وقالت الصحيفة، في تقرير لها، إن “البرهان” لدى عودته مؤخرا للبلاد من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعند هبوطه في المطار كان في استقباله “حميدتي” بابتسامة على وجهه ذي المظهر الطفولي البريء حيث صافحه بحرارة.

وأوضحت أن هذا اللقاء صمم بعناية لإظهار الوحدة بين القائدين، وسط حديث عن تنافس ضارٍ بينهما، وشائعات عن الفتنة.

يبدو مستقبل الحكم في السودان غير مؤكد على نحو متزايد، ولقد ترك فراغا في السلطة سمح للقوة شبه العسكرية بقيادة “حميدتي”، المعروفة باسم “قوات الدعم السريع”، بتولي دور متزايد.

وبصفتهما القادة الرسميين للجيش السوداني وأكبر قوة شبه عسكرية، كان من المفترض أن يشرف “البرهان” و”حميدتي” على الانتقال الديمقراطي بعد الإطاحة بالرئيس السابق “عمر البشير” بعد ثلاثة عقود في السلطة في انتفاضة شعبية عام 2019.

ولكن في 25 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، قبل أسابيع من التنحي المفترض لـ”البرهان” عن رئاسة المجلس الانتقالي، قاد الأخير انقلابا عسكريا، وأطاح بالنصف المدني من مجلس السيادة الحاكم في السودان. وآنذاك، دعمه “حميدتي”؛ حيث ساعدت قواته في اعتقال العشرات من المسؤولين المدنيين والسياسيين.

 

 

حميدتي يسعى لتجميل صورته

ومع تردي الأوضاع وتضاؤل التأييد الشعبي للجيش، تسعى قوات الدعم السريع، المعروفة بحملات الأرض المحروقة في نزاع دارفور، إلى تصوير نفسها على أنها قوات حفظ سلام بديلة، تستطيع أن تكون فعالة، خاصةً في مناطق البلاد الوعرة والنائية مثل دارفور.

ويحاول “حميدتي” تصحيح الصورة العامة لقواته، عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تقدم المجموعة نفسها الآن كوسيط في النزاعات القبلية، ومُشارك في مشاريع التنمية.

لكن العديد من السودانيين لا يزالون يخشون “قوات الدعم السريع” بسبب أساليبها العنيفة؛ حيث تورطت في مقتل أكثر من 100 محتج، عندما فضت اعتصاما في يونيو/حزيران 2019.

إلى ذلك، قال اثنان من العاملين الحقوقيين السودانيين، الذين يتبعون القوات شبه العسكرية، إن حجم “قوات الدعم السريع” تضاعف خلال السنوات الثلاث الماضية إلى ما لا يقل عن 100 ألف مقاتل، وهو ما يجعلها قريبة في الحجم من قوات الجيش (البالغ عددها نحو 109 آلاف جندي)، وقد يعني ذلك غالبا أنها قد تفوق القوات البرية السودانية في الحجم.

وفي عام 2019، كانت التقديرات تشير إلى أن عدد “قوات الدعم السريع” تبلغ نحو 40 ألفا.

وأضاف الحقوقيان أن قوات الدعم السريع اشترت أسلحة عالية التقنية، علما أن المجموعة لا تنشر أرقام الموظفين الرسمية، حسبما نقلت عنهما صحيفة “واشنطن بوست”.

ومع هذه القدرات المتزايدة، يقول الباحثون الحقوقيون إن القوات شبه العسكرية تمكنت من ترسيخ سيطرتها على الحدود الغربية والشمالية، المليئة بالثغرات في السودان؛ ما سمح لها بالاستفادة من تهريب الأسلحة والمخدرات والمهاجرين مع تقلص نفوذ الجيش.

 

 

مصادر تمويل مجهولة

وهناك تساؤلات حول مصادر تمويل “قوات الدعم السريع”، بالإضافة إلى أموال الدولة التي تتلقاها.

وقال مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة، وهو مركز أبحاث، في تقرير صدر في يونيو/حزيران، إن المجموعة جمعت ثروة من خلال الاستحواذ التدريجي على المؤسسات المالية السودانية واحتياطيات الذهب، وبعضها تحت أسماء أقارب “دقلو”.

ونُشِرَت “قوات الدعم السريع” في اليمن للقتال نيابة عن التحالف الذي تقوده السعودية في الحرب مع المتمردين الحوثيين.

ويقول “أليكس دي وال”، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمية في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس في الولايات المتحدة، في مقال كتبه لـ”بي بي سي”، إن “حميدتي من خلال الذهب ونشاط المرتزقة المعتمد رسميا، أصبح يتحكم بأكبر “ميزانية سياسية” للسودان، أموال يمكن إنفاقها على الأمن الخاص، أو أي نشاط، دون أي مساءلة”.

على الجانب الآخر، فإن الجيش السوداني الذي يعتمد على الميزانية الرسمية يواجه في الأغلب ضائقة مالية، في ظل تدهور أوضاع اقتصاد البلاد.

 

 

وعود غامضة بتسليم السلطة للمدنيين

“البرهان” و”حميدتي” كلاهما يخرج إلى الساحة الدولية، لقد أجروا بشكل منفصل سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية المستقلة، في القاهرة والكرملين وأبوظبي، لكنهم يؤكدون أنه ليس لديهم مصلحة في الترشح في الانتخابات المستقبلية.

وتحت ضغط دولي هائل، أحرزت المحادثات الأخيرة بين الجيش والقوى المؤيدة للديمقراطية بعض التقدم، لكن هذا يمكن قلبه في أي لحظة؛ حيث يحتفظ “البرهان” و”حميدتي” بأدوار غامضة لكنها مسيطرة.

كانت تعهداتهما المنفصلة لتسهيل الديمقراطية تفتقر إلى التفاصيل، وغالبا ما تتعارض حول القضايا الرئيسية. ومن بين أوجه عدم اليقين، ما هي الصلاحيات التي سيحتفظ بها هؤلاء القادة العسكريون في ظل الحكم المدني، وما إذا كانت “قوات الدعم السريع” ستندمج مع الجيش السوداني الذي يقوده “البرهان”، وهو شرط أساسي لاتفاق سلام عام 2020، يهدف إلى إنهاء عقود من القتال في دارفور.

 

 

جذور الخلاف

وتكمن بداية الصراع على السلطة في إرث “البشير”؛ فقد كان الجنرالان متورطين بشدة في حملاته العسكرية في دارفور، التي تفيد تقارير غربية بأنها قتلت حوالي 300 ألف شخص خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حسب تقديرات جماعات حقوق الإنسان.

وتدرب “البرهان”، وهو من قدامى المحاربين العسكريين في القوات المسلحة السودانية، كضابط في مصر.

بينما قاد “حميدتي”، وهو تاجر جمال سابق في دارفور، ميليشيات الجنجويد سيئة السمعة، وقاد هجمات مدمرة ضد الجماعات المتمردة الإفريقية في دارفور في عام 2003.

ويُتَّهَم الجنجويد بالاغتصاب الجماعي وقتل المدنيين من قبل الأمم المتحدة والجماعات الحقوقية.

وفي محاولة لاحتواء القوة المقاتلة واستخدامها بشكل أفضل، جند “البشير” في النهاية الجنجويد في “قوات الدعم السريع” عام 2013، وشرعهم ونصّب “حميدتي” كقائد مستقل.

وعلى عكس “البشير”، لم تدن المحكمة الجنائية الدولية “البرهان” أو “دقلو” بارتكاب جرائم حرب في ذلك الصراع.

 

 

والعلاقة بين “حميدتي” و”البرهان” مركبة، حيث تعود إلى فترة قبل عزل “البشير”، إذ يقول “المنتصر أحمد”، وهو ناشط سوداني، لموقع “DW” العربي، إنها علاقة ترجع إلى فترة تأسيس “الجنجويد” عام 2003، ونمت بعدها علاقة “تحكمها المصالح المشتركة والتاريخ الدموي”.

واستطاع الرجلان القادمان من ذوي الخلفيات المختلفة تماماً الإطاحة بطابور طويل من الجنرالات الأعلى رتبة ومقاماً، في مقدمتهم وزير الدفاع السوداني في عهد النظام السابق “عوض بن عوف”، الذي أشرف على عزل “البشير”.

ومن الواضح أن “حميدتي” و”البرهان” استغلا علاقتهما الإقليمية وقلق القوى الثورية السودانية، من الضباط الإسلاميين للوصول للسلطة.

وبعد ذلك بدت تصريحات “حميدتي” دوما مكملة ومؤيدة لتصريحات “البرهان”، ولكن هناك حديث عن خلافات مستترة بين الرجلين وصلت إلى قيام الجيش و”قوات الدعم السريع” بعمليات تحصين متبادلة لمواقعهما خوفا من أي مواجهة محتملة.

ويقول مسؤولون أمريكيون إن “حميدتي” و”البرهان” كان لهما تحالف ضعيف وخصومة محتدمة في المجلس العسكري.

ويتمتع “البرهان” بعلاقات وثيقة مع الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي”، في حين أن “حميدتي” يتمتع بعلاقات أوثق مع المسؤولين في الإمارات والسعودية، وجميع الدول ذات المصالح الخاصة في السودان.

 

 

وعلى عكس جنرالات الجيش، بمن فيهم “البرهان”، الذين تكون علاقتهم بجنودهم مهنية بالأساس، فإن “حميدتي” يحتفظ بولاء قوات الدعم السريع ما دام قادرا على دفع رواتبهم، ومن المعروف أنه يعتقد أنه من أغنى الرجال في السودان بفضل سيطرته على تهريب وتجارة الذهب في السودان، ولاسيما في دارفور.

كما أن الرجل وطَّد علاقته بفصائل وشخصيات من متمردي دارفور، الذين كان يحاربهم يوماً ما، وأصبح يقدم نفسه كممثل للغرب السوداني المهمش.

وفي مرات عدة، نفت بيانات للجيش و”قوات الدعم السريع” وجود توتر بينهما، ويقول مصدر عسكري في تقرير سابق لـ”الجزيرة.نت” إن المنافسة بين الجيش والدعم السريع ترتبط بصراع نفوذ شخصي بين “حميدتي” و”البرهان”، وكل من الرجلين لديه حلفاؤه.

ويقول المصدر إنه من غير المتوقع حدوث نزاع مسلح بين قوات الجيش والدعم السريع، لكن إذا وقع فإن نتائجه ستكون كارثية.

وأوضح أن الجيش لن يستطيع حسم المواجهة مع قوات “حميدتي” سريعا في حال نشوب قتال بينهما؛ لأن “حميدتي” نسج تحالفات مع الحركات المسلحة، وبدأ يرسل إشارات لإعادة إنتاج الصراع التاريخي بين أولاد البحر “النيل” والغرب.

 

 

وتابع المصدر أن مسألة القضاء عسكريا على جهة ما أصبحت من الماضي؛ لأن الحرب يمكن أن تحدد بدايتها لكن لن تقدر أن تحدد متى تنتهي.

وقد يكون “البرهان” متخوفا من أن يكرر معه “حميدتي” ما فعله مع “البشير”، الذي رفع “حميدتي” من تاجر إبل مسلح يقود ميليشيات قبلية شبه خارجة عن القانون إلى جنرال مرموق، حتى يُقال إن “البشير” كان يدلله بـ”حمايتي”، على وزن “حميدتي”، بمعنى “الذي يحميني”، خاصة بعد دوره في إفشال هجوم متمردي دارفور المفاجئ على أم درمان، وبعد أن تمرد “حميدتي” على عمه زعيم الجنجويد “موسى هلال”.

وجعل “البشير” قوات الدعم السريع مستقلة عن الجيش، أو بالأحرى أصبحت مفضلة عن الجيش، ولكن “حميدتي” كان من أوائل من انقلبوا على “البشير”، ثم فعل الأمر ذاته مع وزير دفاعه “عوض بن عوف”.

في الأشهر الأخيرة، في محاولة لكبح نفوذ “قوات الدعم السريع”، عمل “البرهان” على إعادة أنصاره، الذين كانوا في الغالب من الإسلاميين الذين شغلوا مناصب في عهد “البشير”، إلى الحكومة.

ولكن في الأغلب فإن هذا قد يُغضب رعاة “البرهان” الخارجيين في الدول العربية، إضافة إلى أنه قد يؤدي إلى رد فعل معاكس من القوى اليسارية التي تقود التظاهرات، خاصة أن أحد أهدافها الرئيسية إقصاء الإسلاميين من المشهد.

وقد يدفع ذلك القوى اليسارية للتحالف مع “حميدتي”، والذي قد يسعى بدوره لتقديم نفسه كمخلص جديد للسودان.

المصدر | الخليج الجديد + وكالات