بعد الانتخابات البرلمانية بالعراق التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، برزت كتلة الزعيم الشيعي “مقتدى الصدر” كأكبر فصيل برلماني حيث فازت بـ 73 مقعدًا من أصل 329 مقعدًا، وبدأت جهودا لتشكيل حكومة جديدة مع حلفائها.

في المقابل، أصرّ الإطار التنسيقي المدعوم من إيران، والذي كان أداؤه ضعيفًا في الانتخابات، على تشكيل حكومة وحدة وطنية تستوعب جميع القوى السياسية المهمة، لكن “الصدر” رفض وقام بتشكيل ائتلاف يسمى “تحالف إنقاذ الوطن” مع “ائتلاف السيادة” السني و”الحزب الديمقراطي الكردستاني”.

وتصاعد التنافس الشرس بين التيار الصدري والإطار التنسيقي حيث منع الأخير الانعقاد القانوني للبرلمان وحال دون تشكيل “الصدر” وحلفائه السنة حكومة بدون الإطار التنسيقي.

وفي الشهر الماضي، نظم أتباع “الصدر” اعتصامًا استمر 5 أيام في مبنى البرلمان احتجاجا على محاولات تعيين حكومة جديدة بعد استقالة نواب التيار الصدري من البرلمان. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، نظموا احتجاجًا قصيرًا آخر أمام مجلس القضاء الأعلى.

وحذر السياسيون العراقيون من أن هذه الأزمة المتصاعدة قد تؤدي إلى حرب أهلية بين المكونات الشيعية. وبالرغم أن الاضطرابات السياسية الحالية أكثر حدة مما كانت عليه في الماضي، فمن غير المرجح أن تؤدي إلى اضطرابات خطيرة.

ويعتبر “الصدر” زعيما شعبويا وتأتي معارضته لإيران وحلفائها العراقيين كجزء من حيلة لاكتساب الشرعية الشعبية لكنه لن يتجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية.

 

 

صناعة الأزمة

بعد إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة، حذر الإطار التنسيقي من أن المضي قدما بعد هذه النتائج سيهدد السلام في العراق.

وكان تحالف “الفتح”، وهو جماعة جامعة مكونة من 17 حركة شيعية، الخاسر الأكبر في الانتخابات، حيث حصل على 16 مقعدًا فقط بعد أن احتل المركز الثاني في انتخابات 2018 بـ 48 مقعدًا.

وقضت المحكمة الاتحادية العليا بضرورة حضور ثلثي أعضاء البرلمان جلسة برلمانية من أجل ترشيح رئيس جديد، وهو شرط أساسي لتشكيل الحكومة.

ومع مقاطعة أعضاء الإطار التنسيقي جلسات البرلمان، لم يتمكن المشرعون من انتخاب مسؤول لهذا المنصب.

وهدد “الصدر” الفصائل المدعومة من إيران بمزيد من التصعيد وانتقد القضاء علنا واتهمه بالتواطؤ مع الأقلية البرلمانية لعرقلة البرلمان. واستنكر الإطار التنسيقي اتهام “الصدر” للمحكمة ووصف تصريحاته بالخطيرة.

وحث الإطار التنسيقي “الصدر” وحلفاءه على التراجع عن جهودهم لتشكيل حكومة أغلبية، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية والتوقف عن محاولة احتكار السلطة.

ورفض “الصدر” نظام الكوتا الطائفي على الطريقة اللبنانية لتشكيل الحكومة، والذي يجري العمل به في العراق منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

وانتقد “الصدر” هذا النظام الذي يسمح لثلث النواب، الذين يمثلون أحزابا تفتقر إلى الشرعية الشعبية، بمنع تشكيل حكومة جديدة، حتى أن أنصاره نشروا أسماء وعناوين قادة الميليشيات المدعومة من إيران، ملمحين إلى أنهم سيستهدفون قريبًا.

ويقول الإطار التنسيقي إن “الصدر” ذهب بعيداً هذه المرة. ويبدو أن سياسة الاحتواء فشلت حيث يرى “الصدر” نفسه الآن صانع ملوك.

وأصدر الإطار تحذيرا صارما قائلا: “صبرنا لفترة طويلة لكن هذه المرحلة انتهت، سيكون هناك نهج مختلف منا في الأيام المقبلة”.

وفيما يبدو أنه تهديد بإشعال حرب أهلية شيعية، حذر الإطار التنسيقي ميليشيا “الصدر” من اختيار المواجهة المسلحة.

 

 

سياسي داهية

ويعد “الصدر” سياسيا بارعا ولا يمكن التنبؤ بخطواته القادمة، حيث أن مسيرته معقدة ومليئة بالتناقضات. وأبدى “الصدر” سابقا تأييده لانتفاضات ثم انقلب عليها، ودخل في تحالفات متناقضة لكنه لم يفقد شعبيته بين فقراء الشيعة.

ويروج “الصدر” لنفسه على أنه صوت الشيعة المحرومين ضد فساد النخبة الحاكمة، بالرغم أن ممثليه يسيطرون على الحقائب الوزارية المربحة، ويتمتعون بثروات شخصية كبيرة.

ويدعو “الصدر” إلى نزع سلاح المليشيات لكنه يدير واحدة من أكبر وأهم الفصائل الشيعية المسلحة وهي “سرايا السلام”. وغيّر “الصدر” تحالفاته مرات عديدة طوال حياته السياسية.

وفي عام 2003، أسس “جيش المهدي” وهي ميليشيا تعاونت بين عامي 2006 و 2008 مع إيران لمهاجمة القوات الأمريكية في العراق.

كما أسس “فرق الموت” التي اغتالت الضباط السنة في القوات المسلحة المنحلة، وتحديداً طياري القوات الجوية.

وفي عام 2006، ساعد “الصدر” خصمه السابق “نوري المالكي” على أن يصبح رئيسًا للوزراء قبل أن ينقلب “المالكي” ضده في معركة البصرة عام 2008، وبعد ذلك ألقى “الصدر” سلاحه وسرّح “جيش المهدي” وترك إيران.

ومع ذلك، ساهم “الصدر” في دعم “المالكي” للحصول على فترة ولاية ثانية، لكنه انضم إلى صفوف المرجع الشيعي العراقي “علي السيستاني” في عام 2014 لمنع “المالكي” من الفوز مرة أخرى.

وبعد انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 2019 ضد الفساد، تعاون “الصدر” مع الميليشيات الشيعية لإجبار رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” على الاستقالة بالرغم من الترويج لترشيحه في عام 2018.

وفي التظاهرات الحاشدة، قال “الصدر” إنه يدعم مطالب الشعب، وأمر أنصاره بالانضمام إلى المحتجين وإقامة الخيام وسط بغداد وتزويد المتظاهرين بالمواد الغذائية والطبية.

لكن المتظاهرين، وخاصة شباب الطبقة الوسطى، شككوا في نواياه، وأقاموا معسكرات احتجاجية منفصلة ولم يسمحوا لأتباع “الصدر” بالانضمام إليهم.

وبحلول نهاية العام، غيّر “الصدر” موقفه من الانتفاضة بعد لقاء قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني “قاسم سليماني” الذي اغتالته الولايات المتحدة في  يناير/ كانون الثاني 2020. وهاجمت ميليشيات “الصدر” المتظاهرين وقتلت وجرحت المئات منهم.

وبعد سنوات من اتباع نهج شيعي صارم والتعاون مع إيران، بدأ “الصدر” يعطي انطباعا بأنه مستقل عن نفوذ طهران وأنه يحاول تصفية النفوذ السياسي لوكلائها المحليين.

وتحول من دعم التشيع القومي إلى القومية العربية العراقية أثناء استكشافه للتحالفات المحلية والإقليمية المختلفة.

وفي عام 2018، شكّل “الصدر” تحالف “سائرون” للترويج لإصلاحات سياسية بعيدة المدى. ويتألف التحالف العابر للطوائف من الشيعة والسنة والأكراد و6 أحزاب سياسية بما في ذلك الحزب الشيوعي العراقي.

 

 

إحباط القائد

ينحدر “الصدر” من عائلة دينية بارزة شكلت أهم حركة شيعية في العراق ولديها ملايين من الأتباع المخلصين. وورث قيادة الجماعة من والده “محمد صادق الصدر” الذي أشعل انتفاضة ضد نظام “صدام حسين” عام 1991 واغتيل عام 1999.

وبالرغم من خلفيته العائلية وشعبيته، فشل “الصدر” في تحقيق هدفه في قيادة العراق. وبالرغم من كونه زعيمًا روحيًا بارزًا إلا أن “الصدر” لم يصل بعد إلى مرتبة المجتهد أو الفقيه، التي يجب أن تسبق لقب “آية الله”.

ويبدو أن “الصدر” محبط من إيران حيث عمل عن كثب مع الإيرانيين حتى بدأوا في تجنيد رجاله لتشكيل ميليشيات جديدة لمزاحمة نفوذه على الشيعة.

ويعترض “الصدر” على فكرة الوحدة الشيعية التي تروج لها إيران لأنها تقوض سلطته ونفوذه. وتغض طهران الآن الطرف عن خطابه المتهور لأنه لا يمثل أي تهديد حقيقي لهيمنة إيران على العراق.

وجرى اتهام “الصدر” بقتل رجل الدين الشيعي “عبد المجيد الخوئي” الذي كان مقربا من الولايات المتحدة بعد وصوله إلى النجف فور سقوط نظام “صدام”.

وكان والد “الخوئي” – “آية الله أبو القاسم الخوئي” – زعيم الحوزة الشيعية في النجف حتى وفاته عام 1992. ولولا قتله، لكان “عبد المجيد الخوئي” زعيمًا بلا منازع ولم يكن لـ”الصدر” ليظهر على الخارطة السياسية للبلاد.

وأثارت زيارة “الصدر” للسعودية والإمارات عام 2017 الشكوك في إيران، رغم أنها سرعان ما تلاشت لأن حكام البلدين العربيين لم يأخذوا تحركاته على محمل الجد.

 

 

وبعد اغتيال “سليماني”، توقع “الصدر” أن تدعمه إيران ليصبح الوصي غير الرسمي على العرش في العراق، لكنهم ظلوا على خلاف، ويرجع ذلك جزئيًا إلى افتقار الإيرانيين إلى الثقة في مزاج “الصدر” المتغير.

وعموما، تقدر إيران أهمية “الصدر” السياسية، وتتسامح مع انتقادات “الصدر” لأنها لا ترى فيه تهديدا لنفوذها في العراق.

ويخدم “الصدر” المصالح الإيرانية من خلال منع الشيعة في العراق من الانضمام إلى الأحزاب السياسية العلمانية والتأكد من بقائهم منقسمين بين التيار الصدري والفصائل الموالية لطهران والمنضوية في الإطار التنسيقي.

وتفضل إيران أن ينضم الشيعة العراقيون الذين خاب أملهم من الإطار التنسيقي إلى التيار الصدري، الذي يمكنها كبح جماحه بسرعة، على عكس الجماعات العراقية العلمانية والقومية التي لا تملك نفوذا عليها.

ويتذكر الإيرانيون كيف شارك رجل الدين الشيعي “محمد باقر الصدر” في تأسيس “حزب الدعوة الإسلامية” وأبعد الشباب الشيعة عن الحزب الشيوعي العراقية الذي هدد بتهميش المؤسسة الدينية في النجف.

ويمكن القول إن حملة “الصدر” ضد الفساد المستشري في العراق هي واجهة للترويج لمسيرته السياسية. وبينما يقدم نفسه على أنه معارض قوي لوجود إيران في العراق، فإنه يلجأ إلى إيران كلما شعر بالتهديد في وطنه.

في غضون ذلك، ينظر الإيرانيون إلى “الصدر” على أنه خصم مفيد بسبب تأثيره على الشيعة الفقراء.

المصدر | هلال خhشان / جيبوليتكال فيوتشرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد