سورة الشرح رقم (١٢) في التنزيل من تفسير البينة(النبأ العظيم)

الملف بصيغة pdf :

الشرح

(12)

تفسير سورة الشرح

(1) ألم نشرح لك صدرك (1)

وهنا :

(ألم)

[ أداة استفهام مركّبة من حرف الجرّ (إلى) و (ما) الاستفهاميّة، وقد حذفت ألفها لدخول حرف الجرّ عليها] .
[ والاستفهام في هذه الآيه هو استفهام تقريري ، أي أنّ السائل لا يُريد من المُخاطب إجابة ولا يسأل عن شيء كان يجهله بل إنّ كلاهما مُقرٌ بالإجابة ] أي أن الله تعالى يعلم كما أن الرسول يعلم أنّ الله تعالى قد شرح صدره ، لكنّ الله عزّ وجل يُريد من الرسول الإقرار بنِعَم الله تعالى عليه واستفهام التقريري ورد في قوله تعالى { ألم نجعل له عينين – البلد 8} وقال تعالى { ألم يجدك يتيما فآوى – الضحى } وقال تعالى أيضاً { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل – الفيل 1-2 }
وأما :
(نشرح لك صدرك)
[ وشرح يشرح شرحاً : بسط اللحم ونحوه ومنه الفتح وشرح الصدر : بسطه وفتحه لقبول الشيئ – معجم ألفاظ القرآن باب الشين فصل الراء والحاء ] . و شرح الصدر لا يكون إلا بقبول النفس لدين الإسلام دينا ومعتقداً قال تعالى { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ – الزمر 22 } .
و يقول سيدنا موسى عليه السلام داعياً ربه تبارك وتعالى { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي– طه 25- 30} أي وسع لي صدري ويكون على ذلك شرح الصدر للإسلام يكون بالإسلام القائم على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم ولاية أمير المؤمنين أهل البيت عليهم السلام لقوله صلى الله عليه وآله في حديث المنزلة : [ أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي – البخاري – كتاب التوحيد ] وهذه هى الوصية التي قال تعالى فيها { شرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ – الشورى 13-14 } . وهؤلاء المسلمين العاملين بالوصية فهم الذين شرح الله تعالى صدورهم للإسلام كما في قوله تعالى { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ – الزمر 22 }
ومن خرج على هذا الإسلام وتلك الولاية مصرأً متعمداً فقد شرح بالكفر صدراً إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان والولاية لله الحق قال تعالى { مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ – النحل 106 }
وبالتالي ألم نشحر لك صدرك أي ألم نشرح لك صدرك بالإسلام وولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام .
وأما :
(لك)
ومن شرح الله صدره فقد تحاكم إلى كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى {وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق – الرعد 37 }
ثم يبين تعالى رفض قريش ومن خرجوا على ولاية الله الحق إلا إذا فجر لهم العيون والأنهار والجنان ويبعث لهم ملكاَ رسولا كما في قوله تعالى { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا– ألإسراء 90-93} وهنا يقول تعالى ردا على هؤلاء المجرمين { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا – الإسراء 48}
ثم يقول تعالى أن الأمم من قبل قالت وفعلت نفس الأفعال كما في قوله تعالى { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم –فصلت 43 }
و بعد أن انتشر الإسلام بعد فتح مكة المكرمة لقوله تعالى { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما – الفتح 1-2 } يبين تعالى أنهم حاولوا قلب النظام الإسلامي القائم على الوصية والولاية لأهل بيت النبي عليهم السلام وذلك بنشر مكذوبات في مناقب الرجال والقبائل لصرف الناس عن ولاية أهل بيت النبي (عليهم السلام) قال تعالى { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون – التوبة 48} وهؤلاء منهم منافقون قال تعالى فيهم : { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا – الفتح 11}
ويتوعد الله تعالى هؤلاء بأن الله تعالى قادر على أن يذهب بالذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وآله وأول ذلك الرفع اختفاء الفهم والبيان الحقيقي لكتاب الله تعالى والذي تنزل به الملائكة وتحل به البركة والنصر على العدو ثم رضا الله تعالى والجنة وهذا أول رفع وذهاب ببعض الوحي وهو مراد الله تعالى من كتاتبه الكريم وصرفه لتأويلات لا تحقق مراد الله تعالى ولقد علم النبي لك بالوحي وعلامات الساعة وهلاك القوم لذلك قال تعالى { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا – الإسراء68} .
ثم يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله ومن أراد أن يتأسى به بقيام الليل في قوله تعالى { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا – الإسراء 79 } . وكل هذه الأحداث والتقلبات التي تمر بها أمة محمد صلى الله عليه وآله نزلت في كتاب الله تعالى بعدما شرح الله تعالى صدره وغسلته الملائكة كما سنبين :
وأما :
(صدرك)

يقول تعالى هنا { كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ – الأعراف 2 } ولكي لا يكون في صدره حرج شرح الله تعالى صدره كما في الاية هنا { ألم نشرح لك صدرك } [ أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏} ‏ قال‏:‏ شرح الله صدره للإِسلام‏.‏
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ‏ {‏ألم نشرح لك صدرك‏}‏ قال‏:‏ مليء حلماً وعلماً ‏ {‏ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك‏}‏ قال‏:‏ الذي أثقل الحمل ‏ {‏ورفعنا لك ذكرك‏} ‏ قال‏:‏ إذا ذكرتُ ذكرت معي‏.‏
وأخرج البيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن طهمان قال‏:‏ سألت سعداً عن قوله‏:‏ ‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏} ‏ فحدثني به عن قتادة عن أنس قال‏:‏ شق بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج من قلبه، فغسل في طست من ذهب، ثم ملىء إيماناً وحكمة، ثم أعيد مكانه‏.‏
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبيّ بن كعب أن أبا هريرة قال‏:‏ يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة‏؟‏ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال‏:‏ ‏ “‏لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهراً إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل‏:‏ أهو هو‏؟‏ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها في خلق قط وثياب لم أجدها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسّاً فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ أضجعه‏. فأضجعني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما‏:‏ افلق صدره فخوّى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له‏:‏ أخرج الغل والحسد‏.‏ فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له‏:‏ أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز ابهام رجلي اليمنى‏.‏ وقال‏:‏ اغدوا‏‏ سلم‏، فرجعت بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة للكبير‏‏” –الدر المنثور للسيوطي ] ؟

ثم يقول تعالى :

(2) ووضعنا عنك وزرك (2)

وهنا :

(ووضعنا عنك)

[ ووضع ضد رفع ويأت بمعنى أثبته وأوجبه ] كقوله تعالى { والسماء رقعها ووضع الميزان – الرحمن }. وقال تعالى في الكتاب إثباتاً لوجوبه للحساب { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه – الكهف 49} .
[ ويأت بمعنى : وضعه وحطه أسفل ] كقوله تعالى { حملته أمه كرهاً ووضعته كرها – الأحقاف 15}. وقال تعالى أيضاً { وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة – النور58 } .
ولأنه تعالى قال في أغلال وشدائد شرع من قبلنا {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .
أي أن رسول الله في هذا الوقت من نزول الوحي كان شديد العبادة متشدداً في حلال الله وحرامه الموروث من جدهم سيدنا إبراهيم فنزلت الآيات لوقف العمل بهذا الشرع المتشدد والموروث كبداية لنزول الوحي القرآني وفيه تيسير أكثر مما نزل في صحف سيدنا إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام كما في قوله تعالى هنا { ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك } وهنا وضع الأوزار كان بكتاب الله والذي به يحاسب العباد يوم القيامة وتوزن أعمالهم كما في قوله تعالى{ ووضع الكتاب وجيئ بالنبيين والشهداء – الزمر 69 } .
وهنا خطأ وقعت فيه الأمة بأن نسبت للنبي الذنوب حجاشا لله تعالى فورد في أكثر التفاسير ومنها الدر المنثور :
[ ‏.‏ أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏ووضعنا عنك وزرك‏} ‏ قال‏:‏ ذنبك ‏ {‏الذي أنقض ظهرك‏} ‏ قال‏:‏ أثقل‏.وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد الحضرمي ‏ {‏ووضعنا عنك وزرك‏} ‏ قال‏:‏ وغفرنا لك ذنبك‏.‏وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ في قراءة عبد الله ‏”‏وحللنا عنك وقرك‏”‏‏.‏- الدر المنثور للسيوطي ] .
وفي تفسير الطبري :
[قال قتادة والحسن والضحاك : كانت للنبي – صلى الله عليه وسلم – ذنوب أثقلته فغفرها الله له الذي أنقض ظهرك أي أثقله حتى سمع نقيضه أي صوته . وأهل اللغة يقولون : أنقض الحمل ظهر الناقة : إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل . وكذلك سمعت نقيض الرحل أي صريره . قال جميل :وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت بواني زوره أن تحطما بواني زوره : أي أصول صدره . فالوزر : الحمل الثقيل .
قال المحاسبي : يعني ثقل الوزر لو لم يعف الله عنه – الذي أنقض ظهرك أي أثقله وأوهنه . قال : وإنما وصفت ذنوب ، الأنبياء بهذا الثقل ، مع كونها مغفورة ، لشدة اهتمامهم بها ، وندمهم منها ، وتحسرهم عليها .وقال السدي : ووضعنا عنك وزرك أي وحططنا عنك ثقلك . وهي في قراءة عبد الله بن مسعود ( وحططنا عنك وقرك ) . وقيل : أي حططنا عنك ثقل آثام الجاهلية .- تفسير الطبري ] .
وهذه من الأخطاء الفاحشة في حق النبي صلى الله عليه وآله

وأما :

(وزرك)

[ الوزر : الثقل ] قال تعالى { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم – طه87 }
والأوزار أثقال وتعب شديد ونصب قال تعالى فيه { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم -محمد 4 } ولأنه قال تعالى عن وزر الإعراض عن ذكر الله تعالى { مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا – طه 100 } .
وهنا لم يكن نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله حلالاً ولا حراماً لأنه نزل بالمدينة وبالتالي الأوزار ثقل التعبد بشرع من قبلنا من صحف إبراهيم وموسى والأنبياء من قبل عليهم السلام
وعدم الإلتزام بأمر الله تعالى يعتبر وزر بمعنى ذنب يحمله العبد على ظهره يوم القيامة وهذا منزه عنه النبي مرفعوعاً عنه وعن أهل بيته عليهم السلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهر هم تطهيرا .وذلك لأن [ والوزارة من حمل الثقل واستوزره : حمله ثقل الوزارة كما في قوله تعالى { واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي } وكان الثقل بعد النبي من قال فيه صلى الله عليه وآله للإمام علي عليه السلام :[ إنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي – البخاري باب التوحيد ] .
ثم يقول تعالى :
(3) الذي أنقض ظهرك (3)
وهنا :
(الذي)
أي أنه يقول تعالى { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم – العلق } وهذه القراءة هنا لهذا القرآن بعد نزول الوحي هى التي رفعت عنه صلى الله عليه وآله وزر العبادة المتشددة وفق شرع من قبلنا وتوقف بعد نزول الوحي عنها حضرة النبي فشرح الله تعالى له صدره ووضع عنه وزره والأغلال و الأثقال التي ألزم نفسه بها ورفع ذكره كما في الآيات هنا { ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك } .
وأما :
(أنقض)
[ وأنقض ظهرك : أي أثقله حتى جعله نقض والنقض البعير المهزولة الذي أتعبه السفر والسي والعمل فنقض ظهره فيقال حينئذٍ نقض معجم ألأفاظ القرآن باب النون فصل القاف والضاد ] قال تعالى { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا – الكهف 77 } والمعنى على ذلك أن العبادة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وآله قبل نزول الوحي كادت ان نتنقض ظهره لذلك قال تعالى {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك }
فخفف الله تبارك وتعالى و ورفع عنه الإصر و الأغلال والأثقال التي كانت من قبل بالقرآن الكريم الذي قال تعالى فيه { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر -القمر} .
وأما :
(ظهرك)
[ والظهر في الجارحة خلاف البطن ] والظهر ورد في قوله تعالى { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون – طه 31 } وهذه الأثقال والأوزار رفعها الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وآله بقيامه الليل والنهار حتى أصبح يقوم الليل فقط حتى تفطرت قدماه فلما قالت له السيدة عائشة لم تفعل هذا وقد غفر الله ما تقدم وما تأخر من ذنبك فقال صلى الله عليه وآله ” ألإلاأحب أن أكون عبداً شكورا ” وهنا تخيل معي أن التخفيف كان يصلي صلى الله عليه وآله حتى تورمت قدماه فكيف كانت عبادته قبل نزول الوحي وتحنثه في غار حراء وكان التخفيف هنا بنزول القرآن الكريم الذي حدد وقت القيام أنه أدنى من ثلثي الليل ونصفه كما في سورة المدثر وذلك بعد أن كان يقوم الليل والنهار ولذك رفع الله تعالى عنه الأغلال كما بينا وكما قال تعالى هنا {ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك } .
ثم يقول تعالى :
(4) ورفعنا لك ذكرك (4)
وهنا :
(ورفعنا)
ورد في الحديث :
[أخرج الشافعي في الرسالة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ورفعنا لك ذكرك‏} ‏ قال‏:‏ لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله‏.‏وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة ‏{‏ورفعنا لك ذكرك‏}‏ قال‏:‏ رفع الله ذكره في الدنيا والأخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله‏.وأخرج سعيد بن منصور وابن عساكر وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال‏:‏ إذا ذكر الله ذكر معه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله‏.‏وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ‏{‏ورفعنا لك ذكرك‏}‏ قال‏:‏ إذا ذكرت ذكرت معي ولا تجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي‏.‏
وأخرج ابن عساكر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏ورفعنا لك ذكرك‏}‏ قال‏:‏ ألا ترى أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه‏.‏وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن ‏ {‏ورفعنا لك ذكرك‏} ‏ قال‏:‏ إذا ذكر الله ذكر رسوله‏.‏وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏ “‏أتاني جبريل فقال‏:‏ إن ربك يقول‏:‏ تدري كيف رفعت ذكرك‏؟‏ قلت‏:‏ الله أعلم‏.‏ قال‏:‏ إذا ذكرت ذكرت معي‏”‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ “‏سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته‏.‏ قلت‏:‏ أي رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليما‏ً.‏ قال‏:‏ يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويت، وضالاً فهديت، وعائلاً فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي واتخذتك خليلا‏ً؟‏‏”
‏‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ “لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب‏:‏ إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته، اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي‏؟‏ قال‏:‏ أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله‏؟‏ أن لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي‏:‏ لا حول ولا قوّة إلا بالله‏”
‏‏.‏ وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ‏{‏ورفعنا لك ذكرك‏} ‏ قال‏:‏ لا يذكر الله إلا ذكرت معه‏.‏ – الدر المنثور للسيوطي ] .
[ ورفع يرفع رفاعة : علا فهو رفيع ورفعه : أعلاه فهو رافع – معجم ألفاظ القرآن باب الراء فصل الفاء والعين ] . قال تعالى { نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم – يوسف 76 } والرفع يأت على رفع قواعد بيت الله الحرام كما في قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل – البقرة 127 }
ورفع الدرجات لكل من آمن بالله تعالى وأسلم وجهه إلى الله تعالى وتوجه إلى هذا البيت الحرام قال تعالى { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير– المجادلة 11 }
وهذه الرفعة لإيمانهم وعملهم وفق كتاب الله تعالى وهو الصحف المطهرة المرفوعة المكرمة كما في قوله تعالى {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ-مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ – عبس 11-16 } . ومن عمل بهذه الصحف المطهرة يرفعه الله تعالى في جنات قال تعالى فيها سرر مرفوعه قال تعالى فيها {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَة لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَة فُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِين ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ– الغاشية 27-40 } .
وأما :
(لك)
{ وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون – الزخرف 44 } ولما نزل الذكر على رسول الله صلى الله عليه وآله نزل قوله تعالى { ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك – الشرح }
وهنا بشره الله تعالى بأن الآخرة له ولمن آمن بالله تعالى خير لهم من الأولى وهى الدنيا وآواخر عمرها قال تعالى { و للآخرة خير لك من الأولى – الضحى } وهنا كفر من كفر من قريش قالوا { أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون – الزخرف 58}
وأما :
(ذكرك)
وذكر الله تعالى هو كتابه الكريم والذي أطلق عليه ذكر في قوله تعالى { إن هذه تذكره فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا – المزمل 19 } ومن الذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر في قوله تعالى { أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا الطلاق10-11} ثم يأتي الذكر مقترناً بالأذن الواعية وهى أذن الإمام علي كما في قوله تعالى { لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ – الحاقة 12 } وفي التفاسير [ ثنا الوليد بن مسلم، عن عليّ بن حوشب، قال: سمعت مكحولا يقول: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ثم التفت إلى عليّ، فقال: ” سأَلْتُ الله أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ”، قال عليّ رضي الله عنه : فما سمعت شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسيته.حدثني محمد بن خلف، قال: ثني بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، قال: ثني عبد الله بن رستم، قال: سمعت بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليّ: ” يا عَليُّ؛ إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وَلا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ وأنْ تَعي، وحَقٌّ على اللهِ أنْ تَعِي”، قال: فنـزلت ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ).- تفسير الطبري ] .
وبالتالي من أراد أن يرفع الله تعالى مكانته في الدنيا والآخرة فليتولى الله تعالى ورسوله ثم أهل بيته عليهم السلام كما تشير كل آيات الكتاب الكريم إلى ذلك وتؤكد عليه بين الفينة والأخرى .
وهؤلاء هم الذين سيرثهم الله تعالى الأرض كما في قوله تعالى { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ – الأنبياء 105 } . ومن نسى ذكر الله تعالى وولايته الحق فهو إلى بوار في الدنيا والآخرة قال تعالى { ولكن متعت هؤلاء وآبائهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بورا – الفرقان 18 } .
ثم يقول تعالى :
(5) فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6)
ورد في الحديث :
[ أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏فإن مع العسر يسرا‏ً} ‏ قال‏:‏ اتبع العسر يسرا‏ً.‏
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله‏:‏ {‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً‏} قال‏:‏ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال‏:‏ ‏ “‏لن يغلب عسر يسرين‏”
‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن الحسن قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏إن مع العسر يسراً‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ “‏ابشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين”
‏”‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ” بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون، علينا أبو عبيدة بن الجراح، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر، فقال بعضنا لبعض‏:‏ قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألتموه أن يزوّدكم، فرجعنا إليه، فقال‏: إني قد عرفت الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه‏.‏ فانصرفنا، ونزلت ‏{‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا‏ً} ‏ فأرسل نبي الله إلى بعضنا، فدعاه، فقال‏: أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ ‏ {‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً‏} ‏ وإن يغلب عسر يسرين‏”
‏‏.‏ وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر، فقال‏:‏ ‏ “‏لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله ‏ {‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا‏ً} ‏ ولفظ الطبراني‏:‏ وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً‏}‏ ‏‏”
‏‏. وأخرج ابن النجار من طريق حميد بن حماد عن عائذ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً ببقيع الفرقد، فنزل إلى حائط فقال‏:‏ ‏ “‏يا معشر من حضر والله لو كانت العسر جاءت تدخل الحجر لجاءت اليسر حتى تخرجها، فأنزل الله ‏ {‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا‏ً}‏ ‏”
‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ “‏لوكان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏إن مع العسر يسراً‏} ‏” .
‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال‏:‏ لو كان العسر في حجر لتبعه اليسر حتى يدخل عليه ليخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول‏:‏ ‏ {‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا‏ً}‏ ‏.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال‏:‏ خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً، وهو يضحك ويقول‏:‏ ‏ “‏لن يغلب عسر يسرين ‏{‏فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً‏}‏” – الدر المنثور للسيوطي ] .
[ أنس بن مالك يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله جحر ، فقال : ” لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ” ، فأنزل الله عز وجل : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) … عن قتادة : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال : ” لن يغلب عسر يسرين ” . ومعنى هذا : أن العسر معرف في الحالين ، فهو مفرد ، واليسر منكر فتعدد ; ولهذا قال : ” لن يغلب عسر يسرين ” ، يعني قوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد . وقال الحسن بن سفيان : حدثنا يزيد بن صالح ، حدثنا خارجة ، عن عباد بن كثير ، عن أبي الزناد ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” نزل المعونة من السماء على قدر المؤونة ، ونزل الصبر على قدر المصيبة ” . – تفسير بن كثير ] .

والتكرار هنا مرتين لأن عسر أمة محمد يكون مرتين الأولى في زمن النبي صلى الله عليه وآله والثانية في آخر الزمان بعد هلاك عدوهم من بني إسرائيل كما قال تعالى { فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد – الإسراء }
والثاني قال تعالى فيه { فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا – الإسراء 104}
وعذ عذاب قريش أول الزمان وآخره قال تعالى { سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم – التوبة }
والوعد لكلاهما بالسيف لقوله تعالى{ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد –آل عمران } .
والوعد الآخر سيكون بالنار والدمار وتسوية ماعلى الأرض بها قال تعالى في صهيانة بني إسرائيل { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا- الإسراء } وفي هذا الوعد نار تحرق وجوهمم فنطمسها وتجعلها كأقفيتهم كما في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا – النساء 47 }
وعن قريش الآخرة قال تعالى فيها { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود – فصلت } وهذا وعد مازال لم ينزل عليهم بكفرهم وحربهم لله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام في كل زمان ومكان يحاربونهم بالسيف واللسان . حتى [ يقول صلى الله عليه وآله من علامات الساعة أن يعير المؤمن بإيمانه كما تعير الزانية بزناها .. الحديث ] وهنا يكون فرج أمة محمد بهلاك الظالمين .
قال تعالى في نزول النصرة بعد البلاء الشديد من جراء وقوع الأمة في المعاصي { لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ – التوبة 117}
والعسر [ عَسُرَ، يَعْسُرُ، مصدر عُسْرٌ، عُسُرٌ، عَسَارَةٌ عسُر الأمرُ: اشتدَّ وصَعُب، عكْس يَسُرَ ] قال تعالى { سيجعل الله بعد عسر يسرا – الطلاق ] . والتيسير يكون لقراءة القرآن الكريم كما في قوله تعالى { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا – مريم 97 } وقال تعالى { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر – القمر } ومن أراد تيسير الأمور فعليه بالصلاة وتلاوة القرآن ومن كذب وترك العمل بما أنزل الله تعالى وبخل فسييسره للعسرى بالدنيا والآخرة ولذلك يقول تعالى { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ – الليل 5-11 } . وهؤلاء الذين لم يؤمنوا بخلوا بأموالهم على الفقراء والمساكين وأصحاب النصاب المأمور بهم في كتاب الله سيلاقون يوماَ عسيراً قال تعالى فيه { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا – الفرقان 26}
ثم يقول تعالى :

(6) فإذا فرغت فانصب (6)
وهنا :
يقول الطبري في تفسيره : [ عن ابن عباس: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله ، وارغب إليه، وانصب له. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصب وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( فَإِذَا فَرَغْتَ ) من صلاتك ( فَانْصَبْ ) في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ( فَإِذَا فَرَغْتَ ) من جهاد عدوّك ( فَانْصَبْ ) في عبادة ربك. – تفسير الطبري ] .
وورد في تفسير الدر المنثور :
[ أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين‏.‏أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا فرغت فانصب‏} ‏ الآية قال‏:‏ إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله وراغب إليه‏.‏
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا فرغت فانصب‏}‏ الآية، قال‏:‏ قال الله لرسوله‏:‏ إذا فرغت من صلاتك وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك‏.‏
وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود ‏ {‏فإذا فرغت فانصب‏} ‏ إلى الدعاء ‏{‏وإلى ربك فارغب‏} في المسألة‏.‏
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال‏:‏ كان ابن مسعود يقول‏:‏ أيما رجل أحدث في آخر صلاته، فقد تمت صلاته، وذلك قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا فرغت فانصب‏} ‏ قال‏:‏ فراغك من الركوع والسجود ‏ {‏وإلى ربك فارغب‏}‏ قال‏:‏ في المسألة وأنت جالس‏.‏
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ‏ {‏فإذا فرغت فانصب‏}‏ قال‏:‏ إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل‏.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏فإذا فرغت فانصب‏} ‏ قال‏:‏ إذا جلست فاجتهد في الدعاء والمسألة‏.‏
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا فرغت فانصب‏}‏ قال‏:‏ إذا فرغت من أسباب نفسك فصل ‏{‏وإلى ربك فارغب‏}‏ قال‏:‏ اجعل رغبتك إلى ربك‏.‏وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏فإذا فرغت فانصب‏} ‏ قال‏:‏ إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء‏.‏
وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن الضحاك ‏{‏فإذا فرغت‏}‏ قال‏:‏ من الصلاة المكتوبة ‏ {‏وإلى ربك فارغب‏} ‏ قال‏:‏ في المسألة والدعاء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب‏}‏ قال‏:‏ أمره إذا فرغ من الصلاة أن يرغب في الدعاء إلى ربه، وقال الحسن‏:‏ أمره إذا فرغ من غزوه أن يجتهد في العبادة‏.‏وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ‏{‏فإذا فرغت فانصب‏} ‏ قال‏:‏ إذا فرغت من الجهاد فتعبد‏ – الدر المنثور ] وفي تفسير البرهان :
[- علي بن إبراهيم، في معنى السورة: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } قال: بعلي، فجعلناه وصيك، قال: حين فتحت مكة، و دخلت قريش في الإسلام، شرح الله صدره و يسره، { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } قال: ثقل الحرب { ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ } أي أثقل ظهرك { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ، قال: تذكر إذا ذكرت، و هو قول الناس: أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله…
– عبد الله بن جعفر الحميري: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، قال: سمعت جعفرا [يقول: ” كان أبي (رضي الله عنه)] يقول في قوله تبارك و تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ }: فإذا قضيت الصلاة قبل أن تسلم و أنت جالس، فانصب في الدعاء من أمر الدنيا و الآخرة، و إذا فرغت من الدعاء فارغب إلى الله تبارك و تعالى [أن يتقبلها منك] “.
– الطبرسي: معناه: فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء، و ارغب إليه في المسألة يعطيك. قال: و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) – البرهان للسيد هاشم البحراني ] (فإذا فرغت)
[ الفرغ : الأرض المجدبة وفرغ الدلو : خرقه الذي يفرغ الماء أي سعته والفريغ : العريض فالفراغ خلى من الشغل وفراغاً وفروغاً : خلا من الشغل والوصف فارغ وتفرغ : توفر عليه وعمد إليه – معجم ألفاظ القرآن باب الفاء فصل الراء والغين ] .
قال تعالى { ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين – الأعراف 126 } أي [ ربنا أَفِضْ علينا صبرًا عظيمًا وثباتا عليه, وتوفَّنا منقادين لأمرك متبعين رسولك – التفسير الميسر ] . والفراغ هنا من عباده قال تعالى { سنفرغ لكم ايها الثقلان – الرحمن 31 }
والفراغ يأتي بعد معارك كما في قوله تعالى { وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ – البقرة 250 } ويأت أيضاً مع ذو القرنين في قوله تعالى { آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا – الكهف 96} وهنا كأنه يقول تعالى لهم إن فرغتم من العبادات فانصبوا في دنياكم إلى المعاملات وشغلكم وفق ما أمر الله تعالى وحددته شريعتكم الإسلامية من صدق وأمانه وذكر أو تسبيح أو سفر وضرباً في الأرض .
وأما :
(فانصب)
[ ونصب الشيئ ينصبه نصباً : رفعه وأقامه حتى كان شاخصاً ماثلاً بارزاً قال تعالى { أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت – الغاشية } [ونصب ينصب نصبا وهى ناصبة : أعيا وتعب من العناء والعمل – معجم ألفاظ القرآن باب النون فصل الصاد والباء ] قال تعالى { فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا – الكهف 62 }
والنصب تعب وجد وعمل وشقاء لذلك يقول تعالى عن أهل الجنة { لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين – الحجر 48 } وسيقول أهل الجنة {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنل لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب – فاطر 34-35 }
وعن جهاد النبي صلى الله عليه وآله وصحابته الكرتم وتعبهم في سبيل الله كما جاهد طالوت وذو القرنين قال تعالى { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين – التوبة 120 } . وبالتالي فإذا فرغت أي إذا فرغت من عبادتك توجه للجهاد الأكبر والجهاد الأصغر قال صلى الله عليه وآله
والنصب بضم النون التعب الشديد قال تعالى { واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب – ص 41 } وهذا التعب في الحياة الدنيا لقوله تعالى إلى آدم عليه السلام إذا خرج فيا لجنة فسيكابد في الدنيا ويصيبه النصب قال تعالى { إن لك فيها ألا تجوع ولا تعرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى – طه 15-16 }. وبالتالي المعنى إذا فرغت من عباداتك فانصب إلى دنياك ومعاملاتك وفق ما أمر الله تعالى .
ثم يقول تعالى :
(8) وإلى ربك فارغب (8)
وهنا:
(وإلى ربك)
أي أنه يقول تعالى { إن إلى ربك الرجعى } فإن آمنت وصدقت أن مرجعك إلى الله تعالى فكم إلى الله تعالى راغباً كما في الآية هنا { وإلى ربك فارغب } .
وأما :
(فارغب)
[رغب في الشيئ يرغب رغباً ورغبة : أراده وحرص عليه – معجم الفاظ القرآن باب الحاء فصل الراء والصاد ] .قال تعالى { إنا إلى الله راغبون – التوبة 59 } أي متوجهون ضارعون سائلون حريصون والله تعالى هو العمل بكتاب الله تعالى وفق ما أمر وهو قائم على ملة إبراهيم حنيفاً كما في قوله تعالى
{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ – البقة 130} أي وما كان لمؤمن أن يزهد ويصرف رغبته عن ملة إبراهيم القائمة على الميل عن الشرك و طاعة أهله و الوصية الإبراهيمية ومن يرغب عنها فهو السفيه وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ان يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين – التوبة 120 } ومن رغب في طاعة الله ورسوله فليعمل بالأعمال الصالحة كما أمر الله تعالى ورسوله وكانت أنبياء الله تعالى ورسله على ذلك النهج القويم كما في قوله تعالى عنهم عليهم صلوات الله وسلامه { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين- الأنبياء 90} وبالتالي { وإلى ربك فارغب } أي كن حريصاً على طاعة الله تعالى ورسوله وولاية أهل بيته عليهم السلام من بعده .
أنتهى العمل من هذه
السورة الكريمة في 23 رمضان سنة 1420هـ الموافق 31 ديسمبر سنة 1999م
هذا وبالله التوفيق وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
أهـ

.

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

المجلد (1) من تفسير البينة (النبأ العظيم)

الملف بصيغة PDF : الجزء الأول الفهرست المقدمة : 1- سورة العلق 2- سورة القلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *