منْ الذاكرِ ، فأفضلَ هذا النوعَ أجمعهُ للثناءِ وأعمهِ ، نحو ( سبحانَ اللهِ عددَ خلقهِ ) .

 النوعَ الثاني :

الخبر عنْ الربِ تعالى بأحكام أسمائهِ وصفاتهِ ، نحوَ قولكَ : اللهُ عزَ وجلَ يسمعُ أصواتَالمعنىمترادفاتعبادهِ . وأفضلُ هذا النوعَ : الثناءُ عليهِ بما أثنى بهِ على نفسهِ ، وبما أثنى بهِ عليهِ رسولُ اللهِ منْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل ، ومنْ غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيل . وهذا النوعُ أيضا ثلاثةَ أنواعٍ : فالحمدُ للهِ الأخبارَ عنهُ بصفاتِ كمالهِ سبحانهُ وتعالى معَ محبتهِ والرضا بهِ ، فإنَ كررَ المحامدَ شيئا بعدَ شيءٍ كانتْ ثناءً ، فإنَ كانَ المدحُ بصفاتِ الجلالِ والعظمةِ والكبرياءِ والملكُ كانَ مجدا . وقدْ جمعَ اللهُ تعالى لعبدهْ الأنواعَ الثلاثةَ في أولِ الفاتحة ، فإذا قالَ العبدُ : الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ قالَ اللهُ : ( حمدني عبدي ) ، وإذا قالَ : الرحمنَ الرحيمِ قالَ : ( أثنى علي عبدي ) ، وإذا قالَ : مالكِ يومِ الدينِ قالَ : ( مجدني عبدي ) رواهُ مسلمٌ ] . النوعَ الثاني منْ الذكرِ : ذكرَ أمرهُ ونهيهُ وأحكامهُ : وهوَ أيضا نوعانِ : أحدهما : ذكرهُ بذلكَ إخبارا عنهُ بأنهُ أمرُ بكذا ، ونهيهُ عنْ كذا . الثاني : ذكرهُ عندَ أمرهِ فيبادرُ إليهِ ، وعندَ نهيهِ فيهربْ منهُ ، فإذا اجتمعتْ هذهِ الأنواعَ للذاكر فذكرهُ أفضل الذكرِ وأجلهِ وأعظمهُ فائدةً . فهذا الذكرُ منْ الفقهِ الأكبرِ ، وما دونهُ أفضلَ الذكرِ إذا صحتْ فيهِ النيةُ . ومنْ ذكرهِ سبحانهُ وتعالى : ذكرَ آلائهِ وإنعامهُ وإحسانهُ وأياديهِ ، ومواقعُ فضلهِ على عبيدهِ ، وهذا أيضا منْ أجلِ أنواعِ الذكرِ . فهذهِ خمسةُ أنواعٍ ، وهيَ تكونُ بالقلبِ واللسانِ تارةٍ ، وذلكَ أفضلُ الذكرِ . وبالقلبِ وحدهُ تارةٌ ، وهيَ الدرجةُ الثانيةُ ، وباللسانِ وحدهُ تارةٌ ، وهيَ الدرجةُ الثالثةُ . فأفضل الذكرِ : ما تواطأَ عليهِ القلبُ واللسانُ ، وإنما كانَ ذكرُ القلبِ وحدهُ أفضلُ منْ ذكرِ اللسانِ وحدهُ ، لأنَ ذكرَ القلبِ يثمرُ المعرفةَ باللهِ ، ويهيجَ المحبةَ ، ويثيرَ الحياءُ ، ويبعثَ على المخافةِ ، ويدعو إلى المراقبةِ ، ويزعْ عنْ التقصيرِ في الطاعاتِ ، والتهاونُ في المعاصي والسيئاتِ ، وذكرَ اللسانُ وحدهُ لا يوجبُ شيئا منْ هذهِ الآثارِ ، وإنْ أثمرَ شيئا منها فثمرةٌ ضعيفةٌ . الذكرُ أفضلَ منْ الدعاءِ الذكرأفضلْ منْ الدعاءِ ، لأنَ الذكرَ ثناءً على اللهِ عزَ وجلَ بجميلِ أوصافهِ وآلائهِ وأسمائهِ ، والدعاءُ سؤالُ العبدِ حاجتهُ ، فأينَ هذا منْ هذا ؟ ولهذا جاءَ في الحديثِ : ( منْ شغلهِ ذكرى عنْ مسألتيْ أعطيتهُ أفضلَ ما أعطى السائلينَ ) . ولهذا كانَ المستحبُ في الدعاءِ أنْ يبدأَ الداعي بحمدِ اللهِ تعالى ، والثناءُ عليهِ بينَ يدي حاجتهُ ، ثمَ يسألُ حاجتهُ ، وقدْ أخبرَ النبيُ أنَ الدعاءَ يستجابُ إذا تقدمهُ الثناءُ والذكرُ ، وهذهِ فائدةٌ أخرى منْ فوائدِ الذكرِ والثناءِ ، أنهُ يجعلُ الدعاءُ مستجابا . فالدعاءُ الذي يتقدمهُ الذكرُ والثناءُ أفضلُ وأقربُ إلى الإجابةِ منْ الدعاءِ المجردِ ، فإنَ انضافَ إلى ذلكَ إخبارُ العبدِ بحالهِ ومسكنتهِ ، وافتقارهُ واعترافهُ ، كانَ أبلغَ في الإجابةِ وأفضلَ . قراءةُ القرآنِ أفضلَ منْ الذكرِ قراءةَ القرآنِ أفضلَ منْ الذكرِ ، والذكرُ أفضلُ منْ الدعاءِ ، هذا منْ حيثُ النظرُ إلى كلِ منهما مجردا . وقدْ يعرضُ للمفضولِ ما يجعلهُ أولى منْ الفاضلِ ، بلْ يعينهُ ، فلا يجوزُ أنْ يعدلَ عنهُ إلى الفاضلِ ، وهذا كالتسبيحِ في الركوعِ والسجودِ ، فإنهُ أفضلُ منْ قراءةِ القرآنِ فيهما ، بلْ القراءةُ فيهما منهيٌ عنها نهيُ تحريمٍ أوْ كراهةٍ ، وكذلكَ الذكرُ عقبَ السلامِ منْ الصلاةِ – ذكرَ التهليلُ ، والتسبيحُ ، والتكبيرُ ، والتحميدُ – أفضلَ منْ الاشتغالِ عنهُ بالقراءةِ ، وكذلكَ إجابةُ المؤذنِ . وهكذا الأذكارُ المقيدةُ بمحالَ مخصوصةٍ أفضلَ منْ القراءةِ المطلقةِ ، والقراءةُ المطلقةُ أفضلَ منْ الأذكارِ المطلقةِ ، اللهمَ إلا أنْ يعرضَ للعبدِ ما يجعلُ الذكرُ أوْ الدعاءِ أنفعُ لهُ منْ قراءةِ القرآنِ ، مثالهُ : إنَ يتفكرُ في ذنوبهِ ، فيحدثُ ذلكَ لهُ توبةٌ واستغفارا ، أوْ يعرضُ لهُ ما يخافُ أذاهُ منْ شياطينِ الإنسِ والجنِ ، فيعدلُ إلى الأذكارِ والدعواتِ التي تحصنهُ وتحوطهُ . فهكذا قدْ يكونُ اشتغالهُ بالدعاءِ والحالةِ هذهِ أنفع ، وإنْ كانَ كلٌ منْ القراءةِ والذكرِ أفضلَ وأعظمَ أجرا . وهذا بابٌ نافعٌ يحتاجُ إلى فقهِ نفسٍ ، فيعطي كلٌ ذي حقِ حقهِ ، ويوضعَ كلُ شيءِ موضعهِ . ولما كانتْ الصلاةُ مشتملةً على القراءةِ والذكرِ والدعاءِ ، وهيَ جامعةٌ لأجزاءِ العبوديةِ على أتمَ الوجوهَ ، كانتْ أفضلَ منْ كلٍ منْ القراءةِ والذكرِ والدعاءِ بمفردهِ ، لجمعها ذلكَ كلهُ معَ عبوديةِ سائرِ الأعضاءِ . فهذا أصلٌ نافعٌ جدا ، يفتحَ للعبدِ بابَ معرفةِ مراتبِ الأعمالِ وتنزيلها منازلها ، لئلا يشتغلَ بمفضولها عنْ فأضلها ، فيربحُ إبليسِ الفضلِ الذي بينهما ، أوْ ينظرُ إلى فأضلها فيشتغل بهِ عنْ مفضولها وإنْ كانَ ذلكَ وقتهُ ، فتفوتهُ مصلحتهَ بالكليةِ ، لظنهِ أنَ اشتغالهُ بالفاضلِ أكثرَ ثوابا وأعظمَ أجرا ، وهذا يحتاجُ إلى معرفةٍ بمراتبِ الأعمالِ وتفاوتها ومقاصدها ، وفقه في إعطاءِ كلِ عملِ منها حقهُ ، وتنزيلهُ في مرتبتهِ . منْ فوائدِ الذكرِ وفي الذكرِ نحوَ منْ مائةِ فائدةٍ . إحداها : إنهُ يطردُ الشيطانُ ويقمعهُ ويكسرهُ . الثانيةُ : أنهُ يرضي الرحمنُ عزَ وجلَ . الثالثة : إنهُ يزيلُ الهمُ والغمُ عنْ القلبِ . الرابعة : أنهُ يجلبُ للقلبِ الفرحِ والسرورِ والبسطِ . الخامسة : إنهُ يقوي القلبُ والبدنُ . السادسة : إنهُ ينورْ الوجهُ والقلبُ . السابعة : إنهُ يجلبُ الرزقُ . الثامنة : إنهُ يكسو الذاكرُ المهابةَ والحلاوةَ والنضرةَ . التاسعة : إنهُ يورثهُ المحبةَ التي هيَ روحُ الإسلامِ . العاشرة : إنهُ يورثهُ المراقبةَ حتى يدخلهُ في بابِ الإحسانِ . الحاديةَ عشرةً : إنهُ يورثهُ الإنابةَ ، وهيَ الرجوعُ إلى اللهِ عزَ وجلَ الثانيةَ عشرةً : إنهُ يورثهُ القربُ منهُ . الثالثةَ عشرةً : إنهُ يفتحُ لهُ بابا عظيما منْ أبوابِ المعرفةِ . الرابعةَ عشرةً : إنهُ يورثهُ الهيبةَ لربهِ عزَ وجلَ وإجلالهُ . الخامسةَ عشرةً : إنهُ يورثهُ ذكرُ اللهِ تعالى لهُ ، كما قالَ تعالى : ( فاذكروني أذكركمْ – البقرةُ 152 ) . السادسةَ عشرةً : إنهُ يورثُ حياةَ القلبِ . السابعةَ عشرةً : أنهُ قوةُ القلبِ والروحِ . الثامنةَ عشرةً : إنهُ يورثُ جلاءَ القلبِ منْ صدئهِ . التاسعةَ عشرةً : إنهُ يحطْ الخطايا ويذهبها ، فإنهُ منْ أعظمِ الحسناتِ ، والحسناتُ يذهبنَ السيئاتُ . العشرونَ : إنهُ يزيلُ الوحشةَ بينَ العبدِ وبينَ ربهِ تباركَ وتعا لي . الحاديةَ والعشرونَ : إنَ ما يذكرُ بهِ العبدُ ربهُ عزَ وجلَ منْ جلالةِ وتسبيحهِ وتحميدهِ ، يذكر بصاحبهِ عندَ الشدةِ . الثانيةَ والعشرونَ : إنَ العبدَ إذا تعرفَ إلى اللهِ تعالى بذكرهِ في الرخاءِ عرفهُ في الشدةِ . الثالثةَ والعشرونَ : إنهُ منجاةٌ منْ عذابِ اللهِ تعالى . الرابعةَ والعشرونَ : إنهُ سببُ نزولِ السكينةِ ، وغشيانَ الرحمةِ ، وحفوفْ الملائكةُ بالذاكرِ . الخامسةَ والعشرونَ : إنهُ سببُ اشتغالِ اللسانِ عنْ الغيبةِ ، والنميمةُ ، والكذبُ ، والفحشُ ، والباطلَ . السادسةَ والعشرونَ : إنَ مجالسَ الذكرِ مجالسَ الملائكةِ ، ومجالسُ اللغوِ والغفلةِ مجالسَ الشياطينِ . السابعةَ والعشرونَ : إنهُ يؤمنُ العبدُ منْ الحسرةِ يومَ القيامةِ . الثامنةَ والعشرونَ : إنَ الاشتغالَ بهِ سببٌ لعطاءِ اللهِ للذاكر أفضل ما يعطي السائلينَ . التاسعةَ والعشرونَ : إنهُ أيسرُ العباداتِ ، وهوَ منْ أجلها وأفضلها . الثلاثونَ : إنَ العطاءَ والفضلَ الذي رتبَ عليهِ لمْ يرتبْ على غيرهِ منْ الأعمالِ . الحاديةَ والثلاثونَ : إنَ دوامَ ذكرِ الربِ تباركَ وتعالى يوجبُ الأمانُ منْ نسيانهِ الذي هوَ سببُ شقاءِ العبدِ في معاشهِ ومعا دهْ . الثانيةَ والثلاثونَ : إنهُ ليسَ في الأعمالِ شيءً يعمُ الأوقاتَ والأحوالَ مثلهُ  . الثالثةَ والثلاثونَ : إنَ الذكرَ نورَ للذاكرِ في الدنيا ، ونور لهُ في قبرهِ ، ونور لهُ في معادةٍ ، يسعى بينَ يديهِ على الصراطِ . الرابعةَ والثلاثونَ : إنَ الذكرَ رأسَ الأمورِ ، فمنْ فتحِ لهُ فيهِ فقدْ فتحَ لهُ بابُ الدخولِ على اللهِ عزَ وجلَ . الخامسةَ والثلاثونَ : إنَ في القلبِ خلةً وفاقةً لا يسدها شيءُ البتةَ إلا ذكرُ اللهِ عزَ وجلَ . السادسةَ والثلاثونَ : إنَ الذكرَ يجمعُ المتفرقُ ، ويفرقَ المجتمعُ ، ويقربَ البعيدُ ، ويبعدَ القريبُ . فيجمعُ ما تفرقُ على العبدِ منْ قلبهِ وإرادتهِ ، وهمومهُ وعزومهْ ، ويفرقَ ما اجتمعَ عليهِ منْ الهمومِ ، والغمومُ ، والأحزانُ ، والحسراتُ على فواتِ حظوظهِ ومطالبهِ ، ويفرقَ أيضا ما اجتمعَ عليهِ منْ ذنوبهِ وخطاياهُ وأوزارهِ ، ويفرقَ أيضا ما اجتمعَ على حربهِ منْ جندِ الشيطانِ ، وأما تقريبهُ البعيدَ فإنهُ يقربُ إليهِ الآخرةُ ، ويبعدَ القريبُ إليهِ وهيَ الدنيا . السابعةَ والثلاثونَ : إنَ الذكرَ ينبهُ القلبُ منْ نومهِ ، ويوقظهُ منْ سباتهِ . الثامنةَ والثلاثونَ : إنَ الذكرَ شجرةً تثمرُ المعارفُ والأحوالُ التي شمرَ إليها السالكونَ . التاسعةَ والثلاثونَ : إنَ الذاكرَ قريبٌ منْ مذكورةٍ ، ومذكورةٌ معهُ ، وهذهِ ألمعيةُ معيةٍ خاصةٍ غيرِ معيةِ العلمِ والإحاطةِ العامةِ ، فهيَ معيةٌ بالقربِ والولايةِ والمحبةِ والنصرةِ والتوِ فيقِ . الأربعونَ : إنَ الذكرَ يعدلُ عتقَ الرقابِ ، ونفقةُ الأموالِ ، والضربُ بالسيفِ في سبيلِ اللهِ عزَ وجلَ . الحاديةَ والأربعونَ : إنَ الذكرَ رأسَ الشكرِ ، فما شكرَ اللهُ تعالى منْ لمْ يذكرهُ . الثانيةَ والأربعونَ : إنَ أكرمَ الخلقِ على اللهِ تعالى منْ المتقينَ منْ لا يزالُ لسانهُ رطبا بذكرهِ . الثالثةَ والأربعونَ : إنَ في القلبِ قسوةً لا يذيبها إلا ذكرُ اللهِ تعالى . الرابعةَ والأربعونَ : إنَ الذكرَ شفاءَ القلبِ ودواؤهُ ، والغفلةُ مرضهُ . الخامسةَ والأربعونَ : إنَ الذكرَ أصلَ موالاةِ اللهِ عزَ وجلَ ورأسها والغفلةُ أصلَ معاداتهِ ورأسها . السادسةَ والأربعونَ : إنهُ جلابٌ للنعمِ ، دافعَ للنقمِ بإذنِ اللهِ . السابعةَ والأربعونَ : إنهُ يوجبُ صلاةَ اللهِ عزَ وجلَ وملائكتهُ على الذاكرِ . الثامنةَ والأربعونَ : إنَ منْ شاءَ أنْ يسكنَ رياضَ الجنةِ في الدنيا ، فليستوطنُ مجالس الذكرِ ، فإنها رياضُ الجنةِ . التاسعةَ والأربعونَ : إنَ مجالسَ الذكرِ مجالسَ الملائكةِ ، ليسَ لهمْ مجالسُ إلا هيَ . الخمسونَ : إنَ اللهَ عزَ وجلَ يباهي بالذاكرينَ ملائكتهُ . الحاديةَ والخمسونَ : إنَ إدامةَ الذكرِ تنوبُ عنْ التطوعاتِ ، وتقومَ مقامها ، سواءً كانتْ بدنيةً أوْ ماليةٍ ، أوْ بدنيةٍ ماليةٍ . الثانيةَ والخمسونَ : إنَ ذكرَ اللهِ عزَ وجلَ منْ أكبرِ العونِ على طاعتهِ ، فإنهُ يحببها إلى العبدِ ، ويسهلها عليهِ ، ويلذذها لهُ ، ويجعلَ قرةَ عينهُ فيها . الثالثةَ والخمسونَ : إنَ ذكرَ اللهِ عزَ وجلَ يذهبُ عنْ القلبِ مخاوفهُ كلها ويؤمنهُ . الرابعةَ والخمسونَ : إنَ الذكرَ يعطي الذاكرُ قوةً ، حتى إنهُ ليفعل معَ الذكرِ ما لمْ يطيقَ فعلهُ بدونهِ . الخامسةَ والخمسونَ : إنَ الذاكرينَ اللهَ كثيرا همْ السابقونَ منْ بينِ عمالِ الآخرةِ . السادسةَ والخمسونَ : إنَ الذكرَ سبب لتصديقِ الربِ عزَ وجلَ عبدهْ ، ومنْ صدقهِ اللهِ تعالى رجي لهُ أنْ يحشرَ معَ الصادقينَ . السابعةَ والخمسونَ : إنَ دورَ الجنةِ تبني بالذكرِ ، فإذا أمسكَ الذاكرُ عنْ الذكرِ ، أمسكتْ الملائكةَ عنْ البناءِ . الثامنةَ والخمسونَ : إنَ الذكرَ سدَ بينَ العبدِ وبينَ جهنمَ . التاسعةَ والخمسونَ : إنَ ذكرَ اللهِ عزَ وجلَ يسهلُ الصعبُ ، وييسرَ العسيرُ ، ويخففَ المشاقَ . الستونَ : إنَ الملائكةَ تستغفرُ للذاكرِ كما تستغفرُ للتائبِ . الحاديةَ والستونَ : إنَ الجبالَ والقفارَ تتباهى وتستبشرُ بمنْ يذكرُ اللهُ عزَ وجلَ عليها . الثانيةَ والستونَ : إنَ كثرةَ ذكرِ اللهِ عزَ وجلَ أمانُ منْ النفاقِ .

الثالثةَ والستونَ : إنَ للذكرِ لذةً عظيمةً منْ بينِ الأعمالِ الصالحةِ لا تشبهها لذةٌ . الرابعةَ والستونَ : إنَ في دوامِ الذكرِ في الطريقِ ، والبيتُ ، والبقاعُ ، تكثيرا لشهودِ العبدِ يومَ القيامةِ ، فإنَ الأرضَ تشهدُ للذاكرِ يومِ القيامةِ – موقعُ الكلمِ الطيبِ ] .

 [ فوائد وثمراتِ ذكرِ اللهِ وتلاوةِ القرآنِ :

فضلْ ذكرَ اللهُ في القرآنِ :

( 1 ) قالَ اللهُ تباركَ وتعالى : فاذكروني أذكركمْ واشكروا لي ولا تكفرونِ البقرةُ : 152 ] .

( 2 ) قالَ اللهُ عزَ وجلَ : { واذكرْ ربكَ في نفسكَ تضرعا وخيفةً ودونَ الجهرِ منَ القولِ بالغدوِ والآصالِ ولا تكنْ منَ الغافلينَ } [ الأعرافَ : 205 ] .

( 3 ) قالَ سبحانهُ : { الذينَ آمنوا وتطمئنُ قلوبهمْ بذكرِ اللهِ ألا بذكرِ اللهِ تطمئنُ القلوبُ [ الرعدَ : 28 ] .

( 4 ) قالَ تعالى : { يا أيها الذينَ آمنوا اذكروا اللهَ ذكرا كثيرا وسبحوهُ بكرةً وأصيلا } [ الأحزابَ : 41 ، 42 ]

( 5 ) قالَ جلُ شأنهِ : { يا أيها الذينَ آمنوا إذا نوديَ للصلاةِ منْ يومِ الجمعةِ فاسعوا إلى ذكرِ اللهِ وذروا البيعَ ذلكمْ خيرُ لكمْ إنَ كنتمْ تعلمونَ فإذا قضيتِ الصلاةُ فانتشروا في الأرضِ وابتغوا منْ فضلِ اللهِ واذكروا اللهَ كثيرا لعلكمْ تفلحونَ } [ الجمعةُ : 9 ، 10 ] فضلَ ذكرُ اللهِ في السنةِ :

( 1 ) روى الشيخانِ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ النبيُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( يقولَ اللهُ تعالى : أنا عندُ ظنِ عبدي بي ، وأنا معهُ إذا ذكرني ، فإنَ ذكرني في نفسهِ ذكرتهُ في نفسيٍ ، وإنْ ذكرني في ملءٍ ذكرتهُ في ملءِ خيرِ منهمْ . . . ) ) [ البخاري حديثٌ : ( 7405 ) ، مسلمُ حديثٍ : ( 2067 ]

( 2 ) روى الشيخانِ عنْ أبي موسى الأشعريّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ النبيُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( مثلٌ الذي يذكرُ ربهُ والذي لا يذكرُ ربهُ ، مثلٌ الحيِ والميتَ ) ) ؛ [ البخاري حديثٌ : ( 6407 ) ، مسلمُ حديثٍ : ( 779 ]

( 3 ) روى الشيخانِ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ عنْ النبيِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ( ( كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ ، ثقيلتانِ في الميزانِ ، حبيبتانِ إلى الرحمنِ : سبحانَ اللهِ العظيمِ ، سبحانَ اللهِ وبحمدهِ ) ) ؛ [ البخاري حديثٌ : ( 6406 ) ، مسلمُ حديثٍ : ( 2072 ]

( 4 ) روى الشيخانِ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ أنَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ( ( منْ قالَ : سبحانَ اللهِ وبحمدهِ في يومِ مائةِ مرةٍ ، حطتْ خطاياهُ ، وإنْ كانتْ مثلٌ زبدِ البحرِ ) ) ؛ [ البخاري حديثٌ : ( 6405 ) ، مسلمُ حديثٍ : ( 2691 ]

( 5 ) روى الشيخانِ عنْ أبي موسى الأشعريّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ( أنَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ لهُ : يا عبدُ اللهْ بنْ قيسْ ، ألا أدلكُ على كنزِ منْ كنوزِ الجنةِ ؟ فقلتُ : بلى يا رسولُ اللهِ ، قالَ : قلَ : لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ ) ) ؛ [ البخاري حديثٌ : ( 4205 ) ، مسلمُ حديثٍ : ( 2704  ]

( 6 ) روى البخاري عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ أنَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ( ( منْ قالَ : لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ ، وهوَ على كلِ شيءٍ قديرٍ في يومِ مائةِ مرةٍ ، كانتْ لهُ عدلُ عشرِ رقابٍ ، وكتبتْ لهُ مائةِ حسنةٍ ، ومحيتْ عنهُ مائةَ سيئةٍ ، وكانتْ لهُ حرزا منْ الشيطانِ يومهُ ذلكَ حتى يمسيَ ، ولمْ يأتِ أحدُ بأفضل مما جاءَ بهِ ، إلا أحدُ عملِ أكثرَ منْ ذلكَ ) ) ؛ [ البخاري حديثٌ : ( 3293 ] ( 7 ) روى مسلمٌ عنْ أبي مالكْ الأشعريّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( الطهورَ شطرُ الإيمانِ ، والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ ، وسبحانَ اللهِ والحمدِ للهِ تملآنِ ما بينَ السماواتِ والأرضِ . . . ) ) ؛ [ مسلمُ حديثٍ : ( 223 ]

( 8 ) روى مسلمٌ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ النبيُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( لا يقعدُ قوم يذكرونَ اللهُ عزَ وجلَ إلا حفتهمْ الملائكةُ ، وغشيتهمْ الرحمةُ ، ونزلتْ عليهمْ السكينةُ ، وذكرهمْ اللهُ فيمنْ عندهُ ) ) ؛ [ مسلمُ حديثٍ : ( 2700 ]

( 9 ) روى مسلمٌ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( لأنْ أقولَ : سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ ، ولا إلهَ إلا اللهُ ، واللهُ أكبرُ ، أحبَ إليَ مما طلعتْ عليهِ الشمسُ ) ) ؛ [ مسلمَ حديثٍ : ( 2072 ]

( 10 ) روى مسلمٌ عنْ أبي سعيدْ الخدري رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : ( ( كنا عندَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقالَ : أيعجزْ أحدكمْ أنْ يكسبَ كلُ يومِ ألفِ حسنةٍ ؟ فسألهُ سائلُ منْ جلسائهِ : كيفَ يكسبُ أحدنا ألفَ حسنةً ؟ قالَ : يسبحَ مائةَ تسبيحةٍ ، فيكتبُ لهُ ألفَ حسنةٍ ، أوْ تحطُ عنهُ ألفَ خطيئةً ) ) ؛ [ مسلمِ حديثٍ : ( 2698 ]

( 11 ) روى الترمذي عنْ جابرْ بنْ عبدِ اللهْ رضيَ اللهُ عنهما عنْ النبيِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ( ( منْ قالَ : سبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمدهِ ، غرستْ لهُ نخلةٌ في الجنةِ ) ) ؛ [ حديث صحيحٍ ، صحيح سننِ الترمذي للألبانيّ ، حديثٌ : ( 2757 ]

( 12 ) روى الترمذي عنْ عبدِ اللهْ بنْ بسرْ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ( أنَ رجلاً قالَ : يا رسولُ اللهِ ، إنَ شرائعَ الإسلامِ قدْ كثرتْ علي  فأخبرني بشيءٍ أتشبثُ بهِ ، قالَ : لا يزالُ لسانكَ رطبا منْ ذكرِ اللهِ ) ) ؛ [ حديث صحيحٍ ، صحيح سننِ الترمذي للألبانيّ ، حديثٌ : ( 2688 ] ( 13 ) روى ابنْ ماجهْ عنْ النعمانْ بنْ بشيرْ رضيَ اللهُ عنهما قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( إنَ مما تذكرونَ منْ جلالِ اللهِ : التسبيحُ ، والتهليلُ ، والتحميدُ ، ينعطفنَ حولُ العرشِ ، لهنَ دويُ كدويِ النحلِ ، تذكرَ بصاحبها ، أما يحبَ أحدكمْ أنْ يكونَ لهُ – أوْ لا يزالُ لهُ – منْ يذكرُ بهِ ؟ ) ) ؛ [ حديثٌ صحيحٌ ، صحيح سننِ ابنْ ماجهْ للألبانيّ ، حديثٌ : 3071 ] .

فضلَ تلاوةَ القرآنِ :

( 1 ) قالَ تعالى : { أنْ الذينَ يتلونُ كتابَ اللهِ وأقاموا الصلاةَ وأنفقوا مما رزقناهمْ سرا وعلانيةَ يرجونَ تجارةُ لنْ تبورَ } [ فاطر : 29 ]

( 2 ) قالَ سبحانهُ : { لوْ أنزلنا هذا القرآنَ على جبلٍ لرأيتهُ خاشعا متصدعا منْ خشيةِ اللهِ وتلكَ الأمثالُ نضربها للناسِ لعلهمْ يتفكرونَ } [ الحشرُ : 21 ]

( 3 ) قالَ اللهُ تباركَ وتعالى : { إنَ هذا القرآنَ يهدي للتي هيَ أقومُ ويبشرُ المؤمنينَ الذينَ يعملونَ الصالحاتِ أنَ لهمْ أجرا كبيرا } [ الإسراءَ : 9 ] .

( 4 ) قالَ سبحانهُ : { وننزلُ منْ القرآنِ ما هوَ شفاءُ ورحمةُ للمؤمنينَ ولا يزيدُ الظالمينَ إلا خسارا } [ الإسراءُ : 82 ] .

( 5 ) قالَ اللهُ عزَ وجلَ : { قلَ أوحى إلى أنهُ استمعَ نفرُ منْ الجنِ فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشدِ فآمنا بهِ ولنْ نشركَ بربنا أحدا } [ الجنِ : 1 ، 2 ] .

( 6 ) قالَ جلُ شأنهِ : { يا أهلَ الكتابِ قدْ جاءكمْ رسولنا يبينُ لكمْ كثيرا مما كنتمْ تخفونَ منْ الكتابِ ويعفو عنْ كثيرٍ قدْ جاءكمْ منْ اللهِ نور وكتاب مبينٍ يهدي بهِ اللهُ منِ اتبعَ رضوانهُ سبلَ السلامِ ويخرجهمْ منَ الظلماتِ إلى النورِ بإذنهِ ويهديهمْ إلى صراطٍ مستقيمٍ } [ المائدةِ : 15 ، 16 ] ( 7 ) قالَ سبحانهُ : { إنما المؤمنونَ الذينَ إذا ذكرَ اللهُ وجلتْ قلوبهمْ وإذا تليتْ عليهمْ آياتهُ زادتهمْ إيمانا وعلى ربهمْ يتوكلونَ } [ الأنفالُ : 2 ] .

 فضلُ تلاوةِ القرآنِ في السنةِ :

( 1 ) روى البخاري عنْ عثمانْ بنْ عفانْ رضي اللهْ عنهُ عنْ النبيِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ( ( خيركمْ منْ تعلمِ القرآنِ وعلمهِ ) ) ؛ [ البخاري حديثٌ : ( 5027 ]

( 2 ) روى الترمذي عنْ عبدِ اللهْ بنْ مسعودْ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( منْ قرأَ حرفا منْ كتابِ اللهِ فلهُ بهِ حسنةٌ ، والحسنةَ بعشرِ أمثالها ، لا أقولُ ألمُ حرفٍ ، ولكنْ ألفَ حرفٌ ، ولامَ حرفٌ ، وميمُ حرف ) ) ؛ [ حديثٍ صحيحٍ ، صحيح سننِ الترمذي للألبانيّ ، حديثٌ : ( 2327 ]

( 3 ) روى الشيخانِ عنْ عائشة رضيَ اللهُ عنها قالتْ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( الماهرَ بالقرآنِ معَ السفرةِ الكرامِ البررةِ ، والذي يقرأُ القرآنُ ويتتعتعْ فيهِ ، وهوَ عليهِ شاقٌ ، لهُ أجرانٌ ) ) ؛ [ البخاري حديثٌ : ( 4937 ) ، مسلمُ حديثٍ : ( 798 ]

( 4 ) روى مسلمٌ عنْ أبي إمامةَ الباهلي رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : سمعتْ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ : ( ( اقرؤوا القرآنَ ؛ فإنهُ يأتي يومَ القيامةِ شفيعا لأصحابهِ ) ) ؛ [ مسلمُ حديثٍ : ( 804 ]

( 5 ) روى مسلمٌ عنْ النواسْ بنْ سمعانْ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ سمعتْ النبيَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ : ( ( يؤتى بالقرآنِ يومَ القيامةِ وأهلهِ الذينَ كانوا يعملونَ بهِ ، تقدمهُ سورةَ البقرةِ وآلَ عمرانْ ، كأنهما غمامتانِ – أيٌ : سحابتانِ – أوْ ظلتانْ سوداوانِ بينهما شرقٍ – أيٌ : ضياءٌ ونورٌ – أوْ كأنهما حزقانْ – أيْ : قطيعانِ – منْ طيرِ صوافْ – أيْ : باسطات أجنحتها في الطيرانِ – تحاجانِ – أيْ : تدافعانِ – عنْ صاحبهما ) ) ؛ [ مسلمَ حديثٍ : ( 805 ]

( 6 ) روى مسلمٌ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ أنَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ : ( ( لا تجعلوا بيوتكمْ مقابر ، إنَ الشيطانَ ينفرُ منْ البيتِ الذي تقرأُ فيهِ سورةُ البقرةِ ) ) ؛ [ مسلمَ حديثٍ : ( 870 ]

( 7 ) روى مسلمٌ عنْ عامرْ بنْ واثلة : ( ( أنَ نافع بنْ عبدِ الحارثْ لقيَ عمرْ رضيَ اللهُ عنهُ بعسفانْ ، وكانَ عمرْ يستعملهُ على مكةَ ، فقالَ : منْ استعملتْ على أهلِ الوادي ؟ فقالَ : ابنُ أبزىْ ، قالَ : ومنْ ابن أبزىْ ؟ قالَ : مولى منْ موالينا ، قالَ : فاستخلفتُ عليهمْ مولى ؟ قالَ : إنهُ قارئٌ لكتابِ اللهِ عزَ وجلَ ، وإنهُ عالمٌ بالفرائضِ ، قالَ عمرٌ : أما إنَ نبيكمْ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قدْ قالَ : إنَ اللهَ يرفعُ بهذا الكتابِ أقواما ، ويضعَ بهِ آخرينَ ) ) ؛ [ مسلمَ حديثٍ : ( 817 ]

( 8 )  روى أبو داودْ عنْ عبدِ اللهْ بنْ عمرو بنْ العاصْ رضيَ اللهُ عنهما قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( يقال لصاحبِ القرآنِ : اقرأْ وأرتقُ ورتلَ كما كنتُ ترتلُ في الدنيا ، فإنَ منزلكَ عندَ آخرٍ آيةٍ تقرؤها ) ) ؛ [ حديثٌ صحيحٌ ، صحيح أبي داودْ للألبانيّ ، حديثٌ : ( 1300 ]

( 9 ) روى مسلمٌ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( ما اجتمعَ قومٌ في بيتِ منْ بيوتِ اللهِ ، يتلونَ كتابُ اللهِ ، ويتدارسونهُ بينهمْ ، إلا نزلتْ عليهمْ السكينةُ ، وغشيتهمْ الرحمةُ ، وحفتهمْ الملائكةُ ، وذكرهمْ اللهُ فيمنْ عندهُ ) ) ؛ [ مسلمُ حديثٍ : ( 2699 ] .

( 10 ) روى ابنْ خزيمة عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( منْ قرأَ في ليلةِ مائةِ آيةٍ لمْ يكتبْ منْ الغافلينَ ، أوْ كتبَ منْ القانتينَ ) ) ؛ [ حديث صحيحٍ ، السلسلةَ الصحيحةِ للألبانيّ ، حديثٌ : ( 643 ]

( 11 ) روى ابنْ ماجهْ عنْ أنسْ بنْ مالكْ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ( إنَ للهِ أهلينَ منْ الناسِ ، قالوا : يا رسولُ اللهِ ، منْ همٍ ؟ قالَ : همْ أهلُ القرآنِ ، أهلُ اللهِ وخاصتهِ ) ) ؛ [ حديث صحيحٍ ، صحيح سننِ ابنْ ماجهْ للألبانيّ ، حديثٌ : ( 178 ] . . . . – الشيخُ صلاحَ نجيبْ الدقِ – شبكةٌ الألوكة ]  .

الفصل الثامنِ :

 مرحلةُ ما بعدَ القيامةِ :

( 1 ) سماءُ الدنيا أرضها وسماءَ الآخرةِ وأرضها وهيَ الجنةُ :

معَ ظهورِ السوءة منْ بعدٌ اختفاءٍ برزَ أيضا معها كونا آخرً سماءهُ بأرضِ الدنيا و سماءِ الدنيا التي قالَ تعالى فيها { أنا زينا السماءِ الدنيا بزينةِ الكواكبِ وحفظا منْ كلِ شيطانٍ ماردٍ لا يسمعونَ إلى الملأِ الأعلى ويقذفونَ منْ كلِ جانبِ دحورا ولهمْ عذابٌ وأصبّ إلا منْ خطفِ الخطفةَ فاتبعهُ شهابْ ثاقبٍ – الصافاتُ 6 – 10 } .

وهنا سماءُ الدنيا أيْ أنها ليستْ سماءَ الآخرةِ و ما هيَ إلا كجلدِ ابنَ آدمْ الذي يحوي نفسهُ الطينيةَ العليا بداخلِ سوأتهِ التي برزتْ وهبطَ بها إلى الأرضِ الدنيويةِ وسماءها وما الفرقُ بينَ الجلدِ وما تحويهُ نفسهُ إلا كنفسِ المساحة و القياسِ بينَ حجمِ الإنسانِ و الكونِ الفسيحِ اللانهائيِ وذلكَ لأنَ سماءَ الدنيا على ذلكَ كجلدِ ابنَ آدمْ الذي يحوي نفسهُ هكذا سماءُ الدنيا كلها غلافُ للولوجِ إلى سماءِ وأرض الآخرةِ ولذلك قال الإمام علي في شعر له [ “أتزعم أنك جرمٌ صغيرٌ.. وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ؟ ]

ولذلكَ يؤكدُ القرآنُ الكريمُ أنَ هذهِ السماءِ وهذهِ الأرضُ هيَ سماءُ الدنيا وأرض الدنيا وليستْ الآخرةَ قالَ تعالى { قلَ أئنكمْ لتكفرونْ بالذي خلقَ الأرضَ في يومينِ وتجعلونَ لهُ أندادا ذلكَ ربُ العالمينِ وجعلَ فيها رواسيَ منْ فوقها وباركَ فيها وقدرَ فيها أقواتها في أربعةِ أيامٍ سواءً للسائلينَ ثمَ استوى إلى السماءِ وهيَ دخانٌ فقالَ لها وللأرضِ ائتيا طوعا أوْ كرها قالتا أتينا طائعينَ فقضاهنَ سبع سماواتٍ في يومينِ وأوحى في كلِ سماءِ أمرها وزينا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وحفظا ذلكَ تقديرُ العزيزِ العليمِ – فصلتْ 9 – 12 } .

وهذهِ الأراضينْ والسماواتُ هنا ليستْ أرضَ الدنيا التي نعيشُ فيها ولا سمائها لأنهُ تعالى فصلٌ بينها وبينَ سماءِ الدنيا كما في قولهِ تعالى { ثمَ استوى إلى السماءِ وهيَ دخانٌ فقالَ لها وللأرضِ ائتيا طوعا أوْ كرها قالتا أتينا طائعينَ فقضاهنَ سبع سماواتٍ في يومينِ وأوحى في كلِ سماءِ أمرها وزينا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وحفظا – فصلتْ 11 – 12 } .

وهنا سماءُ الدنيا هيَ السماءُ المقترنةُ بالأرضِ ويراها الناسُ ويعيشونَ تحتَ شمسها فهيَ التي زينها اللهُ تعالى بالكواكبِ وجعلها حفظا لغلافِ السماءِ الذي هوَ كجلدِ ابنَ آدمْ الحافظْ لنفسهِ التي إن خرجت من جسدع رجت من أرض وسماء الدنيا إلى أرض وسماء الآخرة وما هذه السماءْ اللانهائيةَ في المساحةِ إلا كجلدِ ابنَ آدمْ الحافظ لجسده أو سوءته و بداخلهِا نفسهُ فإذا خرجتْ منها انطلقت إلى الماورائيات  كما بينا وهو عالم خارج هذا العالم  لا يمكن بالسوءة الولوج إليه وذلك لأن تلك السماءَ لا تعدوا كونها غلافُ لسماءِ الآخرةِ وأرضِ الآخرةِ كما أن جلد ابن آدم غلافاً لنفسه وبين الظاهر والباطن قالَ تعالى { ربُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما وربُ المشارقِ إنا زينا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكبِ وحفظا منْ كلِ شيطانٍ ماردٍ لا يسمعونَ إلى الملأِ الأعلى ويقذفونَ منْ كلِ جانبِ دحورا ولهمْ عذابٌ وأصبّ إلا منْ خطفِ الخطفةَ فاتبعهُ شهابْ ثاقبٍ – الصافاتِ 5 – 10 } .

وهذهِ أرض الدنيا وسمائها سجنَ أهل النار فلا تصعد أعمالهم لأرض وسماء الآخرة ولا أنفسهم كما في قوله تعالى { أنْ الذينَ كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ ولا يدخلونَ الجنةُ حتى يلجَ الجملُ في سمِ الخياطِ وكذلكَ نجزي المجرمينَ – الأعرافَ 40 }

– وبينَ الكونينِ قبلَ الهبوطِ منْ الجنةِ ثمَ الخروجِ منها والهبوطُ إلى الأرضِ ثمَ الموتِ ورجوعِ أهلِ الجنةِ إليها وسجنِ الكافرينَ في الأرضِ يتحرك الإنسانُ بجسدهِ ونفسهِ معهُ وهيَ الإنسانُ الداخليُ والجسدُ المخلوقُ منْ الطينِ العلويِ بالجنةِ أوْ الأرضيِ منْ النارِ في جنةِ عدنِ قبلَ الهبوطِ إلى الأرضِ ثمَ العودةُ إليها مرةٌ أخرى حتى يومِ القيامةِ فإذا هبطَ الإنسانُ عاشَ بجسدهِ الطينيِ السفليِ الذي بدأَ بعدما أكلَ نبيُ اللهِ آدمْ منْ الشجرةِ وهيَ أطلقَ عليها القرآنُ الكريمُ سوأةً في قولهِ تعالى { فأكلا منها فبدتْ لهما سوآتهما وطفقا يخصفانِ عليهما منْ ورقِ الجنةِ وعصى آدمْ ربهُ فغوى – طه 121 } .

– وعنْ إبليسِ وحزبهُ لما هبطَ إلى الأرضِ أصبحَ لهُ قدراتٌ على جسدٍ بنيَ آدمْ وسيطرةَ كاملةً عليهِ إنْ ابتعدَ عنْ ذكرِ اللهِ والإيمانِ بهِ ولذلكَ يقولُ فيهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ [ إنَ الشيطانَ يجري منْ ابنِ آدمْ مجرى الدمِ ، . . الحديثُ ]

فإذا ذكرَ اللهُ تعالى خرجَ منْ جسدهِ وانصرفَ قالَ تعالى لذلكَ { واذكرْ ربكَ إذا نسيتُ } ومنْ نسيَ ذكرُ اللهِ قيضَ اللهُ تعالى لهُ شيطانا يصبحُ لهُ قربنَ قالَ تعالى { ومنْ يعشُ عنْ ذكرِ الرحمنِ نقيضْ لهُ شيطانا فهوَ لهُ قرينٌ } .

فلما هبطَ إلى الأرضِ أصبحَ يطلعُ على بنيٍ آدمْ بطرقٍ لا يراهُ منها قالَ تعالى { إنهُ يراكمْ هوَ وقبيلهُ منْ حيثُ لا ترونهمْ } أيْ أنهُ ينظرُ للإنسانِ منْ أماكنَ لا يمكنُ للإنسانِ أنْ يراهُ فيها إلا في الحروبِ فإنَ اللهَ تعالى بينٌ حضورهُ وحزبهُ بصورتهِ الأرضيةِ الدنيويةِ ثمَ يفرُ هاربا منْ المعركةِ كما في قولهِ تعالى { فلما تراءتْ الفئتانِ نكصَ على عقبيهِ وقالَ إني بريءٌ منكمْ إني أرى مالاً ترونَ أنْ أخافَ اللهُ واللهُ شديدٌ العقابِ } .

– وهنا يفرُ بقيةَ حزبهِ مهما حملوا منْ أسلحةٍ متقدمةٍ وتقنيةٍ وذلكَ لأنَ إمامهمْ والمحرضُ لهُ هربَ وتركهمْ فتتحطم نفوسهمْ وينهارُ جيشهُ ويهزمُ ومنْ هنا قالَ تعالى في المؤمنينَ مهما قلَ عددهمْ وعدتهمْ { كمْ منْ فئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذنِ اللهِ }

( 2 ) عنصري الحياةِ في الدنيا الماءُ والهواءُ وفي الآخرةِ النورُ والماءُ :

– بين تعالى أنْ سيدنا محمدْ ( صلى اللهُ عليهِ وآلهِ ) كانَ نورا قبلَ الخلقِ وأنزلَ اللهُ تعالى عليهِ كتابُ اللهِ تعالى وهوَ نورا منْ اللهِ تعالى لذلكَ قالَ تعالى { قدْ جاءكمْ منْ اللهِ نور وكتاب مبينٍ } . – ويبينَ تعالى بعدُ ذلكَ أنَ عنصري الحياةِ في الجنةِ منْ بعدُ الموتِ هما النورُ والماءُ ولذلكَ سيطلبهما أهل النارِ منْ أهلِ الجنةِ ليحيوا فيها وتكون لهمْ النجاةُ منْ النارِ ومنْ عذابِ اللهِ تعالى فيها كما في قولهِ تعالى : { يومَ يقولُ المنافقونَ والمنافقاتُ للذينَ آمنوا انظرونا نقتبسْ منْ نوركمْ قيلَ ارجعوا وراءكمْ فالتمسوا نورا فضربَ بينهمْ بسورٍ لهُ بابٌ باطنهُ فيهِ الرحمةُ وظاهرهُ منْ قبلهِ العذابُ ينادونهمْ ألمْ نكنْ معكمْ قالوا بلى ولكنكمْ فتنتمْ أنفسكمْ وتربصتمْ وارتبتمْ وغرتكمْ الأماني حتى جاءَ أمرُ اللهِ وغركمْ باللهِ الغرورِ فاليومِ لا يؤخذُ منكمْ فديةً ولا منْ الذينَ كفروا مأواكمْ النارَ هيَ مولاكمْ وبئسَ المصيرُ – الحديدُ 13 – 15 } وعنْ طلبهمْ الماءِ منْ أهلِ الجنةِ يقولُ تعالى { ونادى أصحابُ النارِ أصحابَ الجنةِ أنَ أفيضوا علينا منْ الماءِ أوْ مما رزقكمْ اللهُ قالوا إنَ اللهَ حرمهما على الكافرينَ الذينَ اتخذوا دينهمْ لهوا ولعبا وغرتهمْ الحياةُ الدنيا فاليوم ننساهمْ كما نسوا لقاءُ يومهمْ هذا وما كانوا بآياتنا يجحدونَ – الأعرافُ 50 – 51 } .

أيْ أنَ عناصرَ الحياةِ في الآخرةِ هنا التي طلبوها منْ أهلِ الجنةِ كانتْ بينَ الماءِ والنورِ والنورِ كما بينا منْ قبلِ نزلَ في متابِ اللهِ على نورِ منْ اللهِ وهوَ سيدنا رسولُ اللهِ بما يعني أنَ العاملَ بكتابِ اللهِ تعالى في الدنيا وسنةِ رسولهِ وولايةِ أهلِ بيتهِ عليهمْ السلامُ ثمَ المؤمنينَ فهوَ الذي يموتُ ويبعثهُ اللهُ تعالى على نورِ منْ ربهِ يمشي بهِ في الدنيا وفي الآخرةِ هوَ منْ أهلِ الجنةِ .

– يقولَ تعالى في خلقٍ بنيَ آدمْ وكلَ شيءِ حيِ منْ الماءِ { وجعلنا منَ الماءِ كلَ شيءٍ حيٍ – الأنبياءِ 30 } . وقدْ خلقَ خلقهُ تعالى في الدنيا على ثلاثةِ أصنافِ منهمْ منْ يمشي على بطنهِ ومنهمْ منْ يمشي على أرجلِ أربعِ ومنهمْ الإنسانُ الذي يمشي على رجلينِ وما شابهَ منْ مخلوقاتِ اللهِ تعالى كما في قولهِ تعالى : – { واللهُ خلقُ كلِ دابةٍ منْ ماءِ فمنهمْ منْ يمشي على بطنهِ ومنهمْ منْ يمشي على رجلينِ ومنهمْ منْ يمشي على أربعٍ – النورِ 45 }  .

– والهواءُ وتدرجَ انعدامهُ كلما صعدتْ إلى السماءِ { فمنْ يردُ اللهُ أنْ يهديهُ يشرحُ صدرهُ للإسلامِ ومنْ يردُ أنْ يضلهُ يجعلُ صدرهُ ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماءِ كذلكَ يجعلُ اللهُ الرجسُ على الذينَ لا يؤمنونَ – النعامُ 125 } .

( 3 ) تركُ العملِ بكتابِ اللهِ في الدنيا يمنع عنْ الإنسْ والجنُ نورُ وماءُ الحياةِ في الدارِ الآخرةِ :

لما تركوا العملُ بما أنزلَ اللهُ منعَ عنهمْ نورُ حياتهمْ فيما بعدُ الموتِ : قالَ تعالى عنْ أهلِ النارِ لما تركوا العمل بما أنزلَ اللهُ وهذا النورُ المنزلُ عليهمْ ليعشوا بهِ في الجنةِ { يومَ يقولُ المنافقونَ والمنافقاتُ للذينَ آمنوا انظرونا نقتبسْ منْ نوركمْ قيلَ ارجعوا وراءكمْ فالتمسوا نورا فضربَ بينهمْ بسورٍ لهُ بابٌ باطنهُ فيهِ الرحمةُ وظاهرهُ منْ قبلهِ العذابُ – الحديدُ 13 } .

ويطلبونَ ماءَ الحياةِ الذي أحيا بهِ اللهُ تعالى أجسادهمْ في الجنةِ فلا يجدوهُ قالَ تعالى في طلبهمْ ذلكَ منْ أهلِ الجنةِ : { ونادى أصحابُ النارِ أصحابَ الجنةِ أنَ أفيضوا علينا منْ الماءِ أوْ مما رزقكمْ اللهُ قالوا إنَ اللهَ حرمهما على الكافرينَ الذينَ اتخذوا دينهمْ لهوا ولعبا وغرتهمْ الحياةُ الدنيا فاليوم ننساهمْ كما نسوا لقاءُ يومهمْ هذا وما كانوا بآياتنا يجحدونَ – الأعرافُ 50 – 51 } .

[ قالَ الحسنْ : الجانُ إبليسُ وهوَ أبو الجنِ . وقيلَ : الجانُ واحدٌ الجنِ ، والمارجُ اللهبُ ، عنْ ابنْ عباسْ ، وقالَ : خلقُ اللهِ الجانِ منْ خالصٍ النارِ . وعنهُ أيضا منْ لسانها الذي يكونُ في طرفها إذا التهبتْ . وقالَ الليثْ : المارجُ الشعلةِ الساطعةِ ذاتِ اللهبِ الشديدِ . وعنْ ابنْ عباسْ أنهُ اللهبُ الذي يعلو النارَ فيختلطُ بعضهُ ببعضٍ أحمر وأصفرَ وأخضرَ – تفسيرُ الطبري ] .

وهنا اقترانُ خلقَ الإنسانَ منْ صلصالِ والجانِ منْ مارجْ منْ نارٍ تبينَ أنَ أجسادَ الجنِ هيَ التي خلقتْ منْ النارِ ولهبها ولهمْ طبيعةُ رؤيةٍ بنيَ آدمْ منْ أماكنَ لا يقدرونَ على رؤيتهمْ منْ خلالها قالَ تعالى { إنهُ يراكمْ هوَ وقبيلهُ منْ حيثُ لا ترونهمْ } ولذلكَ علمَ اللهُ تباركَ وتعالى وحصن نبيهِ آدمْ وذريتهُ بأنَ علمهُ الأسماءَ كلها وكيفَ يتعوذُ باللهِ منْ كيدِ الشيطانِ قالَ تعالى { وعلمَ آدمْ السماءِ كلها } وقالَ تعالى { فاستعذْ باللهِ } هذهِ الكلماتِ طاقةً تخرجُ منْ فمِ المؤمنِ لتحرقِ الشيطانِ فينصرفُ عنْ الشخصِ والمكانِ وهذهِ هيَ الحربُ باللسانِ عندَ لقاءِ العدوِ لعالمِ الججنْ والشياطينُ والسنانُ لبنيٌ آدمْ المجرمينَ .

( 4 ) وأخيراً أي أننا بين كونين و الثالث نفى الله تعالى العلم به  :

يبين تعالى أننا كبشر بَيْن كُونين وِ موتْتين وجسدَيْنِ وِسْمائين وَأرضِين وَجسَد يَحوِي نَفْس بِداخِله وَهِي ( الإنْسان الدَّاخليُّ ) وكلاهمَا مُرْتَبِط بِروح تحرُّكهمَا معًا بَيْن هذيْنِ العالميْنِ وَفْق سُنَن كَونِية أعدَّهَا اَللَّه تَعالَى بِمَا يَتَناسَب مع بَقَاء الجسد حيًّا بِغد الموْتِ بِتقْوى اَللَّه فِي جَنَّة عَدْن أو السُّوءة فِي الدُّنْيَا وَهُو الجسد الطِّينيُّ اَلسفْلِي اَلذِي خلق مِن اِجتِماع ذكر وَأُنثَى بَعْد الموْتِ تَتحَل فِي التُّرَاب هَذِه السُّوءة وتنْفَصل عَنهَا نَفسُها اَلتِي خَلقَت مِن طِينة الجنَّة وكانتْ تعيش بِه فِي جَنَّة عَدْن قَبْل اَلهُبوط إِلى الأرْض وَذلِك لِأنَّ اَللَّه تَعالَى خَلْق النَّاس جميعًا دُفعَة وَاحِدة وأدْخل الجنة والنَّار فِي لَحظَة وَاحِدة لأنه تَعالَى لَيْس عِنْده زمن فالزَّمن عِنْدنَا نعْرفه بِالشَّمْس والْقَمر وَهمَا مخْلوقان قال تَعالَى { وَلقَد خلقْناكم ثُمَّ صوَّرْناكم ثُمَّ قُلنَا لِلْملائكة اسْجدوا لِآدم فسجدوا إِلَّا إِبْليس لَم يَكُن مِن السَّاجدين – الأعْراف 11 } وَبيَّن الدُّنْيَا والْآخرة أو ( الحيَاة والْمَوْتُ ) يَتَنقَّل بَيْن عَالَم الدُّنْيَا والْآخرة فَبخُروج نَفسِه مِن جَسدِه على الأرْض بَعْد أن نَزلَت مِن السَّمَاء إِلى الأرْض يَنتَقِل بعْدهَا إِلى جَنَّة عَدْن إِنَّ كان مِن المؤْمنين وَإلَى جَهنَّم إِنَّ كان مِن الكافرين وعن جَسدِه فلَا يُعذَّب إِلَّا فِي الدُّنْيَا لِأَنه قد اِشترَك معه فِي اَلعصِية بِغَير إِرادة مِنْه ويوْم القيامة يَكُون شاهدًا على صَاحبِه اَلذِي كان يعيش معه فِي سَوأَة أو جسد وَاحِد .

وبالتَّالي مَوْت هَذِه يُبْرِز هَذِه وموْتَ هَذِه يُبْرِز هَذِه فلَا يجْتمعان معًا إِلَّا يَوْم القيامة قال تَعالَى { كَيْف تَكفُرون بِاللَّه وكنْتم أمْواتًا فأحْياكم ثُمَّ يُميتكم ثُمَّ يُحْييكم ثُمَّ إِلَيه ترْجعون – البقَرة 28 } .

أيْ كُنتُم أَموَات السُّوءة أَحيَاء بِالْجَسد الطِّينيِّ اَلعلْوِي المخْلوق مِن طِينة الجنَّة فِي عدن يَختَفِي بِداخِله سوْأته اَلتِي كان يَعلَم بِهَا إِبْليس قَبْل أن يَنزِع عن آدم وزوْجه لِباسهمَا ثُمَّ يَحْي اَللَّه تَعالَى الإنْسان بِسوْأَته فِي الدُّنْيَا بَعْد اَلهُبوط مِن الجنَّة يَتَوارَى بِداخل هذَا الجسد نَفسِه أو جَسدِه الطِّينيِّ اَلعلْوِي فَإذَا مَاتَت السُّوءة وَهِي الجسد الإنْسانيُّ تُبْرِز مِنهَا نَفسُها الطِّينيَّة العلْويَّة لِلْوجود بِمَا لَا يَتَناسَب فِي الحيَاة على الأرْض لِتنْتَقل إِلى جَنَّة عَدْن إِنَّ كَانَت مِن المؤْمنين الصَّالحين ثُمَّ الرُّجوع إِلى اَللَّه تَعالَى يَوْم القيامة بِالنَّفْس والْجَسد . وسجْن المجْرمين فِي الأرْض السُّفْلى فِي سجين وَأمَّا الَّذين خَلطُوا عملا صالحًا وَآخَر سيِّئًا فَهْم اَلذِي خَلقُوا مِن طِينة الجنَّة وقد خلط بِهَا طِينة مِن الأرْض فجاءتْ أعْمالهم مُطَابقَة لَمَّا خَلقُوا مِنْه وسواه هؤلاء تُعذِّب فِي الدُّنْيَا فقط ثُمَّ يَوْم القيامة تَكُون عليْه مِن الشَّاهديْنِ لِقوْله تَعالَى { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوها شَهِد عَليهِم سَمعُهم وأبْصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملون سُورَة فُصلَت – وقالوا لِجلودهم لِم شهدْتم عليْنَا قَالُوا أنْطقَنَا اَللَّه اَلذِي أَنطَق كُلُّ شَيْء وَهُو خَلقُكم أَوَّل مَرَّة وإليْه ترْجعون – فَصلَت 20 – 21 } ومعْلوم الشَّاهد لَا يُعذِّب .

فإذا كان يوم القيامة خرج من بين النفس والجسد شيئاً نفى الله تعالى العلم به في قوله تعالى { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون – يس } وهنا مالا يعلمونه هو الجزء الذي يداخل جسد الإنسان الطيني العلوي والسفلي أو بين النفس و السوءة وهو شيئ لا يعلم عنه الإنسان أي شيئ وهذا بخلاف الروح وذلك لأن الروح هى المحرك للإنسان و الكون معاً قال تعالى { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا – الشورى } فأمر الله تحرك كل شيئ  وبهذا الشيئ الغير معلوم سيدخله الله تعالى جنة غير معلوم عنها شيئ قال تعالى فيها { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون – الواقعة 60-61 } وفيها أيضاً [ مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .. كما في الحديث ]

ولا يخطرْ على قلبِ البشرِ إلا ما أعلمهمْ الله تبارك ةتعالى إياهُ حينما قالَ تعالى في نبيِ اللهِ آدمْ عليهِ السلامُ { وعلمَ آدمَ الأسماءَ كلها ثمَ عرضهمْ على الملائكةِ فقالَ أنبئوني بأسماءِ هؤلاءِ إنْ كنتمْ صادقينَ قالوا سبحانكَ لا علمَ لنا إلا ما علمتنا إنكَ أنتَ العليمُ الحكيمُ قالَ يا آدمُ أنبئهمْ بأسمائهمْ فلما أنبأهمْ بأسمائهمْ قالَ ألمْ أقلْ لكمْ إني أعلمَ غيبَ السماواتِ والأرضَ وأعلمَ ما تبدونَ وما كنتمْ تكتمونَ – البقرة 31 – 33 } .

وهنا يكونُ الله تعالى قدْ بينَ لنا منذ علم الله تعالى نبي الله آدم عليه السلام حتى خاتم النبييين صلى الله عليه والأئمة عليهم السلام من بعده كلَ شيئ عن حياتين وموتتين ونفى العلم بالثالثة و هوَ ما أرادهُ الله تعالى لهمْ منْ علمِ ثم مرحلة ما بعد القيامة يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات هنا يتوقف العلم البشري بهذه المرحلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله [فيها مالاً عينَ رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلبِ بشرٍ .. الحديث ] وهذا في الفردوسِ الأعلى التي ورد ذكرها في كتابِ اللهِ تعالى مقترنا بلفظِ ميراثٍ في قولهِ تعالى { الذينَ يرثونَ الفردوسَ همْ فيها خالدونَ – المؤمنونَ 11 } وهذا الميراثُ يكونُ بعدَ ميراثِ الخالقِ عزَ وجلَ لسماواتهِ وأرضهَ كما في قولهِ تعالى { وللهِ ميراثُ السماواتِ والأرضِ واللهِ بما تعملونَ خبيرٌ – آلِ عمرانْ 180 }

وفي هذا الكون الثالث والأرض والسماء الجديدة قال تعالى  { فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين جزاءاً بما كانوا يعملون –السجدة } وما أخفاه الله تعالى لهم في هذا الكون الجديد في مرحلة ما بعد القيامة وهو عرش الرحمن الثالث أو الكون الثالث والذي قال تعالى فيه { والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية – الحاقة 17 } فقد كان لله تعالى عرشاً من قبل وهو كون يسبح في الماء وقال تعالى فيه { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين –هود 7} ثم أصبح يسبح في الهواء بعدما أنشأه الخالق عز وجل في ستة أيام ثم يوم القيامة يأتي الله تبارك وتعالى بالكون الجديد وجنة الفردوس وفيها نشأة الإنسان فيما لا يعلم وله فيها مالا يعلم ولا يخطر منها شيئاً في خطرات قلبه وهنا يبدل الله تعالى الأرض غير الأرض والسماوات كما في قوله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار – إبراهيم 48 } وحيث أنه تعالى نفى العلم بها فلا نعرف من الأرض والسماء إلا الإسم فقط كما قال ابن عباس [ فاكهة الجنة لا يعلم منها غير الأسماء فقط ] .

وأما جنة عدن وهى جنة الحياة الدنيا كما قلنا من قبل و فيها كل مايشتهيه الإنسان بالحياة الدنيا و يعرفه ولا يجهله لذلك قال تعالى { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون – فصلت 31 }.

هذا وبالله التوفيق وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الشريف خالد محيي الدين الحليبي

 

هذا وباللهِ التوفيقِ وما توفيقي إلا باللهِ عليهِ توكلتْ وإليهِ أنيب

وسلامٌ على المرسلينَ والحمدُ للهِ ربِ العالمينَ وصلى اللهُ على سيدنا محمدْ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ

الشريفْ :  خالدْ محيي الدينْ الحليبي

الفهرست

مقدمة :

– الفصلُ الأول :

( 1 ) قصةُ الخلقِ الأولِ :

( 2 ) مرحلةُ الخلقِ منْ العدمِ واللاشيءِ .

( 3 ) خلقُ اللهِ الكونِ وحاسبٍ وأدخلَ الجنة والنارِ في لحظةٍ واحدةٍ .

( 4 ) رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ كانَ قبلَ خلقِ السماواتِ والأرضِ منْ كتابِ اللهِ .

( 5 ) خلقُ نفسِ رسولِ اللهِ ( ص ) والمرسلينَ والمؤمنينَ منْ نورْ اللهْ تعالى .

الفصلُ الثاني :

 مراحل خلقَ الإنسانَ ( جسدهُ ونفسهُ المركبةُ فيهِ ) وأعمارهمْ والدورِ الشيطانيِ

1 – خلقُ الأنفسِ قبلَ الأجسادِ

2 – كلٌ بنيٌ آدمْ خلقوا دفعةٌ واحدةٌ

3 – مراحل خلقَ الإنسانَ ( منها خلقناكمْ وفيها نعيدكمْ ومنها نخرجكمْ . . الآيةُ )

4 – الخلقُ منْ طينةِ الأرضِ على اختلافٍ الونهمْ والمؤمنُ منْ طينةِ الجنةِ .

5 – أعمارُ سواءاتْ بنيَ آدمْ .

6 – عمرْ النفسِ الإنسانيةِ أوْ الجسدِ الطينيِ العلويِ المركبِ داخلَ جسدِ الإنسانِ أوْ سوأتهِ .

الفصلُ الثالثُ :

الأطوارُ الأربعةُ لخلقِ الثقلينِ منْ العدمِ حتى رجوعهمْ إلى الجنةِ أوْ النارِ منْ بعدُ موتِ السوءة في الدنيا منْ خلالِ قولهِ تعالى ( الذي خلقَ الموتُ الحياةَ ليبلوكمْ أيكمْ أحسنَ عملاً )

( أ ) النشأةُ الأولى ( هوَ الذي خلقَ الموتُ والحياةُ ) .

( ب ) ثلاثُ أوامرَ إلهيةٍ أمرَ اللهِ تعالى عبادة بها في جنةِ عدنِ قبلَ هبوطِ آدمْ وزوجهُ عليهما السلامُ .

(ج) لا يوجد أوامر لله تعالى بعد الموت غير الصلاة و عبادة الله تعالى .

( د ) تفاصيل الأوامر الإلهية الثلاثة .

( هـ ) إبليسُ يخلقُ شياطينُ في الأرضِ تدفعُ لعدةِ جرائمَ اقترفتها الأممُ منْ قبلُ وتتكررُ آخرٌ الزمانِ .

( و) الطورِ الثالثُ منْ الخلقِ .

 الفصلُ الرابعُ :

 إبليسُ وبنيَ آدمْ :

( 1 ) بعدٌ آباءِ إبليسِ السجودِ لآدمْ ولعنَ اللهُ تعالى لهُ عمى واسودَ وجههُ وتعرى كما وعدَ اللهُ تعالى أهل النارِ

( 2 ) جسدُ الإنسانِ على الأرضِ هوَ سلالةُ الإنسانِ الذي خلقَ منْ طينٍ في الجنةِ قبلَ الهبوطِ إلى الأرضِ

( 3 ) سوأةٌ بنيَ آدمْ التي بدتْ هيَ الجسدُ كلهُ وليسَ العورةَ فقطْ .

( 4 ) بدايةَ الطورِ الثاني ومشاركةِ الشيطانِ أوْ الملاكِ لتلكَ النطفةِ منذُ وضعها في رحمِ الأمِ منْ يومها الأولِ .

( 5 ) جلودْ الناسِ في الدنيا ( سوآتهمْ ) تخفي بداخلها أهلِ النارِ وأهلِ النارِ فلا يعرفُ أحدهما الآخرُ إلا بعملهِ .

( 6 ) القاعدةُ القرآنيةُ العامةُ التي تقولُ بأنَ الصالحَ يلدُ صالحا والكافرُ يلدُ كافرا وخصوصيةُ القاعدةِ . ( 7 ) مرحلةُ الهمِ با الحسنةِ أوْ السيئةِ بينَ الثوابِ والعقابِ والحدودِ .

( 8 ) الوعدُ والوعيدُ للأنفسِ يبدأُ منْ سكرةِ الموتِ جسدَ المؤمنِ أوْ سوأتهِ ترجعُ للترابِ وجسدِ الكافرِ والمنافقِ يعذبُ في الدنيا فإذا قامتْ القيامةُ خرجوا منْ الأجداثِ كجراد منتشر وتكونَ سوأةُ الكافرِ ( جسدهُ ) شاهدةً عليهمْ .

( 9 ) حسابُ النفسِ بعدَ الموتِ والجسدِ هوَ الشاهدُ عليها يومُ القيامةِ .

الفصل الخامسِ :

( 1 ) أنواعُ الأنفسِ البشريةِ الثلاثةِ .

(2)  طبائع النفس الإنسانية .

( 2 ) معرفةُ أهلِ الجنة والنار في الدنيا بظواهرِ أعمالهمْ لجهلهمْ ما تحويهُ أنفسهمْ منْ ضمائرَ وطينةِ حقيقيةٍ خلقوا منها وهنا يعرفُ الناسُ بعضهمْ في الدنيا بظاهرِ الأعمالِ .

(3) درجتين من عذاب الله تعالى للإنس والجن بين الدنيا والآخرة .

(4) السوءة وأنفسُ السوءِ الذينَ خلقوا منْ طينةِ النارِ يرجعونَ إلى الأرضِ ولا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ .

الفصلُ السادسُ :

تجسيدُ الأعمالِ في الدنيا ليراها العبدُ بعدَ موتهِ ويومُ القيامةِ .

الفصلُ السابعُ :  القرينُ :

( 1 ) لماذا جعلَ اللهُ تعالى النجوى وبدأها بالثلاثةِ وانتهى بالستةِ ومنْ همِ الستةِ في قولهِ تعالى ( ما يكونُ منْ نجوى ثلاثةَ إلا هوَ رابعهمْ ولا خمسةَ إلا هوَ سادسهمْ )

( 2 ) أعمالُ العبادِ حسبَ الطينةِ التي خلقوا منها ودورِ القرينِ .

( 3 ) مكرُ القرينِ وفوائدِ ذكرِ اللهِ .

( 4 ) محاجاةٌ بنيَ آدمْ وأنفسهمْ وقرنائهمْ وتبرأَ الكبراءُ وتابعيهمْ بعضهمْ منْ بعضِ يومِ القيامةِ .

( 5 ) ذكرَ اللهُ ووحدةُ النفسِ والجسدِ علاجا للأمراضِ النفسيةِ وثباتِ الجندِ عندَ لقاءِ العدوِ .

الفصلُ الثامنُ :

مرحلةُ ما بعدَ القيامةِ :

( 1 ) سماءُ الدنيا أرضها وسماءَ الآخرةِ وأرضها وهيَ الجنةُ .

( 2 ) عنصري الحياةِ في الدنيا الماءُ والهواءُ وفي الآخرةِ النورُ والماءُ .

( 3 ) تركُ العملِ بكتابِ اللهِ في الدنيا يمنعُ عنْ أنفسْ والجنُ نورُ وماءُ الحياةِ في الدارِ الآخرةِ .

( 4 ) النشأةُ الجديدةُ فيما لا يعلمونَ .