فيصل الأول … ملك بحجم المشرق العربي! للكاتب السوري ثائر الدوري

القدس العربي :

ثائر دوري

صدر عن مركز الرافدين للدراسات والنشر بمناسبة مئوية الدولة العراقية 2021، كتاب «فيصل الأول ملك العراق» تأليف علي عبد الأمير علاوي ترجمة سيمون أكرم العباس ـ غيث يوسف محفوظ. ومراجعة مقدام عبد الحسين فياض وصدرت الطبعة الأولى عام 2022 – صدر الكتاب أول مرة باللغة الإنكليزية عام 2014 وإحدى أهم أخطاء الطبعة العربية من الكتاب خلوها من الإشارة إلى اسم الكتاب باللغة الإنكليزية، وتاريخ صدوره، لكن بات معروفاً أنه صدر باللغة الإنكليزية عام 2014.. المؤلف وزير مالية سابق في حكومة مصطفى الكاظمي.

تشكيل صورة فيصل

إن إعادة تشكيل صورة فيصل بعد مئة عام ونيف أشبه بلعبة البزل، أنت بحاجة لتأخذ قطعة من تاريخ كل دولة قطرية في المشرق العربي، شرق قناة السويس، لتكمل رسم الصورة. من الحجاز إلى إسطنبول ثم إلى الحجاز ثانية ثم إلى دمشق وبعدها إلى بغداد، مروراً بمدن المشرق العربي التي ترك بصماته فيها، حماة، حلب، درعا، عمان، العقبة، حيفا، القدس، الموصل، البصرة، الطائف، عسير، وكأن الرجل الذي حلم بدولة عربية تمتد من عدن إلى مرسين يأبى حتى في موته الاعتراف بحدود سايكس بيكو، التي كانت دولته في دمشق أولى ضحاياها. كما أن سيرة الملك فيصل تشكل تكثيفاً لسيرة جيل كامل كان يحلم بدولة عربية مشرقية فتنقل بين دمشق وبغداد والقدس والجزيرة العربية من أمثال، فوزي القاوقجي والشيخ أمين الحسيني ورستم حيدر وجعفر العسكري وفؤاد الخطيب.. قبل أن ينهار الحلم ويتمزق تاريخهم الشخصي كما تمزق المشرق، لذلك يقارن الكاتب بين بوليفار الذي حلم وسعى لأمريكا لاتينية موحدة والملك فيصل.

استعادة فيصل

مات الملك في سويسرا أول أيلول/سبتمبر 1933 بعد إنجازه توقيع المعاهدة العراقية ـ البريطانية بعد عام من خلاص العراق من نظام الانتداب وحصوله على استقلال رسمي وانضمامه إلى عصبة الأمم المتحدة عام 1932. وبعد انتهاء أول تحد للدولة الوليدة المتمثل بالتمرد الآشوري، أصيب بإرهاق شديد نتيجة انغماسه في عمل طويل لا يعرف الراحة ولا الكلل أو الملل. في سويسرا خضع لعلاج على يد طبيب سويسري اسمه ألبرت كوخر كان قد طور طريقة غير تقليدية للعلاج بالحقن العضلية، وتفاوت تقييمه بين عبقري ودجال، ليتوفى الملك في 8 سبتمبر 1933 بنوبة قلبية. ويحمل جثمانه بتابوت ملفوف بالعلم العراقي في القطار إلى ميناء برينديزي ثم ينقل الجثمان في11 سبتمبر في سفينة عسكرية بريطانية إلى ميناء حيفا فاصطف ما يقرب من ثلاثين ألفاً من العرب من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين وشرق أردنيين وعراقيين وحجازيين على جانبي الطريق من حيفا إلى القدس لوداع ملكهم، لكل منهم حصة في الملك وكلهم يعتبرونه ملكهم «اندفعت الحشود العاطفية حول النعش. لكن استمر تقدم الموكب على قدم وساق حتى وصل موقع المراسم الدينية».

منعت الشرطة الحشود من الوصول إلى النعش الذي كان الأفراد يحاولون لمسه. قام بتأبين الراحل رجل الدين المسلم علي التميمي، وأسقف الكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية في حيفا الأسقف مطر، وبعدها حُمل النعش بالطائرة إلى الرطبة في أنبار العراق ثم إلى بغداد. يوم الجمعة 15 سبتمبر 1932 حطت طائرة شحن من طراز فكتوريا من سلاح الجو الملكي في مطار بغداد الغربي حاملة تابوت الملك فيصل». يقول المؤلف إن أعداد الحشود في بغداد وصلت إلى 400 ألف شخص «أي ما يقارب خمس السكان الذكور في العراق.. كان ذلك أكبر مظهر شعبي شهده العراق منذ مئات السنين، وواحدة من أكبر الأحداث التي تحدث في أي مكان في ثلاثينيات القرن الماضي، ولو قورن بالوقت الحالي، فيعني خروج ما يقارب أربعة ملايين عراقي إلى شوارع بغداد». لقد عمت مظاهر الحزن كل مدن المنطقة في بلاد الشام والعراق، أغلقت الأسواق والمطاعم والمقاهي إظهاراً للاحترام وعقدت الصلوات…»احتل خبر وفاته صدر صحف المنطقة وحتى العالم كما في بريطانيا، لاسيما صحيفة «التايمز» واسعة الانتشار، حتى أن الصحف في فرنسا التي لا ترتاح لذكر اسمه، كتبت عن ذلك الحدث. وكتب كاتب أمريكي يدعى غريس ديكنسون قصيدة ملحمية بعنوان، فيصل العربي.

تراث فيصل

يلاحظ الكاتب أن تراث فيصل ظل يتردد في العالم العربي حتى الحرب العالمية الثانية وما تلاها من تقسيم فلسطين وخلق الكيان الصهيوني، فقد ألقت هذه الأحداث التي ساهمت فيها بريطانيا حليفة فيصل، ظلالها على شخصيته فبدأت سيرته تنسحب تدريجيا من الحقل العام، وبدأ ينشأ جيل جديد لا يرتاح لسيرته، وللمفارقة ربما كان بعض أفراد هذا الجيل قد سمي باسم فيصل تيمناً بالراحل، فقد كان اسم فيصل واسع الانتشار في السنوات التي تلت وفاته، حتى أن الشوام اخترعوا حلوى خاصة وسموها باسمه «الفيصلية «. كان صعود القومية العربية في حقبة بعد الحرب العالمية الثانية إيذانا باندثار تراث الملك فيصل، بل صار هو وحكام المرحلة السابقة متهمين بالتواطؤ مع الاستعمار. وتوج محو أثر الملك فيصل بمجزرة قصر الرحاب الشهيرة على يد الضباط الغاضبين عام 1958. لقد صار فيصل موضع اتهام من القوميين ومن الشيوعيين، بأنه يمثل الأوليغارشية والإقطاع وكرهه الإسلاميون السنة، لأنه حارب الدولة العثمانية.

واعتبره رجال الدين الشيعة تهديدا لسلطتهم الروحية» على الرغم من ذلك فإن فيصل نجا بنفسه من الاتهام والازدراء الذي كان ينهال على قادة آخرين من جيل ما قبل الحرب، لكن ذكرى حكمه وإنجازاته بدأت تتلاشى نتيجة اللامبالاة الرسمية والعدائية في بعض الأحيان. كان من الصعب إيقاف الهجمات العنيفة على الفترة الملكية في العراق، التي تعرف بشكل عام في العهد البائد.. بعد ثورة 1958 أزيل تمثال فيصل الفروسي الذي زين أحد ساحات بغداد الرئيسية..»هذا التمثال صممه فنان إيطالي شهير هو بيترو كانونيكا» كما أزيلت معروضاته من المتحف العراقي ووضعت في القبو. أما في سوريا «فقد كان فقدان ذاكرتها التاريخية شبه تام، ولم تكن هناك إلا معلومات قليلة، ولم يكن هناك أي اهتمام بفترة حكم فيصل، التي كان ينظر إليها على أنها فاصل قصير وغامض في الغالب بين نهاية الامبراطورية العثمانية وفرض الانتداب الفرنسي البغيض».
يلاحظ الكاتب أن مسار الإهمال تبدل فجأة في عراق صدام حسين بعد حرب الثماني سنوات، فقد ظهرت مجموعة من الكتب تتناول سيرة الملك فيصل من قبل مؤرخين عراقيين جدد، طبعت بموافقة الدولة ونشرت مقالات في بغداد في الصحافة المملوكة للدولة «ما يعني أن الموافقة على نشرها يجب أن تأتي من أعلى المصادر، بكلمات أخرى من صدام نفسه» كما عاد تمثال الملك فيصل إلى مكانه في بغداد، وتم تجديد الضريح الملكي المهمل. ويفسر الكاتب أن هذه الاستعادة لم تعد تؤثرفي سيطرة حزب البعث على السلطة ويعزوه إلى استفادة صدام من هذا «إن حصوله على عباءة فيصل قد ساعد صدام في تلميع مزاعمه الوطنية وربطه بشخصية ذات أهمية تاريخية كبيرة». ويبدو أن الاستعادة لم تبلغ ذروتها بعد، فها هو المؤرخ العراقي سيار الجميل يصدر كتاباً ضخماً عن سيرة فيصل «الملك فيصل الأول 1883 -1933 أدواره التاريخية ومشروعاته النهضوية» عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2021. وهنا يتكرر السؤال نفسه، لماذا يستعيد المؤلف علي عبد الأمير علاوي الملك فيصل؟

يقارن الكاتب بين زمان فيصل والانتداب البريطاني على العراق والزمان الحالي «الانتداب» الأمريكي. وكأنه يريد أن يبرر لنفسه الاشتراك في حكومات برعاية الاحتلال الأمريكي بالقول، إننا نقلد فيصل لنصل إلى عراق مستقل! وهنا يستعير المؤلف عباءة فيصل ليستر عري الاشتراك في حكومات احتلالية دمرت الجيش والدولة العراقية التي أنشأها الملك فيصل.

تداخل الشخصي والعام

يذكر ظافر القاسمي، أنه حين بدأ الكتابة عن والده المصلح الديني والكاتب الموسوعي جمال الدين القاسمي، أن أحد أصدقاء والده أوصاه «اكتب عن أبيك بحب». وفي هذا الكتاب يتبع الكاتب هذه الوصية. يقول الكاتب في تفصيل هذه النقطة إنه «تطورت في ذهني فكرة كتابة سيرة ذاتية عن فيصل منذ عام 1998 ففي تلك السنة توفي والدي في لندن. وكنت مسؤولاً عن طباعة كتاباته التي ستشكل في ما بعد كتابة المذكرات». كان الأب من أول من التحقوا بالمدرسة الحديثة التي أنشأها الحكم الفيصلي في بغداد، ثم التحق وتخرج من كلية طب بغداد التي أنشأها فيصل «حيث أمضى فترة شبابه وثقافته الجامعية في فترة تتويج فيصل ملكاً على العراق». وارتقى في السلم الوظيفي إلى مرتبة وزير… وبهذا الارتباط الوثيق بين سيرة الوالد والملك فيصل يرتقي فيصل إلى مرتبة الأب الروحي، ليس للكاتب فقط، بل وللعراق أيضاً، وإذا وسعنا الدائرة أكثر، أمكننا القول إن فيصل كان بمثابة الأب الروحي للمشرق العربي الحديث، الذي نشأ من الرحم الممزق للدولة العثمانية عند نهاية الحرب العالمية الأولى. ولا يقتصر التداخل بين الشخصي والعام على ما أوضحه المؤلف من انهماكه بتدوين سيرة الوالد. بل يشير بشكل غامض إلى بعد آخر في نهاية تمهيده للكتاب الذي خصصه لوفاة فيصل في سويسرا 1933 كما سبق وذكرنا. يقارن الكاتب بين زمان فيصل والانتداب البريطاني على العراق والزمان الحالي «الانتداب» الأمريكي. وكأنه يريد أن يبرر لنفسه الاشتراك في حكومات برعاية الاحتلال الأمريكي بالقول، إننا نقلد فيصل لنصل إلى عراق مستقل! وهنا يستعير المؤلف عباءة فيصل ليستر عري الاشتراك في حكومات احتلالية دمرت الجيش والدولة العراقية التي أنشأها الملك فيصل.
الكتاب سفر ضخم بلغ عدد صفحاته بترجمته العربية 759 صفحة موزعة على أربعة أبواب و26 فصلا مع مقدمة وخاتمة. والحق يقال إن تأليف مثل هذا الكتاب يعد بحد ذاته إنجازاً كبيراً يحسب للمؤلف، كما أن ترجمته للعربية أيضاً إنجاز أكبر يحسب لمركز الرافدين وللمترجمين والمراجع. سوى أن بعض النقاط الصغيرة التي ظهرت في هذا البياض أشير لها هنا ليصار على تلافيها في الطبعات اللاحقة أو تصحيحها بالنسخة الإلكترونية التي وزعها المركز مجاناً. أول شيء أن الطبعة العربية لم تشر إلى الطبعة الإنكليزية التي تمت ترجمة الكتاب عنها، ولا إلى تاريخ صدورها، ولا إلى دار النشر كما أنها لم تُعرّف بالكاتب مع أن المراجع كتب مقدمة باسم المركز. الأمر الثاني أن هناك أخطاء في ترجمة أسماء بعض الشخصيات والأماكن في مرحلة الملك فيصل السورية وقد أحصيت بعضها.

هامش الصفحة 495 يرد أن دير الزور هي شرق الفرات، بينما في الحقيقة هي في غرب الفرات فهي جزء من بلاد الشام وليس من الجزيرة
الصفحة 480 ورد بين قوسين في تعريف المجتهدين الشيعة (أطباء شرعيين من المسلمين الشيعة)
أخطاء ترجمة الأسماء الفرنسية، حيث لا تلفظ الأحرف الساكنة في نهاية الكلمة، فيترجم اسم الجنرال جوبييه الذي احتل دمشق «جوبيت». والشخصية الدينية الإسلامية المعروفة «ابن غبريط» تترجم ابن «غبريت»
جمال المرسيني قائد الجيش الرابع في دمشق المشهور باسم جمال الصغير. تتم ترجمته بالأصغر وجمال باشا السفاح بالأكبر مع أنه معروف بالكبير.
سلسلة جبال لبنان الشرقية Anti-Lebanon Mountains تترجم بشكل مضحك «الجبال من النطاق المناهض للبنان»!
رمضان شلاش تصبح كنيته شلش 383
كنية آل قدري. تترجم في مواضع كثيرة قادري 349
استخدام كلمات غير مناسبة مثلا في الصفحة 468 ينقل المؤلف رأي فيصل في السياسة وسياسة خذ وطالب «أنا أؤمن بسياسة خذ وطالب فهذان التعبيران يختزلان كل فنون العمل السياسي المرن، بمعنى آخر، خذ ما يتم تقديمه لك في الوقت الراهن ثم اتبع سياسة مرنة تتيح لك تلمس الطريق خطوة بخطة حتى تتضح الرؤية أمامك تماماً.. السوريون خسروا استقلال سوريا بإصرارهم على سياسة الكل أو لا شيء، أو بعبارة أخرى، إما الاستقلال التام أو الخضوع التام، أما أن ينجو المريض أو يموت، السياسي الحقيقي ليس من يعرف ما يريد، بل من يدرك حدود ما هو ممكن ومن يستطيع تقبل هذه الحدود.. وتابع فيصل الاجترار في السياسة» ( هل كلمة اجترار مناسبة!)
بعض الأخطاء التاريخية الصغيرة التي ارتكبها المؤلف مثلاً يذكر الكاتب أن علاء الدين الدروبي هو الوحيد من الوزراء الذي تخلف عن اللحاق بالملك فيصل عند مغادرته دمشق إلى الكسوة عقب موقعة ميسلون. ولا يشير إلى فارس الخوري الذي تخلى عن الملك أيضاً.
في توصيف العلاقة مع الشيخ صالح العلي «يقول في الصفحة 402 أن الشيخ صالح العلي امتلك أكثر العلاقات هشاشة مع فيصل» وهذا غير صحيح فقد كانت العلاقات بين دمشق والشيخ صالح علاقة تحالف عضوي فقد زوده الملك فيصل بالسلاح والرجال وحتى بالضباط النظاميين انطلاقاً من مدينة حماة.
إرباكات كثيرة في الصياغة اللغوية بعضها صغير مثل استعمال حروف جر في غير أمكنتها أو الإضافة إلى معرف، والأمثلة أكثر من أن تحصى. على سبيل المثال ماذا نفهم من هذه الجملة صفحة 231 «قاموا بجلب أخبار بأن الجيش العربي قد أصبح الآن في دمشق وقاموا بضرب القوات البريطانية فيها (ماذا يعني؟)». مع العلم أنه لم يحدث أي صدام بين العرب والبريطانيين.

كاتب سوري

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

قصة “الخادم” الذي طبعت صورته على أول جنيه مصري

موقع : عمرو خالد بقلم | محمد جمال : لا يعرف كثيرون قصة صورة المواطن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.