مجزرة 17 أكتوبر 1961 في باريس : الجزائر تقف دقيقة صمت.. ومطالب الاعتراف تتجدد

الجزائر- “القدس العربي”:

تستعيد الجزائر هذا العام ذكرى مجزرة نهر السين بباريس في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1961، في أجواء علاقات ممتازة مع فرنسا، لكن ذلك لم يمنع من تجدد مطالب الاعتراف بهذه الجريمة التي شكلت حدثا مفصليا في تاريخ الثورة الجزائرية.

وتحيي الجزائر الذكرى بالوقوف دقيقة صمت عند الساعة 11 صباحا، على مستوى كامل التراب الوطني والممثليات الدبلوماسية والقنصلية للجزائر بالخارج، ترحما على أرواح شهداء المجزرة التي ألقي فيها المتظاهرون الجزائريون أحياء في نهر السين. ويأتي ذلك، بناء على قرار أصدره العام الماضي الرئيس عبد المجيد تبون، يدعو كل الإطارات والموظفين والمستخدمين والعمال على المستوى المركزي والمحلي وعلى مستوى الممثليات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج للمشاركة في هذه الوقفة، ترحما على أرواح الشهداء.

واستبقت وكالة الأنباء الجزائرية التي تمثل الخط الرسمي، هذه الذكرى بمقال يعتبر أن الجرائم التي صاحبت مظاهرات 17 أكتوبر 1961، لا تزال “غير معترف بها من قبل فرنسا الرسمية”. وأبرزت أن المؤرخ الفرنسي جان لوك إينودي الذي توفي سنة 2014 قد أحيا من خلال مؤلفه “معركة باريس” تلك الأحداث الأليمة بتطرقه إلى مجزرة بقيت في طي النسيان لعقود عدة. وبفضل الأبحاث التي قام بها، تمكن هذا الأكاديمي، حسب الوكالة، من تسليط الضوء على جزء هام من تلك الوقائع، لاسيما من خلال الكشف عن قائمة لـ390 جزائري راحوا ضحية القمع الدموي لشرطة باريس آنذاك. وانتهت الوكالة إلى أن العديد من المنظمات الحقوقية والشخصيات الفرنسية، طالبت الدولة الفرنسية بالاعتراف الرسمي بمجازر 17 أكتوبر 1961 وتحمل مسؤوليتها التاريخية.

ويأتي تجدد مطلب الاعتراف، على الرغم من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الماضي لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة الفرنسية، قد أحيا هذه الذكرى عبر التنقل لمكان الجريمة. ووضع ماكرون إكليلا من الزهور على ضفاف نهر السين بالقرب من “جسر بيزون” الذي سلكه قبل ستين عاما المتظاهرون الجزائريون وهم في الغالب من عمال المصانع القادمين من حي نانتير الفقير المجاور، تلبية لنداء فرع جبهة التحرير الوطني في فرنسا للمطالبة بالاستقلال.

وقال بيان للإليزيه إن رئيس الدولة “أقر بالوقائع”، واعتبر أن “الجرائم التي ارتكبت تلك الليلة تحت سلطة موريس بابون قائد شرطة باريس في ذلك الوقت، لا مبرر لها بالنسبة إلى الجمهورية”. وأضاف البيان الرسمي للرئاسة الفرنسية أن “فرنسا تنظر إلى تاريخها برمته بتبصّر، وتقر بالمسؤوليات التي تم تحديدها بوضوح. أولا وقبل كل شيء، إنها تدين لنفسها بذلك ثم لجميع من أدمتهم حرب الجزائر وما واكبها من جرائم ارتكبت من كل الجهات، في أجسادهم وأرواحهم”.

وزاد ماكرون قليلا بوصفه تلك الأحداث بالجرائم، في وقت أقر سلفه فرانسوا هولاند عام 2012 بحدوث “قمع دام”. لكن هذا الاعتراف، بدا في الجزائر غير كاف، لأنه استخدم أسلوب التلاعب بالمصطلحات، فجعل المسؤول عن المجزرة موريس بابون قائد الشرطة الفرنسية، بينما تريد الجزائر اعترافا بجريمة دولة ارتكبت ضد الجزائريين، بعد أن ظلت فرنسا لعقود تصف تلك المظاهرات بأحداث الشغب وتعترف فقط بسقوط 3 قتلى فيها.

ولم تعر السلطات الجزائرية العام الماضي خطوة ماكرون أي اهتمام، كونها جاءت في ظرف أزمة كبيرة بين البلدين ولّدتها تصريحات الرئيس الفرنسي الذي اتهم النظام الجزائري بأنه يعتاش على ريع الذاكرة الاستعمارية، ووصفه بالنظام العسكري السياسي الذي أنهكه الحراك الشعبي.

لكن اشتداد الأزمة، ولّد تقاربا بين البلدين بعد فترة، وانتهى إلى تحسن العلاقات التي عكستها زيارة ماكرون إلى الجزائر نهاية أغسطس الماضي، والتي تم فيها التوقيع على “إعلان الجزائر” الذي يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، ثم زيارة الوزيرة الأولى إليزابيث بورن قبل أيام التي أخذت بعدا اقتصاديا عبر التوقيع على اتفاقات إعلان نوايا في العديد من المجالات.

وبفعل ذلك، ابتعد البلدان في الفترة الأخيرة عن تأجيج الخلاف حول مسائل الذاكرة بينهما. وذكر الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمن بمناسبة زيارة نظيرته الفرنسية، أن جودة الحوار السياسي بين البلدين مكّنت من التطرق إلى مسألة الذاكرة المشتركة في جو تطبعه “الطمأنينة والوضوح والاحترام المتبادل”، معربا عن أمله في أن “يحقق مسعى تهدئة الذاكرة المشتركة مزيدا من التقدم بفضل لجنة المؤرخين، وكذلك بفضل انخراطنا الفعلي في تسوية القضايا الأخرى التي لا تقل أهمية”. وأشار بالخصوص إلى قضايا عالقة بينها “استرجاع الأرشيف وتعويض ضحايا التجارب النووية إلى جانب تطهير مواقع التجارب النووية في الصحراء الجزائرية وتسليط الضوء على قضية مفقودي حرب التحرير الوطنية”.

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

معضلة ألمانيا بين “مطرقة” القيم الغربية و”سندان” الغاز القطري

DW : حاجة برلين للغاز القطري واضحة، كما كشفت ذلك الصفقة الأخيرة بين البلدين. وضع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *