نظريات العلاقات الدولية والساعات المنبهة

 شفقنا :

 خاص- بالنظر إلى السمات الخاصة لنظريات العلاقات الدولية وبالاستعانة بنظرة تاريخية مؤسسة على تجربة التنافس الدولي، يتضح بان العالم أصبح يمر بظروف هشة تحمل في طياتها إمكانية اندلاع المواجهات العنيفة.

بعبارة أخرى يمكن تشبيه هذه النظريات بالساعات المنبهة إذ تقرع اجراسها بمجرد ظهور أفعال ما على الساحة الدولية الراهنة، وقد ابرزت فكرة الواقعية التي تعتمد على موازنة القوة، ضعف المدارس الأخرى واقرعت أجراس الخطر للسلام والهدوء الدوليين.

على وجه التحديد، وعلى الرغم من أنه في النظام متعدد الأقطاب، يؤدي نوع من التوازن النسبي وتعددية القوى إلى استمرارية الحياة الدولية، لكن محاولات القوى للحفاظ على مكانتها وكذلك بذلها المساعي لكي تصبح الفاعل المهيمن يؤدي إلى زعزعة النظام المتعدد الأقطاب ويزيد من خطر الصراعات.

هناك مؤشرات قد تنتهي إلى تكوين مصدر جديد لاندلاع الحروب على المستوى العالمي، وهي عبارة عن: قيام روسيا بغزو أوكرانيا وإمكانية انتهاء المعركة بحرب أوروبية روسية، والتي بغض النظر عن المشاركة المباشرة أو غير المباشرة لهذه او تلك الدولة، ستصبح قريبا معادلة روسيا ضد أوروبا والولايات المتحدة.

ان فرض العقوبات على روسيا وقطع عملية تصدير الطاقة الروسية إلى أوروبا تتحول إلى أداة ستقضي على محاولات ضبط النفس التي يبذلها السياسيون على المستوى العالمي، وتترك تأثيرها المباشر على المجالات الأخرى، كما ان ازمة الطاقة تجعل أوروبا تدخل معاناة جديدة ناجمة عن برد الشتاء، هذا وان العقوبات تجعل روسيا تعاني الامرين: جبهة إدارة الاقتصاد الداخلي وكذلك ساحة الصراع مع أوكرانيا.

ان طلب روسيا المساعدات من إيران وكوريا الشمالية، وبعيدا عن النوايا الخفية للبلدين لدخولهما في هذه القضية، يدل على فشل غزو روسيا وإرادة الغرب الحقيقية لاحتواء بوتين.

تعد حيثيات ومآلات أزمة أوكرانيا مقدمة لمسار الأحداث الدولية الأخرى، بما في ذلك فكرة هجوم الصين على تايوان، فضلا عن نتائج مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة بين القوى العالمية وإيران. إن تشديد العقوبات الروسية بسبب الهزيمة المؤكدة لبوتين ورد روسيا الصارم بإغلاق باب تصدير الطاقة يجعل الدول الأخرى تعيش لحظات من الخوف والأمل.

ومن المحتمل ان لا تقوم الصين باي مغامرة غير محسوبة ما لم يتم تحديد المعالم النهائية للغزو الروسي على أوكرانيا، الا إذا قامت أمريكا وحلفاءها بإدخالها في هذه الحرب رغما عنها.

تعبر نظريات المؤسساتية والبنائية والمثالية عن تفاؤلها بأن المؤسسات الدولية والتقارب الاقتصادي والاحتياجات المتبادلة والرغبة في الديمقراطية ستحرر القوى من الاصطدامات العنيفة وسيستمر النظام الدولي في منافسة مرنة مع الحد الأدنى من الصراعات العنيفة.

لكن التجارب التاريخية، بما في ذلك الوفاق الاوروبي، ونظام بسمارك الحديدي، وخاصة التوازن المحافظ التقليدي القائم على تقاليد تشرشل الإنجليزية، والتي أدى فشله عمليا إلى ادخال العالم في صدمة الحربين العالميتين؛ كلها تثبت ان هشاشة الأنظمة متعددة الأقطاب مع القوى المطالبة بالتجديدية، مثل الصين وروسيا في المقام الأول، والقوى الإقليمية مثل الهند وإندونيسيا والبرازيل وغيرها، هي أكثر بكثير من أنظمة ثنائية القطب وحتى متعددة الأقطاب.

إضافة إلى مات هناك فوارق في ساحة التنافس بين القوى للحصول على التقنيات الحديثة والمدمرة التي لا يمكن التنبؤ بقوتها، إذ جعلت اندلاع حرب شاملة بين القوى العظمى امرا سهلا وفي نفس الوقت ممتنعا.

ان القوى العظمى تحاول السيطرة على النزاعات قدر الإمكان. بما في ذلك عدم تسليم أسلحة هجومية إلى أوكرانيا، أو حتى على مستوى أدنى، اتخاذ تدابير مقيدة لمنع انهيار خطة العمل المشتركة الشاملة، ولكن ليس من الواضح كيف يمكن للتفاعلات العالمية أن تخضع للسيطرة. يبدو أن الخطر أصبح قريبا منا أكثر من أي وقت مضى. في مثل هذه الحالة، يمكن أن يكون لكل خطوة خاطئة عواقب ستعاني منها دولة ما لسنوات وتخلق ظروفا صعبة للدول الأخرى. أخطاء حدثت عدة مرات حتى يومنا هذا وتسببت في تغيير المعادلات الدولية بشكل عام ووقوع الدول في مواقف صعبة.

المصدر: صحيفة آرمان امروز

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

النهاية

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

حرب عالمية ذات بُعد حضاري

شفقنا : (منير شفيق) حدث تطوّران هامّان في الحرب الأمريكية ـ الروسية في أوكرانيا، الأول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.