“تسارع مطرد لتجديد العلاقات التاريخية بعد فترة طويلة من النسيان”.. بهذه الكلمات وصف الزميل في مؤسسة أبحاث “أوبزرفر” الهندية “كبير تانيجا”، خلفيات زيارة “سوبرامنيام جايشانكار” الأخيرة إلى مصر، مشيرا إلى أنها كانت أول زيارة لوزير خارجية هندي إلى القاهرة منذ 7 سنوات.

وذكر “تانيجا”، في تحليل نشره بموقع “أوراسيا ريفيو”، أن إجراء البلدين تدريبات عسكرية مشتركة خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين ساهم في “مشاركة سياسية على أعلى مستوى، لافتا إلى “تشابه تكوين القوات الجوية في كلا البلدين”.

وأوضح أن هذا التشابه يعكس فترة مهمة من تاريخ مصر والهند، حيث كانتا من الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، تحت قيادة رئيس وزراء الهندي الأسبق “جواهر لال نهرو”، والرئيس المصري الأسبق “جمال عبدالناصر”.

ويشير “تانيجا” إلى أن أسطول الطائرات المقاتلة التابعة لسلاحي الجو الهندي والمصري يتكون من “خليط مستورد” من مجموعة متنوعة من الموردين مثل روسيا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها.

وأضاف: “مثل دلهي، اشترت القاهرة 46 طائرة مقاتلة من طراز ميج-9″ من موسكو عام 2015، وكانت تلك الصفقة بمثابة رسالة إلى واشنطن، التي امتنعت عن بيع طائرات إف-5″ لمصر على خلفية سجل حقوق الإنسان في البلاد. وكان لمصر أيضًا ترتيب إضافي لشراء طائرات سوخوي-35 الروسية، لكن الاعتبارات الجيوسياسية الأخيرة ألغت الصفقة بعدما اشتعل التصعيد بين موسكو والغرب حتى قبل حرب أوكرانيا”.

لكن الاعتماد على الاستيراد لم يكن هو حال سلاح الجو في الهند ومصر دائمًا، ففي الستينات من القرن الماضي ، شرعت كل من القاهرة ونيودلهي في برامج محلية لبناء طائرات مقاتلة محلية، ليتم التخطيط لمشروع إنتاج طائرات “هال ماروت” في الهند و”حلوان HA-300″ في مصر.

 

 

وفي هذا الإطار، سعت الهند إلى تمويل تطوير محركات HA-300، ومع ذلك، واجه تنفيذ البرنامج اضطرابًا بسبب ارتباطاته الأوروبية، حيث كان تصميم المحركات في ألمانيا وتصنيعها في بيطانيا.

ويشير “تانيجا” إلى أن هذه الحقبة مثلت “ذروة العلاقات بين الهند ومصر، والتي استمرت حتى الثمانينات”، ومنذ ذلك الحين، اختلفت الأجندات الإقليمية والمحلية بين الدولتين.

لكن جائحة كورونا، والدمار الذي تسبب فيه بجميع أنحاء العالم، كانت بمثابة حافز لاستعادة العديد من العلاقات الثنائية المجمدة، خاصة “بعدما رسخت دبلوماسية اللقاح القبلية في النظام الدولي، مع سعي الغرب لتخزين اللقاحات وتخلف بلدان الجنوب عن الركب”، بحسب الزميل بمؤسسة “أوبزرفر”.

وخلال أسوأ مراحل موجة المتحور “دلتا” عن فيروس “كورونا” المستجد  في الهند عام 2021، كانت مصر واحدة من الدول التي أرسلت الإمدادات الطبيية إلى دلهي.

ولذا يشير “تانيجا” إلى أن إحياء العلاقات بين البلدين يقوم على مقومات جيوسياسية متعددة، لافتا إلى أن مصر تمر بأزمة اقتصادية “تتطلب ضخ رأس المال بشكل عاجل لتجنب أي ضائقة طويلة الأجل”.

وأوضح: “بعد الربيع العربي، الذي كان مدعومًا بغضب الناس من الفقر الاقتصادي والمحسوبية والفساد، لا يريد الرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) حشود أخرى في ميدان تحرير”، مشيرا إلى أن ذلك بدا واضحا في تعليق “السيسي” لوزير الخارجية الهندي، خلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة، حيث اعتبر أن حجم التجارة بين البلدين، البالغ 7 مليارات دولار، “ليس كافيا”.

وهنا يشير الباحث بمؤسسة “أوبزرفر” إلى تأثير الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد المصري، وتسببها في أزمة سلع، وتحديداً في قطاع الزراعة، ما دفع القاهرة لإيجاد بدائل لواردات القمح المهمة في دول من بينها الهند.

ومن الناحية الأمنية، يعد التواصل مع مصر، من وجهة نظر دلهي،  جزءًا من بناء الهندسة الأمنية للهند في غرب آسيا، ولا سيما الخليج، عبر قيادة علاقات نيودلهي الممتازة مع الإمارات العربية المتحدة، التي يصفها “تانيجا” بأنها “أقوى زعيم في المنطقة اليوم”.

وأشار إلى أن عملية (سانكالب Sankalp)، التي رافقت فيها البحرية الهندية ناقلات النفط عبر مضيق هرمز مع تصاعد التوترات بين السعودية وإيران كانت مثالًا جيدًا على انتقال الهند لضمان مصالحها الأمنية في المنطقة، عبر الانتقال من المشاركة في عمليات مكافحة القرصنة إلى حماية الأصول الاقتصادية بشكل مباشر.

ومع تصاعد المخاطر بشأن أمن الطاقة في المنطقة مدى السنوات القليلة المقبلة، تتعزز أهمية التدريبات العسكرية المشتركة بين الهند ومصر، لكن “تانيجا” يرى أن استعادة كامل العلاقات التاريخية بين البلدين ستتطلب وقتًا لتؤدي إلى موقف استراتيجي أكثر صلابة.

المصدر | أوراسيا ريفيو – ترجمة وتحرير الخليج الجديد