في 24 مايو/أيار الماضي، قال الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إن بلاده ستبدأ عملية عسكرية جديدة في سوريا بمجرد اكتمال الاستعدادات، وذلك في إطار خطة إنشاء “منطقة آمنة” بعمق 30 كيلومترًا على الحدود الجنوبية لتركيا.

وبعد أسبوع، كرر الرئيس التركي تصريحاته، وحدد منطقة العمليات الجديدة بأنها تل رفعت ومنبج، بهدف توسيع المنطقة الآمنة التي تسيطر عليها تركيا بالفعل في شمال سوريا، مع دفع حزب العمال الكردستاني وفروعه بعيدًا عن الحدود التركية.

وبالنظر إلى مصالح الأطراف الجيوسياسية في هذه المنطقة، فإن هذه الخطوة تحمل عواقب سياسية، لذلك يبدو أن تركيا تحاول تخفيف هذه التداعيات عبر الحوار الوثيق مع نظرائها، خاصة موسكو.

 

 

التحول إلى استراتيجية وقائية

بعد مبادرة السلام التي أطلقتها حكومة حزب العدالة والتنمية في عام 2013، حاول حزب العمال الكردستاني إنشاد مناطق سيطرة في المقاطعات الجنوبية لتركيا. ولمنع وصول قوات الأمن التركية، حفر حزب العمال الكردستاني الخنادق والأنفاق وأقام المتاريس وبدأ في إقامة نقاط تفتيش على الطرق.

ووصلت هذه الأنشطة إلى ذروتها في عام 2015، وردا على ذلك نفذت تركيا عملية واسعة ضد حزب العمال الكردستاني، تركزت في ديار بكر وهكاري وماردين وشرناق. وساعد ذلك في زيادة شعبية حزب العدالة والتنمية في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2015، مما أدى إلى فوز كبير وحصول الحزب على أكثر من 49% من الأصوات.

وبعد هذه العملية المحلية، تغير شكل الهجمات وتم استهداف المدن التركية من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” وحزب العمال الكردستاني، بما في ذلك أنقرة وإسطنبول وغازي عنتاب وكيليس. ونتيجة لذلك، تبنت أنقرة استراتيجية استباقية في عام 2016 ونفذت العديد من العمليات في العراق وسوريا، وكان الهدف قصير المدى لهذه الاستراتيجية هو القضاء على التهديدات التي تنطلق من خارج حدود تركيا وتأمين المدن الحدودية.

وعلى المدى الطويل، اعتبر المسؤولون الأتراك أن توسع حزب العمال الكردستاني والجماعات التابعة له – حزب الاتحاد الديمقراطي “بي واي دي” ووحدات حماية الشعب “يي بي جي” – هو تهديد رئيسي للأمن القومي، وبالتالي فإن العمليات تهدف أيضًا إلى منع انشاء “ممر إرهابي” بجوار الحدود الجنوبية للبلاد.

وأظهر التحول في استراتيجية أنقرة في عام 2016 انخفاضًا كبيرًا في الهجمات الإرهابية داخل تركيا، لكن هذا لم يكن هو نفسه بالنسبة لمناطق العمليات في سوريا والعراق.

وبالفعل، استمر استهداف المدنيين السوريين والقوات التركية في سوريا والعراق عبر هجمات بالقنابل أو ضربات صاروخية. وللقضاء على هذه المخاطر وتأمين الحدود التركية، أطلقت القوات المسلحة التركية مؤخرا عملية  “المخلب – القفل” في شمال العراق في أبريل/نيسان 2022، وتخطط الآن لعملية جديدة في سوريا. وبحسب تصريحات “أردوغان”، فإن منطقة العمليات المحتملة هي تل رفعت ومنبج لكن العملية ستستمر في مناطق أخرى حتى يتم إنشاء “منطقة آمنة” بعمق 30 كيلومترًا.

ويرتبط العامل الآخر الذي يشكل استراتيجية أنقرة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية لتل رفعت ومنبج اللتين كان العرب يشكلون غالبيتها قبل الحرب الأهلية السورية قبل فرار الآلاف من السوريين من هذه المناطق إلى تركيا في العقد الماضي.

و تقع منبج غرب الفرات وتتمتع بإمكانية الوصول إلى الموارد المائية، مما يجعلها مهمة بالنسبة لخطط إعادة توطين نصف مليون سوري إضافي من تركيا إلى “المنطقة الآمنة” الجديدة.

وبالرغم أن تركيا تواصل إنشاء البنية التحتية والفوقية وتوفير الخدمات العامة في مناطق مثل جرابلس وعفرين إلا إن إعادة توطين المزيد من الناس يتطلب التخطيط لإمدادات المياه والغذاء، وهو ما يمكن الوصول إليه بسهولة في منبج.

 

 

الدوافع السياسية لإعادة توطين اللاجئين

خلال السنوات الست الماضية، عاد أكثر من نصف مليون لاجئ سوري في تركيا إلى ديارهم. وأصبحت “المنطقة الآمنة” في محور “جرابلس-عفرين” شمال غربي سوريا نقطة تجمع لهم. ومع ذلك، تباطأ هذا الزخم بسبب الديناميكيات الأمنية غير المستقرة التي سببتها الجهات الفاعلة غير الحكومية والهجمات المتقطعة والموارد الشحيحة في المنطقة.

وقد أصبحت قضية اللاجئين السوريين عنصرًا مهمًا في السياسة الداخلية التركية منذ الانتخابات البلدية في عام 2019، ومن المرجح أن تهيمن على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في عام 2023. وتظهر استطلاعات الرأي أن أن حزبًا سياسيًا جديدًا (حزب الظفر) زادت شعبيته بنسبة تصل إلى 2% من الصفر بسبب حملاته حول قضية اللاجئين السوريين.

وفي مواجهة انتقادات شديدة من المعارضة، يبدو أن الحكومة ترى أن خطة إعادة التوطين ستكون أمرا ضروريا خلال الحملة الانتخابية المقبلة. وبالنظر إلى الأجندة القومية لحزب العدالة والتنمية، فإن أي عملية جديدة ستخدم مصلحة الحزب لتحويل انتباه الجمهور نحو “أجندة البقاء” ضد العناصر الإرهابية.

ومن المتوقع أن يكون الاقتصاد هو نقطة ضعف حزب العدالة والتنمية في الحملة الانتخابية المقبلة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ حكمه الذي استمر عقدين، ويحتاج الحزب إلى تعويض ذلك من خلال إظهار أنه يعيد توطين السوريين في بلدهم الأم ويحقق انتصارات عسكرية على فروع حزب العمال الكردستاني.

بالإضافة إلى ذلك، تسعى الحكومة التركية إلى الاستفادة من التغيرات في توازن القوى الدولي حيث تركز روسيا على الجبهة الأوكرانية بينما تكافح مع تداعيات العقوبات. وبطبيعة الحال، أصبحت سوريا قضية ثانوية على أجندة الكرملين.

وبينما تعيد القوات الروسية تقييم موقفها في سوريا، يبدو أن إيران تحاول ملء الفراغ، وتعتقد أنقرة أن رد فعل روسيا سيكون محدودًا في ظل هذه الظروف إذا تم إطلاق عملية جديدة عبر الحدود.

وبالرغم من استمرار الكرملين في إرسال إشارات متضاربة، يبدو أن الروس يفضلون التفاوض بخصوص هذا الأمر. وخلال زيارته إلى أنقرة، قال وزير الخارجية “سيرجي لافروف”: “نتفهم ونأخذ بعين الاعتبار حساسيات أصدقائنا الأتراك تجاه التهديدات الأمنية المنبثقة عن الجماعات الانفصالية التي تدعمها الولايات المتحدة على حدودهم”. ويمكن تفسير تصريح لافروف على أنه “ضوء أصفر” على العملية التركية الجديدة. لكن موسكو تريد إعادة توجيه البوصلة التركية إلى المناطق التي تنتشر فيها القوات الأمريكية.

 

 

تحركات “أردوغان”

في يونيو/حزيران الماضي، زار “أردوغان” طهران للانضمام إلى قمة ثلاثية مع نظيريه “فلاديمير بوتين” و”إبراهيم رئيسي”. كما أجرى لقاء ثنائي مع المرشد الإيراني “علي خامنئي”. وخلال الزيارة، أعاد “أردوغان” التأكيد على مخاوف تركيا بشأن “الممر الإرهابي” على حدودها الجنوبية.

ومع ذلك، أظهرت المتابعات المنشورة على موقع “خامنئي” أن إيران غير راضية عن خطط العملية التركية المحتملة. وذكرت أن “خامنئي” أخبر “أردوغان” أن “وحدة أراضي سوريا أمر بالغ الأهمية، وأن العملية العسكرية ستضر تركيا وسوريا والمنطقة ولن يستفيد منها سوى الإرهابيين.

وفي ضوء الموقف الإيراني، تحاول أنقرة حث موسكو على الاصطفاف معها لتحقيق التوازن ضد طهران. وفي الواقع، كان هذا هدف “أردوغان” من لقائه مع “بوتين” في سوتشي بعد 3 أسابيع فقط من قمة طهران. وكان الملف السوري على رأس جدول أعمال الرئيس التركي. وعقب الاجتماع، أصدر الطرفان بيانًا مشتركًا أعاد التأكيد على “ضرورة التنسيق والتعاون الوثيق في مكافحة جميع المنظمات الإرهابية”.

ويرى المحلل السياسي التركي “سرحات إركمان” أن تركيا تستطيع التغلب على المقاومة الإيرانية من خلال إدراج قوات النظام السوري في المعادلة بالتنسيق مع روسيا وبدء عملية في تل رفعت، وبعبارة أخرى، يمكن لصفقة مع موسكو أن تسمح لقوات “بشار الأسد” بالتقدم نحو الشمال، بينما توسع تركيا سيطرتها في تل رفعت ومن ثم منبج.

في غضون ذلك، هدأ التوتر بين الغرب وتركيا إلى حد ما بالتوازي مع العدوان الروسي على أوكرانيا. وساعدت تلك الحرب الغرب على تذكر دور تركيا الحاسم على الجناح الجنوبي لروسيا.  بالإضافة إلى ذلك، استخدمت أنقرة رغبة الناتو في ضم السويد وفنلندا لإجبار هذه الدول على مراجعة نهجها تجاه حزب العمال الكردستاني. نتيجة لذلك، قد يكون الغرب متسامحا مع عملية تركية في تل رفعت أو منبج أكثر من أي وقت قبل حرب أوكرانيا.

وتسعى تركيا حاليًا إلى تنسيق خطواتها مع الجهات الفاعلة الإقليمية وكذلك مع الولايات المتحدة وروسيا. من الصعب تحديد ما إذا كان لدى تركيا “ضوء أخضر” واضح من أي من هؤلاء الفاعلين. ومع ذلك، فإن الخطط العملياتية تبدو جاهزة. وهذه المرة ليست المخاوف الأمنية التركية فقط، ولكن أيضًا موازين القوى الدولية والديناميكيات السياسية المحلية هي التي تشكل موقف الحكومة التركية.

المصدر | حسن أوزيرتيم/ جيمس تاون – ترجمة وتحرير الخليج الجديد