النظرة إلى عاشوراء في الفقه الشيعي

شفقنا :

كتب الخبير والباحث في تاريخ التشيع، الدكتور رسول جعفريان مقالة حملت عنوان النظرة إلى عاشوراء في الفقه الشيعي تطرق في الجزء الخامس إلى قضية عاشوراء وتشكيل الحكومة وكذلك المقاربة الدينية -الاجتماعية -السياسية في تحليل عاشوراء.

 

فيما يلي الجزء الخامس من المقال.

 

ان تشكيل الحكومة بالنسبة للإمام يعد أمرا مهما، إذا ما توفرت الشروط، أي “حضور الحاضر”. وعند التطرق إلى أحداث كربلاء في الجانب التاريخي، أثيرت قضية مفادها هل كان بإمكان الإمام الحسين عليه السلام تشكيل الحكومة أم لا. في الآونة الأخيرة، ظهر اختلاف تاريخي في الرأي حول تحليل أوضاع العالم الإسلامي آنذاك، ولا سيما العراق والكوفة. لا شك في أن هذه الفكرة كانت موجودة في الرواية التاريخية لكربلاء.

 

ان الحديث عن البيعة وعدم الرضوخ لسلطة الآخر، والذهاب إلى مكة، ودعوة اهل الكوفة، والسير نحو الكوفة، والبيعة مع أهل الكوفة، وهو نوع من العمل السياسي لتولي القيادة، وتذكير الإمام الحسين عليه السلام الكوفيين بأنكم وجهتم الدعوة وقلتم: ليس لدينا إماما، وما إلى ذلك.

 

وكذلك العديد من الروايات الأخرى تظهر أن التحليل القائل بأن هدف هذه الثورة هو القيام بالتكليف حول تشكيل الحكومة كان موجودا على الأقل في الوقت الذي اكتسب فيه الإمام الثقة بأهل الكوفة -قبل وصول خبر استشهاد مسلم.

 

لم تكن وجهة النظر هذه موجودة في الفقه السياسي القديم، والسبب أن أساس الفقه الشيعي كان مبنيا على نيابة الإمام وليس الإمام وهو غائب. وتعززت هذه النيابة تدريجيا خلال الفترتين الصفوية والقاجارية، وفي فترة معينة بالتحديد دخلت “العلاقة بين عاشوراء وتشكيل الحكومة” في النقاشات الفقهية.

 

كانت هذه المناقشات موجودة بشكل أو بآخر في العديد من كتابات ما قبل الثورة، على الرغم من أنه كانت التفسيرات الرمزية والأسطورية لعاشوراء وبتأثير من قضايا أخرى، خاصة النضال أو الاستشهاد، لها حضورها في الساحة.

 

الممثلان الرئيسيان لهذه الفكرة هما صالحي نجف آبادي والإمام الخميني. وكما أكد الإمام الخميني على محاربة الظلم كونه تكليفا فقهيا مستمدا من عاشوراء، فقد أكد كذلك على قضية تشكيل الحكومة على أساس حركة الإمام الحسين (ع) وعبر عن هذه القضية مرارا وكرارا. من المناسب نقل عبارتين من الإمام الخميني هنا:

 

عندما جاء سيد الشهداء إلى مكة وخرج من مكة في تلك الحالة، كانت حركة سياسية كبيرة، ان كل ما قام به الإمام كانت سياسية، إسلامية سياسية، وان هذه الحركة كانت إسلامية سياسية إذ قضى على بني أمية ولو لم تكن هذه الحركة، لكان الإسلام قد انتهى. (صحيفة النور، 18/140).

 

في عبارة أخرى له قال الإمام: إنما تقدم سيد الشهداء لاستلام الحكم وان تحركه كان من أجل هذا المعنى بالأساس. وهذا فخر له.

 

ويخطئ من يتصور أن الإمام سيد الشهداء لم ينهض من أجل الحكم. لقد نهض من أجل أن يكون الحكم بأيدي من هم أمثال سيد الشهداء، ان يكون بأيدي شيعة سيد الشهداء (المصدر نفسه، 190/20).

 

ففي عبارات الإمام تم التركيز على مختلف جوانب ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ومن بينها تعد الثورة بوجه السلطان الجائر ومفهوم الظلم ومحاربته أكثر تركيزا.

 

  1. المقاربة الدينية -الاجتماعية -السياسية في تحليل عاشوراء

يعود هذا التحليل، وما عدى ما نعرفه عن شريعتي في كتب: شهادت وحسين وارث آدم وغيرهما، إلى الشهيد مطهري. ان هذه التحليلات تقدم عاشوراء ليس من زاوية فقهية، بل كشعار، وقيمة، ونوع من الخلود، وملحمة، وما يشبه أسطورة تبقى رمزا بين الأمة، وما إلى ذلك.

 

لا جرمَ أن يستخدم الشهيد العنوان العام أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الحديث عن عاشوراء، ولكن ليس كمبدأ فقهي، ولكن عمومًا تحت عنوان إحياء الدين والحفاظ على القيم وتخليدها.

 

ويحاول الشهيد مطهري إخراج كربلاء من كونها حدث خاص وإضفاء طابع حركة ثورية عليها، يمكن التأسي بها، ولهذا فهو لا يتحدث عن تحليل فقهي نسقي، بل يستخدم مفاهيم اجتماعية وثورية متداولة. وفي نفس الوقت الذي يقوم بنقد كتاب “شهيد جاويد”، يحاول استخدام المعطيات التاريخية.

 

وعلى سبيل المثال، يعتبر أن طبيعة حركة كربلاء متعددة الأوجه.

 

1-   الأول الجانب الدفاعي، أي يطلبون منه البيعة لكنه يرفضها، ثم يهجمون عليه وانه يدافع عن نفسه.

 

2-   الثاني: دعوة أهل الكوفة إذ يعدها اقل الأسباب لهذه الثورة، ويرى بأنها تعبر عن جانب التعاون في هذه النهضة. (مجموعة آثار، 17/152) (وفي نقد شهيد جاويد يضع هذا الأمر أساسا للثورة، مجموعة آثار 17/148)

 

3-   الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ يضفي الطابع الهجومي على هذه الحركة، ويرى بأنها هي الأساس، إليكم مثالا لكلام الشهيد مطهري في هذا المجال: فلو سُئلنا أنتم تطلقون في يوم عاشوراء شعار الحسين كرارا وتضربون على اجسادهم، ماذا تقصدون من هذه الاعمال؟ أقول: إننا نريد إعادة كلام سيدنا، إننا نريد في كل عام ان نقوم بتجديد الحياة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، لأقول ان عاشوراء هي يوم تجديد حياتنا، في هذا اليوم نريد الاغتسال في الكوثر الحسيني ونريد تجديد الحياة واغتسال أرواحنا وإحياء أنفسنا، ونريد تعلم المبادئ والأسس الإسلامية من جديد، ونريد ضخ روح الإسلام في أنفسنا من جديد، لا نريد ان ننسى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نريد الشعور بالشهادة والجهاد والتضحية في سبيل الحق، لا نريد ان تموت روح التضحية في سبيل الحق في أنفسنا. (مجموعه آثار، 17/189).

 

ما ورد أعلاه تضفي نوعا من الطابع الاجتماعي والثوري على البحث، لكنها لا توضح طبيعته الفقهية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من النظرة وفي ظل ظروف بدأت تتحول كربلاء ومراسم عاشوراء في إيران إلى نوع من العادات وبفحوى لا يتمتع بالثراء الا قليلا وأحيانا تحول إلى مبرر لتسلية المذنبين ومنحهم الأمل، لو أرادت هذه الانواع ان تتخذ جانبا حقوقيا، فيعد من اللازم ان تتحول إلى بحث فقهي، وتتم مناقشتها حتى يتضح تكليف المقلد.

 

دور عاشوراء في مسار التغيير الاجتماعي

هناك قضية لا يجب تجاهلها، وهي دور عاشوراء واضح وجلي في دائرة ومسار التحولات والتغييرات الاجتماعية، على غرار ما حدث في إيران، وخاصة دمج الدين والمطالبة بالحرية منذ الدستورية حتى الثورة الإسلامية.

 

ويبقى القول صحيحا أن فكرة الاستشهاد توجد في الإسلام وحتى الآن يطبقها السلفيون المتطرفون بجدية أكبر من أي وقت مضى، حتى بالمقارنة مع الشيعة، وذلك في إطار العمليات الانتحارية، لكن علينا ان نعرف بان هذا المسار لا يسير نحو المطالبة بالحرية، بل على العكس، إنه مناهض للحرية ويروج لنوع جديد من الهيمنة والاستبداد.

 

هذا وان فكرة الاستشهاد في التشيع وفقا لما رسم الإمام الحسين عليه السلام معالمها، هي تقريب مسار النضال السياسي مع نوع من الحركة المطالبة بالحرية التي تشكل ثورة عاشوراء القسم الأكبر من ذلك المسار، على اقل تقدير، على هذا لا يجب ان نستغرب عندما نرى بان القادة الدينيين في الثورة الدستورية، يقفون إلى جانب المطالبين بالحرية,

 

وفي الثورة الإسلامية جاءت الشعارات المناهضة للاستبداد والظلم وفقا لتعاليم عاشوراء بالتحديد، وإضافة إلى هذا انه من قلب المقاربة الجديدة تجاه عاشوراء تتم مناقشة موضوع دور ومكانة الناس في أي حركة، ويمكن العثور على ذلك في بعض النتائج الجديدة حول كربلاء قبل الثورة. ومنها ان مطالبات الناس لها أهمية قصوى وأنها تقع المسئولية على عاتق الإمام حتى يبدأ الحركة.

 

للحديث تتمة

 

بقلم الدكتور رسول جعفريان

 

————————

 

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

مشروع سعودي إماراتي ضخم على أرض مقر الحزب الوطني المحترق في مصر (صور)

الخليج الجديد : كشفت تقارير إعلامية، أن السعودية والإمارات تخططان لتنفيذ مشروع ضخم على أرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *