سيرة الإمام علي بن الحسين وآثاره العلمية

شفقنا :

وُلد الإمام علي بن الحسين (ع) في الكوفة يوم الخامس من شعبان سنة 38 هـ وأدرك من حياة جدِّه أمير المؤمنين (ع) سنتين واضطلع بمسئولية الإمامة بعد استشهاد والده الحسين الشهيد.

 

الإمام علي بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب هو الإمام الرابع من أئمة أهل البيت (ع) كما دلَّت على ذلك النصوص الكثيرة المتجاوزة لحدِّ التواتر الواردة عن الرسول الكريم (ص) والأئمة (ع) هذا بالإضافة إلى الأدلَّة الاخرى التي أوردها علماءُ الشيعة في مصنَّفاتهم.

 

وُلد الإمام علي بن الحسين (ع) في الكوفة يوم الخامس من شعبان سنة 38 هـ وأدرك من حياة جدِّه أمير المؤمنين (ع) سنتين واضطلع بمسئولية الإمامة بعد استشهاد والده الحسين الشهيد (ع) وكان عمره الشريف آنذاك 22 سنة أو 23 سنة، واستُشهد (ع) على يد الوليد بن عبد الملك -وقيل هشام بن عبد الملك- الخليفة الأموي بعد أنْ دسَّ إليه السم بواسطة عامله على المدينة وذلك سنة 95هـ.

 

أمَّا كنيتُه فأبو الحسن وأبو محمد، وأمَّا ألقابُه فكثيرة منها ذو الثفنات، وسيِّد العابدين، والأمين، والزكي، وزين الصالحين، والبكَّاء، واشتُهر بزين العابدين، والسجَّاد، وأمَّا نقشُ خاتمه فقد كان له أكثر من خاتم، نقشَ على أحدها (خُزي وشُقي قاتلُ الحسين) ونُقش على آخر (العزَّةُ لله).

 

الإمام (ع) كما يصفه الآخرون

قال عمر بن عبد العزيز الأموي عندما نُعي عنده الإمام (ع): (ذهب سراجُ الدنيا وجمالُ الإسلام وزينُ العابدين)(1).

 

وقال سعيدُ بن المسيَّب: (هذا الذي لا يسعُ مسلماً أنْ يجهله(2)، وقال: ما رأيتُ قطُّ أفضلَ من عليِّ بن الحسين، وما رأيتُه قطُّ إلا مقتُّ نفسي(3)).

 

ويقول الصحابيُّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري: (ما رُؤيَ في أولاد الأنبياء مثل عليِّ بن الحسين)(4).

 

آثاره العلميَّة

دوَّن العلماء من أبناء الشيعة -وكذلك السنَّة- الكثيرَ ممَّا أُثر عن الإمام (ع) من أحاديثَ كان يُلقيها في المسجد النبويِّ كلَّ جمعة، وفي موسم الحج وفي مجلسه العامر بالعلماء والروَّاد -وقد كانت أحاديثُه تبيانًا للمعارف الإسلاميَّة حيثُ كان يتصدَّى فيها لتفسير القرآن الكريم والسنَّة الشريفة والتعريف بالعقائد الدينيَّة، والأحكام الشرعيَّة ومعالجة ما أشكل منها على الناس، هذا بالإضافة إلى ما زخرتْ به أحاديثُه من مواعظَ وحكم، ولهذا وجد العقلاءُ والزهَّاد ضالَّتهم عند منبرِه وفي مجلسِه.

 

أما الصحيفة السجَّادية فهي مجموعة من الأدعية تتألف من 54 دعاءً غير ما اُلحق بها بعد ذلك من أدعية للإمام (ع) وغير الأدعية الطويلة التي تناقلها الثقاة من الرواة كدعاء أبي حمزة الثمالي، هذا وقد ضمَّن الإمامُ (ع) هذه الأدعية كثيرًا من المعارف الإسلاميَّة والاعتقادات الدينيَّة.

 

كالتوحيد والعدل الإلهي وسائر الصفات الذاتية لله (جلَّ وعلا) ومسائل النبوَّة والإمامة، ورغم أنَّها جاءت بصيغة الدعاء والمناجاة إلا أنَّها احتفظت بالصبغة البرهانيَّة المتناسبة مع هذه المسائل، ثم إنَّ هذه الأدعية لم تقتصر مضامينُها على ما ذكرناه بل إنَّها اشتملت على الكثير من المعالجات النفسية والتربويَّة والكثير من القِيم والمبادئ الاجتماعيَّة، فكانت بحقٍّ واحةً لخلق الإنسان الكامل والمجتمع الكامل.

 

ذلك لأنَّها سبَرت أعماق الإنسان لتضع يدَه على مكامن الداء ثم تصدَّت لوصف الدواء بأسلوب أخَّاذٍ ورائقٍ يفيضُ عذوبةً ويبعثُ في النفس عنفوانًا جامحًا ومتمرِّدًا على مباعث الدِّعة والاسترخاء.

 

وأما رسالةُ الحقوق فهي نتاجٌ غيرُ مسبوق، إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من العلماء أو الفلاسفة في الحضارات التي سبقتْ الإسلام أنَّه كتب رسالةً مستقلَّة في الحقوق، هذا وقد بلْورَ الإمامُ (ع) في هذه الرسالة الرؤيةَ الإسلاميَّة الصافية تجاه ما ينبغي أنْ يكون عليه نظْمُ العلائق الاجتماعيَّة، فحدَّد بذلك ما لكلِّ فردٍ وما عليه من حقوقٍ بعد أنْ صنَّف أفراد المجتمع على أساس مواقعهم الاجتماعيَّة أو ملَكاتهم الشخصيَّة أو وظائفهم الدينيَّة أو علائقهم الإنسانيَّة أو النسَبيَّة، هذا وقد صدَّر رسالته الشريفة بتحديد نحو العلاقة بين الإنسان وربِّه ثم أردف ذلك بتبيان حقِ النفس على الإنسان وحقوق جوارحِه عليه.

 

المرحلة التي عايشها الإمام (ع)

وختامًا نودُّ أنْ نُشير إلى أنَّ المرحلة التي عايشها الإمامُ(ع) إبَّان إمامته كانت دقيقةً وحرجةً جدًا حيثُ لم يعُد النظامُ الأموي يخشى من التعبير عن هويَّته بعد أنْ كشفت أحداثُ كربلاء عن طبيعتها، ولذلك أشاع الفسادَ في أرجاء الحواضر الإسلاميَّة، فأظهر الناسُ الفسوقَ وتعاطي الخمور، وكانت بيوتات مكة والمدينة تضجُّ بالغناء والرقص، هذا بالإضافة إلى أنَّ المجتمع الإسلاميَّ في هذه المرحلة قد انفتح على شعوبٍ وحضاراتٍ أخرى نتيجة الفتوحات الكثيرة التي وقعت في تلك المرحلة.

 

من هنا كان دور الإمام يتركَّز في محورين أساسيين:

 

الأول: تعبئة الأمة من أجل إستئصال مادَّة الفساد، أعني النظام الأموي، وقد استعان على ذلك بمجموعة من الأدوات والوسائل منها استعراض فاجعة كربلاء من أجل فصل الأمة معنويًا عن النظام الأموي وتحريضهم عليه وإلهاب شعورهم بالندم على تقاعسِهم عن نصرة الأمام الحسين (ع). ومنها تشجيع الثورات وإعطائها الصبغة الشرعية.

الثاني: بذلُ الوسع من أجل تحصين الأمَّة عن الإنحراف الفكري والخلقي

وبتعبير آخر: إنَّ الإمام لم يكن قادرًا على فصل الأمة عن الأجواء الموبؤة التي فرضتها ظروف انحراف الخلافة الإسلاميَّة عن مسارها الصحيح، ولذلك كان دوره يتركَّز في تمديد أمد المقاومة للإنحراف، فكان دوره يُشبه إلى حدٍ كبير دور العقاقير المضادَّة للفيروسات والتي تُساهم في إعطاء المريض القدرةَ على المقاومة للمرض.

 

وقد نجح الإمام -وكذلك أئمةُ أهل البيت (ع)- في ذلك، حيث تمكَّنوا من إعطاء الأمة والهويَّة الدينيَّة القدرةَ على الصمود أمام عوامل الانهيار التام.

 

الشيخ محمد صنقور/حوزة الهدى للدراسات الإسلامية

 

————————

 

المقالات والتقارير المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

————————–

 

1- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- ج 2 ص 305.

 

2- أعيان الشيعة -السيد محسن الأمين- ج 1 ص 631.

 

3- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- ج 2 ص 303.

 

4- الأمالي -الشيخ الطوسي- ص 637.

 

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

9 ذي الحجّة ذكرى استشهاد سفير الحسين مسلم بن عقيل (ع)

  العتبة الرضوية المقدسة :  استُشهِدَ في مثل هذا اليوم التاسع من ذي الحجّة عام 60 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.