أخبار عاجلة

49 عاماً على حرب 1973 وإسرائيل ما زالت تستذكر صدماتها وجراحها.. معلومات جديدة من غرفة اللقاءات السريّة بين العسكريين والصحفيين

الناصرة- “القدس العربي”:

كما في كل سنة، تستذكر أوساط إسرائيلية مختلفة أحداث حرب تشرين 1973، التي تحل ذكراها اليوم، الخميس السادس من أكتوبر، وتُعرف إسرائيلياً بـ “حرب الغفران” لتزامنها مع “يوم الغفران”، الذي حلّ أمس الأربعاء.

 توضح صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن القيادة السياسية والعسكرية دأبت في الماضي على استدعاء محرري وسائل الإعلام العبرية المركزية (عرفت بـ “لجنة المحررّين”) لإطلاعهم على ما يدور، شريطة أن يبقى ذلك طيّ الكتمان. وتشير، في هذه المناسبة، إلى أن وزير الأمن موشيه ديان، وقائد الجيش دافيد بن العازار، قد التقيا ” لجنة المحررّين” عشر مرات خلال حرب 1973 وبعدها، وفيها سمع إعلاميون إسرائيليون بارزون، للمرة الأولى، عن أعداد القتلى العالية في صفوف الجيش، واستمعوا لتحديثات عن تطورات الحرب في الجبهتين المصرية والسورية حتى عبور قناة السويس، وكانوا شاهدين على لحظات اليأس في تلك الأيام، خلال حرب خسرت فيها إسرائيل نحو أربعة آلاف جندي، وأصيب نحو 19 ألفاً آخرون.

صاروخ نحو تل أبيب

 ويستعرض مردخاي ناؤور، وهو نائب مدير إذاعة جيش الاحتلال وقتذاك، تسعة لقاءات كهذه، نورد هنا بعضاً منها، خاصة لقاءات الأيام الأولى من الحرب، يوم دبّ الرعب في قلوب الإسرائيليين نتيجة تلك الحرب المباغتة، التي شكلت إسرائيل لجنة تحقيق رسمية حول أحداثها، خاصة بما يتعلق بالفشل الاستخباراتي بعدم توقعها، رغم بلوغ معلومات كهذه، منها ما نسب لأشرف مروان، الذي تعتبره أوساط في إسرائيل أهم جاسوس لها في مصر، فيما تراه أوساط أخرى جاسوساً مزدوجاً.

يقول ناؤور إنه عندما التقى موشيه ديان ودافيد بن العازار قائد الجيش في هذه اللقاءات السرية شعر بضغط في صدره، وامتلأ خوفاً شديداً على إسرائيل من خطر الإبادة. وعن تلك الذكريات يقول، في حديث مطول لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، إنه كان يوثق ما يسمعه في تلك اللقاءات على قصاصات ورقية، والآن يروي بعضها، منوهاً بأنه كان حظي بالمشاركة فيها في الفترة بين 1971 و1978. ويضيف: “كانت لجنة المحررين قد تشكلت قبل 1948، وكان الغرض منها إبلاغ الصحفيين اليهود المركزيين بما يحدث، وبالاتفاق معهم على عدم نشر مضامينها، وبذلك رغبت المؤسسة الحاكمة عملياً بمنع تسريبات مضرة”.

وعن البداية يقول ناؤور: “علمنا بحرب 1973 في التاسعة والنصف من صباح السادس من أكتوبر، حيث استدعاني قائد إذاعة الجيش يتسحاق ليفني، وأبلغنا أن مصر وسوريا ستشنان حرباً في المساء، وقمنا ببدء التغطيات عند الساعة الواحدة ظهراً، وبعد 20 دقيقة استدعيت أنا وليفني لمكتب الناطق العسكري، وفي الطريق دوت صافرات الإنذار، ووقتها لم نعلم أن الجيش أطلق الصافرة بعدما أطلق الجيش المصري صاروخاً من طراز “كالت” نحو تل أبيب وتم اعتراضه.

لغة الغطرسة

وعن اللقاء الأول مع الإعلاميين، يقول إنه تمّ عند الساعة الرابعة في يوم السبت، اليوم الأول من الحرب، في مقر وزارة الأمن في تل أبيب، وشارك وزير الأمن ديان، وقائد الاستخبارات العسكرية الجنرال إيلي زعيرا، وساد التوتر وتطايرت في الجو مؤشرات تبعث على القلق الكبير. ديان بدا متفائلاً، وقال إنه لا يعرف حجم الهجمات في الجولان وسيناء، لكنه أبدى ثقته بأن الجيش الإسرائيلي سيتصدى للمصريين والسوريين، ويفشل مهمتهم خلال ساعات، منوهاً لاستدعاء الاحتياط خلال يومين. ويتابع ناؤور: “خلال ذلك قال ديان ما سبق، وقاله الجنرال حاييم هرتسوغ، عشية حرب 1967، إنه لا يرغب بأن يكون طياراً مصرياً يهاجم تل أبيب”، وذلك في إشارة لقوة الدفاعات الجوية والأرضية الإسرائيلية. وتابع ديان: “لا أريد أن أكون جندياً في الجيش المصري أو السوري يوم الإثنين القريب”. وفي نهاية اللقاء قال ديان رداً على سؤال: “نعم، أنا متفائل جداً”.

الثامن من أكتوبر

ويستعرض ناؤور ما جرى في بقية اللقاءات مع الإعلاميين الإسرائيليين، ويشير إلى أن اللقاء الثاني تم خلال اليوم الثالث للحرب، بعدما سرت شائعات تبين أنها كاذبة لاحقاً، مفادها أن جيش الاحتياط يوجه ضربات قاسية للجيش المصري، وأن هناك انقلاباً في مسار الحرب.

ويتابع: “في اللقاء الأول، أبلغنا ديان والعازر عن تسلسل اندلاع الحرب، بما في ذلك رفض طلب قيادة الجيش من قبل المستوى السياسي لضربة استباقية، فرووا لنا أن الحرب اندلعت بظروف صعبة لأن الجيش الإسرائيلي يقوم بالأساس على الاحتياط، وأن استدعاءه بالكامل يحتاج ليومين وأكثر، مما أدى لتعرض القوات النظامية لضربات موجعة من الجيشين السوري والمصري. اعترف ديان أن المصريين والسوريين حققوا مكاسب على الأرض. ومع استمرار اللقاء أدركنا أن الأوضاع تزداد سوءاً، حيث وصلت قوات سورية لعمق الجولان، وباتوا قريبين من الجليل الأعلى، بعدما سقطت ثكنة جبل الشيخ المركزية بأيديهم، وفي سيناء يوجه الجيش المصري ضربات قوية تهدد القواعد العسكرية الإسرائيلية.

اعترافات ديان

ويستذكر ناؤور أن ديان اعترف، في اللقاء المذكور، بأنه حتى قبل أربعة أيام لم يفكر أحد في إسرائيل بأن الحرب قريبة جداً، وأشار لتبليغ الولايات المتحدة بأن حرباً ستنشب خلال ساعات من أجل تبليغ مصر وسوريا بأن إسرائيل تعلم بقرارهما وخططهما بشن الحرب، على أمل أن يحول ذلك دون شنها. ويتابع: “بقي ديان يعرب عن تفاؤله، رغم كل ما يجري. ورداً على سؤال أحد الصحفيين حول المرتقب في الساعات القادمة، قال: “وفق تقديراتنا وتقديرات العالم أن الجيوش العربية ستتلقى ضربات، وأنا أعتقد كذلك، وستنتهي هذه الحرب بفشل ذريع لهم. رغم هذه الأقوال سادت داخل الغرفة أجواء محبطة، فالأخبار القاسية توالت من جبهات القتال. نظرت لوجوه الصحفيين، ومعظمهم كبار في السن، عدا سيدتين، فكانت شاحبة كالرماد، وكأن عالمهم خرب عليهم، وفعلاً فإن العالم السابق الذي بني في ستة أيام انتصار خلال حرب 1967، وطيلة السنوات الست التالية، انهار تماماً”.

وضعنا على الجبهة المصرية خطير

ويستعرض أيضاً وقائع اللقاء الثالث، ويقول إنه الأكثر درامية من بين اللقاءات خلال الحرب. ويضيف: “شارك في اللقاء هذه المرة قائد سلاح الجو الجنرال بيني بيلد، الذي استهل الأحاديث، فبدا متفائلاً، ووعدنا بأن سلاح الجو يدمر كل الجسور المقامة على قناة السويس. في هذه اللحظة دخل ضابط وسلّم ورقتين لبيلد ولبن العازر، فاستأذن بيلد وخرج، وخلال مغادرته قالت حانا زيمر، محررة صحيفة “دافار”، إن بيلد يبدو متوتراً جداً، وعندها قال لنا العازار: ابن بيلد طيار في سلاح الجو، وقد أسقطوا طائرته، وما زال في عداد المفقودين، والآن وصلت برقية بأنهم قد عثروا عليه، وتم تخليصه. عندما عاد، رفض بيلد طلب زيمر، وقال غاضباً إنه يرفض الحديث عن طيار كهذا أو ذاك، فأجهشتْ بالبكاء، ولاحقاً قيل إنها بكت بعدما سمعتْ الأقوال الصعبة من ديان حول مسار الحرب. خلال غياب بيلد عاد بن العازر وقال، معدلاً حديثه السابق: طائراتنا تدمر الجسور على قناة السويس، ولكنهم ينشئون جسراً جديداً بدلاً من المدمر في وقت قصير.

من جهته، ديان كان حاداً ومقلّا في الحديث: “في الجولان هناك بداية تغيير لصالحنا، وقواتنا نجحت في صد الهجوم، وقريباً ستنتقل للهجوم، أما في سيناء فالوضع خطير. وتحدث عن إمكانية سحب القوات الإسرائيلية، وترك خط بارليف نحو عمق سيناء، وقناة السويس ليست مقدسة كالحرم القدسي، وليس واضحاً إن كنا قادرين على ضرب المصريين إلا إذا توفرت فرصة.

من جهته، قال محرر صحيفة “هآرتس” غرشون شوكو، وهو يرجف انفعالاً: سيدي وزير الأمن، ما قلته الآن هو هزة أرضية قومية”. وسأل صحفي آخر: “ما حجم قواتنا بين السويس وبين تل أبيب”. من خلال جواب ديان المتهرّب فهمنا أنه لا يوجد أي قوة كهذه. خلال ذاك اللقاء شعرت ضغطاً في الصدر، وامتلأ خوفاً ثقيلاً، فالدولة أمام خطر إبادة؟ فجأة جال في خاطري أنني موجود في لحظة تاريخية، ولكن بشكل معكوس. تاريخ بالمعنى السلبي فيه كل شيء أسود. حتى تلك اللحظة لم نبلغ بعدد قتلانا وجرحانا في الجبهتين، وفي الشارع سرت شائعات عن سقوط آلاف الجنود.

الصحافة المجنّدة

ويكمل ناؤور سرد وقائع اللقاء، وفيه تتكشف بشكل كامل حقيقة تجند الإعلام الإسرائيلي لصالح المجهود الحربي، والكف عن الأداء الصحفي في الأزمات، فيقول: “في نهاية اللقاء قال ديان للمحررين والصحفيين إنه يميل لتبليغ الجمهور بواقع الحال من خلال ظهور تلفزيوني، فـأصيب المحررون بالصدمة، وطالبوه بألا يفعل ذلك، وألا يكشف عن الحقيقة دفعة واحدة، بل بالقطارة، لأن الشعب لن يقوى على امتصاص هذه الصدمات. ديان لم يقتنع، ولاحقاً فهمنا أن محرر صحيفة “يديعوت أحرونوت”، دكتور هرتزل روزنبلوم، سارع بعد اللقاء لمكتب رئيسة الوزراء غولدا مئير، القريب من مكان لقائنا، وطلب منها أن تمنع ديان من الظهور في التلفاز، وفعلاً هذا ما فعلته. وبادر ديان لإلغاء ظهوره، وأوفد عنه الجنرال أهارون ياريف، الذي عيّن كناطق عسكري. وظل ديان يقول، حتى يومه الأخير، إن مئير أخطأت. وفي مذكراته “حجارة أساسية” كتب ديان: “صمم المحررون على أن نقول علانية ما قلته لهم، فرغم أن هذه كانت حقيقة بيد أن غولدا مئير قبلت رأيهم”.

ويستعرض ناؤور، في تقرير مطول جداً، وقائع تلك اللقاءات مع القيادات الإسرائيلية حتى نهاية الحرب، التي طالت 19 يوماً، ويقول، في نهاية التقرير، إنه تعلم من الاجتماع بهذه القيادات ما كان لديهم، وما كان مفقوداً: تم الحديث قليلاً عن الحرب مع العدو السوري، ولم نسمع كلمة عن “حروب اليهود” في سيناء، قاصداً بذلك الخلافات بين القيادات العسكرية حول طريقة إدارة المعركة مع الجيش المصري.

ويضيف ناؤور: “وجه الصحفيون أسئلة لكنهم لم يتلقوا دائماً الإجابات، ولم نسمع ما نسب لـديان لاحقاً، حول “خراب الهيكل الثالث”، وقد كان متفائلاً أحياناً، ومتشائماً في أحيان أخرى، ولكنه لم يبد يوماً يائساً”.

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

مصر : دراسة تكشف توزع ملكيات مدن شرق القاهرة الجديدة

القاهرة ـ «القدس العربي» : صدرت دراسة حديثة لمرصد العمران في مصر، تحت عنوان «من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *