ما هي السيناريوهات المحتملة لاستخدام روسيا الأسلحة النووية في أوكرانيا؟ وما هو الرد الأمريكي المتوقع حال حدوث أي منها؟

حول إجابة هذين السؤالين دار تحليل لـ”إريك شلوسر” بمجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية، سلط فيه الضوء على قدرات الدائرة الرئيسية الثانية عشرة في وزارة الدفاع الروسية، المسؤولة عن تشغيل عشرات المنشآت المركزية لتخزين الأسلحة النووية، في ظل تهديد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” باستخدام الأسلحة النووية في الحرب على أوكرانيا.

وذكر “شلوسر”، في تحليله، أن منشآت الدائرة، المعروفة بمواقع “العُنصر إس” (Object S)، منتشرة في شتى أنحاء الفيدرالية الروسية، وتضم الآلاف من الرؤوس الحربية النووية والقنابل الهيدروجينية، إلى جانب تشكيلة واسعة من المتفجرات النووية.

واستند تحليل سيناريوهات التصعيد النووي الروسي إلى “بافِل بودفيج”، مدير مشروع القوات النووية الروسية وزميل الأبحاث السابق بمعهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا، الذي أكد أن الصواريخ الباليستية طويلة المدى والمنصوبة على الأرض وعلى الغوَّاصات هي الأسلحة النووية الروسية الوحيدة المتاحة للاستخدام الفوري.

أما إذا قرّر “بوتين” مهاجمة أوكرانيا بأسلحة نووية “تكتيكية” ذات مدى أقصر، فإن ذلك سيتطلَّب سحبها من أحد مواقع “العنصر إس”، و”سيستغرق الأمر ساعات لتكون الأسلحة جاهزة للاستخدام العسكري، ولتثبيت الرؤوس الحربية على صواريخ كروز أو صواريخ باليستية، ولتحميل القنابل الهيدروجينية على متن الطائرات”، حسب قوله.

وفي ضوء هذه المعطيات، لا يبدو استخدام روسيا للأسلحة النووية التكتيكية مرجحا، إذ يمكن للولايات المتحدة على الأرجح ملاحظة حركة هذه الأسلحة على الفور عن طريق وسائل المراقبة من الأقمار الصناعية، والكاميرات المخفية على الطرق داخل روسيا، وعملائها المحليِّين المزوَّدين بالمناظير.

وأورد “شلوسر” 4 سيناريوهات محتملة لاستخدام روسيا الأسلحة النووية في أوكرانيا على النحو التالي:

1- تفجير فوق البحر الأسود، لا يتسبَّب في وقوع ضحايا لكنه يُظهِر العزم على تخطِّي العتبة النووية.

2- توجيه ضربة للإطاحة بالقيادة الأوكرانية، في محاولة لقتل الرئيس “فولوديمير زلنسكي” ومستشاريه في خنادقهم المُحصَّنة تحت الأرض.

3- شن هجوم نووي على هدف عسكري أوكراني، ربما يكون قاعدة جوية أو مستودع مؤن، ولا يتسبَّب في إلحاق الأذى بالمدنيين.

4- تدمير مدينة أوكرانية، بحيث يتسبَّب في وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف المدنيين ويبُث الرعب للتعجيل باستسلام سريع، وهو ذات الهدف الذي حرَّك الهجوم النووي الأمريكي على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية.

 

 

وعن رد الإدارة الأمريكية على أي من هذه السيناريوهات، أشار “شلوسر” إلى أنه “لن يعتمد أي رد من إدارة بايدن على الطريقة التي ستستخدم بها روسيا الأسلحة النووية ضد أوكرانيا فحسب، بل على التأثير المتوقع للرد الأمريكي في طبيعة السلوك الروسي مستقبلا، وما إذا كان سيحُث بوتين على التراجع أم الإصرار أكثر على موقفه”.

ونوه التحليل، في هذا الصدد، إلى “سلم التصعيد” الذي ابتكره الاستراتيجي البارز في مؤسسة راند ومعهد هدسون “هِرمان كان”، خلال نقاشات الحرب الباردة، التي ركزت على طرق توقُّع وإدارة التصعيد المُحتمَل لنزاع عسكري نووي.

وتضمن سلم “كان” 44 درجة، واحتل “غياب الأعمال العدائية” فيها أسفل درجة، فيما احتلت “الإبادة النووية” أعلى درجة.

ويتنوَّع هدف كل درجة جديدة صعودا على السلم، فقد يكون الهدف إرسال رسالة إلى العدو أو الضغط على الخصم أو السيطرة عليه أو تدميره.

وفي نهاية المطاف، يكمُن الهدف من صعود السلم في العودة إلى أسفله مجددا يوما ما، بنزع فتيل الأزمة إما بالعودة إلى التفاوض وإما استسلام أحد الطرفين.

وفي السياق، ينقل “شلوسر” عن الخبير الاستراتيجي الأمريكي، عضو مجلس الشيوخ السابق “سام نان”، دعمه إستراتيجية إدارة “بايدن” القائمة على “الغموض المُتعَمَّد” بشأن طبيعة ردِّها في حال استخدام روسيا للسلاح النووي، بيد أنه يأمل بوجود شكل من أشكال الدبلوماسية تَتِم سِرًّا عبر قنوات خلفية.

ويقترح “نان”، في هذا الصدد، أن يتولى شخص يحظى بتقدير مثل “روبرت جيتس”، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مهمة إخبار الروس بصراحة تامة “مدى قسوة رد الولايات المتحدة إذا ما تخطوا العتبة النووية”.

ويؤكِّد “نان” على 3 أمور جوهرية وأساسية لتجنُّب كارثة نووية، هي: قادة عقلانيون، ومعلومات دقيقة، وعدم ارتكاب حماقات كبرى، مشيرا إلى أن “هذه الأمور الثلاثة كافة مشكوك حاليا بتوافرها”.

ويرى “نان” أنه إذا استخدمت روسيا السلاح النووي في أوكرانيا، “فليس على الولايات المتحدة الرد بهجوم نووي، بل يُفضَّل عوضا عن ذلك نوع من التصعيد الأفقي، والقيام بكل شيء مُمكِن لتجنُّب تبادل الضربات النووية بين روسيا والولايات المتحدة”.

كما يرى “نان” أن عدد الضحايا الأوكرانيين يجب أن يكون معيارا أساسيا لتحديد شدة الرد الأمريكي، و”يجب أن يجري أي تصعيد باستخدام الأسلحة التقليدية فقط لا غير”.

ومن أساليب التصعيد التي يقترحها “نان” إغراق أسطول البحر الأسود الروسي ضمن الرد العسكري الأمريكي، وفرض حظر الطيران على أوكرانيا، حتى لو تطلَّب الأمر تدمير الوحدات المضادة للطائرات على الأراضي الروسية.

وهنا يشير “شلوسر” إلى أن أيا من خبراء الأمن القومي الذين قابلهم لا يعتقد أن على الولايات المتحدة استخدام السلاح النووي في الرد على هجوم نووي روسي على أوكرانيا.

بل إن “روز جوتمولر”، التي عملت كبيرة المفاوضين الأمريكيين في معاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة مع روسيا، ترى أن يكون الرد الأمريكي على الضربة النووية الروسية المحتملة “دبلوماسيا وليس عسكريا” من الأساس، على أن يقترن ذلك بشكل من أشكال الحرب الهجينة. وأوضحت “جوتمولر” أن الولايات المتحدة تستطيع شن هجوم سيبراني مُدمر على أنظمة القيادة والتحكم الروسية المرتبطة بالهجمة النووية، ما يفتح الباب أمام احتمال توالي الهجمات العسكرية.

أما “سكوت ساجان”، المدير المشارك لمركز الأمن والتعاون الدولي بجامعة ستانفورد الأمريكية، فيعتقد أن خطر استخدام روسيا للسلاح النووي قد انخفض الشهر الماضي، مع تحوُّل القتال إلى جنوب أوكرانيا، موضحا: “من غير المحتمل أن يلوِّث بوتين بالغبار المشع منطقة يأمل في الاستيلاء عليها”.

كما يستبعد “ساجان” سيناريو الضربة الروسية التحذيرية، مثل تفجير سلاح نووي أعلى البحر الأسود دون التسبُّب في أضرار، واصفا إياه بأنه “سيكون أمرا غير مُجد”.

لكن “ساجان”، في المقابل، يرجح استخدام “بوتين” للأسلحة النووية “في حال خسارة روسيا معارك كبرى في دونباس، شرقي أوكرانيا، أو لو بدا الهجوم الأوكراني المضاد على وشك تحقيق نصر كبير”.

ويخلص تحليل “شلوسر” إلى أن نقاشات الخبراء تؤكد أنه على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لاتخاذ قرارات صعبة، ذات نتائج غير مؤكَّدة، إذ يستطيع “بوتين” اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان الهجوم النووي سيقع في أوكرانيا، ومتى سيكون ذلك وأين؛ بيد أنه لا يستطيع السيطرة على ما سيحدث لاحقا.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات