الأنظمة الرسمية بنسب متفاوتة بينها تصطدم دائما بالأزهر في المواقف المختلفة!

الدين هو الهدف الرئيسي الآن، أو بمعنى أصح: الأديان، نعم جميع الأديان أصبحت هدفًا، وما الأزهر إلا حائط صد المسلمين.

لا يدرك الكثيرون أن وسطية الأزهر رمانة ميزان الاستقرار والحصانة بمواجهة التشدد والتطرف وبدونه ستكون المواجهة متواصلة مع أمواج متلاطمة من الفتن.

الصمت تجاه ما يجري يثير تساؤلات عديدة، بل يثير الريبة ويطرح نظرية المؤامرة، فلا أحد من هؤلاء وأولئك يستطيع انتقاد عيوب مشروع صرف صحي هنا أو هناك.

الأزهر مُكَرَّم خارج وطنه بما فيه الكفاية، شيخ الأزهر يُستقبل استقبال الفاتحين في الأوطان الإسلامية، ويستقبل مثل الزعماء والقادة في الأوطان غير الإسلامية.

المفسدون في الأرض الذين حق عليهم القتل والصلب وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف والنفي من الأرض يجدون في الأزهر أزمة جوهرية لتبيانه أحكام الشرع في جرائمهم.

* * *

الملحدون يرون في الأديان بشكل عام مشكلة تقض مضاجعهم، فكيف بالأزهر وهو مؤسسة دينية تمثل شوكة في الحلقوم أمام نشر معتقداتهم.

العلمانيون يرونه عقبة كؤودا أمام نشر أفكارهم، الشواذ يرونه عدوًّا، فهو يطاردهم ويحذر من وجودهم في المجتمع، اللقطاء من الطبيعي أن يكرهوا الأزهر، فهو يذكرهم دائمًا وأبدًا بوضعهم الخاص، من خلال صفحات في كتب الفقه.

أهل الفجور والمسجلون خطرًا والفاسدون والمرتشون الذين حق عليهم القتل والصلب وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف والنفي من الأرض، يجدون في الأزهر أزمة جوهرية، من خلال تبيانه طوال الوقت للأحكام الشرعية فيما يتعلق بجرائمهم.

السافرات من النساء يصطدمن بفتاوى علماء الأزهر، لذا من الطبيعي أن يكون هناك موقف ما، الراقصات وأصحاب الملاهي الليلية كذلك، تاركو الصلاة والممتنعون عن أداء الزكاة أيضا، آكلو لحم الخنزير وشاربو الخمر ومتعاطو المخدرات.

كارهو أنفسهم والمجتمع من حولهم، الفاشلون والمتعطلون والمرجفون في المدينة والعملاء، قوم تُبّع والمنافقون الذين يتلقون الأوامر بالهجوم على الأزهر وتجريح علمائه، سواء كانوا إعلاميين، أو من يُسمّون مثقفين أو حتى سياسيين، كل هؤلاء في عداء طبيعي مع الأزهر.

ماذا بقي للأزهر؟

الأهم والأغرب أن السلفيين في مصر يهاجمون الأزهر وعلماء الأزهر، فهو مؤسسة ليـست متشددة بما يناسب معتقداتهم. الدواعش وما شابههم سوف يحاربون الأزهر للسبب نفسه إذا واتتهم الفرصة.

الإخوان المسلمون لا يرون الأزهر كافيًا للذود عن الدين، أو حتى نشره، ثم اتسعت الفجوة عام ٢٠١٣ في أعقاب الأحداث السياسية والأمنية التي واكبت الإطاحة بهم من سدة الحكم، كانوا يعولون على موقف يناصرهم.

معظم الجماعات الدينية في مصر تتخذ موقفًا سلبيًّا من الأزهر، وإلا لما كان هناك مبرر لوجود هذه الجماعات أصلا.

الأنظمة الرسمية بنسب متفاوتة فيما بينها تصطدم دائما بالأزهر في المواقف المختلفة، حتى وإن كان الرئيس جمال عبد الناصر قد استغل بنفسه منبر الأزهر في شحن الشارع أثناء العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، ورغم أن الرئيس أنور السادات كان قريبًا من الأزهر، بحُكم أنه كان يحفظ القرآن.

وفي الوقت الذي كان الرئيس مبارك يحرص على تكريم علماء الأزهر، وعدم التدخل في شؤونهم، إلا أن بعض التشريعات الشاردة في البرلمانات المتعاقبة تجعل القيادة السياسية تصطدم أحيانًا بالأزهر، إضافة إلى بعض اتجاهات السلطة بشكل شخصي أو بإملاءات خارجية، وأزمة الطلاق الشفوي مع النظام الحالي أوضح مثال.

ماذا بقي للأزهر داخل وطنه؟!

هل هم البسطاء والعامة الذين لا صوت لهم رغم أنهم غالبية المجتمع، الآخرون بالتأكيد أصواتهم أعلى بحُكم استحواذهم على الإعلام، الهجوم على الأزهر مستمر بالتزامن مع التشكيك في ثوابت الدين، الصمت تجاه ما يجري يثير العديد من التساؤلات، بل يثير الريبة ويطرح نظرية المؤامرة، ذلك أنه لا أحد من هؤلاء وأولئك يستطيع انتقاد عيوب مشروع صرف صحي في نجع هنا أو كفر هناك.

رمانة الميزان

ربما لا يدرك الكثير منا أن وسطية الأزهر هي رمانة ميزان الاستقرار والحصانة في مواجهة التشدد والتطرف، بدون الأزهر سوف تكون المواجهة على مدار الساعة مع أمواج متلاطمة من التكفير والإرهاب.

الكثير منا أيضا يغيب عنهم أحيانًا أن خطباء المنابر التابعين لوزارة الأوقاف هم في الأساس من خريجي معاهد الأزهر وجامعاته، وهُم إن حادوا عن طريق الحق، فذلك لعدم تبعيتهم إداريًّا للأزهر، وهو خطأ كان يجب تصحيحه، حتى لا يكون ذلك مبررًا إضافيا للهجوم على الأزهر.

الغريب أنه لا أحد يستطيع أن ينكر أن الأزهر مُكَرَّم خارج وطنه بما فيه الكفاية، شيخ الأزهر يُستقبل استقبال الفاتحين في الأوطان الإسلامية، ويستقبل مثل الزعماء والقادة في الأوطان غير الإسلامية.

عالم الأزهر له شأن كبير في كل بقاع الأرض، فتوى مؤسسة الأزهر ماركة مسجلة لدى المسلمين من أفريقيا وآسيا، مرورًا بأوربا، وحتى دول أمريكا اللاتينية، إلا أن كل ذلك لم يردع الفتنة ومروجيها في هذه المرحلة تحديدا.

الأسباب في ذلك كثيرة، من بينها ما ذكرناه سالفًا، ذلك أن الشواذ والملحدين يسعون إلى حُكم العالم، ومن بينها ما يتكشف يومًا بعد يوم وهو أكبر بكثير مما ذكرناه.

ذلك أن الدين هو الهدف الرئيسي الآن، أو بمعنى أصح: الأديان، نعم جميع الأديان أصبحت هدفًا، وما الأزهر إلا حائط صد المسلمين.

* عبد الناصر سلامة رئيس تحرير الأهرام سابقا