طالبان واستغلال الدين لتحقيق مصالحها

شفقنا :

تمكنت طالبان من توظيف العقيدة والهوية الإسلامية لإضفاء الشرعية على أيديولوجيتها الدينية وتفسير القرآن وتطبيق الشريعة الإسلامية، فضلا عن هذا إنهم قادرون على تقديم أفكارهم الدينية بمثابة آلية ملائمة للتنظيم السياسي والاجتماعي، ولكي نستوعب كيف قاموا بهذا العمل، علينا تسليط الضوء على إطار الأيديولوجية الدينية التي تنفذها الجماعة وتتبعها غالبية القوى الفاعلة في الساحة الأفغانية.

ومن أجل فهم أسلوب كيفية اكتساب الأيديولوجية الدينية لطالبان الزخم السياسي من ذي قبل؛ وكيف يحاولون حاليا إعادة ترسيخ موقعهم كأرضية حكم مستقرة وفعالة، ينبغي التركيز على عدة عوامل وهي: الحقائق السياسية والاقتصادية لـ أفغانستان، التفاسير الدينية وأيضا كيفية عمل طالبان كقوة لخلق الهوية للأمة الأفغانية.

ان فكرة طالبان الجوهرية مستمدة من مدرسة الديوبندية وتضرب بجذورها في الفقه الحنفي، الذي يتبعه أغلبية الشعب الأفغاني، هذه الفكرة وبسبب علاقتها بالجماعات الجهادية على المستوى العالمي والتعامل مع علماء الدين في الشرق الأوسط وجنوب آسيا تعرضت إلى تغييرات كثيرة، على هذا فان عقيدة طالبان معرضة اليوم للتغييرات وتحمل في طياتها أجزاء من السلفية والجهاد السياسي والتقاليد القبلية المحلية.

وبهذه الطريقة، تمكنت طالبان من تقديم صورة للأفغان المسلمين الأتقياء و “الريفيين” الذين يجسدون المثل العليا للبساطة والأخلاق القبلية. وهذا ما حاولوا ترسيخه على أنهم مثال للهوية الوطنية الوحيدة وتقديمهم كونهم حراس الدولة الإسلامية حسب تصوراتهم.

ان عدم وجود تعريف واحد للدولة الإسلامية والغموض في تطبيقها على ارض الواقع، أدى إلى تحويل هذا المفهوم إلى مفهوم يتبع الأذواق وبلغ الأمر حدا إذ يتعرض للأشكال متطرفة. ومع ذلك، تعتقد طالبان أن الدولة الإسلامية هي التي تحافظ على القيم الإسلامية (أو على الأقل تفسير خاص للفقه والتراث الإسلامي). وهذا يعني أن مثل هذه الحكومة، التي يقوم حكمها على أمر إلهي، تضمن حقوق ورفاهية مواطنيها. هذا لأن هذه الحكومة ومن يحكمها يحققون إرادة الله على الأرض وبالتالي فإن نجاحهم مضمون.

تاريخيا، تعتبر الجماعات الإسلامية مثل طالبان والدولة الإسلامية بانهما تقفان بوجه الفساد الثقافي المستوحى من الغرب. الفساد الذي تعرض له المسلمون من خلال التقنيات الحديثة والقوة الناعمة لأمريكا. في الأساس، يزعمون أنهم حراس المبادئ الأخلاقية التي تؤدي في النهاية إلى الازدهار والرفاهية، ولا يمكن تحقيقها إلا إذا تحررت البلاد من اللاأخلاقية وكذلك في حال رفض الحكومة الهياكل والمؤسسات السياسية الغربية.

بالطبع، هذه القضية ليست محصورة بطالبان، وقد حاولت العديد من الجماعات الإسلامية الأخرى وبدرجات متفاوتة رفض الهياكل السياسية الحديثة التي فُرضت عليهم خلال الحقبة الاستعمارية، مثل الديمقراطية البرلمانية، والنظام الرأسمالي، وحتى حدود الدول، كما رأينا في حالة داعش. تدعي حركة طالبان أن المؤسسة السياسية القديمة من أفغانستان قد فشلت ولا يمكنها أن تجلب الرخاء والسلام لشعب هذا البلد. هذا وفي الجانب التاريخي، أدى تفشي الفقر والبطالة ونسبة الأمية في أفغانستان، إلى جانب الافتقار إلى سيادة القانون، إلى خلق فراغ سياسي لا يقلل من جاذبية النظام السياسي الحالي فحسب، بل يوفر مساحة للمؤسسات والجماعات الدينية لتقديم الخدمات الاجتماعية لسد هذه الفجوة. كما استغلت حركة طالبان عدم وجود حكم فعال بطريقة انتهازية لصالحها.

وفي سياق جهودهم لإنشاء حكومة مركزية ونظام قضائي منتظم، غالبا ما تجاهل الغربيون شبكات القوة التي تشكلت إقليميا من خلال الحكم المحلي والتحالفات القبلية. لكن من ناحية أخرى، وبمعرفتها هذه الحقائق، بدأت طالبان في إنشاء المحاكم والحكم المحلي. وخير مثال على هذا الإجراء هو استخدام طالبان لنظام قضائي ديني “جاد وفي المتناول”، مما ساعد الجماعة على كسب ثقة السكان المحليين ودعمهم؛ إذ لم تستطع الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة تحقيق هذه القضية من ذي قبل. زاد هذا الوضع شعبية طالبان في التسعينيات لأن الجماعة كانت قادرة على الاهتمام بمخاوف السكان المحليين وكذلك محاربة الفساد بشكل أكثر فاعلية من الحكومة المركزية باستخدام أدواتها العقابية القاسية. قد يكون التفسير الآخر لهذه الشعبية هو أن قسما كبيرا من الناس يؤيدون دستورا قائما على الشريعة ودور الزعماء الدينيين في صياغة قوانين البلاد إذ استمر هذا الوضع حتى عام 2010.

لكن هناك أدلة على أن مستوى الدعم لطالبان انخفض بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، حتى بين قواعدها الريفية والبشتونية. على سبيل المثال، في عام 2019، وطبقا لاستطلاع الرأي أن 13.4 في المائة فقط من الأفغان يدعمون طالبان -وهو تناقض واضح مع الدعم البالغ 50 في المائة الذي تم الإبلاغ عنه في عام 2009.

مما ذكر أعلاه، يمكن الاستنتاج أنه من أجل خلق توازن ضد طالبان وعقيدتها، ينبغي تعزيز الفاعلين القادرين على تعزيز الفقه الحنفي والعادات المحلية. هناك أيضا حاجة إلى بديل أيديولوجي مستدام. إن مثل هذه الخطوة، والى جانب انسجامها مع المشاعر الدينية للشعب الأفغاني، ستسمح لجماعات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية والأكاديميين والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني بالعمل على تحسين حياة الشعب الأفغاني وهي قضية نشأت في ضوء الأزمة الإنسانية الأخيرة، وقد أصبحت ملحة في أفغانستان.

المصدر: موقع راهبرد شرق

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

نيويورك تايمز : بوتين مستعد للقتال حتى النهاية على الرغم من العقوبات وإمدادات الأسلحة لأوكرانيا

  RT : قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطاب ألقاه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.