بيان سورة الاعلى من “تفسير البينة”

الشريف : خالد محي الدين الحليبي 

الملف بصيغة PDF :

سورة الاعلى

المقدمة 

ذكر السيد هاشم البحراني في تفسيره البرهان :

 [  الشيخ في (التهذيب): بإسناده، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن يوسف بن الحارث، عن عبد الله بن يزيد المنقري، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن عقبة بن عامر الجهني، أنه قال: لما نزلت{ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ } [الواقعة: 74] قال لنا رسول الله (صلى الله عليه و آله): ” اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } قال لنا رسول الله (صلى الله عليه و آله): ” اجعلوها في سجودكم

– ابن الفارسي في (الروضة): روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام)، أنه قال: ” في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر و البحر، و هذا تأويل قوله تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } [الحجر: 21].

و إن بين القائمة من قوائم العرش، و القائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسيرة ألف عام، و العرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله.

و الأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة، و إن لله ملكا يقال له حزقائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، فخطر له خاطر، هل فوق العرش شيء؟ فزاده الله مثلها أجنحة أخرى، فكان له ست و ثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح، إلى الجناح خمسمائة عام، ثم أوحى الله إليه: أيها الملك طر، فطار مقدار عشرين ألف عام، لم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش، ثم ضاعف الله له في الجناح و القوة و أمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف عام، و لم ينل أيضا، فأوحى الله إليه: أيها الملك، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك و قوتك لم تبلغ إلى ساق العرش. فقال الملك: سبحان ربي الأعلى: فأنزل الله عز و جل: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } فقال النبي (صلى الله عليه و آله): اجعلوها في سجودكم “.

– ابن شهر آشوب: عن تفسير القطان، قال ابن مسعود: قال علي (عليه السلام): ” يا رسول الله، ما أقول في الركوع؟ ” فنزل { فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ } [الواقعة: 74]، قال: ” ما أقول في السجود ” فنزل { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ }.  ” – البرهان للسيد هاشم البحراني ] .

 

و ذكر السيوطي في تفسيره :

 

[ أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة { سبح } بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: أنزلت سورة { سبح اسم ربك الأعلى } بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة { سبح اسم ربك } بمكة.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت { سبح اسم ربك الأعلى } في سور مثلها.

وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه السورة { سبح اسم ربك الأعلى }.

وأخرج أبو عبيد عن تميم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إني نسيت أفضل المسبحات فقال أبيّ بن كعب فلعلها { سبح اسم ربك الأعلى } قال: نعم “.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ { سبح اسم ربك الأعلى } و {هل أتاك حديث الغاشية – الغاشية: 1 {وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي عتبة الخولاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة { سبح اسم ربك الأعلى } و { هل أتاك حديث الغاشية }.

وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد { سبح اسم ربك الأعلى } و { هل أتاك حديث الغاشية }.
وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين { سبح اسم ربك الأعلى } و { هل أتاك حديث الغاشية }.

وأخرج البزار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بـ { سبح اسم ربك الأعلى } و { هل أتاك حديث الغاشية }.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بـ { سبح اسم ربك الأعلى }.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في سننه عن عمران بن حصين ” أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فلما سلم قال: ” هل قرأ أحد منكم بـ { سبح اسم ربك الأعلى } فقال رجل: أنا. قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها ” “. – الدر المنثور للسيوطي ] .

 

وذكر البيضاوي في تفسير أنوار التنزيل :

 

[ { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } نزه اسمه عن إلحاد فيه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه على غيره زاعماً أنهما فيه سواء وذكره الأعلى على وجه التعظيم، وقرىء «سبحان ربي الأعلى». وفي الحديث ” لما نزلت { فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } قال عليه الصلاة والسلام اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } قال عليه الصلاة والسلام اجعلوها في سجودكم ” وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت. – أنوار اتنزيل للبيضاوي ]

 

وقال الطبري في تفسيره لهذه السورة :

 

[ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { سَبِّحِ اسْم رَبِّكَ الأعْلىَ } فقال بعضهم: معناه: عظِّم ربك الأعلى، لا ربّ أعلى منه وأعظم. وكان بعضهم إذا قرأ ذلك قال: سبحان ربي الأعلى. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر أنه كان يقرأ: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلىَ }: سبحان ربي الأعلى { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } قال: وهي في قراءة أُبيّ بن كعب كذلك. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السُّديّ، عن عبد خير، قال: سمعت علياً رضي الله عنه قرأ: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى } فقال: سبحان ربي الأعلى. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمْداني، أن ابن عباس كان إذا قرأ: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى } يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ:{ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ } فأتى على آخرها{ ألَيْسَ ذَلك بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِي المَوْتَى } ؟ يقول: سبحانك اللهمّ وبَلَى. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى } ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربيَ الأعلَى. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن داود، عن زياد بن عبد الله، قال: سمعت ابن عباس يقرأ في صلاة المغرب { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى } سبحان ربي الأعلَى. وقال آخرون: بل معنى ذلك: نزّه يا محمد اسم ربك الأعلى، أن تسمي به شيئاً سواه، ينهاه بذلك أن يفعل ما فعل من ذلك المشركون، من تسميتهم آلهتهم بعضَها اللات، وبعضَها العزَّى. وقال غيرهم: بل معنى ذلك: نزّهِ الله عما يقول فيه المشركون كما قال:{ وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعَونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فيَسبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيرِ عِلْمٍ } وقالوا: معنى ذلك: سبح ربك الأعلى قالوا: وليس الاسم معنياً. وقال آخرون: نزّه تسميتك يا محمد ربك الأعلى وذكرك إياه، أن تذكره إلاَّ وأنت له خاشع متذلل قالوا: وإنما عُنِي بالاسم: التسمية، ولكن وُضع الاسم مكان المصدر. وقال آخرون: معنى قوله: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى }: صلّ بذكر ربك يا محمد، يعني بذلك: صلّ وأنت له ذاكر، ومنه وَجِل خائف. وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول من قال: معناه: نزّه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت من الأخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك قالوا: سبحان ربيَ الأعلى، فبَيَّن بذلك أن معناه كان عندهم معلوماً: عظم اسم ربك، ونزّهه.- تفسير الطبري ]

 

التفسير :

بسم الله الرحمن الرحيم

  • سبح اسم ربك الأعلى (1)

 

(سبح)

 

[ وسبح تسبيحا : نزه الله تعالى تنزيهاً – – معجم ألفاظ القرآن باب السين فصل الباء والحاء ]  كقوله تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولداَ سبحانه – البقرة 116 } وقال تعالى في تنزيهه عز وجل عن الولد والشريك { قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا – الإسراء 42-44 }

[ وسبحان الله : صيغة التسبيح – معجم ألفاظ القرآن باب السين فصل الباء والحاء ] قال تعالى { وسبحان الله وما أنا من المشركين – يوسف  108 ]

والتسبيح يأت في إشارة لأوقات للصلاة والذكر والتسبيح كما في قوله تعالى { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ – الروم 17-18 } وقال تعالى أيضاً { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا  -الفتح 8-9 } .

والتسبيح يكون بالليل وبعد الصلوات كما في قوله تعالى { ومن الليل فسبحه وإدبار السجود – ق 40 } ويكون التسبيح في السجود كما في قوله تعالى { ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا- الإنسان 26 }

ويقترن بالصلاة بعد ختمها أيضاَ كما في قوله تعالى { ومن الليل فسبحه وإدبار السجود – ق 40 }

وصيغة التسبيح وردت في قوله تعالى  { فسبح باسم ربك العظيم }

وقال تعالى مبيناً أن التسبيح في السجود لله تعالى في الصلوات كما في قوله عزوجل { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم – السجده 15  }

وهذا التسبيح تقوم به كل الخلائق وكل ما تراه عينك أو لا تراه ولكن لا يفقه الكثير تسبيحهم كما في قوله تعالى { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا – الإسراء 42-44 } وهنا لا تفقهون لا تعني نفي العلم بتسبيحهم وذلك لأن الفقه يؤتيه الله تعالى لأولي العلم فإن آمنوا وعلموا فقد فقهوقال تعالى  في المنافقين { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون – الحشر 13 } أي أن العلماء المؤمنين يمكنهم معرفة تسبيح بعض مخلوقات الله لأن قوله تعالى { وإن من شيئ  } الإنسان لايعلم كل شيئ عن خلق الله تعالى . ولكن الله تعالى يبين أن كل مخلوق من مخلوقات الله تعالى علمه الله تعالى صلاته وتسبيحه قال تعالى { كل قد علم صلاته وتسبيحه }

كل قد علم صلاته وتسبيحه { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ – النور 41 }

 

ويقترن التسبيح بالحمد والإستعفار كصيغة قرآنية يعلمها الله تبارك وتعالى للمؤمنين وذلك للبركة وغفران الذنوب كما في قوله تعالى { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا – النصر 3 } . وهذا التسبيح ليس كلمات وتمتمات دون العمل في طاعة الله وخاصة الصدقات وحقوق الفقراء فإذا سبح العبد لله تعالى فلابد له من العمل الصالح والصدقات للإجابة ولذلك  يقول هذا الرجل المؤمن وهو أوسطهم { ألم أقل لكم لولا تسبحون } والقصة هنا تبين منع جماعة حق الفقراء فدمر الله زرعهم كما في قوله تعالى { فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ  فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ – القلم 21-28 } .

 

وصيغ التسبيح  وهو التنزيه لله تعالى للثقلين تغفر الذنوب وتكفر السيئات لأنه تبارك وتعالى الأعلى كما في قوله تعالى هنا { سبح اسم ربك الأعلى – الأعلى 1} .

 

وأما :

 (اسم ربك)

 وهنا التسبيح يبين تعالى أن له أسماء و أوقات وصيغ وأماكن تتفاضل بعضها على بعض كما سنفصل هنا بإذن الله .

واسم ربك هو الله تبارك وتعالى أو الرحمن وهما أسمان منع الله تعالى وصرف أي بشر من أن يتسمي بهما كما في قوله تعالى { رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا  – مريم 65 } ثم تأت بقية الأسماء الحسنى لله تعالى كما في قوله تعالى { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا – الإسراء 110 } .

والله تعالى صاحب الأسماء الحسنى أمر بقراءة القرآن كما في قوله تعالى { اقرأ باسم ربك الذي خلق – العلق } وأمر الله تعالى بالصلاة له وذكره بكرة وأصيلا (أي في الصباح والمساء) كما في قوله تعالى { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا – الإنسان 25 } ومن فعل ذلك فهو من الفالحين كما في قوله تعالى { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى – الأعلى 14-15 }  ولله تعالى أسماء حسنى قال تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها – الأعراف 180 }

وحيث أن الأسماء ورد ذكرها في قوله تعالى { وعلم آدم الأسماء كلها – البقرة } ومنها أسماء الأنبياء لقوله تعالى في نبي الله عيسى { إن الله يبشرك بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى ابن مريم – آل عمران 45 } وقال تعالى في نبي الله يحى 0 عليه السلام) { إن الله يبشرك بغلام اسمه يحى لم نجعل له من قبل سميا – مريم 7 }

وفي اسم رسول الله صلى الله عليه وآله { ومبشراً برسول يأت من بعدي اسمه أحمد – الصف }

 

وبالتالي بهذه الأسماء الحسنى لله تبارك وتعالى وملائكته ورسله وأهل بيته عليهم السلام  يمكن الإستشفاع بهم في الدعاء بأنبياء  لاصطفاء الله تعالى لهم كما في قوله تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم – آل عمران } .

وهذا عن الأسماء والأوقات التي أمر الله تعالى بها في الدعاء والذكر ثالثاً بين تعالى أن هناك أماكن يكون العبد فيها اقرب لله تعالى وهى المساجد التي هى بيوت الله في الأرض قال تعالى { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ – الحج 40}

وأقرب هذه البيوت لله تعالى فيها تكون الإجابة سريعة  بيت الله الحرام أولاَ ثم بيوت أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام وهى البيوت التي أذن الله تعالى أن ترفع كما في قوله تعالى { ومن أراد النصر على ذلك فليسبح الله بالصيغة التي أمر بها والأوقات التي حددها وليقترب خاصة من الأماكن التي قال تعالى فيها {  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ  – النور 36 -37 } وهنا في الحديث يقول أبي بكر أبيت علي وفاطمة منها قال صلى الله عليه وآله  بل من أفضلها

[  روى الثعلبيّ في تفسيره (الكشف والبيان) وهو من مفسّري اهل السنّة، بسندٍ ينتهي الى انس بن مالك وبريدة، انهما قالا: قرأ رسولُ الله هذه الاية “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ”، فقام اليه ابوبكرٍفقال: يا رسول الله، هذا البيتُ منها ؟ يعني بيتَ علي وفاطمة، قال صلى الله عليه واله: “نعم، من افاضِلِها”. رواه ايضا الامرتسري في (ارجح المطالب) من طريق ابنِ مَردَويه والحافظ السيوطيّ الذي اورده في تفسيره (الدرّ المنثور). هذا، فيما روى ابنُ حسنويه وهو من محدّثي اهل السّنّة، في كتابه (بحر المناقب) عن ابن عبّاس انّه قال: كنتُ في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وقد قرأ القارئ: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ”، قال ابنُ عبّاس: فقلتُ: يا رسولَ الله، ما البيوت؟ فقال صلى اللهُ عليه واله: (بيوت الانبياء)، قال ابنُ عبّاس: وأوما بيده صلى الله عليه واله الى منزل فاطمة عليها السلام. ]

 

وهنا يكون العبد قد سبح اسم ربه الأعلى  بالأسماء التي أمر بها والأوقات والأماكن التي التي حددها عز وجل ويكون فيها العبد أقرب إلى الله تعالى كما في قوله تعالى هنا { سبح اسم ربك الأعلى } .

 

وأما :

 

(الأعلى)

 

[ والعلي  : الرفيع القدر والأعلى الأرفع قدراً عن وصف الواصفون – معجم الفاظ القرآن باب العين فصل اللام والواو ] وقال السعدي في تفسيره [ (سبح اسم ربك الأعلى) أي :  نزه اسم ربك الأعلى عن الشريك والنقائص تنزيها يليق بعظمته سبحانه,- تفسير السعدي ] . قال تعالى {  وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون  – الأنعام 100 } . [ والأعلى : أي الذي لا يقاس عليه أحد – معجم الفاظ القرآن باب العين فصل اللام والواو ] .

وهو منزه عز وجل عن الشريك ومنزه عن كل قول أو فعل كما في قوله تعالى {  قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا  – الإسراء 42-43 } وحيث ان كتاب الله تعالى وكلمته هى العليا كما في قوله تعالى { وكلمة الله هى العليا – التوبة } ومن أراد الإستعلاء والنصر على الظالمين فعليه الإستمساك والعمل بكتاب الله وولاية الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام  لقوله تعالى على لسان نبي الله موسى عليه السلام { فأجمعوا كيكم ثم ائتوا صفا وقد افلح اليوم من  استعلى – طه 64 } .

ومن أراد النصر على ذلك فليسبح الله بالصيغة التي أمر بها والأوقات التي حددها وليقترب خاصة من الأماكن التي قال تعالى فيها {  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ  – النور 36 -37 } .

ولذلك قال تعالى هنا لمن أراد رضا الله تعالى في الدنيا وبركتها والنصر فيها على الأعداء ثم ثواب الآخرة فعليه بالتسبيح كما بينا هنا في قوله تعالى { سبح اسم ربك الأعلى } .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • الذي خلق فسوى (2)

 

وهنا :

 

(الذي خلق)

 

أي الذي خلق السماوات والأرض كما في قوله تعالى { الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش – الفرقان 59 }

وكما خلق الله تعالى السماوات والأرض هيئها ليستعمرها بني آدم كما في قوله تعالى { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى االسماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيئ عليم – البقرة 29}

 

وقال تعالى أيضاً { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمربينهن لتعلموا أن الله على كل شيئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شيئ علما – الطلاق 12 } وهنا يتنزل الأمر بينهن لأنه قال تعالى { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ – فصلت 12} فالأمر يتنزل بين كل سماء وأرضها كما أخبر الله عز وجل .

و خلق الله تعالى كل شيئ وضده وكل الأزواج من الأنعام كما في قوله تعالى { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون – يس 36 }

 

ثم خلق الله تعالى الإنسان كما في قوله عز وجل { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا – النساء 1 } فلما خلقه تعالى سواع فعدله كما في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ماشاء ركبك – الانفطار 6-8 } وذلك هنا مراد الله تعالى من قوله عز وجل  { الذي خلق} .

 

وأما :

 

(فسوى)

 

[ وسواه : جعله على كمال واستعداد لما أنشئ من أجله وسوى الشيئ بالشيئ جعله مثله سواء فكانا مثلين واستوى الشيئان تعادلا وتماثلا – معجم ألفاظ القرآن باب السين فصل الواو والياء ] قال تعالى { ثم كان علقة فخلق فسوى – القيامة38 } وقال تعالى أيضاً { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين – الحجر 29 } [ واستوى إلى الشي : انتهى إليه وقصد إليه واستولى عليه ] قال تعالى { ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات – فصلت 11 } أي قصد إليها وأكمل خلقها وتدبير أمرها  لذلك قال تعالى { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  – البقرة 29 } وذلك معنى قوله تعالى { الذي خلق فسوى } .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • والذي قدر فهدى(3)

 

وهنا :

 

(الذي)

 

أي الذي خلق السماوات والأرض ومابينهما في قوله تعالى { الذي خلق السماوات والأرض ومابينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمروالنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين – الأعراف 54 } وكذلك  خلق الإنسان كما في قوله تعالى { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم انتم تمترون – الأنعام 2 } وهذا الخلق كله خلقه تعالى وفق  قدره معلوم وبحكمة بالغة قال تعالى فيها هنا   {والذي قدر فهدى } .

 

وأما :

 

(قدر)

 

وقدر الشيئ : حدد مقداره أو امتداده وقدر الله الأمر : قضى به أو حكم بأن يكون وقدر الله الشيئ : جعله بحيث ينهج منهجاَ صالحاً في حياته  وقدر في الأمر : تمهل وتروى في إنجازه – معجم ألفاظ القرآن باب القاف فصل الدال والراء ] قال تعالى { وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام – فصلت 10 } وكل شيئ خلقه الله تعالى قدرة وفق علم وحكمة بالغة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى لذلك قال { وخلق كل شيئ فقدره تقديرا – الفرقان 2 } وهذا القدر نعم القدر ونعم التدبير والخلق الحكيم كما في قوله تعالى { فقدرنا فنعم القادرون – المرسلات 23 } .

 

وأما :

 

(فهدى)

 

وهنا [ هدى له الأمر : بينه له ووضحه – معجم ألفاظ القرآن باب الهاء فصل الدال والياء ] وقد ألهم الله تعالى كل مخلوق وهداه إلى سلوك معين من النكاح حتى الولادة والرضاع والطعام والدفاع وذلك ليهتدي بهذا السلوك في الحياة الدنيا  فيعمروا الأرض ولا يفسدوا فيها قال تعالى  { ربنا الذي أعطى كل شيئ خلقه ثم هدى – طه 50 } . وقال تعالى أيضاً في بيان الله تعالى لرسوله طريق الهداية والوحي والعبودية لله تعالى { ووجدك ضالاً فهدى – الأعلى 3 } . وذلك معنى قوله تعالى هنا { والذي قدر فهدى} .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • والذي أخرج المرعى (4)

 

وهنا :

 

(الذي)

 

أي { الذي خلق فسوى} كان مما خلق أن أخرج المرعى في قوله تعالى { والذي أخرج المرعى } .

 

وأما :

 

(الذي أخرج)

 

أي أخرج للناس من الأرض زرعاً مختلفاً األوانه كما في قوله تعالى { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ – الزمر 21 } ومما أخرج للناس من الأرض المرعى لأنعامهم قال تعالى { الذي أخرج المرعى }  .

 

وأما :

 

(المرعى)

 

[ ورعى الراعي الماشية رعياً : سرحها ومكنها من الرعي والمرعى موضع الرعي – معجم ألفاظ القرآن باب الراء فصل العين والياء ] قال تعالى { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ   – طه 53-54 } .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • فجعله غثاءاً أحوى (5)

 

(فجعله غثاءاً)

[ يدور المعنى على ارتفاع شيئ دنيئ فوق شيئ فغثاء السيل والوادي والقدر : ما يطفح ويتفرق من الزبد ونحوه وغثا الوادي كدعا وأإثى وغثت نفسه كرمت : جاشت بشيئ مؤذ – معجم ألفاظ القرآن باب الغين فصل الثاء والهمزة ] وورد منه { فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاءاً فبعداً للقوم الظالمين – المؤمنون 41 } أي [ فصيرناهم بمنـزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه. … وعن ابن عباس: ( فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) يقول: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.- تفسير الطبري ]  وهنا { فجعله غثاءاً أحوى – الاعلى 5} [ عن ابن عباس، في قوله: ( غُثَاءً أَحْوَى ) يقول: هشيمًا متغيرًا – تفسير الطبري ] .

 

وأما :

 

(أحوى)

[ الحوايا الأمعاء وواحدتها حوية والحوة : خضرة تضرب إلى السواد أو سواد يضرب إلى الخضرة وحوى يحوي حوى : كان به حوًة فهو أحوى – معجم ألفاظ القرآن باب الحاء فصل الواو والياء ] قال تعالى في الامعاء

{ إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ماختلط بعظم – الأنعام 146 } وأما {غثاءاً أحوى } أي هشيما متحطماً بين يميل بين السواد والخضرة

 

ثم يقول تعالى :

 

  • سنقرئك فلا تنس (6)

 

وهنا :

 

(سنقرئك)

 

أي سنجعلك تقرأ القرآن ولو كنت لا تقرأ للحديث الذي قال فيه النبي لسيدنا جبريل عليه السلام حيث قال اقرأ قال ما أنا بقارئ … الحديث [ عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم فرجع بها رسول الله [ ص: 4 ] صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أومخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي – رواه البخاري –

كتاب بدء الوحي »– باب بدء الوحي ] .

 

 

وهنا نزلت أول آية في كتاب الله تعالى تقول له صلى الله عليه وآله { اقرأ باسم ربك الذي خلق – العلق } ثم يأمره تعالى بأن يتبع قراءة القرآن كما علمه له سيدنا جبريل عليه السلام ويبين لأمته بأن بيان القرآن يكون بالقرآن لقوله تعالى { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إنا علينا بيانه – القيامة } ثم يبين تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله بأنه لن ينسى كتاب الله بعد ذلك أبداً كما في قوله تعالى هنا { سنقرئك فلا تنسى – الأعلى }

 

(فلا تنسى)

 

والنسيان هنا ورد في كتاب الله أنه إن حدث فسيخرج من ديوان أولي العزم من الرسل كقوله تعالى في نبي الله آدم عليه الصلاة والسلام { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما – طه 115} وبالتالي قوله تعالى هنا لرسوله صلى الله عليه وآله { سنقرأك فلا تنسى } تعني أنه من أولي العزم كما في قوله تعالى { واصبر كما صبر أولي العزم من الرسل ولا تستعجل لهم – الأحقاف } كما أنه صلى الله عليه وآله منزه عن النسيان وفعل المعاصي أو الوقوع في الصغائر أو غيرها ومنزه عن النسيان أوالخطأ لورود هذا اللفظ على لسان نبي الله موسى عليه السلام في قوله تعالى { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره – الكهف 63 } ورسول الله إمام المرسلين (صلى الله عليه وآله) لا ينسى بنص قوله تعالى هنا { سنقرئك فلا تنسى – الأعلى} وذلك لأن نوره صلى الله عليه وآله مستمد من الله تعالى الذي لا يضل ولا ينسى كما في قوله تعالى على لسان نبي الله موسى عليه السلام  { لا يضل ربي ولا ينسى – طه 52 } وقوله تعالى  { وما كان ربك نسيا – مريم 64 } وأنبياء الله تعالى لا ينسون ولا يخطئون ولا يضلون وإمامهم رسول الله صلى الله عليه وآله المعصوم المنزه عن الخطأ والنسيان .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • إلا ماشاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7)

 

وهنا :

 

(إلا ماشاء)

 

وهنا (إلا ماشاء الله ) لا تعني أن رسول الله ينسى أشياء بل هو منزه عن النسيان كما قلنا وهنا إلا ماشاء الله وهو مانسخ من آيات قال تعالى فيها { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ  –  الرعد 39-40 } .

وهذه الآيات أيضاً تؤكد عصمته صلى الله عليه وآله عن الخطأ والنسيان وما أراد الله تعالى أن ينسيه إياه فهو مما نسخه الله تعالى وقال فيه { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا – الإسراء 86 } وما أثبته الله تعالى من كتاب الله فلن ينساه أبداً كما في الآية هنا { إلا ماشاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى }

 

وأما :

 

(إنه يعلم الجهر وما يخفى)

 

والجهر عكس السر كما في قوله تعالى {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ – الأنعام 3-4}

والجهر [ وجهر به : أعلنه وأبداه نقيض اخفى وأسر – معجم ألفاظ القرآن باب الجيم فصل الهاء والراء ] قال تعالى { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار – الرعد 10 }

وحيث أن الجهر بالقول لرسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ  – الحجرات 2 } نزلت في أبي بكر وعمر لما رفعا أصواتهما  بالقول فوق صوت النبي

كما في  تفسير الطبري [ عن الزبير, قال: ” قدم وفد أراه قال تميم, على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, منهم الأقرع بن حابس, فكلم أبو بكر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يستعمله على قومه, قال: فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله, قال: فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما عند النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, قال: فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي, قال: ما أردت خلافك. قال: ونـزل القرآن ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ )… إلى قوله وَأَجْرٌ عَظِيمٌ قال: فما حدّث عمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعد ذلك, فَيُسْمِعَ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, قال: وما ذكر ابن الزبير جدّه, يعني أبا بكر. – تفسير الطبري ] .

أي أن الله تعالى يعلم ما أسراه وما جهروا به لأنهما كانا حاكمان وكل حاكم يأت يوم القيامة مغلغلاً فلا يحله من عقاله إلا عمله الصالح . والله  تعالى يعلم كل ما أسره الخلق وما جهروا به كما في قوله تعالى { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور – الملك 13 }

 

وأما :

 

(مايخفى)

 

وهنا يبين تعالى أنه لا يخفى عليه شيئ في الأرض ولا في السماء قال تعالى { إن الله لا يخفى عليه شيئ في الأرض ولا في السماء – آل عمران 5 }

وما أخفاه أهل الكتاب بعث به رسول  الله صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى { قد جائكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير – المائدة 15 } أي أن الله ورسوله أعلم بما أخفاه أهل الكتاب وبما أخفاه المنافقين والكافرين كما في قوله تعالى { إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان به عليما – الأحزاب 54 } .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • ونيسرك لليسرى (8)

 

وهنا :

(ونيسرك)

 

[ ويسر الشيئ سهله ويسره وهيئه ومن هذا يقال يسر الله فلاناً للخير أو الشر – معجم ألفاظ القرآن باب الياء فصل السين والراء] قال تعالى { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى – الليل }  واليسرى لا ينالها العبد إلا إذا عمل بالقرآن الكريم وأحكامه ولقد يسره الله تبارك وتعالى لذلك كما في قوله تعالى { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر- القمر 17}  وهذا التيسير بابه ومدخله لبيان المستوى الأول في فهمه والذي فهمه بهذا اللسان الوليد بن المغيرة لما قال [ والله إن فيه لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلوا ولا يعلى عليه – السيرة النبوية لابن هشام ] وهذا الفهم المبدئي لكتاب الله بلسان رسول الله العربي صلى الله عليه وآله لقوله تعالى { فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدا – مريم 97 } . ومن كفر ونافق ومات على ظلمه فله يوماً سيحاسب فيه ولن يكون يسيراً كما في قوله تعالى { فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسيرعلى الكافرين غير يسير ذرني ومن خلقت وحيدا  وجعلت له مالا ممدودا – المدثر 8-12 }

 

ثم يقول تعالى :

 

  • فذكر إن نفعت الذكرى (9)

 

(فذكر إن نفعت الذكرى)

 

وهنا يبين تعالى أن كتاب الله هو الذكر كما في قوله تعالى { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون – الزخرف 44  } والذكر يكون بالقرآن الكريم لمن يخاف الله تعالى ووعيده كما في قوله تعالى { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد – ق } و لن يتذكر إلا من خشى الله تعالى كما في قوله عز وجل { سيذكر من يخشى – الأعلى 10} والمذكر هو رسول الله صلى الله عليه وآله كما في قوله تعالى {فذكر إنما أنت مذكر – الغاشية 21} ثم أهل بيته عليهم السلام أصحاب البيوت التي رفعها الله تعالى على كل الخلق في قوله تعالى { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ – النور 36-37 }

 

وهذه البيوت هى الموكول لها الدعوة إلى الله تعالى فقد بين الله تعالى أنه رفعها على كل بيوت العرب والعجم وأنه قد أذهب الرجس عنهم وطهرهم تطهيراً لقوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا – الأحزاب }  وأمر بمودتهم لقوله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى – الشورى } وبين تعالى أن مودة غيرهم وثنية في ثوب جديد باسم الدين قال تعالى فيها { وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا } وهذه الوثنية باسم الدين شركاء شرعوا للناس من الدين مالم يأذن به الله كما في قوله تعالى { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله – الشورى }

وهذه الذكرى  تنفع المؤمنين كما في قوله تعالى { وذكرفإن الذكرى تنفع المؤمنين – الذاريات 55 }

 

ويبين تعالى أن هناك كفاراً لن يقبلوا القرآن الكريم وذراري لهم لن تقبله إلا إذا قدموا عليه آراء وأهواء رجالهم ليتقاتلوا مع إخوانهم في الدين بالدين قال تعالى هنا { وإذا ذكرت ربك وحده في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا – الإسراء 46 }  وبين تعالى مسلك هؤلاء وتقديمهم آراء وأهواء علمائهم على كتاب الله تعالى قال تعالى هنا { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ – الزمر 45 }

واشمأزازهم هنا من ذكر الله إذا قال فيه الناس بولاية الله تعالى ورسوله ثم أهل بيته وولايتهم وإمامتهم وهنا الفتنة كل عام التي يفتنون بها في شهر المحرم من كل عام قال تعالى { أفلا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون – التوبة 126 }

 

ومن خرج على هذه الولاية وهذه الدعوة إلى ذكر الله تعالى لا يوجد أظلم منه  كما في قوله تعالى { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها – السجده 22 } ولذلك قال تعالى هنا { فذكر إن نفعت الذكرى } .

 

وأما :

 

( إن نفعت)

 

هنا يبين تعالى أن الذكرى لا تنفع إلا المؤمنين كما في قوله تعالى { وذكرفإن الذكرى تنفع المؤمنين – الذاريات 55 } وهؤلاء هم الذين تولوا الصادقين من أنبياء الله تعالى ثم أهل بيته عليهم السلام ولذلك قال فيمن تولوهم يوم القيامة { قال هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم – المائدة 119 } وهؤلاء أصحاب القلب السليم الذين قال فيهم سيدنا إبراهيم عليه السلام  { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ – الشعراء 88-89 } وهؤلاء هم الذين ينتفعون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام لقوله تعالى { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا – طه 109 } والذين رضى الله تعالى عنهم هم أمير المؤمنين وحزبه لما نزل فيهم من قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ – البينة 7-8 }

وهؤلاء وعد الله تعالى إمام آخر الزمان بالنصر والتمكين في الدنيا وهو فتح قال تعالى فيه { يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون – السجدة 29 }  وهذا الفتح تنزل فيه ملائكة قال تعالى في ذلك { هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ – الانعام 158 }

 

وعن الفريق الآخر الذي تولى آبائه وأجداده وقبيلته وقومه من دون الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام فهؤلاء قال تعالى فيهم محذراً من ولايتهم في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ – الممتحنة 1-3 }  وهؤلاء لا يدري أحداً هل سينفعونه في الدنيا والآخرة أم لا لذلك قال تعالى فيهم  { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا – النساء 11 } وطاعة هؤلاء ومن عبدوهم وتولوهم من دون الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام وكان القرناء هم الذين وسوسوا لهم ليصدوهم عن ذكر الله فهؤلاء جميعاً مشتركون في العذاب كما في قوله تعالى

{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ وأهل الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ – الزخرف 36-39 } .

ووهنا يقول تعالى لرسوله ودعوته بين الناس { فذكر إن نفعت الذكرى } ومن انتفع بها تولى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام ومن تركها فلن تنفعه أعماله ولا شفاعة له يوم القيامة وهو منأهل النار .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • سيذكر من يخشى (10)

 

أي أنه سيتذكر من خشى الرحمن بالغيب كما في قوله تعالى {   إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم ٍ– يس 11} ولذلك يأمر الله تعالى رسوله بأن يدعوا ويذكر هؤلاء الذين يخشون الله تعالى وعقابه كما في الآية هنا { سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ – الأعلى 10-12 } .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • ويتجنبها الأشقى (11)

 

والأشقى هنا هو الذي كذب وتولى عن ذكر الله حتى أصبح هو في جانب وذكر الله في جانب آخر وكذلك سيجنب الله تعالى الأتقياء النار حتى تصبح في جانب وهم في جانب لأننهم عملوا بذكر الله تعالى وتولوه عز وجل ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام قال تعالى { فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ – الليل 14-21 } . وكذلك سيتجنب ذكر الله الأشقى ةسيجنبه الله تعالى الجنة هنا كما في قوله تعالى { ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى – الأعلى 11-12} .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • الذي يصلى النار الكبرى (12)

 

وهنا :

 

(الذي يصلى النار)

 

[ الصلاء : النار وما تزكى به وتوقدها – معجم ألفاظ القرآن باب الصاد فصل اللام والياء ] قال تعالى { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ – القصص 29 } . وبالتالي وقود النار هم الناس و الحجارة كما في قوله تعالى { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ – البقرةة 24} وهو نفس المعنى هنا من أنه لا يصلى  النار الإ الأشقياء المكذبين من الكفار والمنافقين كما في قوله تعالى { فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى – الليل 14-16 } .

 

وأما :

 

(الكبرى)

 

تبدأ هذ النار الكبرى مع نزول البطشة الكبرى يوم القيامة الوارد ذكره في قوله تعالى { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون – الدخان 16} وهو يوم الطامة الكبرى كما في قوله تعالى { فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ماسعى وبرزت الجحيم لمن يرى – النازعات 34-36 } وهنا يكون الله تعالى قد حولهم من العذاب النار الصغرى في الدنيا والبرزخ إلى النار الكبرى كما في الآية هنا { الذي يصلى النار الكبرى } وهنا يكونوا قد انتقلوا من العذاب الأصغر إلى العذاب الأكبر الذي أنذر الله تعالى الناس منه في قوله تعالى {  وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ – السجدة 21-22 } فإن لم يرجعوا ويتوبوا فلا يوجد أظلم منهم وهنا يعذبون في الدنيا بعذاب أصغر ثم يعذبون بعذاب كبير حيث يصلى في حياة البرزخ بالنار الكبرى كما في الآية هنا  { يصلى النار الكبرى }فإذا قامت القيامة عذبهم الله تعالى بالنار الأكبر من الكبرى في حياة البرزخ وتلك المعاني واضحة من خلال التدرج اللفظي في كتاب الله فالنار الصغرى وعذابها الأصغر غير الكبير غير الأكبر كما بين الله تعالى وفصل في كتابه الكريم .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • ثم لا يموت فيها ولا يحى(13)

 

وهنا :

(ثم)

 

ورد هذا اللفظ في بيان نه بعد يوم القيامة في قوله تعالى { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ – البقرة 28 } فإذا رجعوا إلى الله تعالى بعد يوم القيامة للحساب لن يجدوا إلا النار الكبرى ةالعذاب الأكبر الذي توعدهم الله تعالى به كما في الآية هنا { وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ – الأعلى 11-13 } .

 

وأما :

 

( لايموت  فيها)

 

وذلك كقوله تعالى { وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ – فاطر 36-37 } أي أنهم لو ماتوا لأراحهم الله تعالى من العذاب ولو أحياهم لنجاهم منه وبالتالي فهم في عذاب مقيم خالدين فيه كما في ألاية هنا { ثم لايموت فيها ولا يحيا } .

 

وأما :

 

(ولا يحيا)

 

وهنا يبين تعالى أن الحياة الأبدية تكون في الآخرة من بعد الموت قال تعالى { وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ – العنكبوت 64 } أي أن الحياة الآخرة  الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها.  (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)  . وهنا يقول الظالمون بعدما تمتعوا بالدنيا ولم يؤدوا حق الله تعالى فيها { يقول ياليتني قدمت لحياتي – الفجر 24 }  وهنا يبين تعالى أن الإنسان في الدنيا مخير ببين العمل للدنيا والتمتع بها ثم النار في الآخرة وبين العمل للآخرة وطلب حسنة الدنيا والآخرة معاً برضا الله تعالى ورسوله قال تعالى { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ – هود 15-17 }.

والذي على البينة هنا هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وىله والشاهد افمام علي فمن أراد الله تعالى ورسوله والدار الآخرة فليتولى أهل بيته من بعده صلى الله عليه وآله [ روى الخبر ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ في (تاريخ مدينة دمشق)، والكنجيّ الشافعيّ في (كفاية الطالب)، والثعلبيّ في تفسيره (الكشف والبيان)، وفيه، عن ابن عباس في قوله تعالى:”أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ” قال: هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، “وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ” قال: هو عليّ خاصة. وروى ذلك أيضاً الحمويّ الجوينيّ الشافعيّ في مؤلفه القيم (فرائد السمطين) وابن المغازلي الشافعي في (مناقب عليّ بن أبي طالب)، وفيه عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليّاً يقول: (ما نزلت آية في كتاب الله جل وعز، إلا وقد علمت متى نزلت، وفيم نزلت. وما من قريش رجلٌ إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله، تسوقه إلى جنة أو نار!)، فقام إليه رجلٌ فقال: يا امير المؤمنين ما نزل فيك؟ فقال له: (لولا انك سألتني على رؤوس الملأ ما حدثتك، اما تقرأ: ” أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ” ؟! رسول الله على بينة من ربه، وأنا الشاهد منه أتلوه وأتبعه. وقريباً منه ما رواه الحسكاني الحنفي في (شواهد التنزيل)، وسبط ابن الجوزيّ في (تذكرة خواصّ الأمّة)، والحافظ ابو نعيم الاصفهانيّ في (حلية الأولياء)، والواحديّ في (أسباب النزول)، والقرطبيّ والماورديّ وأبو حيان في تفاسيرهم والقندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة)، وابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة)، والخوارزمي الحنفيّ في (المناقب)، وقال النيسابوريّ في (تفسير غرائب القرآن) ] .

 

ثم يقول تعالى :

 

  • قد أفلح من تزكى (14)

 

وهذه الآية يبينها قوله تعالى { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها – الشمس}

 

وأما :

 

(قد أفلح)

 

هنا يبين تعالى صفات الفالحين في الآخرة الذين زرعوا في الدنيا ليحصدوا نتائج أعمالهم في الآخرة وقال فيهم { قدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  – المؤمنون 1-11 } وهنا يرثون الفردوس الفردوس لا يدخلها أحد إلا بعد يوم القيامة لذلك جاءت مقترنة بلفظ ميراث والميراث قال تعالى فيه  { ولله ميراث السماوات والأرض} فإذا ورثها الله تبارك وتعالى حاسب الخلق فأدخل المؤمنون المفلحون الجنة  وهم الذين زكوا أنفسهم وطهروها بالأعمال الصالحة كما في الآية هنا { قد افلح من تزكى } ثم يدخل الله تعالى الخاسرون النار الكبرى وبعذابها الأكبر .

 

وأما :

 

(من تزكى)

 

[ وزكا يزكوا زكاءاً : نما وزاد وطهر وصلح – معجم ألفاظ القرآن باب الزاي فصل الكاف والياء ] قال تعالى مبيناً أن إزكاء النفس وتطهيرها لا يكون إلا بتعلم كتاب الله وسنة وسوله صلى الله عليه وآله لقوله تعالى {  هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ – الجمعة 2 } وبالتالي { قد افلح من تزكى} أي من علم وعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله وتولى أهل بيته عليهم السلام وذلك لأن المنافقين سيرفعون رجال قبائلهم ليدحضوا مناقب أهل بيت النبي فيذكون رجالهم كما فعل قوم نوح في رفع ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا فوق أنبياء الله من ذرية نبي الله نوحا ولذلك قال تعالى في استفهام استنكاري على المنافقين الذين كرروا  جرائم الأمم من قبل وقتلوا أنبياء الله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا  – النساء 49 -50 } ومن تزكى هنا فعليه بتعلم كتاب الله وسنة رسوله وفي كتاب الله تعالى أمر بولاية أهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وأمر بمودتهم واتخاذهم قادة ومن عمل بكتاب الله تعالى فقد أفلح وتزكى في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى هنا { قد أفلح من تزكى} .

 

ثم يقول تعالى :

 

(15) وذكر اسم ربه فصلى(15)

 

وهنا :

 

(وذكر اسم ربه)

 

 

اي صلى لله تعالى وسبحه ومجده وعظمه بكرة واصيلا أي في الصباح والمساء قبل طلوع الشمس وقبل الغروب قال تعالى { واذكر اسم ربك بكرة واصيلا – الإنسان 25 }

 

 

وقد بينا في أول السورة في قوله تعالى { سبح اسم ربك الأعلى } بأن التسبيح والذكر لله تعالى له صيغه وأعلاها الإستشفاع برسول الله صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام وأنبياء الله تعالى و ملائكته وأوقات وأماكن مفضلة على أماكن وافضلها وأعلاها شرفاً وأقرب أماكن للإجابة بيت الله الحرام و بيوت أهل بيت النبي (عليهم السلام) ثم بقية المساجد ومن أراد الفلاح والفوز بالدار الآخرة فعليه بذكر الله والتبتل بالليل وقيام الليل والناس نيام كما في قوله تعالى { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا- المزمل 8} .

 

وأما :

 

(فصلى)

 

والمفلحون هم الذين أقاموا الصلاة بشروط صحتها كما في قوله تعالى { قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون – المؤمنون1-2} وهم الذين قال تعالى فيهم أيضاً { ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ – البقرة 2-5 } وقال تعالى في شرط قبول الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر وكل ما نهى الله تعالى عنه قال عز وجل { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر – النحل } و[ قال صلى الله عليه وآله من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له … الحديث ] وبالتالي من تزكى هو من اقام الصلاة واجتنب النواهي وعمل بالطاعات وذلك لمن تزكى وطهر نفسه بالأعمال الصالحة قبل لقاء الله تعالى بالحياة الدنيا .

 

ثم يقول تعالى :

 

(16) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16)

 

(بل)

 

وهنا (بل) حرف عطف تسلُب الحُكم عمَّا قبلها وتجعله لما بعدها قال تعالى .

{ وقوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين – البقرة 135} وملة سيدنا إبراهيم لا تقوم على تقليد الآباء والأجداد بل على الوصية في أهل بيته عليهم السلام والحنيفية الإبراهيمية ولذلك قال تعالى في النهي عن تقليد الآباء والجداد وذمه تعالى تلك النحلة { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ – البقرة 170 } وهؤلاء في كل زمان يزكون رجالهم لورود هذا اللفظ في قزله تعالى

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا – النساء 49-50}

وهؤلاء جميعاً اتفقوا على نظرية كفرية ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم حينما قال تعالى عن الكفار والمنافقين { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ – المنافقزن 7} وبالتالي أكثر هؤلاء ينفقون أموالهم على العاهرات وفي الخمور والشهوات ويبخلون بها على رسول الله وأهل بيته مانعين حقهم في الخمس وفي مال الله الذي آتاهم فتحولوا إلى بخلاء قال تعالى فيهم { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ – آل عمران 180 } ومنهم طائفة من اليهود قال يد الله مغلولة كما في قوله تعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ-المائدة 64 }

 

وهؤلاء أكثرهم لا يؤمنون بالله كما في قوله تعالى { بل أكثرهم لا يؤمنون- البقرة 100 }  وذلك لنهم لو آمنوا بالله تعالى لأطاعوه ولعملوا بالحنيفية الإبراهيمية وتركوا تقليد الآباء وقولهم بالسلف الصالح لإستبعاد أهل بيت النبي من الولاية وهؤلاء هم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة كما في الآية هنا { بل تؤثرون الحياة الدنيا } وهؤلاء هم الذين بخلوا بالمال ومنعوا حق الله فيه كما بينا .

 

وأما :

 

(تؤثرون الحياة الدنيا)

[ وآثره يؤثره إيثاراً : اختاره وفضله – معجم ألفاظ القرآن باب الهمزة فصل الثاء والراء ] قال تعالى { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين – يوسف 91}

وهنا الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة هم الطغاة الذين قال تعالى فيهم { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى – النازعات 37-39}  .

 

وأما :

 

(الحياة الدنيا)

 

هنا يبين تعالى أن كل من استحب الدنيا والعمل لها على الآخرة والعمل لها فهو من الكافرين الذي قال تعالى فيهم { وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ – إبراهيم 2-3} وهذه الدنيا ومتاعيها بين تعالى أنها لا تنال إلا بالبغي على الآخرين كما في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ – يونس 23 } ولذلك يقول تعالى في وضع بني آدم في الإختيار في الدنيا بين العمل لها أو لله تعالى والدرا الآخرة ون أرد الدنيا فسيؤتيه منها وماله في الآخرة من نصيب قال تعالى { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ – هود 15-16} وقال تعالى أيضا { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ  – الشورى 20 } ولذلك هؤلاء ليس لهم إلا النار لأنهم آثروا الدنيا والعمل لها على الآخرة .

 

ثم يقول تعالى :

 

(17) والآخرة خير وابقى (17)

 

وهنا يبين تعالى أن الدار الآخرى جعلها الله تعالى للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا قال تعالى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ – القصص 83 } . وبالتالي متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى كما في قوله تعالى  { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا – النساء 77 } وقوله تعالى { ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون – يوسف 109} .

 

وأما :

 

(وأبقى)

 

[ وابقى : دام وهو ضد فنى ] قال تعالى { ماعنكم ينفد ماعند الله باق – النحل 96 }  والعمل لله تبارك وتعالى هو خير وأبقى كما في قوله تعالى { والله خير وأبقى – طه 73} ومادام العبد عمل لله فما عند الله من ثواب وجزاء خير وأبقى كما في قوله تعالى { وماعند الله خير وأبقى القصص 60 } وهذا الثواب في الآخرة من بعد الموت لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال [ الموت أول منازل الآخرة … الحديث ] وهنا يبدأ العبد في حصاد ماعمله في الدنيا من خير وهو خير وابقى مما كان في الدنيا من ثواب قال تعالى هنا { والآخرة خير وأبقى}

 

ثم يقول تعالى :

 

(18) إن هذا لفي الصحف الأولى (18)

 

وهنا :

 

(إن هذا)

 

وردت هذه الايات في موضع بكتاب الله يبين تعالى فيه أن هذه الصحف هى القرآن الكريم كما في قوله تعالى {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا – الإسراء 9 }  وهذا القرآن فيه أحكام من الصحف الأولى مبيناً فيها الثواب والعقاب كما في قوله تعالى { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } وفيها بيان لأهل الجنة وما أعده الله تعالى للذين آمنوا وعملوا الصالحات لذلك قال تعالى    { إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا – الإنسان 22 } وهذا الجزاء وهذه الأحكام ذكرها الله تبارك وتعالى من قبل في صحف نبي الله إبراهيم وموسى عليهما سلام الله تعالى كما في الآية هنا {  إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى }

 

وأما :

 

(لفي)

 

ورد هذا اللفظ في قوله تعالى { إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ – الشعراء 196-197} . وزبرالأولين من الصحف هنا وهى صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام .

 

وأما :

 

(الصحف)

 

[ الصحيف : وجه الأرض و الصحيفة : المبسوط من الشيئ كصحيفة الوجه ومن ذلك الصحيفة التي يكتب فيها وجمعها صحائف وصحف والمصحف ماجعل جامعاَ للصحف المكتوبة – معجم ألفاظ القرآن باب الصاد فصل الحاء والفاء ] قال تعالى في جزاء المتقين الذين زكوا أنفسهم بالأعمال الصالحة وماتوا على الإسلام لله تعالى { يطاف عليهم بصحاف من ذهب – الزخرف 71 }  وهذه الصحف المنزلة على سيدنا محمد قال تعالى فيها أنها تذكرة وأنها صحف مطهرة مرفوهة مطهرة قال تعالى { كلا فإنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة – عبس 12-14 } وهذه الصحف نزل فيها أحكام من الصحف الأولى قال تعالى فيها هنا { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى- الأعلى 18-19}

وهذه الصحف كفرت بها أمم من قبل كما كفرت بها قريش وكل منهم يريد ان ينزل عليه صحفاً كما نزلت على الأنبياء كما في قوله تعالى عن إعراضهم عن ذكر الله تعالى {  فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ بل يريد كل امرئ منهم  أن يؤتى صحفاً منشره – المدثر 49-52 } ثم يبين تعالى ما ورد في صحف إبراهيم وموسى من أحكام فيقول تعالى :

{ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ  أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ  أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ  وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا  – النجم 33-44 }

 

وهؤلاء لن ينفكوا عن كفرهم حتى تأتيهم بينة فيها هلاكهم نزلت على سول الله صلى الله عليه وآله في زمان الوعد الأول لهلاك قريشاً الأولى وقال تعالى فيها { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ – البينة 1-4}

 

وهناك بينة أخرى آخر الزمان لهلا  قال تعاك الظالمين قال تعالى فيها { أولم تأتهم بينة مافي الصحف الأولى – طه 133 } وبينة ما في الصحف

 

وأما :

 

(الأولى)

 

أي أن هذا القرآن نذير من النذر الأولى قال تعالى فيها{ هذا نذير من النذر الأولى – النجم 56 } وهذه النذر الأولى أهلك الله تعالى بها عاداَ وثمود الأولى والأمم الظالمة من قبل لقوله تعالى { وأنه أهلك عاداً الأولى وثمود فما أبقى – النجم 5-6} وهذه الصحف فيها هلاك الظالمين في وعدين قال تعالى في الوعد الأول لهم { هو الذي أخرج الذين كفروا من ديارهم لأول الحشر – الحشر } وبعثنا بعثنا عليكم عباداً لنا هذا هو الوعد الأول الوارد ذكره في قوله تعالى { فإذا جاء وعد أولاهما أولي باس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا – الإسراء } والوعد الثاني قال تعالى فيه آخر الزمان {فغذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا – الإسراء 104} وعن وعد قريشاً الآخرة الثاني آخر الزمان قال تعالى { سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم – التوبة } وهذا مكتوب أنوله الله تعالى في الصحف الأولى أيضاً وقال تعالى فيه هنا { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } .

 

ثم يقول تعالى :

 

(19) صحف إبراهيم وموسى(19)

 

وهنا يقول تعالى في كل من تولى عن طاعة الله تعالى وكفر به وبرسوله { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ  أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ  أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ  وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا  – النجم 33-44 } وما توعدهم الله تعالى هنا بينه وفصله في زبر وصحف الأولين قال تعالى { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } .

 

وأما :

 

(إبراهيم)

 

هنا يبين تعالى أن سيدناإبراهيم دعا لأمته ببعثة نبي يسبن بهم دينهم ويعلمهم الكتاب والحكمة كما في قوله تعالى عن الوعد الأول في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ – البقرة 129 } وقد دعا سيدنا إبراهيم في الصحف الأولى لإمام آخر الزمان في قوله تعالى { واجعل لي لسان صدق في الآخرين – الشعراء } والآخرين اي في آخر الزمان لقوله تعالى { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين – الواقعة } أي أنها دعوة يقصد بها إمام آخر الزمان والذي سيكون صادقاً في زمن أكثره أهل كذب ونفاق وكفر وفسوق وعصيان .

 

وأما :

 

(وموسى)

 

وهنا ذكر نبي الله موسى يبين أن قصته مع فرعون ستتكرر آخر الزمان لقوله تعالى في استمرار المعتقد الفرعوني بين الحكام حتى بعثة إمام آخر الزمان قال تعالى أولاً :

{ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة هم من المقبوحين }

ثانياً : علمنا القرآن الكريم دعوة على فرعون كل زمان بما يؤكد استمرار المعتقد الفرعوني لما دعا نبي الله موسى عليه في قوله تعالى { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ – يونس 88} وقال تعالى على لسان زوجة فرعون في دعائها بالنجاه من فرعون وعمله { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ – التحريم 11 }

 

وقصة نبي الله موسى و فرعون قال تعالى فيها لبيان أنها ستتكرر آخر الزمان  { طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ – القصص 1-6 } وهنا يبين تعالى أن هذا الموضوع بتفاصيله  مذكور في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام كما في قوله تعالى  { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } .

 

هذا وبالله التوفيق

 وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وسلاماً على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

انتهى العمل من هذه السورة الكريمة في 13 رمضان عام 1420هـ الموافق 21 ديسمبر 1999

 

خالد محيي الدين الحليبي

 

elqalamcenter@gmail.com

 

00201008219595

 

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

أنواع الآيات السبعة في القرآن الكريم من تفسير “البينة”(النبأ العظيم)

من تفسير ” النبأ العظيم أو تابوت السكينة” : بقلم : خالد محيي الدين الحليبي  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.