تعرف علي مأساة تتار القرم التاريخية

شفقنا :

مأساة إنسانية عاشها تتار القرم عندما رحّلهم السوفيات عام 1944 من ديارهم، وشرعوا منذ عام 1967 في العودة إلى موطنهم الأصلي ليطالبوا بحقوقهم، ولكنهم لا يحظون إلا بوضع الأقلية.

في يوم 16 مارس/آذار 2014، صوّت سكان القرم في استفتاء عام بنسبة ساحقة لصالح أن تكون القرم جزءاً من الاتحاد الروسي، لكن 12% منهم -أي حوالي ثلاثمائة ألف- هم تتار قرميّون لم يصوّتوا.

 

تتار القرم هم السكان الأصليون للقرم الواقعة في شبه جزيرة إستراتيجية شمال البحر الأسود، وفي عام 1944 رحّلهم الزعيم السوفياتي الراحل جوزيف ستالين إلى آسيا الوسطى، بحجة أنهم خونة حاربوا إلى جانب الألمان خلال الحرب العالمية الثانية.

 

وتروي الكاتبة أوريي إيديموفا -وكانت وقتها في السابعة من عمرها- كيف تم ترحيل عائلتها من قرية بجنوب القرم عندما كان والدها غائبا يقاتل مع الجيش السوفياتي، وتقول إن الجنود السوفيات اقتحموا بيتهم ليلا وقالوا لهم “اخرجوا يا تتار القرم.. أنتم خونة.. لقد قررنا ترحيلكم”.

 

في تلك الليلة (18 مايو/أيار 1944) جلب الجنود السوفيات أوريي وأسرتها مع نحو مائتي ألف تتريّ من جميع أنحاء القرم من منازلهم ونقلوا إلى خمس محطات قطارات، حيث كان 67 قطاراً في انتظارهم تمهيداً لرحلة مات فيها كثيرون.

 

توفيت والدة أوريي منفية في أوزبكستان، وكذلك حدث لآلاف غيرها من التتار، دون أن يروا وطنهم مرة أخرى على الإطلاق.

 

نفس المأساة عاشتها حليفة ياشلافسكي التي كانت في الخامسة من العمر عندما ركبت القطار الذي نقل التتار وكان معظمهم من النساء والأطفال والمسنين، فقد قتل الجيش السوفياتي أسرتها بكاملها، واختفى والدها في الحرب.

 

عادت حليفة عام 1990 إلى مدينتها التي رحّلت منها وتعرف الآن في القرم باسم ييفياتوريا، وتقول إن حياتهم كانت صعبة، “فأثناء ترحيلنا وضعونا في عربة تنقل فيها الحيوانات.. كنتُ أبكي باستمرار، وأطلبُ من أمّي خبزاً. وبعد فترة طويلة، توقف القطار في الصحراء.. كان هناك حقل قمح قرب المكان.. ترجّلت أمي من القطار كي تأتيني بشيء من القمح.. عندئذٍ رآها جندي سوفياتي فأطلق النار عليها، وبقيت هناك.. لم أدْرِ إن كانت حيّة أم ميتة”.

 

وتضيف حليفة “قتلوا أمي بسبب ثلاث حبات من القمح، فكيف لي أن أحبّ هؤلاء الناس؟ وكيف لي أن أجلس معهم إلى طاولة واحدة؟”.

 

استغرقت الرحلة التي نقل فيها التتار إلى وسط آسيا 22 يوماً، لم يزوَّدوا خلالها بأي طعام ولم يُسْقَوا إلا قليلا من الماء. ماتَ حوالي ثمانية آلاف تتري جوعاً ومرضاً، وقد ألقى الجنود السوفيات بجثثهم من القطار.

 

واستناداً إلى وثائق الجيش الروسي، رُحّل قرابة 194 ألف تتري من القرم في ظرف يوم واحد. كما يشير إحصاء أجراه تتار القرم بُعيد الحرب العالمية الثانية، إلى أن حوالي نصف سكان القرم التتار ماتوا أثناء ترحيلهم أو في معسكرات الأشغال الشاقة.

 

“أرابات”

عندما أمر ستالين عام 1944 بترحيل تتار القرم إلى وسط آسيا، سَها الجنود السوفيات عن بلدة “أرابات”، لكنهم عادوا وجمعوا حوالي 500 شخص من سكانها وأركبوهم في قارب لإرسالهم إلى بحر الأزوف، لكن القارب غَرِق ولم ينج من ركابه أحد.

 

ولم يشهد على الحادث سوى شخص واحد يدعى ميخائيل بلوهين وكان في الخامسة عشرة من عمره، وجاء في شهادته أن كل موجة كانت تحمل معها مزيداً من الجثث وتقذف بها إلى الشاطئ، وإن كثيراً من تلك الجثث كانت لنساء وأطفال وشيوخ من التتار.

 

توفي بلوهين عام 1998 ولم تنشر شهادته في الصحف إلا عام 2001، لأن الجنود السوفيات كانوا هدّدوا بسجنه إذا تجرأ على أن يتحدث بما شاهده.

 

لقد كان ترحيل شعب تتار القرم عملية تطهير عرقي وإبادة ثقافية لحوالي 200000 من شعب تتار القرم نفذتها الحكومة السوفياتية. ففي غضون ثلاثة أيام، من 18 إلى 20 أيار 1944، استخدم الاتحاد السوفياتي قطارات سريعة لترحيل النساء والأطفال وكبار السن قسراً من موطنهم شبه جزيرة القرم إلى المناطق النائية في آسيا الوسطى وسيبيريا على بعد آلاف عدة من الكيلومترات. قُتل ما يقرب من 8000 شخص من شعب تتار القرم أثناء عمليات الترحيل القسري، ومات عشرات الآلاف في وقت لاحق في ظروف قاسية من المنفى. كما أدى ترحيل شعب تتار القرم إلى هجر 80.000 مزرعة و360.000 فدان من الأراضي.

 

تسم تاريخ القرم بالاستعمار الاستيطاني منذ أواخر القرن الثامن عشر بدءًا من الروسية الألمانية زوجة القيصر كاثرين الثانية.

 

وقد تُوِّج مشروعها الاستعماري بهزيمة العثمانيين في الحرب الروسية التركية 1768-1774، عندما فقد العثمانيون أراضيهم في شمال القوقاز بما في ذلك شبه جزيرة القرم ومناطق كوبان، مما تسبب في فرار الآلاف من التتار إلى بقية أنحاء الإمبراطورية العثمانية.

 

وقد وصلت الموجة الأولى من المستوطنين الروس إلى شبه جزيرة القرم سنة 1778 مما أثار تمردًا فوريًّا من قبل تتار القرم، والذي أخمدته كاثرين قبل ضم شبه جزيرة القرم في سنة 1783.

 

شن العثمانيون حربًا ضد روسيا لاستعادة الأراضي العثمانية في سنة 1787 مما أدى إلى هزيمة أخرى وخسارة أراضٍ أخرى، بما في ذلك سنجق أوزي في الأجزاء الشمالية من البحر الأسود بالقرب من شبه جزيرة القرم.

 

تلا ذلك عملية ترويس (أي تحويل إلى الروسية)؛ حيث توسعت بلدة حجي بي المطلة على البحر الأسود في سنجق أوزي لتصبح مستعمرة روسية جديدة تسمى “أوديسا” في سنة 1794، وكانت إعادة تسمية أوديسا جزءًا من إعادة إحياء الإغريق القدماء في المناطق المحتلة؛ حيث كانت الأسماء الإغريقية مهمة بمعظمها، فقد ساهمت في “القضاء على أي ذكرى للبرابرة” وأتت “كخطوة أولى نحو تخليص أوروبا من الجيش العثماني وفتح اسطنبول”، كما أوضح المدعي العام الروسي آنذاك آن سامويلوف.

 

ويهدف “مشروع كاثرين اليوناني” إلى إعادة تأسيس الإمبراطورية الرومانية، أو “بيزنطة”، في القسطنطينية التي تم استعادتها، وقد أنشأت في شبه جزيرة القرم مدينة سيباستوبول في سنة 1783 في موقع بلدة أختيار التتارية وأعادت تسمية بلدة أقمشيت التتارية (المسجد الأبيض) لتصبح “سيمفيروبول” في سنة 1784، كما تم تغيير اسم شبه جزيرة القرم نفسها إلى “محافظة توريدا” تيمنًا بتوريس اليونانية.

 

الاستعمار اليهودي

بحلول سنة 1810، أرسلت الحكومة الروسية 10 آلاف يهودي لا يملكون أراضٍ من بيلاروسيا وليتوانيا إلى مقاطعة خيرسون الواقعة شمال شبه جزيرة القرم، والتي أعيدت تسميتها بعد احتلالها، وقد وصل المزيد من المستعمرين اليهود في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر إلى خيرسون وضواحيها.

 

وبحلول أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر؛ تم تصنيف المستعمرين رسميًّا على أنهم “مزارعون يهود”. وفي سنة 1866؛ تم وقف الاستيطان الاستعماري اليهودي في روسيا الجديدة رسميًّا باعتباره غير مجدٍ اقتصاديًّا، بالرغم من الحفاظ على المستعمرات اليهودية القائمة.

 

وفي نهاية سنة 1920، بعد الثورة الروسية، أصبحت القرم آخر معاقل الثورة المضادة التي سقطت في أيدي السوفييت؛ حثي تأسس الحزب الاشتراكي ميلي فيرقا أو الحزب الوطني في صيف سنة 1917، وهو أحد حلفاء السوفييت المحليين من التتار. وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1921، تأسست جمهورية القرم الاشتراكية السوفياتية المتمتعة بالحكم الذاتي كجزء من روسيا السوفيتية.

 

وقد تولى الشيوعيون من تتار القرم زمام الأمور وأصبح زعيمهم فيلي إبراهيموف أول رئيس للجنة المركزية لشبه جزيرة القرم ورئيس مجلس مفوضي الشعب في القرم.

 

وفي غضون ذلك في شهر تشرين الثاني / نوفمبر سنة 1924؛ أنشئت لجنة التوزيع الأمريكية اليهودية المشتركة، وهي منظمة تم تشكيلها لمساعدة يهود أوروبا الشرقية خلال الحرب العالمية الأولى، وأُسست المؤسسة الزراعية المشتركة بهدف تعزيز “التحول الجماعي إلى المهن الإنتاجية” الذي يستهدف 2.5 مليون نسمة من اليهود السوفييت الذين دُمرت مناطقهم خلال الحرب الأهلية، وتوصلت المؤسسة الزراعية المشتركة إلى اتفاق مع الحكومة السوفيتية يتم بموجبه توفير الأموال بنسب متساوية من قبل الطرفين لصالح المشروع.

 

وكان السوفييت قد أنشأوا بالفعل “لجنة الاستيطان للكادحين اليهود على الأراضي” أو “كومزيت”، وأعدوا خططًا لتوطين 100 ألف أسرة يهودية، وقد تضمنت تلك الخطط إعادة بناء المستعمرات اليهودية الزراعية في جنوب أوكرانيا وإرسال المستوطنين المستعمرين اليهود إلى شبه جزيرة القرم. ونظرًا للدمار الاقتصادي لحياة القرى اليهودية الذي حدث بين سنتي 1917 و1921؛ نظر السوفييت إلى الاستعمار اليهودي باعتباره الخيار الأسرع لإنهاء الفقر اليهودي.

 

وفي سنة 1925؛ وعلى الرغم من مقاومة السكان المحليين، تم توطين 100 ألف يهودي، وقد ارتفع العدد إلى 250 ألف بحلول سنة 1928، وتركز ذلك بشكل رئيسي في جنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم؛ حيث عاش المستوطنون في حوالي 250 مستعمرة على مساحة مليون فدان من الأرض.

 

ونتيجة الاستعمار الاستيطاني القيصري، أصبح لدى القرم بالفعل عدد كبير من المستعمرين الروس والأوكرانيين والألمان واليهود. وبلغ مجموع سكان القرم في سنة 1921 حوالي 720 ألف، وانخفض عدد سكان التتار قبل الثورة بشكل كبير بسبب هروبهم، ولذلك أصبحوا ربع سكان شبه جزيرة القرم، الأمر الذي أثار قلق القادة الشيوعيين السوفييت من التتار.

 

عودة التتار

بعد الحرب الأهلية واستقرار الحكم السوفيتي كانت القرم نفسها بصدد منح الأراضي للفلاحين التتار الأصليين الذين يسكنون القرم؛ حيث وضع إبراهيموف سياسات لاستعادة لغة التتار والحقوق الثقافية ودعا تتار القرم الذين فروا أو طردوا من قبل القياصرة للعودة إلى ديارهم وقد أعاد السوفييت رسميًا الاسم التتاري “آق مجيد” إلى مدينة سيمفيروبول وجعل التتارية اللغة الرسمية لشبه جزيرة القرم إلى جانب اللغة الروسية.

 

ومع ذلك عارض الحزب الشيوعي القرمي والحكومة خطة الاستعمار الاستيطاني اليهودي، خاصة وأن الأراضي المصادرة خرقت برنامج توزيع الأراضي على الفلاحين التتار الفقراء، بينما المجتمعات الاستعمارية الأخرى من الروس والألمان تعيش تحت سلطة القرم المحلية، وقد كان من المقرر أن تدار المستعمرات اليهودية الجديدة من قبل المؤسسة الزراعية المشتركة ولجنة الاستيطان للكادحين اليهود على الأراضي.

 

كانت معارضة إبراهيموف وزعماء التتار الآخرين مدفوعة بأجندة شيوعية مناهضة للاستعمار سعت إلى إفادة الفلاحين التتار الأصليين الذين دمرت أراضيهم تحت حكم القياصرة.

 

وأسس إبراهيموف عشرين قرية لصالح الفلاحين التتار وللعائدين منهم واللاجئين السابقين في بلغاريا ورومانيا، واحتج رسميًّا على مخطط الاستعمار اليهودي ونقل 8 آلاف من التتار إلى سهول القرم لقطع الطريق على خطط موسكو.

 

وبحلول شتاء سنة 1927-1928، حاولت قيادة ستالين الموحدة حديثًا ونجحت في إعدام إبراهيموف بتهمة أنه لم يعارض الاستعمار الاستيطاني بل عارض التجميع السوفيتي للأرض، وقد أطلق عليه الرصاص في شهر أيار/ مايو سنة 1928 وحل محله أحمد كوبي كرئيس للحزب التتاري الشيوعي.

 

الغزو النازي

بحلول سنة 1929؛ سار الإصلاح الزراعي والتجميع على قدم وساق وتم إنشاء 86 مستعمرة يهودية يبلغ عدد سكانها 20 ألف نسمة في شبه جزيرة القرم. وقد تم إنشاء 170 مستعمرة أخرى متبقية في جنوب أوكرانيا.

 

في سنة 1928، ونظرًا للمقاومة الأوكرانية والمقاومة في شبه جزيرة القرم للاستعمار اليهودي أعلنت الحكومة السوفيتية أنها خصصت أراضي في بيروبيجان على الحدود الصينية “لتلبية احتياجات المستوطنات الجماعية من قبل الكادحين اليهود”، وقد حصلت بيروبيجان على وضعية منطقة حكم ذاتي يهودية في سنة 1934.

 

صورة

تتار القرم يجتمعون لإحياء الذكرى 76 لترحيل الاتحاد السوفيتي للسكان الأصليين في ساحة الاستقلال في كييف في 18 أيار / مايو 2020

تطور المستعمرون اليهود في أوكرانيا حتى بداية الغزو النازي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في شهر حزيران/ يونيو سنة 1941، والذي كان يهدف إلى تحقيق “مخطط الشرق الرئيسي” النازي السري الذي من شأنه أن يستعمر ويعيد توطين الأجزاء الأوروبية من الاتحاد السوفيتي وشبه جزيرة القرم، والتي نفذها رئيس قوات الأمن الخاصة هاينريش هيملر، وهو مهندس الخطة، حيث أراد إعادة تسمية “جوتينجو” أو “المقاطعة القوطية” حسب العرق الألماني.

 

وقام السوفييت بإجلاء السكان اليهود خلف خطوط الجيش في آسيا الوسطى لإنقاذهم من النازيين، فيما قُتل أولئك الذين لم يتمكنوا من الإخلاء على يد الألمان الغزاة والمتعاونين المحليين، وقد أخبر الجنرال إريك فون مانشتاين النازي في القوات المسلحة الألمانية جنوده في شبه جزيرة القرم أن عليهم ضمان ألا يهدد اليهود أبدًا المجال الحيوي الألماني مرة أخرى.

 

عملاء النازية

وكما هو الحال مع العملاء القوميين الأوكرانيين المجاورين الذين تعاونوا مع النازيين، أصبح الآلاف من تتار القرم عملاء للنازية أثناء الاحتلال النازي لشبه جزيرة القرم، رغم أن جزءًا من المقاومة السوفيتية المحلية ضد الألمان شملت أيضًا الآلاف من التتار، ناهيك عن 20 ألف تتري كانوا يخدمون في الجيش الأحمر على الجبهة.

 

والتقى قادة التتار المناهضون للسوفييت المتواجدين في تركيا بهتلر واتفقوا على أن يقاتل عشرين ألف أسير حرب من التتار في فيلق عسكري مؤيد للنازية يتكون من ثماني كتائب لدعم القوات المسلحة الألمانية.

 

على الأرض في شبه جزيرة القرم التي احتلها النازيون، خدم العديد من التتار في قوة الشرطة التي يديرها النازيون، وبالمقابل انضم الكثيرون إلى المقاومة ضد الألمان.

 

ونقل النازيون أيضًا الآلاف من تتار القرم للعمل في ألمانيا كعمال شرقيين (عمال عبيد من الأجانب) أثناء فترة الاحتلال بين 1941-1944، وقد تم إجلاء الآلاف من المتعاونين إلى أوروبا الشرقية قبل الانسحاب النازي.

 

بعد تحرير شبه جزيرة القرم، أمر الملازم الأول لستالين، لافرينتي بيريا، بترحيل 200 ألف من سكان تتار القرم بالكامل في شهر أيار/ مايو سنة 1944. وقد تم توطينهم قسرًا في أوزبكستان وجمهوريات آسيا الوسطى المجاورة، ثم تم إرسال المستوطنين الروس والأوكرانيين للاستيلاء على أراضيهم.

 

وفي سنة 1956؛ رفضت الحكومة السوفيتية قرار الترحيل الستاليني وبرأت التتار من تهمة “الخيانة الجماعية”، ومع ذلك وأثناء فترة استعادة الحقوق اللغوية لم تسمح حكومة خروتشوف بعودة التتار إلى شبه جزيرة القرم، والتي تغيرت بالكامل بسبب سياسة ستالين بعد سنة 1944 المتمثلة في الاستعمار الاستيطاني الروسي والأوكراني. ففي سنة 1954، نقل خروتشوف بشكل علني سيادة شبه جزيرة القرم من روسيا إلى أوكرانيا لأسباب إدارية.

 

الحق في العودة إلى الوطن

بدأ العديد من تتار القرم في العودة إلى شبه جزيرة القرم بعد سنة 1967 وطوال فترة السبعينيات. وأخيرًا في سنة 1989 منحت الحكومة السوفيتية التتار الحق في العودة إلى الوطن ورعت وموّلت إعادتهم إلى الوطن حتى انهيار الاتحاد السوفيتي في سنة 1991.

 

بحلول سنة 1994؛ عاد ما يقرب من ربع مليون من تتار القرم إلى شبه جزيرة القرم، أي نصف سكان تتار القرم في ذلك الوقت، وقد أسس القوميون فيما بينهم مجلسًا تتاريًّا أطلق عليه اسم “المجلس” في سنة 1991.

 

وبحلول أواخر التسعينيات؛ تحالف الزعماء العائدين من التتار القوميين مع القوى السياسية اليمينية الأوكرانية، بما في ذلك حزب الحركة الشعبية لأوكرانيا.

 

وبدوره اعتبر اليمين القومي الأوكراني التتار على أنهم بيادق مفيدة في سعيهم لإبقاء شبه جزيرة القرم داخل أوكرانيا بعد استقلالها، على الرغم من أن غالبية سكان شبه جزيرة القرم هم من نسل المستوطنين الروس الذين أرادوا لم شملهم مع روسيا.

 

ويحيا التتار الذين يعيشون الآن تحت السيادة الأوكرانية في فقر مدقع مع قلة الخدمات الحكومية المقدمة لهم ويقيمون على أراض رفضت الحكومة منحها لهم، حسبما أفاد البنك الدولي في سنة 2002.

 

وبعد الانقلاب الذي دعمه الغرب في سنة 2014 ضد الحكومة المنتخبة في أوكرانيا، والذي أدى إلى استيلاء الروس على شبه جزيرة القرم دون قتال، ضمت روسيا شبه الجزيرة.

 

وبعد عملية ضم الجزيرة، منحت الحكومة الروسية إعادة تأهيل قانوني للتتار الذين عانوا في عهد ستالين ووافقت على وضع رسمي للغة تتار القرم. بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وفي محاولة لاستغلال قضية التتار بشكل أكبر، اعترف البرلمان الأوكراني رسميًا بالمجلس التتاري، وفي هذه اللحظة اعترف الأوكرانيون بتتار القرم على أنهم “السكان الأصليون” لشبه جزيرة القرم.

 

صورة

جنود كتيبة آزوف يحتفلون بذكرى تأسيس جيش التمرد الأوكراني الذي احتقرته روسيا تاريخيًا لتعاونه مع النازيين ضد السوفييت، في 14 تشرين الأول / أكتوبر 2014

لكن نظرًا لأن المجلس القومي التتاري عارض روسيا وتحالف مع أوكرانيا، فقد قامت محكمة روسية بحله في سنة 2016 متهمة إياه بإثارة الكراهية العرقية والنشاط الإرهابي، بما في ذلك سلسلة من التفجيرات التي حدثت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 وألحقت أضرارًا بخطوط الكهرباء مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي بشكل كامل في شبه جزيرة القرم وهي تهمة أنكرها المجلس.

 

ودافع المجلس إضافة إلى جماعات حقوق إنسان غربية بأن القرار الروسي استهدف حقوق التتار الوطنية بشكل غير عادل.

 

في غضون ذلك؛ أسس تتار القرم اليمينيون الذين دعموا الانقلاب الأوكراني في سنة 2016 كتيبة من التتار ساعدت القوات الأوكرانية على فرض حصار على شبه جزيرة القرم واستلمت المساعدة من تركيا بقيادة أردوغان. وتضم كتيبة آزوف اليمينية الأوكرانية، التي يُنظر إليها على نطاق واسع بأنها نازية في الأيديولوجية، مقاتلين من تتار القرم.

 

وقد وضعت القيادة اليمينية الحالية لتتار القرم مجتمع التتار بأكمله على طريق الخطر مرة أخرى، فقد أصبحت حقوق تتار القرم تُستغل وتخترق ليس فقط من قبل القوميين الروس والأوكرانيين – ناهيك عن القوميين الأتراك – من أجل مصلحتهم الخاصة وعلى حساب شعب تتار القرم الذي طالت معاناتهم، ولكن أيضًا من قبل القوى الغربية العازمة على إذلال وإضعاف روسيا.

 

إن اتجاه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والنظام الأوكراني في دعم الحقوق الوطنية المشروعة لتتار القرم مؤخرًا لا يعتبر موقفًا مبدئيًّا أكثر من معارضة تلك القوى الطويلة للحقوق الأصلية للشعب الفلسطيني.

 

إن ملاحقة السلطات الروسية اليوم للتتار اليمينيين الذين يعارضون السيادة الروسية ويحرضون ضد سيادتها هو الدافع وراء الإصرار على إبقاء شبه جزيرة القرم جزءًا من روسيا، بدلًا من إنكار حقوق التتار الوطنية والثقافية وعلى الرغم من الدعاية الغربية المستمرة بعكس ذلك.

 

ولا يعني أي من هذا أن القوميين الروس والأوكرانيين في موسكو وكييف أو أولئك الموجودين في شبه جزيرة القرم لا يحملون وجهات نظر عنصرية استعمارية – استيطانية لأقلية تتار القرم، لكن هذا يعني أن الالتزامات والتحالفات الأيديولوجية المستمرة للقيادة اليمينية السيئة لتتار القرم ستجلب مرة أخرى لشعبهم المزيد من المشقة والمآسي.

 

المنابع: صحف ومواقع

النهاية

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

القمم الصينية العربية الثلاث في السعودية.. الإقتصاد وأشياء أخرى

 شفقنا : (نجم الدين نجيب) من المقرر ان تحتضن السعودية خلال الايام القليلة القادمة، ثلاث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *