ستراتفور: آثار جيوسياسية هائلة لتطورات سوق النفط العالمي

الخليج الجديد :

مع فرض الغرب لسقف سعري على النفط الروسي المنقول بحرًا وقرار “أوبك+” التمسك بخفض مستويات الإنتاج، من المتوقع أن يكون لهذا تأثير هامشي على أسواق النفط في الأشهر المقبلة، لكن هذه التطورات تعكس التحولات العميقة التي تعيد توجيه سوق الهيدروكربون العالمي بعيدًا عن الغرب.

ففي 2 ديسمبر/كانون الأول، توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق لتحديد السقف السعري على النفط الروسي المنقول بحرًا بغطاء التأمين الغربي، ليصبح 60 دولارًا للبرميل، مع آلية ضبط ستعمل على مراجعة مستوى السعر كل شهرين وتبقيه أقل بـ 5% من أسعار النفط العالمية على الأقل.

وبعد يومين، اتفقت منظمة “أوبك” ودول حليفة من بينها روسيا (والتي يطلق عليها مجموعة أوبك+) على التمسك باتفاق أكتوبر/تشرين الأول الماضي المتمثل في خفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميًا.

 

 

تأثير محدود على روسيا

كان الإعلانان متوقعان إلى حد كبير ولم يكن لهما سوى تأثير محدود على أسعار النفط، حيث زاد سعر خام برنت بنسبة تصل إلى 2.6% فقط – ليصل إلى 87.99 دولارًا للبرميل – في 5 ديسمبر/كانون الأول بعد فتح الأسواق، لكن السعر انخفض في وقت لاحق من اليوم.

وفي الوقت الحالي، من غير المرجح أن يؤثر السقف السعري على سوق النفط العالمي بشكل كبير، بالرغم أنه سيكون له تأثير على بعض شحنات النفط الروسية. ولكن قد يتغير ذلك إذا ارتفعت الأسعار ودُفع الكرملين لخفض الصادرات.

وأثرت أزمة أوكرانيا والتدهور اللاحق لتجارة الطاقة مع أوروبا بشكل مباشر على صادرات نفط خام أورال الروسي، والذي كان ينقل تاريخياً إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب وكذلك موانئ النفط في غرب روسيا.

وكان خام أورال يُتداول بالفعل بالقرب من السقف السعري – أو أقل بقليل – مما يعني أن السقف السعري سيكون له تأثير محدود على صادرات الأورال.

ومع ذلك، قالت روسيا مرارًا وتكرارًا إنها لن تبيع النفط للبلدان والشركات التي تلتزم بالسقف السعري. ومن المحتمل أن يمتد هذا التهديد للعملاء الذين يشترون الخام الروسي بالسعر السائد حاليًا، ولكن باستخدام التأمين الغربي مع تقديم وثائق الامتثال اللازمة للسقف السعري (بالرغم أن السعر نفسه ينسجم مع السقف المحدد).

ومن المحتمل أن يؤدي الشرط الأخير بتقديم الوثائق إلى انخفاض متواضع في صادرات الأورال الروسية، وإذا ظلت الإيرادات القادمة من تلك الصادرات على حالها، فقد لا يُضطر الكرملين لتنفيذ مثل هذا التهديد ما لم يصبح السقف السعري متعارضا مع الأسعار الحقيقية.

وبالرغم أن السقف السعري للأورال الروسي لا يتعارض مع الأسعار الحالية، إلا أن خام إسبو الروسي – الذي يشكل حوالي مليون برميل في اليوم من الخام الروسي ويتم نقله عبر محطة تصدير النفط “كوزمينو” في أقصى شرق روسيا – كان يتم تداوله بأقل من السعر العالمي بـ 5 إلى 10 دولارات، عند 70 إلى 80 دولارًا للبرميل.

وبالنظر إلى هذا السعر الحالي، من المرجح أن تفرض روسيا مطلبها بعدم الالتزام بالسقف السعري على مشتري إسبو. ولكن بالمقارنة مع الموانئ الغربية الروسية على طول بحر البلطيق والبحر الأسود، فإن ميناء “كوزمينو” أقرب جغرافياً إلى الصين والهند، ولا يتطلب تصدير النفط إلى هذين السوقين الآسيويين الضخمين نفس ضخامة أو كثرة الناقلات، مما سيخفف من تأثير قلة السفن المستعدة لشحن النفط الروسي بما يتجاوز السقف السعري.

وفي الواقع، من المحتمل أن يلتزم العملاء الثلاثة الرئيسيين للنفط الروسي الخام – الصين والهند وتركيا – بقواعد موسكو ويحافظون على كميات كبيرة من الواردات، بغض النظر عما إذا كانوا يشترون خام إسبو أو أورال.

وقد وافقت الهند وتركيا بالفعل على استخدام التأمين الروسي. وفيما لم تعلن الصين قرارها في هذا الصدد بعد، فمن المتوقع أن توافق بكين إما على استخدام التأمين الروسي أو تجد بدائل محلية. وإلى جانب مستهلكي النفط الكبار هؤلاء، من غير الواضح عدد عملاء روسيا الأصغر الذين سيكون لديهم نفس القدرة على استخدام البدائل.

 

 

تحول مشهد الطاقة العالمي

سيؤدي السقف السعري وتحالف روسيا مع “أوبك” إلى ترسيخ الانقسام المتزايد بين الغرب والعديد من منتجي النفط الكبار في العالم، مما سيضعف في نهاية المطاف قدرة الولايات المتحدة وأوروبا على التأثير على تجارة الطاقة العالمية من خلال العقوبات والضغط الدبلوماسي.

ويعكس قرار “أوبك” بالتعاون مع روسيا التمسك بقرار خفض الإنتاج كيف تدهورت العلاقات بين السعودية (زعيمة أوبك الفعلية) والغرب في السنوات الأخيرة.

وفي السابق، ربما كان القادة السعوديون سيتعاونون مع الغرب للحفاظ على استقرار الإمدادات العالمية إذا كانت هناك أزمة وشيكة، لكن هذه المرة انحازت الرياض (وبالتالي أوبك) علنًا إلى روسيا في خفض الإنتاج. ويشير ذلك إلى أنه في الأشهر والسنوات القادمة، ستضع المملكة وزنًا أقل فأقل لوجهات النظر الأمريكية في تشكيل قرارات “أوبك”.

علاوة على ذلك، فإن تحول روسيا إلى تصدير المزيد من النفط إلى الدول الآسيوية كان منذ فترة طويلة هدفًا رئيسيًا للكرملين ولن يتباطأ، حتى لو تم تعليق السقف السعري في حالة وقف إطلاق النار في أوكرانيا.

وهكذا، ستصبح روسيا أكثر ارتباطًا اقتصاديًا بمستهلكي النفط والغاز الرئيسيين الآسيويين، تمامًا مثلما تفعل السعودية وغيرها من منتجي النفط في الشرق الأوسط؛ خاصة أن الاقتصادات الغربية تنتقل بسرعة بعيدا عن الهيدروكربونات مقارنة بنظرائها الآسيويين.

وسيؤدي ذلك إلى إعادة تشكل خريطة تجارة الطاقة العالمية، حيث سيصبح كبار منتجي النفط (مثل روسيا ودول الخليج العربي) أكثر ارتباطًا اقتصاديًا وسياسيًا مع مستهلكي النفط غير الغربيين (مثل الصين والهند).

ومن منظور جيوسياسي، ستكون النتيجة النهائية تقليل التوافق بين الغرب ودول مثل السعودية والعراق بشأن مجموعة واسعة من القضايا. وسيعني هذا تنسيقًا أقل بين منتجي النفط الكبار والغرب عندما يتعلق الأمر بإدارة سوق الطاقة وأي تحديات اقتصادية لاحقة؛ مما يمثل تحولًا كبيرًا عن التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة والسعودية، والذي كان موجودًا خلال العقود الماضية.

وبالإضافة إلى ذلك، سيكون هناك أيضًا تعاون أقل في سياسات العقوبات، مما سيجبر الولايات المتحدة وأوروبا على توسيع النطاق القانوني للعقوبات لضمان تنفيذها (وبالتالي فعاليتها)، وسيجعل هذا القادة الغربيين يسنون المزيد من التدابير المشابهة للسقف السعري على النفط الروسي، وكذلك المزيد من العقوبات المباشرة المشابهة لتلك المفروضة على فنزويلا وإيران.

 

المصدر |  ستراتفور – ترجمة وتحرير الخليج الجديد

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

الحوثي يعلق “ساخرا” على تحليق المنطاد الصيني فوق الأراضي الأمريكية

RT : علق القيادي في جماعة “أنصار الله” الحوثية في اليمن محمد علي الحوثي، على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *