الحوار الوطني بمصر.. رؤى متناقضة وانتقادات للتأخير والاستعانة برموز مبارك

الخليج الجديد :

“لا تعدو دعوة الحوار التي أطلقها النظام المصري أن تكون مناورة سياسية، يُراد منها شراء مزيد من الوقت، من أجل تمرير الأزمات التي تحاصر النظام، إلى جانب الرهان على تغير الأوضاع داخل الولايات المتحدة، وتخفيف وطأة الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس جو بايدن فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان”.

بهذه الكلمات تحدث الباحث “تقادم الخطيب”، عقب أيام من إعلان الرئيس المصري “عبدالفتاح السيسي” في أبريل/نيسان الماضي، الدعوة لإجراء حوار وطني، هو الأول منذ الانقلاب الذي قاده على أول رئيس مدني منتخب ديموقراطيا “محمد مرسي”، في صيف 2013.

حوار “السيسي” دعا إلى التركيز على إجراء “إصلاحات اقتصادية” ومواجهة “الإرهاب” في سيناء (شمال شرق)، ووعد بحضور جلساته النهائية، و”عرض نتائجه على مجلسي النواب والشيوخ لمزيد من النقاش”، في إشارة لتعديلات تشريعية.

وبعد أكثر من 100 يوم، من الدعوة للحوار، عقدت 6 جلسات تحضيرية، وتم الإعلان عن 12 مقررا ومقررا مساعدا للمحاور الثلاثة الأساسية، وهي الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، إضافة إلى لجان المحور السياسي.

 

 

إلا أن كل ذلك، لم يرق إلى مستوى طموح المعارضين أو مخالفي رأي السلطات في مصر، فتم استبعاد الإخوان المسلمين من الحوار، من البداية، وأعلنت الحركة المدنية اتخاذ الحكومة إجراءات اقتصادية وسياسية “ذات طابع استراتيجي”، قبل انطلاق الحوار، معتبرة أن ذلك يعد “تناقضا” مع الإعلان أن كافة القضايا التي تهم المواطنين ستكون محل نقاش في جلسات الحوار.

كما اعترضت الحركة على تشكيل لجان المحور السياسي للحوار الوطني بالقول، إنها “لم تحقق التوازن بين السلطة والمعارضة بمنطق التمثيل المتكافئ”.

البيان الصادر عن الحركة، وهي ائتلاف معارض من أحزاب سياسية وشخصيات عامة، في ما يبدو أنه مؤشر جديد على الإشكاليات المتواصلة التي يواجهها الحوار.

ويعدد البعض المخرجات الإيجابية غير المباشرة، التي تتمثل في التحسن الملموس “رغم محدوديته”، في تحريك الحياة السياسية والحزبية، بعد سنوات من الإغلاق، وإطلاق سراح بعض معتقلي الرأي.

 

 

وبلغ عدد “المخلى سبيلهم والمطلق سراحهم” بقرارات قضائية أو عفو رئاسي في “قضايا رأي وتعبير” ما لا يقل عن 196 شخصا، بينما تفيد تقديرات غير رسمية بأن العدد وصل إلى 700 من دون تحديد عدد المعارضين بينهم؛ إذ عادة ما تقول السلطات إنها “لا تميز بين سجين وآخر والجميع لديها سواء”.

وفي المقابل، يرى منتقدون أن الحوار لم يتقدم للإمام بسبب الإجراءات التنظيمية المتعددة التي أخذت وقتا طويلا نسبيا لا تتحمله الظروف والتحديات الراهنة، وفق مراقبين.

يأتي ذلك في وقت لا تزال السلطات تعتقل مواطنين بسبب التعبير عن آرائهم، وتضيق المجال العام ووسائل الإعلام، بما يخالف الادعاءات الرسمية عن التوجه نحو إصلاح سياسي حقيقي، يتماشى مع مبادئ الدستور الخاصة بحرية الفكر والرأي والتعبير.

ومع انطلاق الجلسات التحضيرية للحوار، كانت “الحركة المدنية” الصوت الأعلى للمعارضة عبر بيانات تطالب بتقديم ضمانات والإفراج عن “سجناء رأي”، لكنها تلقت أواخر هذا الأسبوع “انتقادات” من مؤيدين بارزين للرئيس المصري، عقب مطالبات جديدة بتوسيع اللجان والإصرار على تسريع وتيرة إخلاء السبيل.

ويأتي الحوار الوطني المصري في ظل أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها المنطقة ومصر، مثل اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، واقتراب مؤتمر المناخ الأممي في شرم الشيخ (شرق) نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وحوارات سياسية تعجّ بها المنطقة، لا سيما في تونس والسودان وليبيا.

 

 

بدوره، قال القيادي في الحركة المدنية المرشح الرئاسي الأسبق “حمدين صباحي” إن الحركة تقدم بيانها للشعب المصري ليعلم “أننا نريد الحوار ولكن إذا ضُيق علينا هذا الطريق فنحن أبرياء والسلطة هي المسؤولة”.

وأوضح في المؤتمر الصحفي الذي أعلنت خلاله الحركة بيانها أن “الحركة المدنية طالما وجدت إلى الحوار سبيلا فسوف تناضل من أجل ذلك، فالخيار بين الحوار وبين الانفجار”، بحسب وصفه.

وأضاف “صباحي”: “نحن لم نكن شركاء في صنع الأزمة، لكننا مستعدين أن نكون شركاء في صياغة الحل إذا سُمح لنا بتوفير ضمانات حقيقية”، مشددا على أن موقف الحركة هو أن الحوار بين سلطة ومعارضة وليس بين سلطة ومولاة لها، لكن “اليوم نشعر بأن هناك التفافا على هذا المعنى، ونية لأن تكون الحركة المدنية جزءا في حوار يتجاوز هذا المعني”.

وأكد أن قضية سجناء الرأي هي المقدمة التي لا مفر منها لتوفير ضمانات جدية الحوار، هي ليست قضية حقوقية فقط بل هي قضية سياسية بامتياز فضلا عن كونها قضية إنسانية، متابعا: “نريد لكل سجين رأي أن يعود لبيته، لكل أسرة تعاني من وجع فقدان عزيز ورميه وراء السجون أن تفرح، للبيوت الحزينة أن تشعر بقدر من الرضا”.

 

 

الإعلامي البارز “وائل قنديل” علق على مستجدات الحوار الوطني بالقول في مقال له، قبل أيام: “بعد مرور أكثر من مائة يوم على انطلاق الدعوة في أجواء أزمات عنيفة يواجهها النظام في الخارج والداخل، لم يتحقّق شيء من الحوار”.

ووصف “قنديل” الإعلانات الترويجية للحوار، والتوسّع في تشكيل لجان واختيار مقررين، ومقررين مساعدين بالعشرات، برسم صورة كاريكاتورية جدا، وكأنهم بصدد تشكيل حزب أو تنظيم سياسي، أو الاستعداد لانتخابات محليات، يتم انتداب العناصر الخبيرة المدربة لإدارتها وخوضها.

وتابع: “اللافت والمثير للسخرية، أنهم لم يجدوا وسيلة للخروج من الورطة، سوى الاستعانة بتشكيلة من الحرس القديم والحرس الجديد في نظام حسني مبارك (أطاحت به ثورة يناير/كانون الثاني 2011)”.

يشار إلى انه من أبرز المرشحين للجنة السياسية في الحوار “علي الدين هلال”، وهو أحد رموز نظام “مبارك” وأمين إعلام حزبه المنحل، بالإضافة إلى ترشيح “صفي الدين خربوش” أمين المجلس للأعلى للشباب ووزير الشباب في زمن “مبارك”، كمقرر للجنة حقوق الإنسان في الحوار.

وعلق “قنديل” على هذه الاختيارات بالقول: “هذا دليل على أن 10 سنوات من حكم الجنرال السيسي لم تفرز وجوها يمكنها أن تدير أو تمارس اللعبة السياسية، ولا تتمتع بأي قدر من الكفاءة يمكنها من تجميل صورة قمة النظام، وإغراء أطراف من خارجه بالدخول إلى حظيرة الحوار”.

وختم حديثه بالقول: “الشاهد أنّ لدى هذا الحوار الوطني المقصود محور واحد أساس، هو القطيعة التامة والخصومة الصريحة مع ما بقي من ملامح لثورة يناير/كانون الثاني، وترميم تصدعات النظام الناشئ عن عملية 30 يونيو/حزيران 2013، والتي كانت انقلابًا عسكريًا محمولًا على ظهر ثورة مضادّة”.

 

 

حديث “قنديل” أثار الجدل من جديد، حول أسباب سفر النائب السابق “أحمد الطنطاوي” خارج مصر، والاستقرار في لبنان، بعدما ضاق النظام ذرعًا بمناكفات النائب المعارض، وكلامه المتواصل عن سوء الإدارة، وتجفيف الحياة السياسية، ومصادرة الحريات والتغييب الكامل للديمقراطية، وبعبارة واحدة قطع الطريق على أي محاولة للتغيير والإصلاح.

ودأب “الطنطاوي”، خلال السنوات الخمس الماضية، على انتقاد سياسات النظام المصري، بل طالب الرئيس المصري بالاستقالة، مذكرا إياه بوعده بألا يستمر في منصبه أكثر من الفترة الدستورية المحددة بـ4 سنوات، قبل أن يتم تعديل الدستور خصيصا لمنح “السيسي” الفرصة لحكم البلاد لفترات طويلة.

وأصدر “الطنطاوي”، الذي قدم استقالته قبل أسابيع من رئاسة حزب “الكرامة”، بيانا الشهر الماضي، أكد فيه تمسكه بكل موقف اتخذه، وكل رأي أعلنه طوال رحلته.

ووصف الحوار الوطني بأنه “مناورة سياسية لتجميل وجه النظام”، مضيفا: “الحوار يقوم على أساس التكافؤ والشراكة لا المشاركة بين متبوع وتابعين”.

ولفت “الطنطاوي”، في حوار مع “بي بي سي”، إلى أنه لن يغير موقفه من السلطة، قبل أن يهاجم “السيسي” قائلا: “لن أكون شريكا أو نصيرا يوما ما للنظام الحالي”، لافتا إلى أن “النظام يقدم أسوأ ما يمكن”.

ووفق موقع “مدى مصر”، فإن سفر “الطنطاوي” إلى لبنان، جاء بناء على نصيحة كثير من المقربين منه، وأبرزهم “صباحي” الذي تم إبلاغه من جهات سيادية بضرورة إبعاد “الطنطاوي” عن المشهد السياسي، وإلا قد تضطر السلطات إلى اعتقاله.

 

 

وعلى صعيد مواقع التواصل الاجتماعي، شن ناشطون هجوما على مخرجات الجلسات التحضيرية للحوار الوطني، معتبرين نظام “السيسي” صورة أخرى لنظام “مبارك”، بنفس الوجوه القديمة.

 

 

هذا الهجوم على الحوار “غير المكتمل” دفع “السيسي”، لانتقاد ما يجري، بقوله خلال افتتاح مشروعات، قبل يومين: “ما ينفعش تبقى مش عارف يعني إيه دولة، وتيجي تناقش الحكومة”.

ومما قاله “السيسي” إن أكثر ما يخشاه “هو التناول غير الموضوعي لبعض الملفات”، مضيفا: “فيه ناس مش عارفة يعني إيه دولة وعايزة تعمل نقاش مع الحكومة.. اللي حصل خلال 50 سنة، الناس مكنتش عارفة يعني إيه دولة… أو عارفين ومش قادرين يعملوا”. وتابع: “الدولة حاجة تانية غير اللي بتتكلمو فيها”.

حديث “السيسي”، عد من قبل البعض ردا على التصريحات والأحاديث التي تحدثت أخيرا عما وصف بـ”التفاف من جانب السلطة” على الحوار.

أما الخلاصة، فعبرت عنها 5 منظمات حقوقية مستقلة الأسبوع الماضي؛ حين حددت 8 مطالب قالت إنه يتعين تنفيذها قبل إجراء الحوار الوطني، والتي من شأنها المساهمة في تهيئة المناخ السياسي لحوار جدي يمهد لبناء ثقة المواطن المفقودة في سلطات ومؤسسات الدولة ودستورها ومبدأ حكم القانون.

وجاء الإفراج الفوري عن جميع سجناء الرأي على رأس المطالب، مع الوقف الفوري لجميع أشكال التعذيب والمعاملة القاسية وإحالة مرتكبيها للمحاكمة، والرفع الفوري للقيود الأمنية على نشاط الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية والمنظمات الحقوقية المستقلة، ووقف كل أشكال الرقابة الأمنية على وسائل الإعلام.

المصدر | الخليج الجديد

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

بعد 84 عاما: بي بي سي توقف البث الإذاعي باللغة العربية

القدس العربي : لندن ـ عمان: تلقى المستمعون العرب إعلان هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عزمها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.