مقدمة وفهارس كتاب ” اليقين “

بقلم :

خالد محيي الدين الحليبي 

اليقين

( سر الكون الأعظم)

(السر الأعظم لحركة الإنسان بين العوالم والاكوان)

{ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين }

مقدمة :

اليقين يعني الحقيقة التي يجانبها الشك والشبهة و : [ يقن الأمر ييقن يقنا : ثبت ووضح والوصف و يقين : يقال اليقين للعلم الذي انتفت به الشكوك والشبه و يقال خبر يقين : لا شك فيه ويقال للموت اليقين لأنه لا يمتري فيه أحد – معجم الفاظ القرآن باب الياء فصل القاف والنون ] .

[ قال المحققون: اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد ، وفيه تفاضل العارفون ، وتنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون . وإذا اجتمع الصبر باليقين ولد بينهما حصول الإمامة في الدين، قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون- السجدة:24} . وخص تعالى أهل اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، قال سبحانه وهو أصدق القائلين : {وفي الأرض آيات للموقنين  – الذاريات:20) }.

وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين، فقال: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون – البقرة:4-5) } . وأخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين، فقال:   { وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين  – الجاثية 32) }

ومادة (يَقَن) ومشتقاتها وردت في القرآن في ثمانية وعشرين موضعاً  جاءت بصيغة الفعل في أربعة عشر موضعاً، من ذلك قوله سبحانه: {وبالآخرة هم يوقنون- البقرة:4}  وجاءت بصيغة الاسم في أربعة عشر موضعاً كذلك، من ذلك قوله عز وجل: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين – الحجر:99}.

ومادة (يَقَن) ومشتقاتها وردت في القرآن على أربعة معان، هي:

الأول: اليقين بمعنى الصدق والتصديق، من ذلك ما حكاه القرآن على لسان ملكة سبأ : {وجئتك من سبإ بنبإ يقين} (النمل:22) يعني بخبر صِدْق. ومنه أيضاً قول الحق تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون – البقرة:4}  يعني يصدقون بوجود الآخرة والبعث. وأكثر ما ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم وفق هذا المعنى.

الثاني: اليقين بمعنى الموت، ورد في موضعين من القرآن: الأول: قوله عز وجل: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين –  الحجر:99}  أي: ابقَ ملازماً لعبادة ربك إلى أن يأتي أجلك. الموضع الثاني: قوله سبحانه: {حتى أتانا اليقين-  المدثر:47}  يعني الموت.

الثالث: اليقين بمعنى العِيان والمشاهدة، جاء على هذا المعنى قوله سبحانه: { كلا لو تعلمون علم اليقين التكاثر:5 }  (يعني علم العِيان والمشاهدة. ونحوه قوله عز وجل: {ثم لترونها عين اليقين  – التكاثر:7}  أي : عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقيناً، لا تغيب عن عينك.

الرابع: اليقين بمعنى العلم، من ذلك قوله تعالى في حق نبيه عيسى عليه السلام: { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا – النساء:157 }

المعنى كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما قتلوا ظنهم يقيناً، كقولك: قتلته علماً، إذا علمته علماً تامًّا، فـ (الهاء{قتلوه} عائدة على {الظن}. قال أبو عبيد: ولو كان المعنى: وما قتلوا عيسى يقيناً لقال: وما قتلوه فقط.

وقوله سبحانه: { وفي الأرض آيات للموقنين- الذاريات:20   } قال الطبري: ” وفي الأرض عِبَرٌ وعظات لأهل اليقين بحقيقة ما عاينوا ورأوا إذا ساروا فيها”. وقال القرطبي: “(الموقنون) هم العارفون المحققون وحدانية ربهم، وصدق نبوة نبيهم”.

ومجمل القول، أن لفظ (يَقَن) بمشتقاته أكثر ما ورد في القرآن الكريم بمعنى (الصدق والتصديق)، وورد في مواضع قليلة بمعنى (المعاينة والمشاهدة)، وورد في موضعين فقط بمعنى (الموت)، وورد بمعنى (العلم) – موقع إسلام ويب ] .

تفاصيل :

واليقين له علم في كتاب الله تعالى وله عين في جسد بني آدم ينظرون بها و بصر في أنفسهم يرون به الأمور على حقيقتها في الدنيا وفي الآخرة من بعد الموت يرون الحقائق والمغيبات وما وعدهم الله تعالى به عين اليقين قال تعالى :  { كلا لو تعلمون علم اليقين لتروون الجحيم ثم لترونها  عين اليقين ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم – التكاثر } وهذا هو حق القين الذي قال تعالى فيه : {  فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ – الواقعة 88-96 } .

واليقين يكون في كل ما هو قادم من بعد الموت من عالم الغيب وما هو مخفي عن أجسامنا في الدنيا ومحجوب عن عقولنا لبعد المسافة الزمنية بيننا و بين عصور الأنبياء و أئمة أهل البيت عليهم السلام وقرب قيام الساعة وفقدان كثير من العلم لأسباب عديدة حتى أصبح الإيمان بالغيب كلمات فقط بعيدة عن فهم تفاصيل ماحدث لبني آدم قبل الهبوط من الجنة وما سيحدث لهم بعد الموت وهذا هو الإيمان بالغيب وفيه اليقين بما عند الله قال تعالى  { وبالآخرة هم يوقنون – البقرة 4 }

ولكي يصل العبد إلى اليقين بالله تعالى عليه التفكر في خلق السماوات والأرض وحركتهما الدائبة وأنه حتما لهما من محرك و يوما ما سيلاقي ابن آدم هذا الخالق ليحاسبه عن أعماله التي عملها في الدنيا إن خيراً فخير وإن شراً ومن أراد اليقين في الله تعالى فليتفكر في خلق السماوات والأرض قال تعالى فيما فعله نبي الله إبراهيم عليه السلام لما نظر في خلق الشمس والقمر ووجدهما يختفيان والخالق لا يغيب عن ما خلق قال تعالى هنا

 { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ  فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ  – الانعام 75-79 } ,

 وقال تعالى لذلك لبقية الخلق في دعوة لهم للتفكر  { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ – الرعد 2 }

ومن أراد لقاء الله تعالى فليعمل بحكمه الذي نزل في كتب الله السماوية وخاتمها القرآن الكريم  ليكون من الموقنين قال تعالى في القرآن الكريم خاتم الكتب السماوية والذي نزل على خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)  { هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ  – الجاثية 20 } ومن ترك العمل بكتاب الله تعالى فهو في جاهلية وعدم يقين بالله لقوله تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ – المائدة 50 } .

وهذا اليقين فيما عند الله تعالى والدار الآخرة  { وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ – السجده 12 } . وبداية هذا اليقين على ذلك تبدأ بالغرغرة والموت لذلك يقول تعالى مبيناً أن الموت بداية اليقين في قوله تعالى { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } وما بعد الموت هو اليقين الذي سيعاينه كل بني آدم لقولهم عند الحساب { وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين – المدثر 46-47 }

وهذا اليقين بالله تعالى والدار الآخرة كان يعلمه أمير المؤمنين علي عليه السلام حتى أنه قال في تفسير قوله تعالى { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ – النمل 82 } . وفي تفسيرها سأل الصحابي عمار بن ياسر الإمام علي (ع) فقال له  [ إنها دابة تأكل تمراً وعسل ]

وروى في تفاسير أهل البيت (ع)  أنها الإمام علي عليه السلام :

[قال أبو عبد الله (عليه السلام): ” قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان، آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي، و شككتني قال عمار: أية آية هي؟ قال: قال: { وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ } ، فأية دابة هذه؟ قال عمار: و الله ما أجلس، و لا آكل، و لا أشرب حتى أريكها. فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هو يأكل تمرا و زبدا، فقال: يا أبا اليقظان، هلم، فجلس عمار، و أقبل يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام، قال له الرجل: سبحان الله- يا أبا اليقظان- حلفت أنك لا تأكل، و لا تشرب، و لا تجلس حتى ترينيها، قال عمار: قد أريتكها، إن كنت تعقل.

  • عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي (عليه السلام)، فقال: ” أنا دابة الأرض “.

     – و  عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: ألا أحدثك ثلاثا قبل أن يدخل علي و عليك داخل؟ ” قلت: بلى. قال: أنا عبد الله، و أنا دابة الأرض، صدقها، و عدلها، و أخو نبيها، ألا أخبرك بأنف المهدي و عينيه؟ ” قال: قلت بلى. فضرب بيده إلى صدره، و قال: ” أنا “.

 –  عن الأصبغ بن نباتة، قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يأكل خبزا و خلا و زيتا، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله عز و جل: { وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ } ، فما هذه الدابة؟ قال: ” هي دابة تأكل خبزا، و خلا، و زيتا “.– تفسير البرهان ]

 وقد بين حقيقة ذلك اليقين حينما قال لهم [ سلوني قبل ان تفقدوني فإني أعلم بطرق السماء أكثر من طرق الأرض ]

[  عن أبي الطفيل ، قال : شهدت عليا وهو يخطب ، وهو يقول : سلوني فوالله لا تسألوني عن سيكون إلى يوم القيامة الا حدثتكم به وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية الا وأنا أعلم أبليل أنزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل ، فقال ابن الكواء : وأنا بينه وبين علي وهو خلفي ، فقال : ما ( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا  الذاريات : 1) فذكر مثله ، وقال فيه : ويلك سل تفقها ولا تسأل تعنتا وفيه سؤاله عن أشياء غير هذا وله شاهد مرفوع أخرجه البزار ، وابن مردويه بسند لين ، عن عمر. –   ابن حجر العسقلاني – فتح الباري شرح صحيح البخاري – كتاب تفسير القرآن – سورة والطور  ج8  ص 459  ]  

 [ ثنا : أبو الطفيل عامر بن واثلة ، قال : سمعت عليا (ع) قام ، فقال : سلوني قبل أن تفقدوني ، ولن تسألوا بعدي مثلي ، فقام ابن الكواء ، فقال : من ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ  إبراهيم : 28 )  قال : منافقوا قريش ، قال : فمن ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا  – الكهف 104 )  قال : منهم أهل حروراء ، هذا حديث صحيح عال ، وبسام بن عبد الرحمن الصيرفي من ثقات الكوفيين ممن يجمع حديثهم ولم يخرجاه.الحاكم النيسابوري – المستدرك على الصحيحين – كتاب التفسير – تفسير سورة إبراهيم : 28  تفسير آية : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) ج 2  ص    352 ] .

وهذه الدابة روى أنها من علامات الساعة الكبرى والآيات العشرة قبل القيامة : [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن بين يدي الساعة الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها … و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتخطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر “.– تفسير الدر المنثور للسيوطي ] .

وهذا اليقين فيما بعد الموت هو (علم اليقين) الذي علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله ثم    أئمة أهل البيت (ع) ومن تولاهم ومن اراد الله تعالى بعد ذلك أن يهبه بعضاً من تلك العلوم التي يجهلها الكثير من الناس في زمن لا يعرف فيه الكثير من الناس ما هى “الصمدية” ولا يعرف الكثير منهم اسم جد رسول الله (ص) وأصبح  المسلمين اسماً فقط وسلوك الكثير منهم  يقلدون عبدة الشيطان في بلاد العالم وهم لا يعيرون لذلك بالاً  .

ولذلك كتبنا هنا أطلقنا عليه “علم اليقين” لأنه يبين لك ما قبل الخلق و طرق السماء وماحدث فيها من خلق ثم هبوط بني آدم وطرد إبليس من الجنة ثم عودة الجسد الطيني الأصلي الأول الذي خلق من طينة الجنة وسجن أنفس السوء في سجين بالأرض على اختلاف دركاتها السبعة كل على قدر جرمه مع الله تعالى ولا تفتح لهم أبواب السماء ثم تحلل السوءة إلى تراب  .

وكأن الدنيا دار شك وظن ووساوس ويبدأ اليقين فيها بغرغرة الموت وحينها يصبح بصره أحد من الدنيا لرؤيته يقينا كل ماوعد الله تعالى أنه قد اصبح حقيقة قال تعالى  { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فبصرك اليوم حديد – ق 22 } وهنا تبدأ مرحلة اليقين التي قال تعالى فيها { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } .

أما بعد :

عندما نزل أمر الله تعالى إلى السماء الدنيا في ليلة القدر وكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة أوكل ذلك لملائكة بين السماء والأرض بين كونين بين السماء والأرض .

كل مسلم قرأ القرآن أو سمعه يعلم بأن هناك ثواب وعقاب وجنة ونار فإن مات فهو إلى الحساب قادم ولكن هذا توكلاً على الله وثقة في كتاب ربه ودينه وما تشاهده عينه من موت كل من حوله من الآباء و الأعمام والأصدقاء والأخوال و منهم موت أطفال والكائنات لتؤكد ذلك ولا خلود فيها فهى وما عليها إلى زوال حتمي { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } فترسخت في نفوس الكثير قاعدة التوكل على الله بأن الخلق سيموت وسيحاسب على مافعل .

و هذا إيمان العوام بغض النظر عن المستهترين المستهزئين بالدين المعرضين عن ذكر الله ممن لا يسمعون و لا يعقلون ولا يقرؤون ويعيشون في هذه الدنيا كالأنعام بل هم أضل وقال تعالى فيهم : { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ – النحل 21 } أي [ وما يشعرون أيان يبعثون أي وما يدري الكفار متى يبعثون ، أي وقت البعث ; لأنهم لا يؤمنون بالبعث حثى يستعدوا للقاء الله وقيل : أي وما يدريهم متى الساعة ، ولعلها تكون قريبا .- القرطبي ]  .

وهؤلاء المؤمنين العوام إن علموا تفاصيل هذا المعتقد البسيط من حتمية لقاء الله والحساب وهذا لايعمل به إلا القليل ممن يراقب نفسه ويحاسبها ويلومها على ما اقترفته من ذنوب ومعاصي قال تعالى { وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم ربهم لكافرون – الروم } وذلك لأنه لم يخطر على بالهم طوال أعمارهم ولو مرة بأنه يلاقية وسيحاسبة وعلى ما قدم وأخر .

فإن قرأ كتابنا هذا فبإذن الله سينتقل من مرحلة الإيمان التوكلي التواكلي ومن مرحلة الشك إلى اليقين عياناً سيعرف من أين أتى وكيف سيتنقل بين العوالم حتى يكون الموت لديه كأنه ذاهب لمكان آخر قد أعد له من بيت إلى بيت أو بلد إلى بلد آخر ويكون الموت الحياة لديه سواءاً بسواء بل الآخرة قد تكون أفضل عنده لتيقنه مما أعده الله تعالى له وكيف أنه لا يسير وحيداً بل معه نفسه وقرينه وشياطين وملائكة على حسب عمله فإن مات تفككت كل هذه المنظومة و بالتالي ارتفع إيمانه من التوكل إلى اليقين الذي يراه في مخيلته كأنه أمامه وهذا لا يكون إلا بتفاصيل طرق السماء كما قال الإمام علي عليه السلام [ سلوني قبل أن تفقدوني فإني أعلم بطرق السماء أكثر من طرق الأرض ] .

وبالفعل هذا الكتاب ليس نقولات من كتب أخرى إلا من كتاب الله تعالى و بعض تفاصيل لآيات من سنة رسول الله صلى الله عليه وآثار أهل البيت التي لها حكم المرفوع .

وبالتالي فيه من العلم مالم يعرفه ولم يذكره إلا أئمة أهل البيت فقط وكبار العلماء العرفانيين الذين تكلموا في أشياء ولم يأتوا عليها بالدليل فجاءت منكرة من طائفة وسكتت عنها طائفة أخرى اعتقد بها الكثير وما هى إلا اسرار في كتاب الله تعالى حسمتها نصوص لم يكن الكثير يدرك معناها المحدد من خلال كلام الله تعالى الذي وضع النقاط على الحروف لتفصيل المعاني وتأكيد أموراً منها خلق نور النبي وهى نفسه قبل خلق الأكوان على سبيل المثال وهو المقدم المؤخر سبحانه وتعالى .

ونسأل الله تعالى أن يكون كتابنا هذا هادياً لطرق السماء التي هبط منها الإنسان ثم عودة المؤمنين إليها بعد موتهم وسجن الكفار في الأرض بسمائها الدنيا حيث يمنعون من صعود الجنة مرة أخرى قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ – الأعراف 40 } .

ويدور كتاب اليقين  حول أبحاث قرآنية أكثر من 35  عاماً لا تدور حول المعنى اللفظي فقط كما يظن البعض بل هو خلاصة ما علمناه من كتاب الله تعالى من علوم ظاهرة وأخرى خفيت عن الكثير في آيات يمر عليها الناس وهم عنها غافلون فخرج في موضوعات هامه من قرأها ازداد يقينه بالله تبارك وتعالى واندفع لعمل الصالحات والعبادات وعدم مضيعة وقته هدراً فيما لا يفيد في دين ولا دنيا  انتظاراً لثواب الله تعالى وطلباً للرحمة في الدنيا والآخرة ولعله تعالى يرضى ويرفع نقمته عنا .

وذلك ليكون الحاكم والمحكوم عالمين بما سيحدث لهم والجندي المقبل على الدفاع عن وطنه والمجاهد في سبيل الله الذي يدافع عن دينه ووطنه وداره وعرضه من كل دجال على الأرض سواء كانت دولة أو قبيلة أوحاكم أو جماعة فالجهاد في سبيل الله لم يشرع إلا لحفظ الدين والنفس و المال والعرض .

و بعد :

بين كونين وموتتين وجسدين وسمائين وأرضين وجسد يحوي نفس بداخله (الإنسان الداخلي) مرتبط كليهما بروح تحركهما معا بين هذين العالمين وفق سنن كونية أعدها الله تعالى بما يتناسب مع بقاء الجسد حيا بتقوى الله في جنة عدن أو السوءة في الدنيا وهو الجسد الطيني السفلي وبين الكونين ما أطلق عليهما القرآن الكريم ( الموت والحياه ) حيث ينقله الموت بين عالم الدنيا فيرجعه إلى عالم الآخرة بخروج نفسه من جسده على الأرض بعد أن نزلت نفسه من السماء إلى الأرض في بطن أمه .

وبالتالي موت هذه يبرز هذه وموت هذه يبرز هذه فلا يجتمعان معاً إلا يوم القيامة قال تعالى { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ – البقرة 28 } .

أي كنتم أموات السوءة أحياء بالجسد الطيني العلوي المخلوق من طين في جنة عدن يختفي بداخله سوءته التي كان يعلم بها إبليس قبل أن ينزع عن آدم وزوجه لباسهما ثم ييحى الله تعالى الإنسان بسوءته في الدنيا بعد الهبوط من الجنة يتوارى بداخل هذا الجسد نفسه أو جسده الطيني العلوي الذ كان يعيش به في جنة عدن فإذا ماتت السوءة وهى الجسد الإنساني تبرز منها نفسها الطينية العلوية للوجود بما لا يتناسب في الحياة على الأرض لتنتقل إلى جنة عدن إن كانت من المؤمنين الصالحين ثم الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة بالنفس والجسد . وسجن المجرمين في الأرض السفلى في سجين .

هذا وبالله التوفيق

خالد محيي الدين الحليبي

فهرست  

المقدمة :

الفصل الأول :

  • قصة الخلق الأول :

(1) كل بني آدم خلقهم الله تعالى جميعاً دفعة واحدة : قال تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا – الأعراف 11 }

(2) خلق الله الكون وحاسب وأدخل الجنة والنار في لحظة واحدة .

(3) الخلق من طينة الأرض على اختلاف ألوانهم و المؤمن من طينة الجنة .

الفصل الثاني :

  • مرحلة الخلق من العدم واللاشيئ

(2) رسول الله صلى الله عليه قبل خلق السماوات والأرض من كتاب الله 

(3) خلق الثقلين من نور و نار .

 (أ) خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمرسلين و المؤمنين من نور الله تعالى .

(ب) مرحلة خلق الجسد وسوءته من طين : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ –  طه 55 } .

(ج) الأطوار الأربعة لخلق الثقلين من العدم حتى رجوعهم إلى الجنة أو النار من بعد موت السوءة في الدنيا من خلال قوله تعالى (الذي خلق الموت الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) .

(د) جسد الإنسان على الأرض هو سلالة الإنسان الذي خلق من طين في الجنة .

الفصل الثالث  :

 (1) عناصر الحياة في الدنيا الماء اوالهواء وفي الآخرة النور والماء .

(2) ترك العمل بما أنزل الله في الدنيا يمنع عن الإنس والجن نور وماء الحياه في الآخرة  :

الفصل الرابع :

  • سماء الدنيا أرضها وسماء الآخرة وأرضها وهى الجنة :

(2) بعد رفض إبليس السجود لآدم ولعن الله تعالى له عمى و أسود وجهه وتعرى كما وعد أهل النار وذلك لأنه إمام أهل النار .

(3) بداية الطور الثاني ومشاركة الشيطان أو الملاك لتلك النطفة منذ وضعها في رحم الأم من يومها الأول .

 (4) القاعدة القرآنية العامة التي تقول بأن الصالح يلد صالحاً والكافر يلد كافرأً وخصوصية القاعدة .

(5) القرارات الإنسانية والوسوسة بين الجسد و النفس و القرين في اجتماع ثلاثي يحضره الملكين رقيب وعتيد والله تعالى أقرب أليهم من أنفسهم وهم لا يشعرون .

 (6) أعمال العباد حسب الطينة التي خلقوا منها ودور القرين .

(7) مرحلة الهم با الحسنة أو السيئة بين الثواب و العقاب و الحدود .

الفصل الخامس:

(1) تجسيد الأعمال

  • مكر القرين و فوائد ذكر الله .

(3) ذكر الله ووحدة النفس والجسد علاجاً للأمراض النفسية وثبات الجند عند لقاء العدو  .

 (4) معرفة أهل الحنة والنار في الدنيا بظواهر أعمالهم لجهلهم ما تحويه أنفسهم من ضمائر وطينة حقيقية خلقوا منها .

(5) أنواع الأنفس البشرية :

(6)محاجاة بني آدم و أنفسهم وقرنائهم وتبرأ الكبراء والمستضعفين بعضهم من بعض يوم القيامة  .

(7) رجوع أنفس المؤمنين وصعودهم للجنة وصعود أنفسهم إلى جنة عدن من سماء الدنيا وتحلل السوءة إلى تراب وسجن المجرمين في سجين بالأرض السفلى .

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

المجلد (1) من تفسير البينة (النبأ العظيم)

الملف بصيغة PDF : الجزء الأول الفهرست المقدمة : 1- سورة العلق 2- سورة القلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *