أخبار عاجلة

مصر المقدسة (نسخة مزيدة)

بقلم :

كاتب وباحث

خالد محيي الدين الحليبي

 مركز

القلم للأبحاث والدراسات

 الكتاب بصيغة pdf : 

مصر المقدسة- 30 يوليو 2022

بالقاهرة

  لا يجوز طبقاً لقوانين حماية الملكية الفكرية

الطبع أو النشر أو الترجمة إلا بموافقة كتابية من المؤلف و مدير مركز القلم للأبحاث والدراسات

It is not permissible
according to the laws of intellectual property protection Printing, publishing or translation except with the written consent of the author and the director of

ElQalam Center for Research and Studies

 

هل تصدق

  إن مصر بحدودها القرآنية التي ذكرها الله تبارك وتعالى على لسان فرعون (لعنه الله)  { أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} هى قلب العالم بحدود النيل ومنابعة وقلب العالم هى القاهرة و قلب القاهرة حدود مابين جامع عمرو و حصن بابليون و هى منطقة كان يطلق عليها المصريون قديماً (مصر العتيقة) مروراً بحي السيدة زينب إلى باب النصر مروراً بمسجد  سيدنا الحسين (ع) .

كما ان مركز الكرة الأرضية مثلث البركات الذي قال  فيه تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ – الإسراء } وهذه البركة هنا مابين طورسيناء ومصر و الحجاز وبيت المقدس وفيها نيل مصر المذكور في الديانات الثلاثة و هنا يمكن أن تعتبر هذه المنطقة مركز الكرة الأرضية مروراً من أي طرف من أطرافها

 

مصر المقدسة

 

تأليف

 

كاتب وباحث

 

خالد محيي الدين الحليبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه :

من الناحية الجغرافية ، تقع مصر عند ملتقي قارات العالم القديم : افريقيا – أسيا – أوروبا .. تطل على بحرين هما : البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط ، وتشرف على خليجين هما خليج السويس وخليج العقبة ، وعلى  أرضها تجرى قناة السويس أحد الممرات المائية الدولية الهامة .  تقع مصر فى الركن الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا.. يحدها  من الشمال البحر المتوسط بساحل يبلغ طوله 995 كم .. ويحدها شرقا البحر الأحمر بساحل يبلغ طوله 1941 كم .. ويحدها فى الشمال الشرقي فلسطين وإسرائيل بطول 265 كم.. ويحدها من الغرب ليبيا علي امتداد خط بطول 1115 كم ..  ويحدها جنوبا السودان بطول 1280 كم.

 

تضع مصر احدى قدميها فى القارة الاسيوية ، رغم انتمائها لقارة أفريقيا التى يتدفق منها أيضا نهر النيل .. شريان الحياة لشعب  مصر .

 

وارتباطاً بهذا الموقع الجغرافى المتميز ، كانت مصر بمثابة البرزخ الذى مرت عبره الديانات السماوية الثلاثة ، كما كانت الملتقى للتفاعل الحضارى بين الشرق والغرب ، وبين الشمال والجنوب ، وعلى أرضها تلاقت وتواصلت الحضارات الفرعونية ، والإغريقية ، والرومانية ، والقبطية ، والإسلامية .. وصولاً الى العصر الحديث .

فتواصلت مصر عبر البحر المتوسط مع الحضارات الاوروبية المتعاقبة ، وظلت فى الوقت نفسه جزءاً من عالم الجنوب ، تعيش قضاياه وسعيه الدائم من أجل التنمية والتقدم .فى الوقت نفسه ، وبحكم مكانتها فى العالم الاسلامى ، ظلت مصر على مر القرون ، منارة إشعاع للفكر والحضارة الإسلامية ، مجسدة قيم الاعتدال والتسامح والتعايش التى تمثل جوهر التعاليم الاسلامية .

 

كلمة المقدس مشتقة من الفعل “قدّس” “يقدّسُ” فهو “مقدّسٌ” .

 

 فما هو التقديس؟  .

 

يقول المنجد : ( قَدّسَ الله فلاناً: طَهّره وبارك عليه. وقَدّسَ الرجلُ الله:  نزّهه ووصفه بأنه قُدّوساً. تقدّس: تطّهر. القُدس : أورشليم. روح القدس عند النصارى : الأقنوم الثالث من الأقانيم الإلهية . روح القدس عند المسلمين” الملاك جبريل. القداسة: الطهارة. و القُدّوس: من أسماء الله الحسنى، أي المنزه عن كل نقص. القديس : الفاضل الحاصل على تمام الصلاح والقبول عند الله).  فالقداسة إذاً حالة من الطهر يُسبغها الإنسان على الإله أو الإله على الإنسان.

 

[و جاء في ” لسان العرب ” ( 6 / 168 ) : ” و ” المُقَدَّس ” : المُبارَك ، والأَرض المُقَدَّسة : المطهَّرة ، وقال الفرَّاء : الأَرض المقدَّسة : الطاهرة ، وهي دِمَشْق وفِلَسْطين وبعض الأُرْدُنْ ، ويقال : أَرض مقدَّسة أَي : مباركة ، وهو قول قتادة ، وإِليه ذهب ابن الأَعرابي ” ]   .

ولقد فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضل على ضربين: في دين أو دنيا، أو فيهما جميعا، وقد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه بالكرم وعظم المنزلة وذكرها باسمها وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تنبئ عن مصر وأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والملوك الماضية، والآيات البينات، يشهد لها بذلك القرآن، وكفى به شهيداً، ومع ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في مصر وفي عجمها خاصة وذكره لقرابته ورحمهم ومباركته عليهم وعلى بلدهم وحثه على برهم ما لم يرو عنه في قوم من العجم غيرهم، وسنذكر ذلك إن شاء الله في موضعه مع ما خصها الله به من الخصب والفضل وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعلماء والحكماء والخواص والملوك والعجائب بما لم يخصص الله به بلداً غيرها، ولا أرضا سواها، فإن فإن ذكرنا أحد بفضل الحرمين، أو شنع مشنع علينا ، فللحرمين فضلهما الذي لا يدفع ، وما خصهما الله به مما لا ينكر من موضع بيته الحرام في القلوب  ولا يوجد على وجه البسيطة مقدساً إلا ما  قدسه الله تبارك وتعالى ورسله في كتبهم المنزلة   وسننهم المطهرة ولكثرة ذكر مصر في الكتب الثلاثة بالمدح والثناء كطانت مقدسة قداسة باطنية حيث لا  أمان ذكر في القرآن إلا في بيت الله الحرام كما في قوله تعالى { أفلم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً } وكذلك مصر في قوله تعالى { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } فإن شاء الله لها الآمن كانت آمنة كأمن الحرمين يقتص الله تعالى لمن دنسه أو دنسها لذلك قال صلى الله عليه [ مصر كنانة الله في أرضه من مسها بسوء قصمه الله] كما أن مصر تقدست  بحديث رب العالمين  لنبي الله موسى عليه السلام من وراء حجاب في سيناء مصر  وكذلك بنزول ألواح موسى فيها ولنزول أكثر أنبياء الله إليها إن لم يكونوا جميعاً تطهرت بهم مصر ثم بأهل بيت النبي وبأولياء الله الصالحين فيها , .

وبالتالي مصر بلداً ختاره الله تعالى واصطفاه لنفسه عز وجل لتكون صمام تغيير كل العالم نحو الخير ودفع الشر عن العالم بسلوك شعبها المقاوم للباطل والظلم فهى كنانة الله في أرضه   ” من مسها بسوءِ قصمه الله ” وكنانة الله اي الجعبة التي يطلق منها المحارب السهام نحو أعداء الدين والظلمة لذلك اطلقنا على هذا الكتاب مصر المقدسة ليعلم المصريون وليعلم العالم من هى مصر  ومن يكون شعبها الأبي العظيم ومن جيشها الشجاع القديم الذي صارع أحدث جيوش الدنيا من الصهاينة و الأمريكان و وداعميهم  من دول الخوارج .

ولو دققنا النظر في تاريخها وتاريخ العالم لوجدنا  أن نبي الله  إدريس عيه السلام نزل إليها مهاجراً من العراق لحكمة يعلمها هو وغيره من أنبياء الله وبينه وبين آدم جدوداً لايتخطوا  أصابع اليد الواحدة كما أن أكثر أنبيار الله هبطوا إليها ومنهم من حكمها كتبي الله  يوسف وموسى عليهما السلام بعد هلاك فرعون وميراث بني إسرائيل للأرض  وأورثنا بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها للعالمين } .

وبعد هذه الفضائل لهذا البلد العظيم تأكدنا في أثناء بحثنا بأن مصر حسدها العالم  فسبوها وسبوا أهلها واهموهم تهم بتوارث الدياثة والخنوع في كلا المذهبين السني والشيعي على السواء فقالوا لايدخلها أحد إلا بسخط من الله ولا يخرج منها إلا بطاعة ونيل مصر الوارد فيه أحاديث أنه ينبع من الجنة يميت القلوب  [ ماء نيل مصر يميت القلوب – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي ج 2 ص ]  ومن أكل من فخارها فهو ديوث وذلك لأنهم توارثوا الدياثة بعد هلاك فرعون حيث  اختفى الرجال فلم يجدوا إلا العبيد  بعد أن خرجت النساء هائمات على وجوههن يطلبن الرجال فكانت العصمة والكلمة العليا لهن فتوارث رجالها الدياثة  هذا ما ذكره  أهل السنة في كتبهم وتفاسيرهم عن مصر وشعبها العظيم . والرد بسيط جداً وهو أين السبعون ألفاً الذين أسلموا مع موسى وغيرهم هل أهلكهم الله تعالى أيضاً مع موسى عليه السلام ؟ وأما الرد على من دخل مصر فبسخط من الله بالتالي كل أنبياء الله الذين دخلوا إليها كان مسخوطاً عليهم ميتة قلوبهم لأنهم شربوا من نيل مصر  وكذلك أهل البيت النبي أيضاً وهنا يسقط كل اتهام اتهموه  لمصر الوارد ذكرها في كتب الله الثلاثة بالتعظيم والاجلال ونقول لهؤلاء ألا لعنة الله على الظالمين الذين افتروا على الله الكذب ونقلوا ما يتعارض وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله .

ومما شنع به المبغضين لمصر أيضاً  نفي  أنساب ذرية أهل البيت ممن سكنوا  مصر بل وقال أكثرهم  بعدم دخول السيدة زينب إليها ولا رأس الحسين فيها وهم دواويث وكل شيء يأتي من مصر مشكوك فيه  وهذا ما استدعاني لجمع ماذكر عن مصر وكتابة فضائلها وكرامتها ليعلمها كل مصري فضل بلاده وعظم شأنها رضى من رضى وأبى من أبى ليميز الله الخبيث من الطيب لأن مصر على مدار التاريخ وإلى أن تقوم الساعة  لها دوراً محوريا عما قريب في إنقاذ كل العالم . ونقول لمن يردد هذه الأراجيف وهذه التراهات باسم الدين .

هل هذه مكافئة لمصر التي تركت لغتها عن طواعية لتتكلم العربية وتترك لغتها الأصلية دونا عن كل بلاد الدنيا ؟

ماذنب مصر إن كانت أقوى دولة بالمنطقةوأغناها على الإطلاق وإن نهبت ثروتها منذ قديم الأزل ؟

فنجد أحمد ابن طالون ينفصل بها وبكل دول شمال افريقيا وأجزاء من الشام والجزيرة تخضع لسلطانه بقوة مصر الطبيعية ثم يكرر نفس المشهد  كافور الإخشيد فيزداد حنق العباسيين علي مصر ويهيجون العلماء نو سب مصر ورمي أهلها وقذفهم  فيروون في مذامها مالا يصدقه عقل وزادت الطامة الكبرى بالخلافة الفاطمية لالتيحكمت العالم ثم يفعل نفس الفعلة صلاح الدين الأيوبي فيستقل  بخلافته الأيوبية ثم أخيراً محمد على يحارب الأستانة حتى يصل بجيوش مصر إلى جبال طوروس وبالتالي كل هذه الدول طعنت في    مصر  وسبت شعبها ونيلها وكل شيء فيها حسداً من عند أنفسهم .

وعن دور جيش مصر وتحول شعبها لعبد إلى دولة الخلافة الأمبراطورية باسم الدين نجد أن في مرحلة الفتح الاسلامي تم محو جيش مصر  باتلكامل بسبب خذلان الشعب له لظلم الرومان فتركوه يرغق ويهلك ولو قاوم الشعب دعوة المسلمين لقضى عليها في الحجاز وذلك لأن مصر  لها من القوة ما يمكنها منذ لك وظل الوضع هكذا ويظهر في صور شتى من حنق شعب مصر على سلوكيات بعض الفاتحين كما في قصة لطم عبد الله ابن عمرو ابن العاص للمصري والذي سافر للحجاز يشتكي عبد الله فاستدعى عمر وقال له عمر متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم احرار ثم امر المصري وقال له الطم ابن الأكرمين على وجهه فلطمه وهنا يتبين لنا بداية تذمر بين المصريين لظهور بعض سلوكيات شائنة من الفاتحين على أثرها انفصل بها احمد ابن طولون  ليقيم دولة  الخلافة الطولونية  ويبرز دور الجيش المصري وترسل دولة الخلافة كافور الأخشيد ليؤدب ابن طولون فيكرر نفس ما فعله ابن طولون ويقوي جيش مصر منفصلا بها عن الخلافة ويبرز دور العسكر المصري جلياً في تلك المرحلة يليها الخلافة الفاطمية أيضاً تسلك نفس المسلك إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي ليكفر بقيمة مصر وجيشها فيفككه ويقتل الخليفة العاضد ويفكك جيشها معتمداً على قواته فلا يلبث ملكه إلا قليلاً  ويختفي جيش مصر في هذه الحقبة إلى أن يعيد دورة مرة ثانية المماليك فيقيمون أعظم دولة بعد الخلافة الفاطمية  قضت على التتار ولولاهم لانتهى الإسلام من العالم ثم يخل مصر خلفاء بني عثمان ليقضوا على تلك الدولة ويدمرون جيشها ويعود المواطن المصري للدرجة الثانية مع تفتيت جيشها غلى أن قام محمد علي وأنشأجيشها مرة أخرى ليقيم  دولة مهيمنة على شمال أفريققيا ووسطها والشام والجزيرة إلى أن وصل إلى تخوم الحدود التركية فتجمع عليه الجيش الفرنسي والانجليزيى والروسي والتركي في موقعة  أبو قير البحرية  (نوارين)  فقضوا على الجيش المصري والذي مازال في طور الضعف إلى أن  جائت ثورة 25 يناير والجيش المصري في هبوط مع تكالب الدول الإستعمارية على مصر والعالمين العربي والإسلامي

فاختار الشعب التيار الديني على أساس أنه لن يسرق ولن يخون فخانوا ونهبوا وسلبوا  وتولوا الذين غضب الله عليهم والآن يحاولون أن يسلكوا مسلك القضاء على الجيش المصري وجعل شعبه مواطناً من الدرجة الثانية وهذا هو النموزج المحبب لدى الصهاينة فوجدنا هذا التيار الملعون يحمي أنابيب الغاز في سيناء بعد أن دمرها الثوار 38 مرة فجاء التيار المدعي للإسلام زوراً ليحمي الإقتصاد الصهيوني من الإنهيار وبأوا في تدمير الجيش المصري وعليه الآن على شعب مصر وجيشها أن يعي روس الماضي لأنه في مفترق طرق وعليه أن يختار .

 

ونقول لهؤلاء المنكرين فضل مصر عليهم المحقرين لشعبها العنيد الأبي العظيم :

 

– من الذي دفع عنكم التتار بعدما  كاد أن يزيل أمة محمد صلى الله عليه وآله من على الخارطة .

– من الذي علم الوطن العربي من مطلع  القرن الماضي وإلى الآن .

– من حارب في 1973 ومازال بالسياسة يحارب لجلب حقوق الفلسطينيين والعرب لتأمين سلامتهم وإلى الآن وإن كان دور مصر قد خفت كثيراً إلا أن الخير مازال في شعبها وهذا ماسنبينه في هذا البحث إن شاء الله وبالله التوفيق .

– من الذي بني الخليج والجزيرة غير المصريين ثم السوريين واللبنانيين واليمنيين والسودانيين .

– من الذي حرر الكويت من الاحتلال الصدامي الذي عاث في الأرض فساداً

 

وإليكم الفصل الأول من الكتاب :

 

الفصل 1 :

أصل تسمية مصر :

 

اصل تسمية مصر وذكرها فى الكتاب والسنة واقوال الصحابة وبعض التابعين :

 

في كتاب  مروج الذهب  للمسعودي ذكر بأن تسمية مصر: [نسبة إلى مصر ابن بيصر ابن حام بن نوح وقد أنجب قبط وهو أحد أولاده ولذلك يطلق على المصريين أقباط – مروج الذهب ج1 ص357 ]. أي نسبة إلى أبيهم قبط بن بيصر ابن حام ابن نوح .

 

و  في كتابه اخبار الزمان: [ ان بني ادم لما تحاسدوا و بغي عليهم بنو قابيل بن ادم ركب نقراوس الجبارابن مصريم بن مركابيل بن دوابيل بن عرياب بن ادم عليه السلام في نيف و سبعين راكبا من بني عرياب جبابرة كلهم يطلبون موضعا من الارض يقطنون فيه فرارا من بني ابيهم فلم يزالوا يمشون حتي وصلوا الي النيل فاطالوا المشي عليه فلما راوا البلد ومافيه وحسنه اعجبهم و قالوا بلد زرع و عمارة فاقطنوا فيه و استوطنوا و بنوا فيه الابنية المحكمة و الصنائع العجيبة و بني نقراوس و سماها باسم ابيه مصريم ].

 [   عن عبد الله بن عباس قال : كان لنوح صلوات الله عليه أربعة من الولد سام بن نوح وحام بن نوح ويافث بن نوح ويحطون بن نوح وأن نوحا رغب إلى الله عز وجل وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذريته حين تكاملوا بالنماء والبركة فوعده ذلك فنادى نوح ولده وهم نيام عند السحر فنادى ساما فأجابه يسعى وصاح سام في ولده فلم يجبه أحد منهم إلا ابنه أرفخشذ فانطلق به معه حتى أتياه فوضع نوح يمينه على سام وشماله على أرفخشذ ابن سام وسأل الله عز وجل أن يبارك في سام أفضل البركة وأن يجعل الملك والنبوة في ولد أرفخشذ ثم نادى حاما فتلفت يمينا وشمالا ولم يجبه ولم يقم إليه هو ولا أحد من ولده فدعا الله عز وجل نوح ان يجعل ولده أذلاء وأن يجعلهم عبيدا لولد سام قال: وكان مصر بن بيصر بن حام نائما إلى جنب جده حام فلما سمع دعاء نوح على جده وولده قام يسعى إلى نوح فقال يا جدي قد أجبتك إذ لم يجبك أبي ولا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعوتك ففرح نوح {صلى الله عليه وسلم} ووضع يده على رأسه وقال : اللهم إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها قال ثم دعا ابنه يافث فلم يجبه هو ولا أحد من ولده فدعا الله عز وجل عليهم أن يجعلهم شرار الخلق قال ثم دعا ابنه يحطون فأجابه فدعا الله عز وجل أن يجعل له البركة فلم يكن له ولد ولا نسل فعاش سام مباركا حتى مات وعاش ابنه أرفخشذ بن سام مباركا حتى مات وكان الملك الذي يحبه الله والنبوة والبركة في ولد أرفخشذ بن سام وكان أكبر ولد حام كنعان بن حام وهو الذي حبل به في الرجز في الفلك فدعا عليه نوح عليه السلام فخرج أسود وكان في ولده الجفاء والملك والجبروت وهو أبو السودان والحبش كلهم وابنه الثاني كوش بن حام وهو أبو السند والهند وابنه الثالث قوظ بن حام وهو أبو البربر وابنه الأصغر الرابع بيصر بن حام وهو أبو القبط كلهم ,.

حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا سليمان بن بلال قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال ولد نوح النبي {صلى الله عليه وسلم} ثلاثة نفر سام وحام ويافث فولد كل واحد من الثلاثة ثلاثة فسام أبو العرب وفارس والروم ويافث أبو الصقالبة والترك و ياجوج و ماجوج وحام أبو السودان والبربر والقبط ثم رجع إلى حديث عثمان قال فولد بيصر بن حام أربعة مصر بن بيصر وهو أكبرهم و الذي دعا له نوح صلوات الله عليه بما دعا له وفارق بن بيصر وماح بن بيصر وياح بن بيصر قال غير عثمان فولد مصر أربعة قبط بن مصر وأشمون بن مصر وأتريب بن مصر وصا بن مصر ,… –  فتوح مصر وأخبارها لأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم بن أعين القرشي المصري – ط دار الفكر بيروت – تحقيق محمد الحجيري ].

 [ يقول المسعودي ان سبب تسميه (مصر) بهذا الاسم يرجع الى مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام ].

 ويقول المقريزي في خططه : [ ويقال‏:‏ كان مصر بن بيصر مع جدّ أبيه نوح عليه السلام في السفينة فدعا له أن يسكنه الله الأرض الطيبة المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد ونهرها أفضل الأنهار ويجعل له فيها أفضل البركات ويسخر له الأرض ولولده ويذللها ويقوّيهم عليها فسأله عنها فوصفها له وأخبره بها وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف فساقه ولده مصرايم وجميع إخوته إلى مصر فنزلوها وبذلك سميت‏ :‏ مصر‏ .‏

وملك بعده‏:‏ ابنه قبطيم ويقال له‏:‏ قفط بن مصرايم وهو أوّل من عمل العجائب بعد الطوفان فاستخرج المعادن وشق الأنهار ونصب الأعلام والمنارات وعمل الطلسمات‏ – المواعظ والإعتبار للمقريزي ج1 ص 30 ] .

[وقال الحافظ ابو الخطاب مجد الدين عمر بن دحية و مصر اخصب بلاد الله و سماها الله بمصر و هي هذه دون غيرها باجماع القراء علي ترك صرفها و هي اسم لا ينصرف في معرفة لانه اسم مذكر سميت به هذه المدينة و اجتمع فيه التأنيث و التعريف فنعاه الصرف و هي عندنا مشتقة من (مصرت الشاة) اذا اخذت من ضرعها اللبن فسميت مصر لكثرة ما فيها من الخير مما ليسفي غيرها فلا يخلو سكانها من خير يدر عليه منها كالشاة التي ينتفع بلبنها و صوفها و ولادتها ].

 

[ ويقول الجاحظ في كتاب مدح مصر إنما سميت مصر بمصر لمصير الناس إليها و اجتماعهم بها كما سمي مصير الجوف مصيرا و مصرانا لمصير الطعام إليه قال و جمع المصر من البلدان أمصار و جمع مصير الطعام مصران و ليس لمصر هذه جمع لأنها واحدة متفردة ليس لها مثل او شبيه] .

 

يقول اليعقوبي : [ (كان بيصر ابن حام بن نوح لما خرج من بابل وأهل بيته كانوا ثلاثين نفساً أربعة أولاد له وهم مصر وفارق وماح وياح ونساؤهم وأولادهم وقد سار بهم إلى منف وكان بيصر قد كبر وضعف وكان مصر أكبر أولاده وأحبهم إليه فاستخلفه وأوصاه بإخوته واقتطع مصر لنفسه وولده- تاريخ اليعقوبي ج1/ص29].

 

وعن جغرافية مصر  :

[ …حدثنا عثمان بن صالح ويحيى بن خالد عن ابن لهيعة وعبد الله بن خالد يزيد أحدهما على صاحبه وقد كان عثمان ربما قال حدثني خالد بن نجيح عن ابن لهيعة وعبد الله بن خالد قالا :  فكان أول من سكن مصر بعد أن أغرق الله قوم نوح بيصر بن حام بن نوح فسكن منف وهي أول مدينة عمرت بعد الغرق هو وولده وهم ثلاثون نفسا قد بلغوا وتزوجوا فبذلك سميت مافة ومافة بلسان القبط ثلاثون ,قال وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف وكان مصر أكبر ولده وهو الذي ساق أباه وجميع إخوته إلى مصر فنزلوا بها فبمصر بن بيصر سميت مصر مصر فحاز له ولولده ما بين الشجرتين خلف العريش إلى أسوان طولا ومن برقة إلى أيلة عرضا قال ثم إن بيصر بن حام توفي فدفن في موضع أبي هرميس .

قال غير عثمان فهي أول مقبرة قبر فيها بإرض مصر ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال ثم إن بيصر بن حام توفي واستخلف ابنه مصر وحاز كل واحد من أخوة مصر قطعة من الأرض لنفسه سوى أرض مصر التي حاز لنفسه ولولده فلما كثر ولد مصر وأولاد أولادهم قطع مصر لكل واحد من ولده قطيعة يحوزها لنفسه ولولده وقسم لهم هذا النيل قال فقطع لابنه قبط موضع قبط فسكنها وبه سميت قبط قبطا وما فوقها إلى أسوان وما دونها إلى أشمون في الشرق والغرب وقطع لأشمون من أشمون ما دونها إلى منف في الشرق والغرب فسكن أشمون أشمون فسميت به وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا فسكن اتريب فسميت به وقطع لصا ما بين صا إلى البحر فسكن صا فسميت به فكانت مصر كلها على أربعة أجزاء جزءين بالصعيد وجزءين بأسفل الأرض قال ثم توفي مصر بن بيصر فاستخلف ابنه قبط بن مصر ثم توفي أشمون بن مصر فاستخلف أخاه أتريب بن مصر ثم توفي قبط بن مصر فاستخلف أخاه أشمون بن مصر ثم توفي أتريب بن مصر فاستخلف أخاه صا بن مصر ثم توفي صا بن مصر فاستخلف ابنه تدارس بن صا ثم توفي تدارس بن صا فاستخلف ابنه ماليق بن تدارس ثم توفي ماليق بن تدارس فاستخلف ابنه خربتا بن ماليق ثم توفي خربتا بن ماليق فاستخلف ابنه كلكى بن خربتا فملكهم نحوا من مائة سنة ثم توفي ولا ولد له فاستخلف أخاه ماليا بن خربتا ثم توفي ماليا بن خربتا فاستخلف ابنه لوطيس بن ماليا وهو الذي كان وهب هاجر لسارة امرأة إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام- فتوح مصر وأخبارها لأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم بن أعين القرشي المصري – ط دار الفكر بيروت – تحقيق محمد الحجيري ].

يقول اليعقوبي في تاريخه : [ إن جغرافية مصر مسيرة شهرين من أربعة أوجه وكان منتهى ذلك من الشجرتين بين رفح والعريش إلى أسوان طولاً ومن برقة إلى أيلة عرضاً – تاريخ اليعقوبي ج1/229]

 

يقول المسعودي : [ (أما بيصر فقد كبر سنه فأوصي ابنه الأكبر مصر بن بيصر و اجتمع إليه الناس و انضافوا إلي جملتهم و أخصبت الأرض فتملك عليهم من حد رفح من ارض فلسطين من بلاد الشام………و قيل من الموضع المعروف بالشجرة و هو آخر ارض مصر إلي بلاد أسوان من ارض الصعيد و من “آيلة” و هي تخوم الحجاز (وهي مدينة علي راس العقبة آخر الحجاز و أول الشام) إلي “برقا” عرضا – مروج الذهب ج1] , وأيلة هى إيلات المحتلة من قبل الصهاينة  .

 

يقول المسعودي أيضاً :

 

[ وقد كانت مصر على مازعم أهل الخبرة والعناية بهذا العالم يركب أرضها النيل وينبسط على بلاد الصعيد إلى أسفل الأرض وموضع الفسطاط في وقتنا هذا وقد كان بدأ ذلك من موضع يعرف بالجنادل بين أسوان والحبشه إلىأن قال ومازال الماء ينصب على أرضها قليلاً قليلاً حتى امتلئت أرض مصر من المدن والعمائر وطرقوا الماء وحفروا له الخلجانات وعقدوا في وجهه المسناه – مروج الذهب ج/1ص346]  .

 

وهنا يتبين لنا أن النيل يجري بأرض واحدة سماها القرآن الكريم أرض مصر والذي  لم يجزئ النيل أرضها بل جعلها كلها أرض ذات وحدة واحدة ينطبق عليها من السنن ماينطبق على مصر من أقدار و علامات للساعة  بهذه البقعة من العالم .

فإذا قالت السنة أنه من علامات الساعة بمصر كذا كان ذلك على دول حوض النيل كلها ومركزها  (مصر) ومركز مصر مابين منطقة مصر القديمة إلى بوابة النصر وابو الفتوح بما فيه من روحانيات عالية لا يدركها  الكثير من الناس والمثال على ماذكرناه آنفاَ  قول الأئمة عليهم السلام ” واقتطع القبط أطراف مصر ” أي أن هذه نبوءة قد حدثت وتشير إلى تحول بعض دول منابع النيل التي هى جزء من  قدر الله في جغرافية هذه البقعة أن تتحول إلى الديانة المسيحية و هذا تمزيق لمصر من جهة الجنوب  السوداني  بواسطة الصهيونية والماسونية العالمية  .

ولما قال تعالى فيما ذكره عز وجل عن  فرعون : {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ -الزخرف51} , .

أي أن حدود مصر في كتاب الله تعالى كما ذكرنا  عند منابع النيل وأمنها القومي يبدأ من هناك وكانت مصر والسودان دولة واحدة حتى عام 1956م حتى فصلها الرئيس جمال عبد الناصر في مفاوضات مع الإنجليز  نظير خروجهم من  قناة السويس  ولم يغني ذلك عن ضرب مصر وقتل الألوف من أهلها في نفس العام وكان العدوان الثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر  ولم ينفع مصر فصلها للسودان ولم يدفع عنها شرور بريطانيا الصهيونية حينئذٍ .

وتذكر كتب التاريخ أن تحتمس الأول هو الذي رسم خريطة مصر بإخضاع بلاد الكوش (النوبة ) وكانت هذه البلاد تمتد  من نباتا من الجنادل الرابعة (الشلال الرابع) الى مدينة الكاب شمالاً حتى وصل الفرات ثم ملك بعد ذلك تحتمس الثانى ثم حتشبسوت ثم جاء تحتمس الثالث الذى بلغ ملكه الفعلى حتى الفرات كما فى الخريطة ويعتبر من أبرع قادة هذه الأزمان وكان معاصراً لنبي الله يوسف عليه السلام.

خريطة مصر زمن تحتمس الثالث:

 

جغرافيا مصر في الكتب المقدسة من قبل  :

 

ومصر في العصور الحديثة تشبه مستطيلًا في الشمال الشرقي من قارة افريقيا، ويحدها في الجنوب السودان وفي الشرق البحر الأبيض المتوسط وفي الغرب ليبيا. وقد ذكر المؤرخ هيرودتس في القرن الخامس قبل الميلاد “إن مصر هي هبة النيل” فإن خمسة وتسعين في المئة من سكان مصر يعيشون في مساحة هي أربعة في المئة من المساحة الكلية للبلاد وهذه المساحة الصغيرة التي تعيش فيها غالبية سكان مصر هي المساحة التي ترويها مياه النيل أما ما بقي فهو أرض صحراوية ما عدا بضع واحات تتخلل الصحاري….

أما معدل سقوط الأمطار فهو بمقدار بوصة واحدة أو يزيد قليلًا في القاهرة. أما في أسوان فيكاد نزول الأمطار يكون منعدمًا. وقد ساعد جفاف الجو في مصر على حفظ الآثار القديمة وبخاصة أوراق البرددي والخشب والموميات أو الأجسام المحنطة، التي ما كانت لتبقى القرون الطويلة لو أنها وجدت في ارض كثيرة الرطوبة. ويحمل النيل في فيضانه السنوي طميًا يرسب فيخصب الأرض. وقد كان فيضانه في العصور القديمة سببًا في اراحة الفلاحين أثناء فترة الفيضان، ومن ثم أمكن القيام بمشاريع هائلة مثل بناء الاهرامات والهياكل ومابر الملوك وقد كان النيل ولا يزال طريقًا مهمًا للملاحة يستخدم في نقل البضائع والناس من مكان إلى آخر.

وقد عمل الموقع الجغرافي في القديم بين الوادي الضيق والدلتا المنبسطة المتسعة على تقسيم شعب البلاد إلى قسمين متميزين كانا في عصور سحيقة قبل بدء التاريخ قسمين سياسيين متبايين كل التباين. فكانت مصر العليا تمتد من اسوان جنوبًا إلى القاهرة ومعدل اتساع الوادي طوال هذه المسافة حوالي اثني عشر ميلًا فان النيل يتفرع إلى فرعين رئيسين هما فرع دمياط وفرع رشيد ويتفرع عن هذين الفرعين ترع وقنوات كثيرة لتروي الدلتا التي تصل في اتساعها إلى مئة وخمسين ميلًا تقريبًا.

وقد ذكر الكتاب المقدس بعض منتجات مصر وحاصلاتها الصخرية التي تقع على جانبي النيل كانت مصدرًا للاحجار التي بنيت بها الاهرامات والهياكل الكثيرة التي تزخر بها أرض مصر. واستخرج حجر الجرانيت من اسوان وكان يستعمل في إقامة المسلات والتماثيل والنواويس، أما الرخام والمرمر فقد جاء من التلال القريبة من بني سويف وكانا يستخدمان في عمل الجرار والقناني لحفظ العطور الثمينة (مت 26: 7). وقد استخرج النحاس من شبه جزيرة سيناء وكان يستخدم قديمًا في صنع الآلات والأسلحة أثناء عصر الامبرطورية في العصر البرنزي المتأخر. وقد جاء الذهب (تك 41: 42) من الصحراء الشرقية. واستخرج الفيروز وحجر اللازورد من سيناء وكانا يستخدمان لزينة وكحلي للنساء وكانت الحنطة تزرع في مصر بوفرة حتى أن الأجانب كانوا يأتون ويبتاعون قمحًا من مصر من عصر إبراهيم (تك 12: 10) إلى عصر بولس الرسول (اعمال 27: 6 و 38). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في صفحات قاموس الكتاب المقدس والأقسام الأخرى). وأنتجت أرض مصر الخيار والقثاء والبطيخ والكراث والبصل (عدد 11: 5) وكان السمك عنصرًا هامًا من عناصر التغذية (كما يظهر هذا في عدد 11: 5 واش 19: 8) وكما يظهر أيضًا من النقوش الكثيرة. وكانت الماشية بوفرة في مصر (تك 41: 2). وقد ذكرت أنواعها أو نقشت صورها على الآثار المصرية منذ أقدم العصور وأما الخيل فلم يظهر استخدامها إلا بعد زمن الهكسوس. وكان الحمار أهم دواب الحمل (تك 45: 23). وقد نما البردي على شطآن النيل والترع والقنوات وكانوا يشقونه ويضغطونه ليعملوا منه ورق البردي (2 يو 12) وكان الكتان أهم مصدر لعمل الثياب (تك 41: 42 واش 19: 9). وقد اكتشف في المقابر الكثير من الكتان الدقيق الصنع مما يدل على مهارة فائقة في نسجه.

 

أما البلدان والمقاطعات والاقاليم التي في مصر وورد ذكرها في الكتاب المقدس فهي :

 

آون (حز 30: 17 أو بيت شمس (ارميا 43: 13)  :

 

وهي المعروفة لدى الأغريق باسم هليوبولس وكانت مركزًا لعبادة الاله “رع” اله الشمس ومكانها اليوم ضاحية المطرية القريبة من القاهرة، وبعمل صفون (خر 14: 2) وربما كان موقعها بالقرب من تل الدفنة التي هي تحفنحيس كما ذكر الكتاب المقدس. وجاسان (تك 47: 6 و 27) وهي منطقة تقع إلى الجانب الشرقي من الدلتا، وحانيس (اش 30: 4) وربما كانت هذه هي المدينة التي عرفت لدى الكتاب الكلاسيكيين باسم هيراكليوبولس الكبرى Herakleopolis Magna , وهي التي تعرف في العصور الحديثة باسم اهناسيا المدينة، ومجدل (خر 14: 2) بالقرب من البحر الأحمر أو بحر سوف، ونو (ارميا 46: 25) أو نوآمون (ناحوم 3: 8) وهي التي كانت معروفة لدى الكتاب الاغريق باسم طيبة Thebes وتعرف الآن باسم الاقصر، وكانت عاصمة مصر العليا ومركزًا لعبادة آمون، ونوف (اش 19: 13) أو موف (هو 9: 6) المعروفة في اليونانية باسم ممفيس عاصمة المملكة القديمة ومكانها اليوم “ميت رهينة”، وفتروس (اش 11: 11) في المصرية القديمة “بأتأرسي” لأو أرض الجنوب أو مصر العليا، وفيبستة (حز 30: 17) وهي تل بسطا الحديثة التي تقع إلى الجانب الشرقي من الدلتا، وفم الحيروث (خر 14: 2) بالقرب من البحر الاحمر أو بحر سوف، وفيثوم (خر 1: 1) وقد ظن البعض أنها “تل المسخوطة” وظن آخرون أنها “تل الرطابة” ورعمسيس (خر 1: 11) وربما كان مكانها اليوم بلدة “قنطير” أو “صان الحجر” وكلاهما بلدتان تقعان في شمالي شرقي الدلتا، وسين (خر 30: 15 و 16) وهي نفس “بلوسيوم” في العصر الكلاسيكي و “تل الفرماء” في العصور الحديثة، وتقع على بعد ثمانية عشر ميلًا شرقي قناة السويس، وسكوت (خر 12: 37) وربما كان مكان هذه اليوم هو “تل المسخوطة” في وادي الطميلات، واسوان (خر 29: 10) ، وتحفنحيس (ار 43: 7 وحز 30: 18) هي “تل الدغنة” الحديثة في الجزء الشمالي الشرقي من الدلتا، وصوعن (عدد 13: 22) وهي التي كانت معروفة عند اليونان باسم “افارس” أو “تانيس” وهي صان الحجر الحديثة في الجزء الشمالي الشرقي من الدلتا.

الرابط :

http://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/24_M/M_165.html

خريطة مصر كما كانت على عهد الفراعنة و حددها القرآن الكريم :

 

 

و حكومة مصر على مدار التاريخ تنتهي حدودها عند (بلاد الحيثيين) الترك  و حدود العراق  أي أن الدولة التصادمية المنافسة دائماً على مدار التاريخ  هى حكومات تلك المناطق  كما حدث من قبل في  حروب أحمس مع بلاد  الحيثيين أوعلى عهد السيد المسيح ووصول أمحتب للشام وخروج قورش له وطرده منها وكذلك كان المد والجزر في حدود مصر كما قال جمال حمدان إن مصر بلاد حدودها دائماً  تحددها قوة عساكرها فحيثما وصلت عساكرها كانت حدودها على مدار التاريخ ولقوة مصر التي أودعها الله تبارك وتعالى فيها جعلها قوة ودولة انفصالية عن بلاد الخلافة  فمرة تخضع للحكم العباسي ثم ينفصل بها أحمد ابن طولون ثم يفعل نفس الفعل كافور الإخشيد و كذلك فعلت  الدولة الفاطمية والأيوبية والمملوكية ودولة محمد علي باشا التي انفصلت عن تركيا و تظل مصر أبية عصية على استعباد غيرها وتأبى إلا  أن تكون الخلافة منها ومركزاً لها كما كان ذلك في العهد الفاطمي   وحتى زمن الوحدة بين مصر وسوريا في ستينات القرن الماضي كانت حدود مصر مجتمعة مع سوريا وهى جزء أصيل لا ينفصل دائماً عن مصر على مدار التاريخ  حدودهما تتصادم مع العراق وتركيا    ولذلك مصر مرمى السب والقذف والتحقير من علماء المبغضين لها   فتم ترويج مكذوبات كثيرة عليها وعلى أهلها  مع إخفاء دورها الطليعي ومحوه من التاريخ ليس ذلك فحسب بل وقلبه لحكم ربانية بدأت تظهر مع ثورة 25 يناير 2011 المباركة كما سنبين فيما بعد إن شاء الله ولعل كتاب ابن الجوزي والذي كتبه بعد سقوط الخلافة الفاطمية ” النصر على مصر” لهو أصدق ما ينم على مدى  الحقد الدفين على هذا البلد ولو كان صادقاً في حربه لهم على  الدين وأن الفاطميين( اولاد السيدة فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين علي عليه السلام )  كفاراً كما زعموا لعنهم الله لكتب النصر على العبيديين أو المشركين … ألخ  مسمياتهم القبيحة للمسلمين ولكنه هنا كتب مؤكداً بأنه النصر على مصر لأن هذا اللفظ له  أبعادا جغرافية و سياسية بالمنطقة العربية غلفها  بغلاف الدين ليصبغ قتل أهل بيت النبي وشعب مصر الطيب بصبغة الدين والقدسية وكان تشويه سمعة مصر كما سنبين إن شاء الله فيما بعد .

 

خريطة مصر في عهد الخديوي اسماعيل :

 

 

الرابط :

 

http://www.palqa.com/index.php?module=old_history&id=&category=&comments_offset=&&offset=2

 

وهذه الخريطة هنا تثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن هذه  هى قوة مصر  ومناطق نفوذها التابعة لها منذ فجر التاريخ  وعلى الرغم من اتساع رقعة مصر والدول التابعة لنفوذها وسلطانها إلا أن عصر محمد على يعتبر بداية الإنهيار الحقيقي إذا دققت النظر في مسار الأحداث في ذلك الوقت والكتل المتصارعة وهم الشريف حسين الذي شجعته بريطانيا على الإنفصال بالبلاد العربية عن دولة الخلافة التركية وفي نفس الوقت أبرزت له ابن سعود تحت نفس الهدف ليكون خليفة العرب والمسلمين أو ملكاً على العرب ودعمه المستشرقون بابن عبد الوهاب ونظريته الوهابية التي يقتل بها المسلمون على أنهم كفار وفقاً لمبدأ الخوارج في أجلى صوره وكانت تلك الفتنة من حيث  قرن الشيطان كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله في الحديث المشهور , وفي نفس الوقت  فرض محمد علي نفسه على العالم بقوة مصر وقدراتها  فبسط نفوذه وسلطانه بعد حصوله على التكنولوجيا الغربية من فرنسا لضرب تركيا   فسقط كلا الطرفان في صراع ليس من وراءه فائدة ترجي إلا استنفاذ قوى العرب والمسلمين بعد أن جعلوا مصر تضرب في تركيا والشريف حسين  وابن سعود والوهابية يضربون في تركيا ايضاَ ومن جهة أخرى تقاتل ابن سعود والشريف حسين  ثم مال محمد علي على الوهابية ضرباً وقتلاً بعد هدمهم لتراث المسلمين في البقيع ومحاولتهم هدم مسجد رسول الله ص على أنه أكبر صنم للمسلمين .

و لقد  تجلى تقدم مصر أجلى صوره ببعثات محمد علي العلمية  لأوروبا وعلى رأسهم  فرنسا ومنها ل رحلة فاعة الطهطاوي الأدبية إلىها  على سبيل التذكير فقط والتي كتب بعدها تلخيص ” الإبريز  في تلخيص باريز ”  .

والسؤال هنا كيف يعطونه مفتاح التكنولوجيا ليضربهم بها ولكنه التخطيط الماسوني  الجلوبالتي في  أعلى صوره وقتئذٍ والذي لم يدركه محمد علي وقتئذٍ  فلما حصل على التكنولوجيا حارب بها دولة الخلافة التركية لينهش منها ما استطاع إلى ذلك سبيلا في وقت كانت هذه الدولة المسلمة تحارب كل دول أوروبا وروسيا  لصد حروبهم الصليبية المستمرة على حدود تركيا في بلاد البلقان وتصفية المسلمين هناك في حروب مستمرة لإسقاط تركيا  والقضاء على  الإسلام  والمسلمين فدخل محمد علي في صراع مع تركيا ليقطتع جزءاً منها أثناء حروبهم في شرق أوروبا  وبإعلان الشريف حسين وكذلك ابن سعود الحرب على تركيا بدعم بريطاني وضرب مصالحها في جزيرة العرب والشام فتم إضعاف الدولة التركية أكثر فأكثر نتيجة لسوء سلوكياتهم الاستعمارية  تجاه العرب بالذات في الشام  ومصر  .

و السؤال هنا لما كان الخطب جسيم والأمر واضح أن تدمير تركيا تدمير لدولة الخلافة الإسلامية كما ييطلقون عليها  فلماذا لم يتوحد محمد علي مع الحكومة التركية  لدفع الغزو الإستعماري الصليبي على ديار المسلمين وتمزيق بلاد الإسلام ؟ !! .

ولماذا لم يتوحد ابن سعود والشريف حسين لدعم تركيا في حرب الروم ضدها ؟

إنها المؤامرة الكبرى على المسلمين جميعا المتجذرة والممتدة إلى الآن .

وهنا الواضح أن محمد علي بعد حصوله على التكنولوجيا أراد استخدامها في قيام أكبر امبراطورية مصرية بحكم قوة مصر الطبيعية فأراد أن يشيد تلك الإمبراطورية ليحكمها هو  و أولاده و من وهنا كانت أسباب انتصاراته وفتوحاته حتى استفحل خطره على بلاد الغرب الاستعماري .

فلما تعاظمت قوته بما أقلق أوروبا الصليبية الإستعمارية وقتئذٍ  وقفوا له بالمرصاد فتآمرت ضده  كلاً من  تركيا  الماسونية وروسيا وفرنسا وانجلترا    انتقاماً من مصر  لتنفيذ  خطط تفكيك الخلافة وتمزيق الدول العربية والإسلامية بعد حصول محمد علي على وسائل التقدم العلمي  وهذا عالمياً صهيونياً وماسونياً خط أحمر خفي على مصر غير مسموحاً به فتم ضربه في موقعة نوارين أو أبي قير البحرية وتحليل الموقف هنا يبين مساهمة الجميع في تفكيك  دولة الخلافة ومصر بالتحديد حرصا منهم على مصالح شخصية في أضيق حدود  من الجهل والخيانة لدين الإسلام والوطنية ولعل ما يصدق خيانة أسرة  محمد علي وأسرته من بعد طوسون  باشا سماحهم لأول مرة في التاريخ بتشييد أول محفل ماسوني    في  عهد الخديوي توفيق باعتراف واتفاق المراجع العربية والإنجليزية  التي كانت أول مسمار يدق في نعش مصر وجلب يهوداً يحكمونها بأسماء إسلامية ومشايخ يتزعمون حركة تهييج مصريين على مصريين ومسلمين على مسلمين والناس  يحسبون أنهم يحسنون صنعا  وعليه يتضح أن  العصر الخديوي بداية الدخول الماسوني والاستعماري لاحتلال مصر و بلاد العرب وبدأوا مشروعاتهم الماسونية العالمية  لخدمة تجارة بريطانيا زعيمة الماسونية حينئذٍ فحفروا  قناة السويس وبتمويل مباشر من آل روتشيلد مجددي  الماسونية  التجديد الثاني بواسطة آدم وايز هاوبت مؤسس أول كانيس ماسوني لعبادة الشيطان في مطلع القرن الخامس عشر والذي حفل ببداية ترسيخ قواعد  المذهب البروتستانتي الذي تدين به أمريكا وفكرها الماسوني السري وبتنظيماتها الصهيونية العاملة والتي حملت راية الماسونية بعد تراجع الدور البريطاني في مطلع القرن العشرين والان مصر في حالة مخاض والعالم باسره نحو نظام جديد إما أن ينقذ مصر والعالم أو انهيار عظيم لحضارة الغرب ومن تبعهم وربما هلاكهم وفنائهم بنضوب البترول والغاز الطبيعي والكوارث الطبيعية بين أقصى شرق الأارض وغربها كما أخبر القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى { أفلم يرى الذين كفروا أنا نأت الارض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } .

أي أن نقصان الأرض على حساب البحر ومن هنا كانت موجات التسونامي وأعصارات ساندي وكاترينا  وغير ذلك مما يعرفه الغرب وعلى رأسه وكالة ناسا وعليه تلجأ أمريكا والغرب لافتعال الحروب البينية بين دول الشرق الأوسط لإفنائهم تمهيداً لحلولهم محل بلاد العرب كما فعلوا ذلك مع الهنود الحمر ولكننا ليسوا الهنود الحمر وعلى ذلك مصر مكلفة إن لم تكن مجبرة على إيجاد مخرج اقتصادي عبقري لهؤلاء البشر في اقصى الغرب والشرق كي تنقذهم مما هم مقبلون عليه وذلك بعد إنقاذ مصر من أزمتها الإقتصادية الرهيبة التي تمر بها البلاد الآن  وتكون في صورة حلول عبقرية وأنموزجاً لصلاح العالم وقد يكون ذلك بواسطة قائد  أو زعيم مصري من أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله  .

 

الفصل 2 : مصر في كتب الله المقدسة

 

 (((1)))

 

 مصر في القرآن الكريم

هل تدري ماذا يعني ذكر مصر في القرآن الكريم ؟ .

 إنه يعني أن مصر محور هذا الكون ومحور أحداثه منذ فجر التاريخ وساكنها يتخلق بأخلاقها ولا يأتي إليها فكر وافد ‘لا حاه الله تعالى بوسطية هذا البلد واعتدال مزاجه كاعتدال هوائها ومائها كما أن ذكرها يدل على بركتها وبركة أهلها فتراب مصر أعلى من تراب العالم ومائها أفضل من ماء العالم وكل شيئ فيها متميزاً عن بقية بقاع الدنيا حتى نسائها ورجالها وكل ذلك ببركة ذكرها في القرآن الكريم وتجلي ربنا عليها في سيناء المباركة , .

 ولما كان المصريون يرون ذلك قديما وقريباً جداً كانوا يقولون هذا الشيئ “بلدي”  أو كما يقال في  المثل القائل “البلدي يوكل “  أي أن الشيئ المصري يؤكل لأنه أفضل في احتقار لمنتجات العالم والآن ماذا تقولون في حكومات فاشلة تأتينا بكل شيئ فاشل من الصين حتى ملئت بيوتنا قمامة صينية وحسبنا الله ونعم الوكيل في الخونة والجبناء .

 

يقول ابن الكندي في كتابه فضائل مصر المحروسة  :

 

[ في فضل مصر على غيرها أقول: فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضل على ضربين: في دين أو دنيا، أو فيهما جميعا، وقد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه بالكرم وعظم المنزلة وذكرها باسمها وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تنبئ عن مصر وأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والملوك الماضية، والآيات البينات، يشهد لها بذلك القرآن، وكفى به شهيداً، ومع ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في مصر وفي عجمها خاصة وذكره لقرابته ورحمهم ومباركته عليهم وعلى بلدهم وحثه على برهم ما لم يرو عنه في قوم من العجم غيرهم، وسنذكر ذلك إن شاء الله في موضعه مع ما خصها الله به من الخصب والفضل وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعلماء والحكماء والخواص والملوك والعجائب بما لم يخصص الله به بلداً غيرها، ولا أرضا سواها، فإن ثرب علينا مثرب بذكر الحرمين، أو شنع مشنع، فللحرمين فضلهما الذي لا يدفع، وما خصهما الله به مما لا ينكر من موضع بيته الحرام، وقبر نبيه عليه الصلاة والسلام، وليس ما فضلهما الله به بباخس فضل مصر ولا بناقص منزلتها، وإن منافعها في الحرمين لبينة لأنها تميرهما بطعامها وخصبها وكسوتها وسائر مرافقها، فلها بذلك فضل كبير، ومع ذلك فإنها تطعم أهل الدنيا ممن يرد إليها من الحاج طول مقامهم يأكلون ويتزودون من طعامها من أقصى جنوب الأرض وشمالها ممن كان من المسلمين في بلاد الهند والأندلس وما بينهما، لا ينكر هذا منكر، ولا يدفعه دافع، وكفى بذلك فضلا وبركة في دين ودنيا.

ذكر ما ورد في فضل مصر ( من كتاب فضائل مصر المحروسه)

[فأما ما ذكره الله عز وجل في كتابه مما اختصرناه من ذكر مصر. فقول الله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة} وما ذكره الله عز وجل حكاية عن قول يوسف: {ادخلوا مصر إن شاء الله أمنين} ( وهذا الأمن لم يذكره الله تعالى إلا  لبيت الله الحرام كم قال تعالى { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم} :

( وهنا الأمن لم يطلق في كتاب الله عز وجل إلا على بيت الله الحرام ومصر  لقدسيتها عند الله ولذلك تجلى على موسى بطور سيناء كما سنبين إن شاء الله  ).

وقال عز وجل: {اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم} وقال تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه أيةً وأوينهما إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين} قال بعض المفسرين: هي مصر. وقال بعض علماء مصر: هي البهنسا. وقبط مصر مجمعون على أن المسيح عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام كانا بالبهنسا وانتقلا عنها إلى القدس. وقال بعض المفسرين: الربوة دمشق، والله أعلم. وقال تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه}.وقال تعالى: {وقال نسوة في المدينة أمرأت العزيز تراود فتها عن نفسه} والمدينة: منف، والعزيز ملك مصر حينئذ. وقال تعالى: {ودخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها} هي منف، مدينة فرعون. وقال تعالى: {وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى} هي منف أيضاً. وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: {يأيها العزيز} وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} فجعل الشام بدوا، وقال تعالى حكاية عن فرعون وافتخاره بمصر: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي} وقال تعالى حين وصف مصر وما كان فيه آل فرعون من النعمة والملك بما لم يصف به مشرقا ولا مغربا، ولا سهلا ولا جبلا، ولا برا ولا بحرا: {كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ وزروعٍ ومقامٍ كريمٍ ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين} فهل يعلم أن بلداً من البلدان في جميع أقطار الأرض أثنى عليه الكتاب بمثل هذا الثناء، أو وصفه بمثل هذا الوصف، أو شهد له بالكرم غير مصر؟ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لكم منهم صهرا وذمة). وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما).فأما الرحم، فإن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام من القبط من قرية نحو الفرما يقال لها: أم العرب.

وأما الذمة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم، تسرى من القبط مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من قرية نحو الصعيد، يقال لها حفن من كورة أنصنا، فالعرب والمسلمون كافة لهم نسب بمصر من جهة أمهم مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، والقبط أخوالهم.

وصارت العرب كافة من مصر، بأمهم هاجر؛ لأنها أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم، وهو أبو العرب.

وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ستكونون أجنادا، وخير أجنادكم الجند الغربي، فاتقوا الله في القبط: لا تأكلوهم اكل الخضر).

وروى عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض). قال أبو رضي الله عنه: ولم ذلك يا رسول؟ قال: (لأنهم في رباط إلى يوم القيامة).من كتاب فضائل مصر المحروسه لبن الكندي].

 

وقال ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة عن ذكر مصر بالقرآن الكريم :

[ما ورد في فضل مصر من الآيات الشريفة والأحاديث النبوية قال الكندي وغيره من المؤرخين‏:‏ فمن فضائل مصر أن الله عز وجل ذكرها في كتابه العزيز في أربعة وعشرين موضعًا منها ما هو بصريح اللفظ ومنها ما د لت عليه القرائن والتفاسير‏.‏

فأما صريح اللفظ فمنه قوله تعالى‏:‏ ‏{” اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم ‏”‏ – البقرة‏:‏ 61 }وقوله تعالى يخبر عن فرعون‏:‏ ‏{“‏ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ‏”‏ – الزخرف‏:‏ 51} وقوله تعالى‏:‏{ ‏”‏ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلة ‏”‏ – يونس‏:‏ 87} ومنه قوله عز وجل مخبرًا عن نبيه يوسف عليه السلام‏:‏ {‏”‏ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ‏”‏ – يوسف‏:‏ 9} وأما ما دلت عليه القرائن فمنه قوله عز وجل‏:‏ ‏{“‏ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ‏”‏ – يونس‏:‏ 93 }وقوله عز وجل‏:‏ {‏”‏ وآويناهما إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين ‏”‏ – المؤمنون‏:‏ }‏.قال ابن عباس وسعيد بن المسيب ووهب بن منبه وغيرهم‏:‏ هي مصر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{“‏ فأخرجناهم من جناتٍ وعيون وكنوزٍ ومقام كريم ‏”‏ – الشعراء‏:‏ 58 }وقوله تعالى‏:{‏ ‏”‏ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ‏”‏ – الأعراف‏:‏ 137}‏.‏ يعني مصر.

وقوله تعالى‏:‏ {‏”‏ كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ وزروعٍ ومقامٍ كريمٍ ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قومًا آخرين ‏”‏ – الدخان‏:‏ 25 – 27}‏.‏ يعني قوم فرعون وأن بني إسرائيل أورثوا مصر‏.‏

وقوله تعالى‏:{‏ ‏”‏ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ‏”‏ – القصص‏:‏ 6‏}.‏

وقوله عز وجل مخبرًا عن نبيه موسى عليه السلام‏:‏ ‏{“‏ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ‏”‏ – المائدة‏:‏ 21 }وقوله عز وجل مخبرا عن فرعون‏:‏ ‏{“‏ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ‏”‏ – غافر‏:‏ 29‏}.‏

وقوله عز وجل‏:‏ {‏”‏ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ‏”‏ – الأعراف‏:‏ 37}‏.‏

وقوله تعالى مخبرًا عن فرعون‏:{‏ ‏”‏ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك والهتك ‏”‏ – الأعراف‏:‏ 27 ا } يعني أرض مصر‏.‏

قوله تعالى مخبرا عن نبيه يوسف عليه السلام‏:‏{ ‏”‏ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ‏”‏ – يوسف }وقوله تعالى‏:‏ {‏”‏ وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏”‏ – يوسف‏:‏ 21} وقوله تعالى مخبرا عن بني إسرائيل‏:{‏ ‏”‏ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ‏”‏ – يونس‏:‏ 88 ْ}وقوله تعالى مخبرًا عن نبيه موسى عليه السلام‏:{‏ ‏”‏ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ‏”‏ – الأعراف‏:‏ 129 }وقوله تعالى‏:‏{ ‏”‏ أو أن يظهر في الأرض الفساد ‏”‏ – غافر‏:‏ 26} يعني أرض مصر‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ {‏”‏ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ‏”‏ – القصص‏:‏ 20‏}.‏ وقوله عز وجل‏:{‏ ‏”‏ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا ‏”‏ – القصص‏:‏ 4}‏.‏ وقوله تعالى مخبرا عن ابن يعقوب عليه السلام‏:{‏ ‏”‏ فلن أبرح الأرض ‏”‏ – يوسف‏:‏ 80‏}.‏ يعني مصر‏.‏ وقوله تعالى‏:{‏ ‏”‏ إن تريد إلا أن تكون جبارًا في الأرض ‏”‏ – القصص‏:‏ 19} – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لبن تغري بردي].

وأما عن مصر وذكرها  في القرآن الكريم فقد وردت كالآتي :

 

أولاً بالتصريح كما يلي :

 

(1) يقول تعالى :{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ – يونس87}.

 

(2) {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ – يوسف21}.

 

(3) {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ – يوسف99}. وهنا يبين تعالى أن الأمن والآمان لم يجعله إلا في مصر والحرم المكي المطهر والذي قال تعالى فيه { ومن دخله كان آمنا- } وكذلك من دخل مصر كان إن شاء الله آمنا كما أمنوا النبيين الذين دخلوها وكذلك أهل بيت النبي عليهم لسلام وغيرهم فهى مأوى وملاذ لشعوب الأرض عند نزول البلاء بهم.

 

(4) {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ – الزخرف51}. وهنا يبين تعالى أن نيل مصر يجري في كل حدود مصر التي حددها الله تعالى جغرافياً في كتابه العزيز

 

(5) {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ – البقرة61 }. وهنا مصراً ليس أي مصر كما قال بعض المفسرين لأن الواقع يثبت أن الأمصار كلها مصرت من إسم مصر[ يقول المسعودي مصر إسمها كمعناها  وعلى إسمها سميت الأمصار ومنه اشتق هذا الإسم عند علماء البصريين- مروج الذهب ج1/ ص342].

 

ثانياً : مصر في القرآن بالتعريض والوصف:

 

  • يقول تعالى :{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ – البقرة265}. وهنا [روى عن زيد ابن أسلم في هذه الآية أنها مصر إن لم يصبها وابل زكت وإن أصابها مطر ضعفت – مروج الذهب ج1 ص341].

 

ثالثاً :  لفظ المدينة في بعض مواضع من القرآن يعني مصر كما يلي :

 

  • قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ – يوسف30} والمدينة هنا المقصود بها مصر العليا (جنوب مصر) وقتئذٍ.
  • {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ – القصص15}.
  • {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ – القصص18}.
  • {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ- القصص20}.
  • {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ – يس20}.
  • {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ – الأعراف123}. والمدينة هنا أيضاً هى مصر.

 

 كما أن لفظ مدائن يعني مصر أيضاً:

 

  • {قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ – الشعراء36}.
  • {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ – الشعراء53}. والمدائن هنا مدائن مصر.

 

رابعاً : خزائن الأرض تعني مصر:

 

  • {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ – يوسف55}. ولذلك يبين تعالى أن كنوز اللأرض كلها بمصر كالآتي:وهنا يقول ابن الكندي في كتابه فضل مصر على غيرها[وأما ذكر مصر وفضلها على غيرها من الأمصار وما خصت به وأوثرت به على غيرها، فروى أبو بصرة الغفاري قال: مصر خزانة الأرض كلها، وسلطانها سلطان الأرض كلها، قال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}. ولم تكن تلك الخزائن بغير مصر، فأغاث الله بمصر وخزائنها كل حاضر وباد من جميع الأرض. ].


خامساً:
كنوز الأرض بمصر كالآتي:

 

  • {فأخرجناهم من جنات وعيون وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ – الشعراء57- 58}
  • {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وزروع ومقام كريم }الدخان25. المقام الكريم لهم كان بمصر.

 

سادساً : الربوة تعني مصر كالآتي:

 

يقول تعالى عن سيدنا عيسى وأمه مريم العذراء سلام الله تعالى عليهما:

 

  • {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ -المؤمنون50}. وهنا يقول الشبلنجي في كتابه نور الأبصار [ الربوة هى مصر لأن الربا لا تكون إلا بها نور الأبصار ص172]. وقال في هذه الاية ابن الكندي في كتابه فضل مصر على غيرها [قال بعض المفسرين: هي مصر. وقال بعض علماء مصر: هي البهنسا. وقبط مصر مجمعون على أن المسيح عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام كانا بالبهنسا وانتقلا عنها إلى القدس. وقال بعض المفسرين: الربوة دمشق، والله أعلم. ]

 

سابعاً : لفظ الأرض في مواضع كثيرة من القرآن الكريم يعني مصر:

 

(14){وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ – يوسف21}

 

(15){قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ – يوسف55}

(16) {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ – يوسف56}

(17) {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ – يوسف73}

(18) {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ – القصص4}

(19){وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ -القصص5}

(20) {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ -القصص6}

(21) {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ – القصص19}

(22) {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ- القصص39}

(23) {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ – القصص81}

(24){وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ – العنكبوت39}

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ – غافر26}

(25) {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ- البقرة61}

(26) {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ – غافر29}

{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ – المائدة26}

(27) {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ – يونس78}

(28) {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ – يونس83}

 

(29) {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ – الأعراف127}

(30) {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً – الإسراء103}.

 

وعلى ذلك إذا كان القرآن يشيرفي كثير من المواضع  إلى أن لفظ أرض يعني مصر أولاً  ثم ما حولها من البلدان فإن هبوط آدم عليه السلام  كان بمصر لورود لفظ الأرض في قوله تعالى :{ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ – البقرة36} والأرض هنا مصر كما بينا وما حولها وفيها مستقر لبني آدم ولذلك تجد أن سيدنا إدريس ابن شيث ابن هابيل ابن آدم مصرياً وتمتد الخلافة حولها ببلدان العرب والمسلمين لورود لفظ الأرض على جزيرة العرب في قوله تعالى{وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً -الإسراء76} وفي قوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ-الجمعة10} أي أن الخلافة تخرج من بين مصر والحجاز ثم تمتد للشام لورود هذا الفظ في قوله تعالى {غلبت الروم فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ – الروم3} وتكون غلبة الروم هنا على يد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الآن إن شاء الله كما غلبوهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن هذه المرة يغلبونهم بالإسلام  وكما استخلف الله تعالى بني إسرائيل من بعد فرعون وهلاكه هو وملئه في قوله تعالى  {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ – الأعراف137} وقوله تعالى {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ – الأعراف128} وقوله تعالى {قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ – الأعراف129} كذلك وعد الله تعالى المؤمنين  الصالحين من أهل بيت النبي عليهم السلام ومن تولاهم آخر الزمان بالخلافة من مصر والحجاز والشام وإيران الإسلامية  كما قال تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ- النور55} ويتم هذا الإستخلاف بعد إفساد بني إسرائيل بهذه البلدان وبعموم الأرض وعلوهم العلو الكبير كما قال تعالى {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً -الإسراء4} فإذا وقع القول عليهم أخرج الله تعالى لهم دابة من هذه البقاع المباركة التي قال تعالى فيها { سبخان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله – الإسراء} فيخرج الله تعالى الدابة لهم لتقيم عليهم الحجة كما قال تعالى {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ – النمل82} ثم تكون الخلافة من مصر  وما حولها من بلدان البقعة المباركة كما من الله تعالى على المستضعفين من قبل في قوله تعالى :{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ -القصص5 – 6}.

 

وإذا كان القرآن اطلق على مصر لفظ الارض والمدينة فهذا معناه ان كل من يقطن هذا البلد سيميل طبعه للاستقرار والدعة وكأنها مستقر وملجأ لكل مطهد ومظلوم بالعالم فكما لجأ إليها تقريباً كل الأنبياء تقريباً من لدن إدريس وحتى آخر هجرة لسوريين مظلومين وقبلهم عراقيين وقبلهم بوسنيين وقبلهم هجرات الحجازيين وجزيرة العرب من الإبادات الوهابية لهم وكان منهم بني مر قبيلة الرئيس عبد الناصر ( بني مرة) ……إلخ هجرات المظلومين إليها عبر التاريخ حتى يمكنك أن تعتبر مصر ملجأ للمظالم البشرية على طوال التاريخ فهل ثورة 25 يناير ثورة هؤلاء المظلومين لفتح العالم وهل كان القدر الألهي يمهد لها منذ فجر التاريخ ؟!!! . هذا ما سنترك الإجابة عليه للمستقبل القريب الذي سيجيبنا حتما على هذا السؤال ليعرف الجميع قدر مصر ومكانتها عند الله , .

 

وأما قول تعالى عن لفظ أرض لتعلم قدر الله تعالى في أرض مصر{ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها – هود 61} وقال تعالى ايضاً { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها –   الروم9} أى سكنوها وبنوها وزرعوها واقاموا وشيدوا فيها حضارات كبيره قوية ومن هذه الاراضى مصر فتواكلوا عند دخول استعمار على آخرسيأتى ليخرجه وذلك بدأ مع هلاك فرعون وتحول مصر من قوة كبرى مستعمرة لقوة تستضعفها الأمم وكان احتلال قورش لمصر ثم الرومان ثم تتابعت الأمم حولنا في احتلال بلادنا بما فعله فرعون لعنه الله .

وعلى الرغم من ذلك  وجدنا مصر تضرب أعتى القوا المتجبرة وكأن الله تعالى مدخر أهلها  لهذه المهمة وهى كسر الإستكبار العالمي فى كل زمن فلقد كسرت مصر التتار بعد إبادتهم وتدميرهم لكل بلاد المسلمين من أطراف الصين وحتى الشام فهزمتهم مصر بقوة الله تعالى وحوله ولقد كسرت القوة الصهيونية التي لاتقهر في حرب  اكتوبر 1973 وهى في رباط معهم على يوم القيامة كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وآله بأنهم في رباط  إلى يوم القيامة دفاعاً عن دين الله تعالى وأنهم كنانة الله أي أنهم الساهم الإلاهي القاتل لكل متجبر مات في الأرض وهم  بصفة رئيسية ومباشرة في مواجة منذ احتلال فلسطين وحتى زوال الصهاينة من على الخارطة قبل قيام الساعة وقد  بشرت كتب الله تعالى السماوية بذلك .

وأقيمت فيها خلاقة فاطمية وأنشأت حضارة مازل العالم الإسلامي يفتخر بها  إلى الآن على الرغم مما كيله السلف الصالح لهم من تهم ومافعلوه بهم من مذابح جماعية تشيبلها الولدان وقل نظيرها في التاريخ واختفت ستة قرون من العالم الإسلامي من بين صفحات الكتب  بعد أن حكمت العالم  من ولاية حيدر أباد بالهند إلى المغرب العربي وامتد بها الزمان حوالي ستمائة عام. يقول الذهبي في تاريخه : [ لا يعلم دولة امتدت رقعتها وطال أمدها أكثر من دولة العبيديين] .أي أنهم ليسوا مسلمين بل هم كما قالوا يهود ومؤسس مذهب أهل بيت النبي عليهم السلام يهودي هو ابن سبأ وحكام إيران وهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله مجوس ويهود ومصر أيضاً دواويث والشيطان باض فيها وفرخ كما سنبينه في حينه إن شاء الله.

 

ثامناً : مصر والشام هما مبوأ الصدق كما قال تعالى :

 

(31) {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ – يونس93}قال جلال الدين السيوطي هنا في تفسيره [(ولقد بوأنا) أنزلنا (بني إسرائيل مبوَّأ صدق) منزل كرامة وهو الشام ومصر (ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا) بأن آمن بعض وكفر بعض (حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) من أمر الدين بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين].

 

تاسعاً :  مصر بها البقعة المباركة:

 

قال عز وجل:

 

(32){فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ – القصص30}.

[ذكر الشبلنجي في نور الأبصارأنها مصر – نور الأبصار ص172]. وهنا لاعبرة بمن نقل الوادي المقدس لكربلاء  بل ولا عبرة ولا عقل لمن صدق ذلك فهو كذب محض وافتراءاً على الله تبارك وتعالى ومصادمة مع صريح نصوص القرآن الكريم إذ لو كانت بقعة كربلاء مباركة فتكون بوركت بدم الحسين وهذا غير معقول أن تتبارك الأرض بدمائهم بل تلعن ويلعن ساكنيها لخذلانه بها وقتله عليه السلام [ روى كذباً على أبي عبد الله الصادق عليه السلام : شاطئ الوادي الأيمن الذي ذكره الله في القرآن هو الفرات والبقعة المباركة هى كربلاء- نور الثقلين ج4 ص127]  وروى عن المفضل أنه قال [ …. ثم تنفس أبو عبد الله عليه السلام وقال: يامفضل إن بقاع الأرض تفاخرت : ففخرت كعبة البيت الحرام  على بقعة كربلاء فأوحى الله إليها أن  اسكني ياكعبة البيت الحرام ولا تفتخري على كربلاء فإنها البقعة المباركة التي نودى موسى منها  وأنها الربوة التي آويت إليها مريم والمسيح وأنها الدالية التي غسل فيها رأس الحسين – عليه السلام – وفيها اغتسلت مريم عيسى واغتسلت من ولادتها  وأنها خير بقعة  عرج رسول الله – صلى الله عليه وآله – منها وقت غيبته وليكونن لشيعتنا فيها خبرة إلى ظهور قائمنا –عليه السلام- بشارة الإسلام للسيد مصطفى آل حيدرالكاظمي- ص316مؤسسة البعثة]. وهذا الكلام لايحتاج إلى تعليق لتصادمه مع كل الحقائق القرآنية والتاريخية والعلمية بل ويتصادم مع أبسط العقول فإذا سلمنا جدلاً ببركة كربلاء التي تلطخت بدم الحسين عليه السلام فتكون هذه دعوة تحريضية على قتل كل  أهل بيت النبي لتبريك الأرض بدائهم بل ويتقدس الصليب لصلب السيد المسيح عليه وهو مركب يلعن من فعل به ذلك أمام الله تبارك و تعالى , وهل  بعد ذلك كربلاء إلا مدينة أثمت بقتل أهل البيت فيها عليهم السلام  فلعنتهم ارضها وسمائها  غضباً لله تعالى  وستظل سمائها وأرضها تلعنهم إلى  يوم يبعثون.

 

عاشراً : مصر الوادي المقدس:

 

 يثبت القرآن الكريم أن مصر فيها وادي مقدس على كل الأرض حيث تجلى عز وجل في مخاطبة موسى إياه عز وجل من وراء حجاب وهذه لم تحدث في أي بقعة شريفة في الأرض بما يعطي مصر خصوصية لله عز وجل قال تعالى في كتابه العزيز هنا :

 

(33) {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى – طه12}.

 

(34){ هل أتاك حديث موسى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى – النازعات15-16}.

 

حادي عشر : الشجرة المباركة في مصر:

قال تعالى:

 

(35) {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ – المؤمنون20}

 

ثاني عشر : الأرض الجرز  منها مصر:

 

قال تعالى:

 

(36){أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ – السجدة27} والأرض الجرز هى التي لا نبات فيها فيخترقها النهر ليخرج الله تعالى به النبات في الأرض الجرداء وهذا وصف دقيق لنيل مصر الذي يخترق الصحراء.

 

ثالث عشر : الإحسان بنبي الله يوسف بعد سجنه  أيضاً في  مصر:

 

قال تعالى في يوسف عليه السلام لما سجنه  العزيز ونصفه الملك وقال تعالى في ذلك  {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ يوسف54} هنا يبين تعالى أنه قد أحسن إليه بأرض مصر بعدما ظلمه بعضهم فالخير والشر فيها ولكن يغلب خرها على شرها قال تعالى:

 

(37){ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – يوسف100}.

 

رابع عشر :  دعوة إبراهيم عليه السلام كانت على ما رآه في مصر:

 

قال تعالى :

(38) {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ – البقرة126}.وهنا قيل أن هذه الدعوة كانت على مارآه في مصر من زروع وجنان وثمرات فدعا بالرزق لأهل مكة وسكانها  .

 

خامس عشر : البرزخ بين البحرين بمصر:

 

قال تعالى:

(39) {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان- الرحمن }

(40) {وجعل بين البحرين حاجزاً}.

(41) {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً – الفرقان53}

(42) {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ – فاطر12} قال بن الكندي في كتابه فضل مصر على غيرها :

[وبها مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره الله تعالى فقال: {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبتغيان}. وقال تعالى: {وجعل بين البحرين حاجزاً} ، وهما بحر الصين وبحر الروم، والحاجز بينهما مسيرة ليلة ما بين القلزم والفرما. وليس يتقاربان في بلد من البلدان تقاربهما بهذا الموضع، وبينهما في السفر مسيرة شهور] وهذا المشهد وهو الوارد ذكره في قوله تعالى {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً – الفرقان53} يمكنك أن تراه بوضوح في منطقة اللسان بدمياط .

 

سادس عشر : مصر بها طور سيناء :

 

وهنا يقسم الله تبارك وتعالى بطور سيناء قائلاً:

(43) {وَالطُّورِ  وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور – الطور}وورد ذكره في قوله تعالى أيضاً:

 

(44) {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ – البقرة63}

 

(45) {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ – البقرة93}

 

(46) {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً – مريم52}

 

(47) {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ – القصص46}

 

(48) {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى – طه80}.

 

(49){فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ-  القصص29}.

وهنا تفهم من هذه الآيات أن العذاب والتيه قد ضربه الله تعالى على بني إسرائيل فيها مما يدل على أن عذاب الله تعالى ينزل بهم عن طريق هذه البلاد إن شاء الله لذلك يقولون في توراتهم عن مصر بالكناية ” العدو الذي في الجنوب”.

 

سابع عشر : طور سينين هو طور سيناء بمصر:

 

قال تعالى مقسماً بطور سيناء وما  تحمله هذه المنطقة وهذا الجبل من قدسية :

 

(50) { والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ  وهذا البلد الأمين- التين}.

 

ولذلك قال السيوطي في تفسيره : [و(طور سينين) الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى ومعنى سينين المبارك أو الحسن بالأشجار المثمرة].والتين والزيتون حيث أنهما فاكهتان أقسم الله تعالى بهما هنا فيكون على ذلك طور سينين والبلد الأمين مدينتان مقدستان أقسم الله تبارك وتعالى بهما كما في الآيات المباركات .

 

ثامن عشر : مصر و الواد المقدس طوى:

 

قال تعالى في قدسية مصر بسينائها المباركة المقدسة  لذلك يأمر الله تعالى موسى عليه السلام بخلع نعليه بوادي طوى في سيناء لأنه مقدس وعلى كل من يحدده بالضبط يفعل كما أمر الله تعالى فلا يسير في تلك البقعة إلا حافيا ونقارح عند تحديدة  بدقة بناء أقدس دور عبادة فيه ولذلك قال تعالى لنبي الله موسى عليه السلام  :

 

(51) {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى – طه12}

(52) {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى – النازعات16}. وهنا [يسأل حضرة النبي صلى الله عليه وآله لماذا سمى بالوادي المقدس طوى؟ فقال : لأنه قدست فيه الأرواح واصطفيت فيه الملائكة وكلم الله موسى فيه تكليما- الأنبياء حياتهم وقصصهم ص284].

وأما طوى ومعناها وفقاً لما ورد في كتاب الله تعالى فإن طي الأرض يأت من هذه البقعة والتي هى مركز الأرض  ومفصلها كما قال تعالى {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ – الأنبياء104} أي أنها بعيدة كل البعد عن الزلازل والبراكين والفيضانات والرياح المهلكة وآخر بقاع الأرض دماراً مابين الحجاز إلى طور سيناء فإذا خربت الآرض كلها على عهد يأجوج ومأجوج [ورد في الحديث الشريف أن الله تعالى يأمر عيسى عليه السلام بأن يحرز عباده إلى الطور … الحديث بهاية البداية والنهاية لبن كثير ج1] فتكون آخر الباقع دماراً ومنها تبعث الحياة من جديد بعد هلاك يأجوج ومأجوج .

وعلى ماورد هنا في كتاب الله تعالى في حق مصر من وصف بالتصريح والتعريض وكلها مواضع مدح و لم يذكر القرآن أن السحر والشياطين  نزلت بها كما قال تعالى عن منطقة بابل العراقية {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ البقرة102}.بل قال عن مصر { ادخلوا إن مصر إن شاء الله آمنين- يوسف} ولا يذم مصر بعد ذلك إلا مخالف لكتاب الله عز وجل مناقض لواقع أثبت أن مصر على مدار التاريخ حصن العرب الحصين والمدافع عن الأمة العربية والإسلامية وقت أن اجتاحها التتار وكاد أن يزيل الإسلام منها فكانت هى المنقذ ومازالت  تدافع عن القضية الفلسطينية وستظل هكذا بروح من الله تعالى مودعة فيها من انبياء سكنوها وحكموها وحلوا فيها وأهل بيت النبي هم فيها كُثُر بل هى معقل كبير لهم بعيداً عن الأنظار عملاقاً متوارياً في الظل له دوراًُ كبيراً محورياً إن شاء الله في أحداث كبيرة بالمستقبل , وما تمر به مصرالآن من كبوة  إلا حلقة من حلقات علامات الساعة وما قبل النهوض الكبير والإفاقة من البلاء المضروب عليها من إفساد الصهاينة فيها وعلوهم الكبير بها  وهي أحداث بينتها التوراة وفصلتها وبينها كذلك القرآن في قوله تعالى { لتفسدن في الأرض ولتعلن علواً كبيراَ- الإسراء} فإذا جاء وعد الآخرة كان علي يد أنجاب مصرمن أهل بيت النبي (ع) ومن تولاهم  والإيرانيين والعراقيين وعصائب أهل الشام وجزيرة العرب والبمن والنصوص أثبتت ذلك وسنبينها في حينها إن شاء الله .

 

(((2)))

 

مصر في السنة المطهرة:

 

قال ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة:

 [ وأما ورد في حقها من الأحاديث النبوية فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏”‏ ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا ‏”‏ قال ابن كثير رحمه الله‏:‏ والمراد بالرحم أنهم أخوال إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام أمه هاجر القبطية وهو الذبيح على الصحيح وهو والد عرب الحجاز الذين منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوال إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه مارية القبطية من سنى كورة أنصنا وقد وضع عنهم معاوية الجزية إكرامًا لإبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ انتهى كلام ابن كثير‏.‏

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏”‏ إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا فذلك الجند خير أجناد الأرض ‏”‏ فقال له أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ ولم ذلك يا رسول الله فقال‏:‏ ‏”‏ لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة ‏”‏ وعنه صلى الله عليه وسلم وذكر مصر‏:‏ ‏”‏ ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤونته ‏”‏‏.‏

وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما‏:‏ أهل مصر أكرم  الأعاجم كلها وأسمحهم يدًا وأفضلهم عنصرًا وأقربهم رحمًا بالعرب عامة وبقريش خاصة‏.‏

وقال أيضا‏:‏ لما خلق الله آدم مثل له الد نيا‏:‏ شرقها وغربها وسهلها وجبلها وأنهارها وبحارها وعامرها وخرابها ومن يسكنها من الأمم‏.‏

ومن يملكها من الملوك فلما رأى مصر رآها أرضًا سهلة ذات نهر جارٍ مادته من الجنة تنحدر فيه البركة ورأى جبلًا من جبالها مكسوًا نورًا لا يخلو من نظر الرب عز وجل إليه بالرحمة في سفحه أشجار مثمرة فروعها في الجنة تسقى بماء الرحمة فدعا آدم في النيل بالبركة ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات قال‏:‏ يا أيها الجبل المرحوم سفحك جنة وتربتك مسكة تدفن فيها عرائس الجنة أرض حافظة مطبقة رحيمة لا خلتك يا مصر بركة ولا زال بك حفظة ولا زال منك ملك وعز يا أرض مصر فيك الخبايا والكنوز ولك البر والثروة سال نهرك عسلًا كثر الله رزقك ودر ضرعك وزكا نباتك وعظمت بركتك وخصبت ولازال فيك يا مصر خير ما لم تتجبري وتتكبري أو تخوني فإذا فعلت ذلك عراك شر ثم يغور خيرك‏.‏

فكان عليه السلام أول من دعا لها بالرحمة والخصب والرأفة والبركة‏ .‏

وقال عبد الله بن عباس‏:‏ دعا نوح عليه السلام لابنه بيصر بن حام – وهو أبو مصر الذي سميت مصر على اسمه – فقال‏:‏ اللهم إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض الطيبة المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد ونهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما‏:‏ لما قسم نوح عليه السلام الأرض بين ولده جعل لحامٍ مصر وسواحلها والغرب وشاطىء النيل فلما قدم بيصر بن حام وبلغ العريش قال‏:‏ ‏”‏ اللهم إن كانت هذه الأرض التي وعدتنا على لسان نبيك نوح وجعلتها لنا منزلًا فاصرف عنا وباها وطيب لنا ثراها واجمع ماها وأنبت كلاها وبارك لنا فيها وتمم لنا وعدك إنك على كل شيء قدير وإنك لا تخلف الميعاد ‏”‏ وجعلها بيصر لابنه مصر وسماها به‏.‏

والقبط ولد مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام‏.‏

وقال كعب الأحبار‏:‏ لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر فقيل له‏:‏ ولم قال‏:‏ لأنها معافاة من الفتن ومن أراد بها سوءًا كبه الله على وجهه وهو بلد مبارك لأهله فيه‏.‏

وروى ابن يونس عنه قال‏:‏ من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا زخرفت وفي رواية‏:‏ إذا أزهرت‏.‏

وروى ابن يونس بإسناده إلى أبي بصرة الغفاري قال‏:‏ سلطان مصر سلطان الأرض كلها‏.‏

قلت‏:‏ ولهذا الخبر الصحيح جعلنا في آخر تراجم ملوك مصر حوادث سائر الأقطار كلها‏.‏

وقال‏:‏ في التوراة مكتوب‏:‏ مصر خزائن الأرض كلها فمن أراد بها سوءًا قصمه الله‏.‏

وقال عمرو بن العاصي ‏:‏ ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة‏.‏

وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه قال‏:‏ خلقت الدنيا على خمس صور‏:‏ على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه فالرأس مكة والمدينة واليمن والصدر الشأم ومصر والجناح الأيمن العراق وخلف العراق أمة يقال لها‏:‏ واق واق وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله والجناح الأيسر السند والهند وخلف الهند أمة يقال لها‏:‏ باسك وخلف باسك أمة يقال لها‏:‏ منسك وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله والذ نب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس وشر ما في الطير الذنب‏.‏

وقال ابن عبد الحكم حدثنا أشهب بن عبد العزيز وعبد الملك بن مسلمة قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن كعب بن مالك‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏ إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا ‏”‏ ثم ساق ابن عبد الحكم عدة أحاديث أخر بأسانيد مختلفة في حق مصر ونيلها في هذا المعنى‏.‏

وقال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قاضي العراق‏:‏ سألت أحمد بن المدبر عن مصر فقال‏:‏ كشفتها فوجدت غامرها أضعاف عامرها ولو عمرها السلطان لوفت له بخراج الدنيا‏.‏

وقال بعض المؤرخين‏:‏ إنه لما استقر عمرو بن العاصي رضي الله عنه على ولاية مصر كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ أن صف لي مصر فكتب إليه‏:‏ ورد كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يسألني عن مصر‏:‏ اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء وشجرة خضراء طولها شهر وعرضها عشر يكنفها جبل أغبر ورمل أعفر يخط وسطها نيل مبارك الغزوات ميمون الروحات تجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر له أوان يدر حلا به ويكثر فيه ذبابه تمده عيون الأرض وينابيعها حتى إذا ما اصلخم عجاجه وتعظمت أمواجه فاض على جانبيه فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب وخفاف القوارب وزوارق كأنهن في المخايل ورق الأصائل فإذا تكامل في زيادته نكص على عقبيه كأول ما بدأ في جريته وطما في درته فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة وذمة مخفورة يحرثون بطون الأرض ويبذرون بها الحب يرجون بذلك النماء من الرب لغيرهم ما سعوا من كدهم فناله منهم بغير جدهم فإذا أحدق الزرع وأشرق سقاه الندى وغذاه من تحته الثرى فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء إذا هي عنبرة سوداء فإذا هي زمردة خضراء فإذا هي د يباجة رقشاء فتبارك الله الخالق لما يشاء‏.‏

والذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنيها فيها ألايقبل قول خسيسها في رئيسها وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال تضاعف ارتفاع المال والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل‏.‏

فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ لله درك يا بن العاص‏!‏ لقد وصفت لي خبرًا كأني أشاهده‏.‏

وقال المسعودي في تاريخه‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ استوصوا بأهل مصر خيرًا فإن لهم نسبًا وصهرًا ‏”‏ أراد بالنسب‏:‏ هاجر زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام وأم ولده إسماعيل‏.‏ – النجوم الزاهرة].

[عن أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه – : قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط ».

وفي أخرى : « [إنكم] ستفتحون مصر ، وهي أرض يذكر فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما ».- وفي أخرى : « فإن فتحتموها ، فأحسنوا إلى أهلها ، فإن لهم ذمة ، ورحما – أو قال: ذمة وصهرا – فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة ، فاخرج منها ، قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل يتنازعان في موضع لبنة ، فخرج منها ».

وفي أخرى : « فرأيت ، فخرجت ». أخرجه مسلم.  جامع أحاديث الرسول (6/4702 & نور الأبصار للشبلنجي ص 173 ].

[ ويقول صلى الله عليه وآله وسلم “إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منها جنداً كثيفاً فذلك الجند خير أجناد الأرض ” قال أبو بكر لما يارسول الله قال لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة ولذلك يقول صلى الله عليه وآله أيضاً مصر كنانة الله في أرضه- نور الأبصار للشبلنجي ص 173 ]  وهؤلاء الجند الذين أوصى بهم رسول الله هنا لاحظ أنهم ليسوا على الإسلام وقتها بما يؤكد أن ساكني مصر شديدوا الأس في حروبهم للعدو وأما

الكنانة فهى جعبة السهام للمحارب أي أن بها رجال هم  سهم الله الموجه للكفر والفسوق والعصيان في كل زمان .

 

 

 (3)

 

مصر عند أهل الكتاب في العهدين القديم والجديد

 

وصية  توراتية خاصة بشعب مصر :

 

أوصت التوراة اليهود بأهل مصر خيراً كما أوصى نبينا الكريم صلى الله عليه وآله فقالت : لا تكره ادوميا لانه اخوك لا تكره مصريا لانك كنت نزيلا في ارضه (تث 23 : 7)

ذكر لفظ مصر في التوراة حوالي ربعمائة وثمانين مرة سنركز منهم على ما يخص مصر من نبوءات لنعلم إلى أين تتجه أمور مصر ومستقبلياتها من خلال النصوص  في سفر اشعيا الإصحاح 13

 

سفر أشعياء النبي الاصحاح 19


1 وحي من جهة مصر.هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم الى مصر فترتجف اوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر داخلها.

2 واهيج مصريين على مصريين فيحاربون كل واحد اخاه وكل واحد صاحبه مدينة مدينة ومملكة مملكة.

3 وتهراق روح مصر داخلها وافني مشورتها فيسألون الاوثان والعازفين واصحاب التوابع والعرافين.

4 واغلق على المصريين في يد مولى قاس فيتسلط عليهم ملك عزيز يقول السيد رب الجنود

5 وتنشف المياه من البحر ويجف النهر وييبس.

6 وتنتن الانهار وتضعف وتجف سواقي مصر ويتلف القصب والاسل.

7 والرياض على النيل على حافة النيل وكل مزرعة على النيل تيبس وتتبدد ولا تكون.

8 والصيادون يئنون وكل الذين يلقون شصا في النيل ينوحون.والذين يبسطون شبكة على وجه المياه يحزنون

9 ويخزى الذين يعملون الكتان الممشط والذين يحيكون الانسجة البيضاء.

10 وتكون عمدها مسحوقة وكل العاملين بالاجرة مكتئبي النفس

11 ان رؤساء صوعن اغبياء.حكماء مشيري فرعون مشورتهم بهيمية.كيف تقولون لفرعون انا ابن حكماء ابن ملوك قدماء.

12 فاين هم حكماؤك فليخبروك ليعرفوا ماذا قضى به رب الجنود على مصر.

13 رؤساء صوعن صاروا اغبياء.رؤساء نوف انخدعوا.واضل مصر وجوه اسباطها.

14 مزج الرب في وسطها روح غي فاضلوا مصر في كل عملها كترنح السكران في قيئه.

15 فلا يكون لمصر عمل يعمله راس او ذنب نخلة او اسلة.

16 في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء فترتعد وترجف من هزة يد رب الجنود التي يهزها عليها

17 وتكون ارض يهوذا رعبا لمصر.كل من تذكرها يرتعب من امام قضاء رب الجنود الذي يقضي به عليها

18 في ذلك اليوم يكون في ارض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان وتحلف لرب الجنود يقال لاحداها مدينة الشمس.

19 في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط ارض مصر وعمود للرب عند تخمها.
20 فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في ارض مصر.لانهم يصرخون الى الرب بسبب المضايقين فيرسل لهم مخلصا ومحاميا وينقذهم.

21 فيعرف الرب في مصر ويعرف المصريون الرب في ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرا ويوفون به.

22 ويضرب الرب مصر ضاربا فشافيا فيرجعون الى الرب فيستجيب لهم ويشفيهم
23 في ذلك اليوم تكون سكة من مصر الى اشور فيجيء الاشوريون الى مصر والمصريون الى اشور ويعبد المصريون مع الاشوريين.

24 في ذلك اليوم يكون اسرائيل ثلثا لمصر ولاشور بركة في الارض

25 بها يبارك رب الجنود قائلا مبارك شعبي مصر وعمل يدي اشور وميراثي اسرائيل
تك 13:10 فرفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الاردن ان جميعها سقي قبلما اخرب الرب سدوم وعمورة كجنة الرب كارض مصر.حينما تجيء الى صوغر.

تك 21:21 وسكن في برية فاران.وأخذت له امه زوجة من ارض مصر
تك 41:33 فالآن لينظر فرعون رجلا بصيرا وحكيما ويجعله على ارض مصر.

تك 41:41 ثم قال فرعون ليوسف انظر.قد جعلتك على كل ارض مصر.

تك 41:44 وقال فرعون ليوسف انا فرعون.فبدونك لا يرفع انسان يده ولا رجله في كل ارض مصر

تك 45:8 فالآن ليس انتم ارسلتموني الى هنا بل الله.وهو قد جعلني ابا لفرعون وسيّدا لكل بيته ومتسلطا على كل ارض مصر.

تك 45:9 اسرعوا واصعدوا الى ابي وقولوا له هكذا يقول ابنك يوسف.قد جعلني الله سيدا لكل مصر.انزل اليّ.لا تقف.

تك 45:13 وتخبرون ابي بكل مجدي في مصر وبكل ما رأيتم وتستعجلون وتنزلون بابي الى هنا

تك 45:18 وخذوا اباكم وبيوتكم وتعالوا اليّ.فاعطيكم خيرات ارض مصر وتاكلوا دسم الارض.
تك 45:19 فانت قد أمرت.افعلوا هذا.خذوا لكم من ارض مصر عجلات لاولادكم ونسائكم واحملوا اباكم وتعالوا.

تك 45:20 ولا تحزن عيونكم على اثاثكم.لان خيرات جميع ارض مصر لكم
تك 46:3 فقال انا الله اله ابيك.لا تخف من النزول الى مصر.لاني اجعلك امة عظيمة هناك.

تك 46:4 انا انزل معك الى مصر وانا اصعدك ايضا.ويضع يوسف يده على عينيك
تك 47:6 ارض مصر قدامك.في افضل الارض اسكن اباك واخوتك.ليسكنوا في ارض جاسان.وان علمت انه يوجد بينهم ذوو قدرة فاجعلهم رؤساء مواش على التي لي
تك 47:11 فاسكن يوسف اباه واخوته واعطاهم ملكا في ارض مصر في افضل الارض في ارض رعمسيس كما امر فرعون.

تك 47:20 فاشترى يوسف كل ارض مصر لفرعون.اذ باع المصريون كل واحد حقله.لان الجوع اشتد عليهم.فصارت الارض لفرعون.

تك 47:26 فجعلها يوسف فرضا على ارض مصر الى هذا اليوم لفرعون الخمس.الا ان ارض الكهنة وحدهم لم تصر لفرعون

تك 50:26 ثم مات يوسف وهو ابن مئة وعشر سنين.فحنطوه ووضع في تابوت في مصر

خر 3:7 فقال الرب اني قد رأيت مذلّة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من اجل مسخّريهم.اني علمت اوجاعهم.

خر 3:17 فقلت اصعدكم من مذلّة مصر الى ارض الكنعانيين والحثّيين والاموريين والفرزّيين والحوّيين واليبوسيين الى ارض تفيض لبنا وعسلا

خر 3:20 فامدّ يدي واضرب مصر بكل عجائبي التي اصنع فيها.وبعد ذلك يطلقكم.

خر 7:3 ولكني اقسّي قلب فرعون واكثّر آياتي وعجائبي في ارض مصر.

خر 7:4 ولا يسمع لكما فرعون حتى اجعل يدي على مصر فاخرج اجنادي شعبي بني اسرائيل من ارض مصر باحكام عظيمة.

خر 7:5 فيعرف المصريون اني انا الرب حينما امد يدي على مصر واخرج بني اسرائيل من بينهم.

خر 10:2 ولكي تخبر في مسامع ابنك وابن ابنك بما فعلته في مصر وبآياتي التي صنعتها بينهم.فتعلمون اني انا الرب

خر 10:7 فقال عبيد فرعون له الى متى يكون هذا لنا فخّا.اطلق الرجال ليعبدوا الرب الههم.ألم تعلم بعد ان مصر قد خربت.

خر 11:3 واعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين.وايضا الرجل موسى كان عظيما جدا في ارض مصر في عيون عبيد فرعون وعيون الشعب

خر 11:4 وقال موسى هكذا يقول الرب اني نحو نصف الليل اخرج في وسط مصر.

خر 11:5 فيموت كل بكر في ارض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه الى بكر الجارية التي خلف الرحى وكل بكر بهيمة.

خر 11:6 ويكون صراخ عظيم في كل ارض مصر لم يكن مثله ولا يكون مثله ايضا.

خر 11:9 وقال الرب لموسى لا يسمع لكما فرعون لكي تكثر عجائبي في ارض مصر.

خر 12:12 فاني اجتاز في ارض مصر هذه الليلة واضرب كل بكر في ارض مصر من

الناس والبهائم.واصنع احكاما بكل آلهة المصريين.انا الرب.

 

وفي الانجيل بعض الايات التي تخص مصر ومستقبلها

منها :

“فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ. لأَنَّهُمْ يَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ بِسَبَبِ الْمُضَايِقِينَ، فَيُرْسِلُ لَهُمْ مُخَلِّصًا وَمُحَامِيًا وَيُنْقِذُهُمْ” (سفر إشعياء 19: 20)

 

“فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ” (سفر إشعياء 19: 21)

 5   

“فَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ ” (سفر الخروج 7: 5؛ سفر الخروج 14: 18)

 6   

“وَيَضْرِبُ الرَّبُّ مِصْرَ ضَارِبًا فَشَافِيًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى الرَّبِّ فَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَشْفِيهِمْ” (سفر إشعياء 19: 22)

 7   

“مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ” (سفر إشعياء 19: 25)

 

 

 فصل 3 :

 

تقديس مصر ببعثة انبياء منها و هبوط  رسل الله و أنبيائه فيها  وزواجهم منها وسكنى أهل بيت رسول الله فيها وزواج بعضهم منها :

 

(1) مصر ورسل الله تعالى  :

 

نبي الله إدريس عليه السلام يسكن مصر ويرفع منها  :

 

[اختلف في محل مولده ومكان نشأته فقال بعضهم أنه ولد بمصر وسموه  هرمس الهرامسة وهو باليونانية أرميس وعرب بهرمس ومعنى أرميس عندهم عطارد وقالوا وخرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها ثم عاد إليها ومنها رفع إلى السماء وقيل أن مولده بالعراق بابل وأنه رحل لمصر وعاش بها إلى أن رفعه الله تعالى – الأنبياء قصصهم وحياتهم لعبد الصاحب العاملي ط قم إيران ص65- 66].

[النبي إدريس اسمه إدريس في القرآن و اسمه في التوراة أخنوخ أو خنوخ و اسمه في مصر هرمس الهرامسه اى حكيم الحكماء و قيل أن إدريس ولد ببابل ونشأ بها و أخذ منذ صباه يضرب في جميع نواحي العلوم الكونية و درس علم شيث بن آدم وهو جد أبيه وقد روى عن أبى زر الغفاري قال: قلت لرسول الله كم كتابا أنزل الله تعالى؟ قال 🙁 مائة صحيفة و أربعة كتب .. أنزل الله على آدم عشر صحائف – و على شيث خمسين صحيفة – و على إدريس ثلاثين صحيفة و على إبراهيم عشر صحائف وانزل التوراة و الزابور و الإنجيل و الفرقان.

وإدريس عليه السلام هو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبس المخيط وأول من أفاض الله عليه في علوم النجوم والحساب ورصد الكواكب ويقول الحافظ بن كثير في البداية و النهاية :- إن إدريس هو أول نبي بعد ادم وشيث عليهم الصلاة و السلام شب إدريس في بابل على عبادة الله تعالى وكان رجلا ادم تام إلقامه احلج حسن الوجه مليح الشمائل عريض المنكبين ضخم العظام قليل اللحم براق العينين متأنيا في كلامه كثير الصمت ساكن الأعضاء إذا مشى أكثر نظره إلى الأرض كثير الفكرة ظل إدريس عليه السلام يدعو أهل بابل إلى عبادة الله وحده ونهى المفسدين من بني آدم عن مخالفة شريعة آدم و شيث فلم يستجب له إلا القليل. فعزم على الهجرة إلى الغرب و اخبر تابعيه بما عزم عليه ولكن شق عليهم الرحيل عن ديارهم وقالوا له : وهل نجد في  الأرض مثل بابل؟

 

وكلمه بابل في لغتهم بمعني (النهر) ولعلهم يقصدون بهذا  ((نهر دجله والفرات)) فقال لهم :عسا أن رحلنا في سبيل الله أن يرزقنا نهراً غيره …فخرجوا معه.

ولما أشرفوا علي إقليم مصر ورأوا النيل خالياً من السكان ـ كثير الخيرات ـ وقف إدريس علي شاطئ النيل وسبح الله بحمده علي إكرامه وقال لمن معه ((بابليون)) وكلمه (يون) في لغتهم مثل أفعل للتفضيل في لغة العرب فكأنه يقول لهم هذا نهر أكبر وأفضل من الذي تركناه .وأقام إدريس في صعيد مصر ألأعلى في قصر أنس الوجود وهو أقدم أثر تاريخي في صعيد مصر ـ وظل إدريس يدعوا الناس إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالعمل الصالح في الدنيا والحكم بالعدل ـ وجعل لهم قربانات منها : لدخول الشمس رءوس البروج ـ ومنها لرؤية الهلال – ومنها لدخول الكواكب في بيوتها وشرفها ـ ومناظرتها للكواكب الأخرى ـ وجعل لهم أعياداً كثيرة في أوقات معروفه .

علمه الله جميع اللغات ـ فخاطب كل فرقه بلغتها ـ ورسم للناس تمدين المدن وأجتمع حوله طالبوا العلم من كل المدن والبلاد ـ فعرّفهم السياسة المدنية وقرر لهم قواعدها ـ فبنت كل فرقه من الأمم مدناً في أرضها ـ وكانت عدد المدن التي أنشئت في عهده مائه وثمانية وثمانين مدينه .

وأستخرج الحكمة وعلم النجوم وأفهمه الله أسرار الفلك وتركيبه ونقط اجتماع الكواكب فيه ـ واقترانها وتقابلها وأفهمه الله عدد السنين والحساب .

ولولا أن الله سبحانه عز وجل أرسل علي يد رسوله إدريس عليه السلام أصول هذه العلوم العلوية لما وصلت هذه البشرية إلي استقراء تلك الخواطر ولما هبط الإنسان علي سطح الكواكب الأخرى .

 

وجاء في كتاب تاريخ الحكماء : –

 

أن النبي إدريس قسم الأرض إلي أربعه أقسام وجعل علي كل أرض ملكاً يسوّس أمر الجزء المعمور منه.

كما جاء في الصفحة 348 من كتاب تاريخ العلماء …..في ترجمه ((هرمس الثالث)) بالنص:(زعم جماعه من العلماء أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان أنما صدرت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى وهو الذي يسمونه العبرانيون (خنوخ النبي) ـ وهو أول من تكلم في الجواهر العلوية والحركات النجومية وأول من بني  الهياكل ومجد الله فيها وأول من نظر في علم الطب ـ وقالوا عنه أنه أول من أنذر بالطوفان ورأي أن آفة تلتحف الأرض من الماء والنار ـ فخاف ذهاب العلم ودروس الصنائع ـ فبني ألأهرام والبرابي في صعيد مصر الأعلى وصور عليها جميع الصناعات والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصاً منه علي تخليدها لمن بعده خيفة أن يذهب رسمها من العالم )

وبالتأمل فيما ذكرنا من كتاب تاريخ الحكماء حول إدريس عله السلام ـ نجد نقاطاً نركزها فيما يلي :

 

أولاً:ــ

 

أن هرمس الأول ـ إدريس ـ عليه السلام كان مقامه بصعيد مصر الأعلى ـ وأنه هو الذي يسمونه العبرانيون ـ خنوخ النبي في التوراة .

ثانياً:ــ

أنه أول من تكلم في علم الفلك والنجوم والحساب وأول من نظر في الجواهر العلوية .

 

ثالثاً:ــ

أنه نظم الحكم في الأرض وقسم المعمورة وشيد المدائن .

رابعاً:ــ

تنبأ بحدوث طوفان يشمل الأرض كلها ويهلك ما فوق سطحها وهذا هو الذي دفعه إلي تسجيل العلوم ورسمها علي ألأهرام خوفاً عليها من الضياع.

,……ولنترك التاريخ ونذهب إلي القرآن

فنجد أنه لم يذكر إدريس في القرآن الكريم إلا في آيتين:

الأولي

(واذكر في الكتاب إدريس أنه كان صديقاً نبياً . ورفعناه مكاناً علياً ) 57.56مريم .

الثانية

( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين ) 85 الأنبياء .

وتقول التوراة :سار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه ـ وذلك في الإصحاح الخامس من سفر التكوين واليك نص عبارة التوراة

21ـ وعاش أخنوخ خمساً وستين سنه وولد متوشالح .

22ـ وسار أخنوخ مع الله بعد ما ولد متوشالح ثلاثمائة سنه وولد وبنين .

23ـ فكانت كل أيام أخنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنه .

24ـ وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه .

 

وكما جاء في الصحيحين في حديث الإسراء أن رسول الله صلي الله عليه وسلم ـ مر بإدريس في السماء الرابعة .

وقالت كتب التفسير أن إدريس رفع ولم يمت وأنه رفع إلي الجنة ولا شئ أعلي من الجنة في إشارة إلي قول الله تبارك وتعالي (ورفعناه مكاناً عالياً)

ولم يكن أحد يتصور في زمانهم أن إنسان يستطيع غزو الفضاء اللانهائي أو النزول علي سطح القمر أو إرسال سفن إلي كوكب المريخ وكوكب الزهرة وقد ينزل قريباً إنسان عليهما وعلي غيرهما من الكواكب .

هذا ملخص ما جاء في كتاب من أنباء الرسل للكاتب عبد السلام محمد بدوي طبعه دار الشعب .

وأخيراً ذكر لنا الأستاذ عبد السلام محمد بدوى بعض المقالات التي كتبها الأستاذ أنيس منصور في جريده الأهرام عن سلسله مقالات   (الذين هبطوا من السماء)

والتي جاء منها (لم يكن أحد يعلم أن لنبي الله إدريس أسراراً وأسفاراً إلا في عام 1776 عندما عثر بحار اسكتلندي أسمه (بروس) علي نسخه لأسرار النبي أخنوخ وجدها في الحبشة .

وبعد ذلك بمائه عام عثروا علي نسخه آخري لأسرار أخنوخ في يوجوسلافيا ـ وهذه الكتب جاءت مترجمه من كتب عبريه أو يونانيه أو حبشيه وهذه الأسفار بها 108 فصول تتحدث عن الجنة والنار ويوم القيامة وعن الطوفان الذي سوف يغرق العالم كله .

وبذلك قد وصلنا إلي ملخص عن ما جاء عن النبي إدريس في كتاب من أنباء الرسل وهو كتاب ديني يتحدث عن قصص الأنبياء جميعاً في مجلدين حوالي 1000 صفحه .

 

ولننتقل إلي ما كتبه المثقفين عن الهرم مع العلم أننا لن نناقش أي موضوع إلا بعد أن تكتمل الصورة أمامنا كاملة ] .

الرابط :

http://www.sphinx39.com/Page33.htm (هامش)

 

إبراهيم ولوط عليهما السلام :

 

يقول ابن الكندي في كتابه فضل مصر المحروسة:[ وأما من كان بها من الأنبياء عليهم السلام، فإبراهيم الخليل، وإسماعيل ويعقوب، ويوسف. واثنا عشر نبياً من ولد يعقوب وهم الأسباط وموسى وهارون ويوشع بن نون، وعيسى بن مريم، ودانيال، عليهم الصلاة والسلام. فهذا ما ذكر: من كان بها قبل الإسلام – فضل مصر لبن الكندي] .

 

وبالتالي بوركت أرض مصر وتقدست بنزول سيدنا إبراهيم ولوط بها عليهما الصلاة والسلام وإبراهيم عليه السلام [من أهل فدان آرام بالعراق وأما لوط فهو ابن أخو إبراهيم عليه السلام ولما كفر بعباده الأوثان مع ابيه آزر وإعتزله ورحل بعد ذلك مع ابن أخيه لوط إلى فلسطين غرباً ومعه زوجته  ساره كما فى سورة العنكبوت {فآمن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم}ولكنه لم يطل به المقام بل كان يتنقل  نحو الجنوب كما تدل عبارات التوراة فى رحلتيه إلى مصر ثم إلى أرضه . وعندما دخل مصر بنى عريشاً على حدودها ليستريح فيه وسمى بهذا الإسم إلى الآن وهى منطقة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء.وعن قصة زواجه من مصر يقول صاحب كتاب الأنبياء ومضى إبراهيم عليه السلام مرتحلاً عن وطنه ومسقط رأسه ومقر آبائه إلى دار غربه لم يعرف أحد فيها ولابدعوة من أهلها فمضى حتى خرج من سلطان نمرود ودخل فى سلطان رجل من الأقباط يقال له عرارة فمر بعاشر له أوعشار فهو جاب وموكل بأخذ العشر من أموال كل من يمر فى بلاده فاعترض ابراهيم وأراد أن يأخذ العشر من أمواله ومواشيه فقال المأمور من قبل الملك عرارة: افتح لنا التابوت(الهودج ) الذى فيه زوجته ساره حتى نعشر ما فيه فقال إبراهيم :قل ماشئت فيه وأطلب ماتريده من ذهب أو فضة حتى نعطيك عشره ولا تفتحه،فأبى العشار إلا فتحه ثم فتحه وقد غضب إبراهيم عليه السلام غيرة منه على زوجته ساره ،فلما نظر اليها العشار وبدت له وكانت على جانب من الجمال قال له العشار: ما هذه وما هى منك؟ فقال إبراهيم عليه السلام هى حرمتى وابنة خالتى ،فقال له المأمور: لست أدعك ترتحل حتى أعلم الملك بأمرها وحالك وحالها .

ثم بعث رسولاً له أعلمه فما وصل اليه الخبر طلب إحضار التابوت وعند وصولهم إلى الملك قال له الملك افتح التابوت، فقال له إبراهيم : إن فبه حرمتى وابنة خالتى وأنا مفتد فتحه بجميع مامعى ،فلم يقنع الملك إلا بفتحه فلما فتحه ونظر إلى ساره لم يملك نفسه أن مد اليها يده فأعرض إبراهيم عليه  بوجهه منها وعنه غيرة وقال:اللهم احبس يده عن حرمتى وإبنة خالتى فلم تصل يده إليها ولم ترجع اليه( والذى نفهمه أنها شلت فلم تصل اليها ولم ترجع إليه) فقال له الملك إن الهك الذى فعل بى هذا؟ فقال ابراهيم:  نعم ،فقال له أدعه أن يرد على يدى فإن ردها وأجابك لاأعترضك فى أمرها، فدعا إبراهيم عليه السلام ربه فردها عليه ثم أقبل الملك عليه ببصره ثم عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عليه السلام عنهما وقال اللهم احبس يده و تتكرر الحادثة من شل يده للمرة الثانية ويقول الملك عررة لإبراهيم عليه السلام :إن الهك لغيور فادعوه أن يرد على يدى ولا أعارضها أبداً فدعى ابراهيم عليه السلام اللهم ان كان صادقاً فرد عليه يده فرجعت اليه فلما رأى المك ذلك عظم إبراهيم عنده عليه السلام وأكرمه واتقاه وقال له: انطلق حيث شئت ولكن لى إليك حاجة وهى أن تأذن لى أن أقدم لها خادمة وعندى قبطية جميلة عاقلة أريد أن تكون لها خادمة فوهبها الملك لسارة وهى هاجر أم اسماعيل ثم إن إبراهيم سار بجميع من معه وخرج الملك يمشى خلفه إعظاماً وهيبة له ولكن إبراهيم لم يرض من الملك  أن يمشى خلفه وقدمه أمامه ومشى إبراهيم خلف الملك وقال له: إن الاهى أمرنى بذلك وأن أعظمك لسلطانك فقال له الملك القبطى:أشهد ان الهك لرفيع حليم كريم وإنك ترغبنى فى دينك ثم ودعه الملك وسار ابراهيم- الأنبياء حياتهم وقصصهم لعبد الصاحب الحسني العاملي ص117- 118].

ومن هنا غيرمستبعد اسلام هذا الملك وبالتالى كانت البركة على مصر من دخول إبراهيم فيها ولوط عليهما السلام وساره.

ونفهم منها أنه من الواجب على شعبنا العظيم أن يتخلق بخلق إبراهيم عليه السلام فى إحترامه لرؤسائه أياً كان انتمائه حتى يحكم الله فهو الذى يؤتى الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء .

 

بوركت مصر و تقدست  بنزول يعقوب و يوسف  والأسباط الأثني عشر بها عليهم الصلاة و السلام :

 

و هنا قصة يوسف وإخوته وأبيه يعقوب عليهم السلام وردت في سورة كاملة تتكلم عن قصتهم وإنقاذ مصر  و العالم من  المجاعة والقحط وكان ذلك ببركة سيدنا يوسف وأبيه عليهما السلام وبركة الوحي المنزل عليه من الله تبارك وتعالى على أرض مصر  وهنا بوركت أرض مصر بأهل البيت الإبراهيمي وأنبيائهم عليهم السلام.

 

ذو القرنين:

 

[  يقال أنه  الإسكندر الأكبر ابن فيلقس اليوناني واستدلوا لذلك المؤرخين على أن الرجل المسمى بذي القرنين هو الذي بلغ ملكه المشرق والمغرب والذي اشتهر في كتب التواريخ من أن ملكه بلغ هذا القدر لم يكن سوى الاسكندر وأنه لما مات أبوه نهض بالأمر وقهر ملوك الروم وحمعهم بعد أن كانوا طوائف ثم غلب ملوك المغرب حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر وبنى الإسكندرية بإسمه – الأنبياء حياتهم وقصصهم لعبد الصاحب الحسني العاملي ص234].

[ ويقال أنه نبي عليه السلام  وروى أن الله تعالى لم يبعث أنبياء ملوكاً في الأرض إلا أربعة بعد نوح عليه السلام أولهم ذو القرنين وإسمه عياش وداود وسليمان ويوسف وأما عياش فملك مابين المشرق والمغرب وأما داود فملك مابين الشامات إلى بلاد إصطخر (أصفهان أو خراسان) وكذلك كان ملك سليمان عليه السلام وأما يوسف فملك مصر وبراريها ولم يجاوزها إلى غيرها — الأنبياء حياتهم وقصصهم لعبد الصاحب الحسني العاملي ص230] . وان هذا النبي قبل موسى عليه السلام .

موسى وهارون عليهما السلام على جبل يشكر بمنطقة  مابين قلعة الكبش والسيدة نفيسة

بالقاهرة الآن :

ثم يظهر في مصر نبي الله موسى وهارون عليهما السلام وتنزل التوراة والألواح بمصر وهى أحد كتب الله الثلاثة التي استأثرت بها مصر وقد استأثرت الشام فيما بعد بالإنجيل ثم الحجاز بالقرآن الكريم  وهو آخر كتب الله المنزلة على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه هى البقاع المباركة في القرآن الكريم وقصة موسى وهارون عليهما السلام مع فرعون بالقرآن أشهر من أن تذكر  وكان موسى عليه السلام  يتعبد على ماورد في كتب السير والتاريخ بمنطقة مابين قلعة الكبش إلى جبل زينهم الآن وذلك بحي السيدة زينب عليها السلام .

قال المقريزي في كتابه المواعظ والإعتبار :

وذكر البكريّ أيضًا‏:‏ أنّ عابدًا بالباء الموحدة والدال المهملة على وزن فاعل‏:‏ جبل بمصر قبل جبل يشكر هذا الجبل فيما بين القاهرة ومصر عليه الجامع الطولوني‏.‏

قال القضاعيّ‏:‏ جبل يشكر‏:‏ هو يشكر بن جديلة من لخم وهو الذي عليه جامع ابن طولون ويشكر بن جديلة‏:‏ قبيلة من قبائل العرب احتطت عند الفتح بهذا الجبل فعرف بجبل يشكر لذلك‏.‏

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ وجامع ابن طولولن على جبل يشكر وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء ومكان مبارك وقيل‏:‏ إن موسى عليه السلام ناجى ربه عليه بكلمات وكان هذا الجبل يشرف على النيل وليس بينه وبين النيل شيء وكان يشرف على البركتين أعني بركة الفيل والبركة التي تعرف اليوم‏:‏ ببركة قارون وعلى هذا الجبل كانت تنصب المجانيق التي تجرّب قبل إرسالها إلى الثغور‏.‏

الكبش‏:‏ هو جبل بجوار يشكر كان قديمًا يشرف على النيل من غربيه ثم لما اختط المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر صار الكبش من جملة خطة الحمراء القصوى وسمي‏:‏ الكبش‏.‏

المواعظ والاعتبار للمقريزي  ج1 الخطط   ص167 ] .

وهنا أتينا بهذه الخطط لمنطقة زينهم بحي السيدة زينب أو بالأدق فيما بين مسجد السيدة زينب الآن إلى مسجد الإمام الحسين وما بين مسجد السيدة عائشة إلى منطقة زين العابدين هذا المربع كان يمشي فيه سيدنا موسى عليه السلام وكذلك كان يمشي في سيدنا عيسة وأمه مريم كما سنبين في حينه إن شاء الله .

آسية بنت مزاحم:

 

وهنا السيدة آسية بنت مزاحم عليها السلام ليست بنبية ولكن الله تعالى عدها من خيرة أربع نساء في العالمين

[ روى ابن عباس : ( إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله ) خطّ في الأرض أربعة خطوط ، قال : أتدرون ما هذا ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، امرأة فرعون) – مستدرك الصحيحين 2ج ص539 ورواه في مواضع أخَر أيضاً من مستدركه بطرق أُخر صحيحة عن ابن عباس، ورواه أحمد بن حنبل أيضاً في مسنده 1ج ص293 و 316 و 322، بطرق عديدة عن ابن عباس، ورواه ابن عبد البرأيضاً في استيعابه 2ج ص 720، بطريقين، وذكره السيوطي أيضاً في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى:(وضرب اللّه مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون) في سورة التحريم، وقال: أخرجه الطبراني، ورواه ابن الأثير أيضاً في أُسد الغابة ج5  437، وذكره المحب الطبري أيضاً في ذخائره:42، وقال: أخرجه أحمد و أبو حاتم، وذكره ابن حجر أيضاً في إصابته 8ج ص 158، وذكر في هذه الصفحة حديثاً عن عائشة: ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة (عليها السلام) غير أبيها وقال: أخرجه الطبراني، ورواه أبو عمرو أيضاً في استيعابه 2:750، وذكره الهيثمي أيضاً في مجمعه 9ج ص 223 وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح، ورواه الطحاوي أيضاً في مشكل الآثار 1ج ص 50، وذكره العسقلاني أيضاً في فتح الباري ج7ص  258، وقال أخرجه ابن حبان وأحمد وأبو يعلى والطبراني وأبو داود في كتاب الزهد والحاكم (قال) وله شاهد من حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني ولأحمد في حديث أبي  سعيد (وقال) في ص 282 ما لفظه وعند النسائي باسناد صحيح عن أبن عباس: أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية].

[وفي حديث اخرفيما اخرجه الشيخان. عنه صلى الله عليه وسلم. خير نساء العالمين مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وقال صلى الله عليه وسلم: (حسبك من نساء العالمين اربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمدسنن الترمذي 5:367، ورواه الحاكم أيضاً في مستدرك الصحيحين 3ج ص172، بطريقين، قال في ثانيهما: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأحمد بن حنبل أيضاً في مسنده 3:135، وأبو نعيم أيضاً في حليته 2:344، والطحاوي أيضاً في مشكل الآثار ج1 ص50   ].

 

 وقصة هذه المرأة التي  هى من المصطفين الأخيار على نساء العالمين كالآتي :

 

[لقد كانت آسية بنت مزاحم ، زوجة فرعون ـ كما يقول المجلسي ـ ” امرأة من بني إسرائيل ، و كانت مؤمنة و مخلصة ، و كانت تعبد الله سراً. و كانت على ذلك إلى أن قتل فرعون امرأة حزبيل ، فعاينت حينئذٍ الملائكة يعرجون بروحها ، لما أراد الله بها من الخير ، فزادت يقيناً ، و إخلاصاً ، و تصديقاً .فبينما هي كذلك إذ دخل عليها فرعون ، يخبرها بما صنع بها . فقالت : الويل لك يا فرعون ، ما أجرأك على الله جل و علا .فقال لها : لعلك قد اعتراك الجنون الذي اعترى صاحبتك ؟ .

فقالت : ما اعتراني جنون ، لكن آمنت بالله ، ربي ، و ربك ، و رب العالمين .

فدعا فرعون أمها ، فقال لها : إن ابنتك أخذها الجنون ، فأقسم لتذوقن الموت ، أو لتكفرن بإله موسى .فخلت بها أمها ، فسألتها موافقة ( فرعون )  فيما أراد ، فأبت ، و قالت : أما أن أكفر بالله ، فلا والله لا أفعل ذلك أبداً .

فأمر بها فرعون حتى مدّت بين أربعة أوتاد ، ثم لا زالت تعذب حتى ماتت ، كما قال الله سبحانه : ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾- بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ) : 13 / 164 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود بإصفهان سنة : 1037 ، و المتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية .] [و عن ابن عباس :قال : ” أخذ فرعون امرأته آسية ، حين تبين له إسلامها يعذبها لتدخل في دينه ، فمر بها موسى ( عليه السلام ) و هو يعذبها ، فشكت إليه بإصبعها ، فدعا الله موسى أن يخفف عنها ، فلم تجد للعذاب مساً ، و إنها ماتت من عذاب فرعون لها .فقالت و هي في العذاب :{ … رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين- التحريم 11 }

فأوحي إليها : أن ارفعي رأسك ، ففعلت ، فأُريت البيت في الجنة بني لها من درّ ، فضحكت .فقال فرعون : انظروا إلى الجنون الذي بها ، تضحك و هي في العذاب-  بحار الأنوار : 13 / 164 ، عن عرائس الثعلبي : 106 و 107 طبع مصر]  .

[و قيل : إنها لما عاينت المعجز من عصا موسى ( عليه السلام ) ، و وقوع الغلبة على السحرة ، أسلمت .فلما ظهر لفرعون إيمانها نهاها ، فأبت . فأوتد يديها و رجليها بأربعة أوتاد ، و ألقاها في الشمس . ثم أمر أن يُلقى عليها صخرة عظيمة ، فلما قرب أجلها قالت :{ … رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين- التحريم 11 } رفعها الله تعالى إلى الجنة ، فهي فيها تأكل و تشرب ، عن الحسن و ابن كيسان. و قيل : إنها كانت تعذب بالشمس ، و إذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة ، و جعلت ترى بيتها في الجنة ، – عن سلمان بحار الأنوار : 13 / 164 و 165 ، عن مجمع البيان : 10 / 319 ].

نبي الله إلياس عليه السلام :

هذا النبي عليه السلام هو الذي نزل فيه قوله تعالى {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ – الصافات125} [ ذكر المقريزي انه ولد بمصر- خطط المقريزي ج3 ص497 ط بولاق] وقال أيضاً رحمه الله عن كنيسة جوجر بالمنصورة قرب مدينة طلخا  [ أنها كنيسة من كنائس اليهود  ويزعمون انها تنسب لنبي الله إلياس عليه السلام وأنه ولد بها وكان يتعاهدها طول إقامته بالأرض إلى أن رفعه الله إليه – خطط المقريزي ج3 ص495 ط بولاق]

نبي الله لقمان الحكيم عليه السلام :

 

[ ذكر المسعودي في مروج الذهب أن لقمان الحكيم هو لقمان ابن عنقاء بن مريد بن صادون وكان نوبياً وولد على عشرين سنة من ملك داود ويقال أنه إبن أخت أيوب عليه السلام أو إبن خالته عليهم السلام وقيل أنه خير بين النبوة  والحكمة فاختار الحكمة – الأنبياء حياتهم ص392].

 

السيدة  مريم  العذراء ونبي الله عيسى عليهما السلام :

 

[بعد ميلاد اتلسيد المسيح عليه السلام كما ذكرت كتب الأناجيل والقرآن [ قدمت رسل ملك فارس في طلبه ومعهم هدية لها فيها ذهب ومر ولبان فطلبه هيرودوس ملك اليهود بالقدس ليقتله وقد أنذر به , فسارت أمه مريم به عليهما السلام وكان عمرة سنتان على حمار ومعها يوسف النجار حتى قدموا إلى أرض مصر فسكنوها مدة أربع سنين ثم عادوا وعمر عيسى عليه السلام ست سنين فنزلت به مريم قرية الناصرة من جبل الجليل فاستوطنتها- خطط المقريزي ج2 ص517].

وكما بينا منقبل من أن ابن الكندي في كتابه فضل مصر بين أن عيسى عليه السلام مر بنفس المنطقة ولكن من فوق الجبل المقطم المطل على هذه المنطقة وإذا مر بها لابد وأن ينزلها ليهبط في النيل إما لقضاء حاجة له أو لعبوره كما هو معلوم أنه عبر من عند كنيسة المعادي للبر الغربي من النيل قال ابن الكندي : [روى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة، فجلسنا حوله، فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل، فقال: إن عيسى بن مريم عليه السلام مر بسفح هذا الجبل، وعليه جبة صوف، وقد شد وسطه بشريط، وأمه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أماه هذه مقبرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم – النجوم الزاهرة لبن تري بردي ج1 ] .

وهنا لابد وأن تعلم من أن عيسى عليه السلام قد تكلم في المهد بإذن الله تبارك وتعالى أي أنه نبي منذ مولده عليه السلام فلا مانع من أن يقول ذلك في سن ست سنوات بوحي من الله تعالى كما هو معلوم لكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

 

صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله بطور سيناء في حادث الإسراء والمعراج:

 

طور سيناء بينا من قبل أنه مكان مقدس حتى يقسم الله تبارك وتعالى به في قوله تعالى { والطور وكتاب مسطور} ويقول تعالى لذلك لموسى لما كلمه تبارك وتعالى { إخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى} ومن هذه القدسية كان بداية معراجه صلى الله عليه وآله صلاة بهذا المكان المقدس لما روى بتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني [ ورد في تفسير قوله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ – الإسراء1 }عندما ركب جبرائيل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله البراق نزل به في سيناء وأمره بالصلاه فقال أتدري أين صليت ؟. فقال عليه السلام لا. فقال: صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى تكليما – تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني].

 

(2)  دعاء الأنبياء لمصر وأهلها :

 

قال ابن الكندي في كتابه فضائل مصر المحروسه:

[كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جماعة من الملوك منهم هرقل، فما أجابه أحد منهم، وكتب إلى المقوقس صاحب مصر فأجابه عن كتابه جواباً جميلا، وأهدى إليه ثياباً وكراعاً وجارتين من القبط؛ مارية وأختها وأهدى إليه عسلا فقبل هديته، وتسرى مارية، فأولدها ابنة إبراهيم، وأهدى أختها لحسان ابن ثابت فأولدها عبد الرحمن بن حسان.

وسأل عليه الصلاة والسلام عن العسل الذي أهدى إليه، فقال من أين هذا؟ فقيل له من قرية بمصر يقال لها بنها، فقال: (اللهم بارك في بنها وفي عسلها) فعسلها إلى يومنا هذا خير عسل مصر.

وروى عن عبد الله بن عباس أنه قال: دعا نوح عليه السلام ربه، لولده وولد ولده: مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وبه سميت مصر، وهو أبو القيط فقال: اللهم بارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الروض، وذللها لهم، وقوهم عليها.

والكعبة: البيت الحرام، وهو بيت هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام اللذين كانا يسكنانه، وروى أن البيت هدم في الجاهلية فولت قريش بناءه رجلا من القبط يقال له: بقوم، فأدركه الإسلام وهو على ذلك البناء. – فضائل مصر المحروسه -ابن الكندي].

 

و [ قال عبدالله بن عمرو : لما خلق الله آدم مثل له الدنيا شرقها و غربها و سهلها و جبلها و أنهارها و بحارها و بنائها و خرابها و من يسكنها من الأمم و من يملكها من الملوك ،فلما رأى مصر رآها أرض سهلة ذات نهر جار مادته من الجنه تنحدر فيه البركه و تمزجه الرحمه ، و رأى جبلا من جبالها مكسوا نورا لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمه ن فى سفحه أشجار مثمرة فروعها فى الجنه تسقى بماء الرحمه ، فدعا ىدم فى النيل بالبركة ، و دعا فى أرض مصر بالرحمه و البر و التقوى ، و بارك على نيلها و جبلها سبع مرات .

و قال : يأيها الجبل المرحوم ، سفحك جنه و تربتك مسك ، يدفن فيها غراس الجنه ،ارض حافظه مطيعه رحيمه ، لا خلتك يا مصر بركة ، و لازال بك حفظ ، ولا زال منك ملك و عز . ( أورده السيوطى جزء 1 ص 20 نقلا عن بن زولاق (

 

أما دعاء نوح عليه السلام لها فقال عبد الله بن عباس ” دعا نوح عليه السلام لابنه بيصر بن حام أبو مصر فقال اللهم إنه قد أجاب دعوتى فبارك فيه و فى ذريته و أسكنه الأرض الطيبه المباركه التى هى أم البلاد و غوث العباد ” – بن عبد الحكم في كتاب (فتوح مصر وأخبارها)

 

ذكر من ولد بمصر من الأنبياء و من كان بها منهم عليهم السلام

 

كان بمصر إبراهيم الخليل ، و إسماعيل ،و إدريس ، و يعقوب ، و يوسف ، و اثنا عشر سبطا . وولد بها موسى ، وهارون ، و يوشع بن نون ،و دانيال ، و أرميا و لقمان

و كان بها من الصديقيين و الصديقات مؤمن آل فرعون الذى ذكر فى القرآن فى مواضع كثيره و قال على بن أبى طالب كرم الله وجهه اسمه حزقيل ، و كان بها الخضر ،

آسيه امرأة فرعون و أم إسحاق و مريم ابنه عمران ، و ماشطه بنت فرعون . من مصر تزوج إبراهيم الخليل هاجر أم اسماعيل و تزوج يوسف من زليخا ، و منها أهدى المقوقس الرسول عليه الصلاه و السلام ماريا القبطيه فتزوجها و أنجبت له إبراهيم .

و يذكر أنه لما أجتمع الحسين بن على مع معاوية قال له الحسين : إن أهل حفن بصعيد مصر و هى قرية ماريه أم إبراهيم فاسقط عنها الخراج إكراما لرسول الله ، فأسقطه ….

 

و قد ذكر الكثيرون من المسلمين الأوائل و غيرهم من فضائل و صفات مصر و أهلها الكثير و الكثير ، و ما يناله حاكمها من البركه و الرزق و الخير . يا أرض مصر فيك من الخبايا و الكنوز ، و لك البر و الثروة ، سال نهرك عسلا ، كثر الله زرعك ، و در ضرعك ، و زكى نباتك ، و عظمت بركتك و خصبت ، و لا زال فيك يا مصر خيرا ما لم تتجبرى و تتكبرى ، أو تخونى ، فإذا فعلت لك عراك شر ، ثم يعود خيرك.

و فى التوراة ( مصر خزائن الأرض كلها ، فمن أرادها بسوء قصمه الله(

 

(3)  من صاهر القبط المصريين من الأنبياء وأئمة أهل البيت عليهم السلام :

 

قال ابن الكندي في كتابه فضائل مصر المحروسه :

 

[وصاهر القبط من الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، بتسريه هاجر أم إسماعيل عليهما السلام. ويوسف بتزوجه بنت صاحب عين شمس التي ذكرها الله في كتابه، فقال تعالى: {وغلقت الأبواب وقالت هيت لك} ومحمد صلى الله عليه وسلم بتسريه مارية. – فضائل مصر المحروسه – ابن الكندي], [ وقد أنجبت له صلى الله عليه وآله إبراهيم – تاريخ اليعقوبي ج1 ص409].

 

(4) من ذكرهم الله تعالى في كتابه من أهل مصر

 

وممن ذكرهم الله تعالى في كتابه من أهل مصر، رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه.

 

قال تعالى: {وقال رجل مؤمن من أل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}. ومنهم قارون، وكان ابن عم موسى: قال الله تعالى: {وأتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة}.  وقال عز وجل: {فخرج على قومه في زينته}.  وكان قارون أيسر أهل الدنيا.  ومنهم: هامان، قال تعالى: {وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إلهٍ غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً}.  ومنهم فيما يقال: الخضر عليه السلام، وروى بعض أهل العلم أنه ابن فرعون موسى لصلبه، وكان آمن بموسى، وجاز البحر معه، وكان مقدما عنده، وكان نبياً.

ومنهم: وزراء فرعون وجلساؤه، ذكر الله تعالى عنهم في كتابه حسن المحضر ورجاحة العقل، قال تعالى حكاية عن فرعون: {قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحارٍ عليم}.

فهل في الدنيا جلساء ملك أرجح عقلا واحسن محضرا منهم؟ حيث أنصفوا، وأمروا أن يمتحن بمثل ما وقع لهم أنه يشبه ما جاء به، ولم يكونوا في المنزلة وقبح المحضر كوزراء نمرود، حين شاورهم في إبراهيم عليه السلام.  قال تعالى حكاية عنهم: {قالوا حرقوه وانصروا ألهتكم إن كنتم فاعلين}.  ذكر الله عز وجل ذلك عنهم في كتابه العزيز.

 

ومنهم: السحرة الذين تجمعوا لموسى حين رأوا آيات موسى لم يصروا على الكفر، ولم يلبثوا أن آمنوا وسجدوا لله عز وجل.  قال تعالى في كتابه: {فألقى السحرة ساجدين قالوا أمنا برب العالمين رب موسى وهارون} وفي آيات كثيرة كرر ذكرهم وأثنى عليهم.  {فاقض ما أنت قاضٍ إنما تقضى هذه الحياة الدنيا}.

وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبئي، وبكر بن عمر والخولاني، ويزيد بن أبي حبيب، قالوا: كان عدد السحرة اثنى عشر ساحراً تحت يدي كل ساحر منهم عشرون عريفا. تحت يدي كل عريف منهم ألف من السحرة فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء.

وأجمعت الرواة على أنه لا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وروى أنه لم يفتتن رجل واحد منهم كما افتتن بنو إسرائيل بعبادة العجل.

وروى أن عبد الله بن عمر وقال: القبط أكرم الأعاجم محتداً، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب كافة، وبقريش خاصة.  وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مصر أطيب الأرضين ترابا، وعجمها أكرم العجم أنسابا).  وقال بعض أهل العلم: لم يبق من العجم أمة إلا وقد اختلطت بغيرها إلا قبط مصر.

وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مات ابنه إبراهيم: (لو عاش كان صديقا نبيا، وإن له لمرضعتين في الجنة، ولو عاش لعتقت القبط وما استرق أحد منهم أبدا).

 

 (5)  أهل بيت النبي عليهم السلام وعلاقتهم بمصر :

 

كما كانت مصر سلفاً مأوى وملاذاً آمناً لكل نبي  أو رسول ومهرباً لكل مؤمن أو صالح تحولت مصر لبؤرة كبيرة من المؤمنين وتمر دائماً بحالة من الإستقرار ولذلك دائماً هى محسودة وأهلها من كل قوى الأرض فهى مابين إستعمار وآخر كما قال صلى الله عليه وآله مصر في رباط إلى يوم القيامة ووفقاً لهذه السنن التي لن تتغير أو تتبدل دخلها أهل بيت النبي محمد عليهم الصلاة والسلام بعدما قتلتهم هذه الأمة وشردتهم في موقعة كربلاء وقتل الإمام الحسين عليه السلام وتسعة عشر من آل الحسين والحسن وعقيل عليهم السلام وروى أن جمعاً منهم دخل مصر بعد هذه الواقعة سنة 61 للهجرة وكان فيهم السيدة زينب والسيدة فاطمة النبوية أسيرة كربلاء وجمعاً من أهل بيت النبي عليهم السلام وكانت هذه أول هجرة لهم واستقبلهم شعب مصر بالترحاب والفرح والسرور ولذلك يغلب على طبائع المصريين مدخ أهل البيت ونظراً لقتلهم بالعراق يغلب عليهم الرثاء واللطميات عليهم لمشاهدتهم الوقائع وتوريث أحداثها جيلاً بعد جيل بارك الله فيهم وفي ذريتهم  ثم دخلها بعد ذلك الإمام زيد الأبلج ابن الإمام الحسن وإبنه الحسن الأنور والد السيدة نفيسة ثم دفن بها السيدة عائشة بنت الإمام الصادق عليه السلام وشرفت مصر بعد ذلك بهجرات كثيرة لهم هروباً من البطش الأموي وكذلك العباسي ويعيد التاريخ نفسه كما كان على عهد النبيين ولكن يتكرر الحدث مع ائمة هذه الأمة من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة .

وتذكر لنا المصادر التاريخية أن الإمام التاسع من أئمة المذهب الجعفري تزوج منها وهو الإمام  الجواد عليه السلام[ فقد تزوج من امرأة نوبية تدعى سبيكة – موسوعة أحاديث الرسول الأعظم ط قم – إيران ج12 ص78].

وفي كتاب بشارة الإسلام باب أحاديث الإمام الحادي عشر وهو الإمام العسكري عليه السلام [ يقول لأحد أتباعه استطلع لنا مصر وإيران – كتاب بشارة الإسلام باب أحاديث الإمام الحادي عشر].

وهذا الطلب تمهيداً لاستطلاع أمر تهريب الإمام المهدي الثاني عشر عليه السلام خوفاً عليه من بطش العباسيين المطاردين لأهل بيت النبي عليهم السلام والترجيح هنا لوجود عشيرة قوية وكبيرة لهم بمصر تكون هى المرشحة لذلك أضف إلى أنها بعيدة عن مركز الخلافة بالعراق كما أنها ملاذ الأنبياء وكذلك له أخوال بها وهو أهل جدته سبيكة النوبية وكل هذه إشارات إلى أنه قد هرب عليه السلام إلى مصر [يقول الإمام الحسن العسكري لمحمد ابن عبد الله بعد أن وعظه قال: ذكرت شخوصك إلى فارس فاشخص خار الله لك وتدخل مصر إن شاء الله آمناً  وأقرأ من تثق به من موالينا السلام ومرهم بتقوى الله العظيم وأداء الأمانة وأعلمهم أن المذيع علينا حرب لنا .,قال: فما قرأت في خطاب له خار الله لك في دخولك مصر إن شاء الله آمناً لم أعرف المعنى فيه فقدمت بغداد عازماً على الخروج لفارس فلم يقيض الله لي وخرجت إلى مصر – الوصية للمسعودي ص247-248] . فهل بعد ذلك من شك أن الإمام الحسن العسكري قد علم بما في مصر من خير واستعداد لقبول إبنه وفراره بدينه إليها من البطش العباسي كما حدث مع نبي الله إبراهيم ولوط  وعيسى عليه السلام   وكذلك حدث مع المؤمنين من بني هاشم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وهجرتهم إلى الحبشة  وبينا أن كل نهر النيل يجري عند الله بدولة إسمها مصر وكل السنن الربانية وعلامات الساعة لابد لكل مسلم أن يخضعها ويبينها وفقاً لخريطة القرآن وليست خريطة سايكس بيكو وسان ريمو والتي مع الأسف الشديد وقع فيها كل العلماء تقريباً  فيخضعون الأحاديث وفقاً لخريطتهم الجغرافية التي حددتها لهم إنجلترا وفرنسا باتفاقية سايكس بيكو  أي أن بني هاشم والصحابة رضى الله تعالى عنهم وأرضاهم  هاجروا إلى مهاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام وهى مصر بمنطقة الحبشة .

وسنبين فيما بعد إن شاء الله من مصادر السنة والشيعة أنه عليه السلام قد أنجب بعدما فر بدينه  إلى منطقة شمال أفريقيا ثم مصر وانقطع إخباره بها بعد ذلك كما يقال عن غيبته الكبرى .

 

 (6)  من كان بمصر من الصحابة:

يقول ابن الكندي في كتابه فضل مصر:

 

[وأما من كان بها في الإسلام من الصحابة والفقهاء والعلماء والأحبار والزهاد ومن دخلها من الملوك والخلفاء وأهل العلم والشعر والنحو والخطابة، وكل من برع على أهل زمانه، أو نجم على أهل عصره، فيتسع ذلك علينا، ولكن نختصر من ذلك على المشهورين.

ذكر أهل العلم والمعرفة والرواية أنه دخل مصر في فتحها ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل ونيف. وقال يزيد بن أبي حبيب: وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. منهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت ( مدفونا بمركز ملوي محافظة المنيا) ، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر وأبو ذر ومحمية بن جزء ونبيه بن صؤاب، ورافع بن مالك، وربيعة بن شرحبيل بن حسنة، وسعد بن أبي وقاص وعمرو ابن علقمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن مسلمة، ومسلمة بن مخلد، وأبو أيوب ورويفع بن ثابت، وهبيب بن مغفل، وكعب بن ضنة، ومعاوية بن حديج، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة وغيرهم.]

 

(7) ذكر من أظهرته مصر من الحكماء :

 

منهم: نيروز أبو بختنصر من أهل قرية يقال لها : سيسرو من كورة أرمنت وكان رجلا من أهل العلم فنظر في علمه فإذا به يخرج من صلبه رجل يخرب مصر فأعطى الله عز وجل موثقا أنه لا ينكح امرأة أبداً. وخرج إلى الشام ثم إلى العراق، فأقام بفارس بقرية يقال لها نفر وكان لملك تلك القرية ابنة بها لمم، فوصف المصري لها دواء لعلاجها.  فلما رآها شاهد حسنا بارعا وخطبها من أبيها فدخل عليها فجرت بينهما أسباب حتى حملت منه، فوضعت بختنصر فجرى خراب الدنيا على يديه.

وهنا السؤال المهم :

هل احضارة الفارسية مطعمة بحضارة مصرية قديمة ؟

نترك الإجابة لأهل الإختصاص في ذلك الفن من العلوم  .

ومنهم: الإسكندر ذو القرنين، من أهل قرية نحو الإسكندرية يقال لها لوبية، ملك الأرض بأسرها، وذكره الله في كتابه العزيز باسمه، فقال تعالى: {ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً إنا مكنا له في الأرض وأتيناه من شيءٍ سببا فأتبع سبباً حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عينٍ حمئةٍ ووجد عندها قوماً قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا}.

وبنى سد يأجوج ومأجوج، قال الله تبارك وتعالى: {قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوةٍ أجعل بينكم وبينهم ردماً أتوني زبر الحديد} وبنى الإسكندرية ويروى أنها: {إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد}.

وبنى الإسكندرية ببلاد الخزر وبنى مدينة سمرقند وبنى الأبراج والمناظر ببلد البسكس على بحيرة طابس في آخر العمارة التي بالشمال، وفعل بالعراق الأفاعيل العجيبة، غضباً لما فعل بختنصر بمصر، فقتل دارا بن دارا، وخرب العراق.

وكتب إلى معلمه بمصر أرسطاطاليس يشاوره في قتل من بقي منهم.

فكتب إليه: لا تفعل، ولكن ول كل رئيس منهم ناحية من بلده، فإنهم يتنافسون في الرياسة، ولا يجمعهم ملك أبداً، ففعل فلبثوا على ذلك زماناً طويلاً، فلما قام أردشير واجتمعوا عليه، بعد تعب عظيم وحروب ومشقة قال: إن كلمة فرقتنا أربعمائة سنة لكلمة مشئومة.

ومنهم: هرمس، المثلث بالنعمة: نبي، وملك، وحكيم، وهو الذي صير الرصاص ذهباً بصاصا.

ومنهم أغاثيمون، وفيثاغورس، تلميذا هرمس من أصحاب الصابئة، ولهما من العلوم صنعة الكيمياء والنجوم والسحر وعلم الروحانيات والطلسمات والبرابي وأسرار الطبيعة وقد أودعت البرابي ذلك.

ومنهم أوسيلا وسيزوارس وبندقليس أصحاب الكهانة والزجر.

ومنهم سقراط صاحب الكلام على البارئ عز وجل، والحكمة والبلاغة.

ومنهم أفلاطون صاحب السياسة والنواميس والكلام على المدن والملوك.

ومنهم أرسطاطاليس صاحب النطق والآثار العلوية، والحس والمحسوس والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان والسماع الطبيعي، ورسالة نبت الذهب، ورسالة الغراء فيما بعد الطبيعة. حتى إن يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب له أكثر من ألف كتاب في كل معنى، كلها فصول من كتب أرسطاطاليس.

ومنهم بطلميوس القلوذى صاحب الرصد والحساب، وهو صاحب كتاب المجسطى في تركيب الأفلاك وحركة الشمس والقمر والكواكب المتحركة والثابتة وصورة فلك البروج، وكتاب جغرافيا في مساحة الأرض وأقاليمها، والجبال والبحار وألوانها، والأنهار والعيون وابتدائها وانتهائها، وصفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة في أحكام النجوم، وكتاب تسطيح الكرة.

ومنهم أراطس صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة في تشكيل صورة الفلك. والألف كوكب، واثنين وعشرين كوكباً من الكواكب الثابتة، والزيج العلوي.

ومنهم إبرخس صاحب الرصد والالة المعروفة بذات الحلق.

ومنهم ثاون صاحب الزيج المنسوب إليه.

ومنهم دامانيوس، وواليس، وأصطفن أصحاب كتب أحكام النجوم.

ومنهم إيرن، وله الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية وعمل البنكامات والآلات لقياس الساعات.

ومنهم فيلون البرنطي، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة.

ومنهم أرشميدس، صاحب الحيل والهندسة، والمرايا، والمرايا المحرقة، وعمل المجانيق ورمي الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر براً وبحراً.

ومنهم مارية وقلبطرة، ولهم الطلسمات، والخواص للطبائع.

ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات، وكتاب قطع الخطوط.

ومنهم تابوشيش، وله كتاب الأكر، ومنهم ذيوفنطس، وله كتاب الحساب. ومنهم أوطوقيوس، وله كتاب الكرة والأسطوانة.

ودخلها جالينوس، وديسقوريدس صاحب الحشائش، وديوجانس، وأركاغانس، وأوريباسيوس، وفريقونوس، وروفس ولهم الطب اليوناني.

فكل هؤلاء سكنوا مصر في الدهور الخالية والأيام السالفة، فما غيرت ذهن واحد منهم ولا أضرت بعقله.

 

الفصل 4:

 

فضل مصر وحضاراتها على الأمم     :

 

كانت مصر قوية فى هذه الأزمان لها من البراعة والفن فى الحرب والحضارة وأساليب الإنذار المبكر مالم نعرفه إلا في العصور الحديثة

كتب إلى عمرو بن العاص إلى الخليفة  عمر بن الخطاب رضى الله  : أما بعد فإنى قد فكرت فى بلدك و هى أرض واسعه عريضه رفيعه ، قد أعطى الله أهلها عددا و جلدا و قوة فى البر و البحر ، قد عالجتها الفراعنه و عملوا فيها عملا محكما ، مع شدة عتوهم ن فعجبت من ذلك ، وأحب أن تكتب لى بصفة ارضك كانى انظر إليها ، و السلام .

فكتب إليه عمرو بن العاص ك قد فهمت كلامك و ما فكرت فيه من صفه مصر ، مع أن كتابى سيكشف عنك عمى الخبر ، و يرمى على بابك منها بنافذ النظر ، وإن مصر تربه سوداء و شجرة خضراء ،بين جبل أغبر و رمل أعفر ، قد أكتنفها معدن رفقها (أى عملها ) و محط رزقها ، ما بين أسوان إلى منشأ البحر ، ف سح النهر(تدفقه) مسرة الراكب شهرا ، كأن ما بين جبلها و رملهابطن أقب (دقيق الخصر)و ظهر أجب ، يخط فيه مبارك الغدوات ،ميمون البركات نيسيل بالذهب ، و يجرى على الزياده و النقصان كمجارى الشمس و القمر ، له أيام تسيل له عيون الأرض و ينابيعها مامورة إليه بذلك ن حتى إذا ربا و طما و اصلخم لججه (أى اشتد) و اغلولب عبابه كانت القرى بما أحاط بها كالربا ، لا يتوصل من بعضها إلى بعض إلا فى السفائن و المراكب ، و لا يلبث غلا قليلا حتى يلم كأول ما بدا من جريه و أول ما طما فى درته حتى تستبين فنونها و متونها .

ثم انتشرت فيه أمه محقورة ( يقصد أهل البلاد الذين استذلهم الرومان ) ، قد رزقوا على ارضهم جلدا و قوة ،لغيرهم ما يسعون من كدهم (أى للرومان ) بلا حد ينال ذلك منهم ، فيسقون سها الأرض و خرابها و رواسيها ،ثم ألقوا فيهمن صنوف الحب ما يرجون التمام من الرب ، فلم يلبث إلا قليلا حتى أشرق ثم أسبل فتراه بمعصفر و مزعفر يسقيه من تحته الثرى و من فوقه الندى ،و سحاب منهم بالأرائك مستدر ، ثم فى هذا الزمان من زمنها يغنى ذبابها ( أى محصولها ) و يدر حلابها ( اللبن ) و يبدأ فى صرامها ( جنى الثمر ) ، فبينما هى مدرة سوداء إذا هى لجة بيضاء ، ثم غوطة خضراء ثم ديباجة رقشاء ، ثم فضه بيضاء ن فتبارك الله الفعال لما يشاء ، و إن خير ما اعتمدت عليه فى ذلك يا أمير المؤمنين ، الشكر لله عز و جل على ما أنعم به عليك منها ، فادام الله لك النعمة و الكرامة فى جميع أمورك كلها و السلام و قد ذكر الكثيرون من المسلمين الأوائل و غيرهم من فضائل و صفات مصر و أهلها الكثير و الكثير ، و ما يناله حاكمها من البركه و الرزق و الخير . يا أرض مصر فيك من الخبايا و الكنوز ، و لك البر و الثروة ، سال نهرك عسلا ، كثر الله زرعك ، و در ضرعك ، و زكى نباتك ، و عظمت بركتك و خصبت ، و لا زال فيك يا مصر خيرا ما لم تتجبرى و تتكبرى ، أو تخونى ، فإذا فعلت لك عراك شر ، ثم يعود خيرك.و فى التوراة ( مصر خزائن الأرض كلها ، فمن أرادها بسوء قصمه الله (.]

 

و قال المقريزي في كتابه الخطط .

[قال ابن عبد الحكم‏:‏ لما أغرق الله آل فرعون بقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد‏.‏ ولم يبق بها إلا العبيد والأجراء والنساء‏.‏ فاتفق من بمصر من النساء أن يولين منهم أحدًا وأجمع رأيهنّ أن يُوليَنّ امرأة منهنّ يقال لها‏:‏ دلوكة بنت زبا وكان لها عقل ومعرفة وتجارب وكانت في شرف منهنّ وموضع وهي يومئذ بنت مائة وستين سنة‏.‏ فملكوها فخافت أن يتناولها الملوك فجمعت نساء الأشراف وقالت لهنّ‏:‏ إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد ولا يمدّ عينه إليها وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم وقد رأيت أن أبني حصنًا أحدق به جميع بلادنا فأضع عليه المحارس من كل ناحية فإنا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس فبنت جدارًا أحاطت به على جميع أرض مصر كلها المزارع والمدائن والقرى وجعلت دونه خليجًا يجري فيه الماء وأقامت القناطر والترع وجعلت فيه محارس ومسالح على كل ثلاثة أميال محرس ومسلحة وفيما بين ذلك محارس صغار على كل ميل وجعلت في كل محرس رجالًا وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم آت يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض الأجراس فأتاهم الخبر من أي وجه كان في ساعة واحدة فنظروا في ذلك فمنعت بذلك مصر من أرادها وفرغت من بنائه في ستة أشهر وهو الجدار الذي يقال له‏:‏ جدار العجوز بمصر وقد بقيت بالصعيد منه بقايا كثيرة‏.‏ قال المسعودي وقيل‏:‏ إنما ينته خوفًا على ولدها وكان كثير القنص فخافت عليه سباع البرّ والبحر واغتيال من جاور أرضهم من الملوك والبوادي فحوّطت الحائط من التماسيح وغيرها‏.‏وقد قيل غير ما وصفنا‏.‏ فملكتهم ثلاثين سنة في قول‏.‏قال المؤلف رحمه اللّه‏:‏ قد بقي من حائط العجوز هذا في بلاد الصعيد بقايا‏.‏أخبرني الشيخ المعمر محمد بن المسعودي‏:‏ أنه سار في بلاد الصعيد على حائط العجوز ومعه رفقة فاقتلع أحدهم منها لبنة فإذا هي كبيرة جدًا تخالف المعهود الآن من اللبن في المقدار فتناولها القوم واحدًا بعد واحد يتأملونها وبينما هم في رؤيتها إذ سقطت إلى الأرض فانفلقت عن حبة فول في غاية الكبر الذي يتعجب منه لعدم مثله في زماننا فقشروا ما عليها فوجدوها سالمة من السوس والعيب كأنها قريبة عهد بحصادها لم يتغير فيها شيء ألبتة فأكلها الجماعة قطعةً قطعةً‏.‏ وكأنها إنما خُبئت لهم من الزمن القديم والأعصر الخالية‏.‏ إنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها‏.‏ قال ابن عبد الحكم‏:‏ وكان ثم عجوز ساحرة يقال لها‏:‏ بدور وكانت السحرة تعظمها وتقدّمها في علمهم وسحرهم فبعثت إليها دلوكة ابنة زبا‏:‏ إنا قد احتجنا إلى سحرك وفزعنا إليك ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك فاعملي لنا شيئًا نغلب به من حولنا‏.‏ فقد كان فرعون يحتاج إليك فكيف وفد ذهب أكابرنا يعني في الغرق مع فرعون موسى وبقي أقلنا فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت لها أربعة أبواب كل باب منها إلى جهة القبلة والبحر والغرب والشرق وصوّرت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسفن والرجال وقالت لهم‏:‏ قد عملت لكم عملًا يهلك به كل من أرادكم من كل جهة تؤتون منها برًا أو بحرًا وهذا يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كل جهة فإنهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجالة تحركت هذه الصور من جهتهم التي يأتون منها فما فعلتم بالصور من شيء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما تفعلون بهم‏.‏ فلما بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صار إلى ولاية النساء طمعوا فيهم وتوجهوا إليهم فلما دنوا من عمل مصر تحرّكت تلك الصور التي في البربا فطفقوا لا يهيجون تلك الصور بشيء ولا يفعلون بها شيئًا إلا أصاب ذلك الجيش الذي كان أقبل إليهم مثله إن كان خيلًا‏.‏ فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة في البربا من قطع رؤوسها أو سوقها أو فقء عيونها أو بقر بطونها أثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم وإن كانت سفنًا أو رجالة فمثل ذلك وكانوا أعلم الناس بالسحر وأقواهم عليه وانتشر ذلك فتبادرهم …ولم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوًا من أربعمائة سنة‏.‏ المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار- الجزء الأول& مروج الذهب للمسعودي ج1 ص359].

وقال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة[غرق فرعون ومن كان معه من الجنود خشي من بقي بأرض مصر من الذراري والنساء والصبيان والعبيد أن يغزوهم ملوك الشأم والمغرب فملكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم يقال لها‏:‏ دلوكة فبنت على ديار مصر حائطًا يحيط بجميع أرضها والبلاد وجعلت عليه المحارس والأجراس والرجال متصلة أصواتهم بقرب بعضهم من بعض وأثر هذا الحائط باق إلى هذا اليوم وسنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وهو يعرف بحائط العجوزة وقيل‏:‏ إنما بنته خوفًا على ولدها فإنه كان كثير الصيد فخافت عليه سباع البر والبحر واغتيال من جاوز أرضهم من الملوك فحوطت الحائط من التماسيح وغيرها وقد قيل في ذلك غير هذا أيضًا‏.‏ فملكتهم دلوكة المذكورة ثلاثين سنة واتخذت بمصر البرابي والصور وأحكمت آلات السحر وجعلت في البرابي صور من يرد من كل ناحية ودوابهم إبلًا كانت أم خيلًا وصورت فيها أيضًا من يرد في البحر من المراكب من بحر المغرب والشأم وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة وخواص الأحجار والنبات والحيوان وجعلت ذلك في أوقات حركات فلكية واتصالها بالمؤثرات العلوية فكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز أو اليمن عورت تلك الصور التي في البرابي من الإبل وغيرها فيتعور ما في ذلك الجيش وينقطع عنهم ناسه وحيوانه وإذا كان الجيش من نحو الشأم فعلت بتلك الصور أيضًا ما فعلت كما وصفنا وكذلك من أتاهم في المراكب فهابتهم الأمم والملوك ومنعوا ناحيتهم من عدوهم فاتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز إلى عدة أقطار ثم عرفت بمجيء الطوفان ثانية فخافت على هذه الصور والعلوم أن تذهب فبنت عدة برابٍ وجعلت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة وجعلت بنيانها نوعين‏:‏ طينًا وحجرًا وفرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر وقالت‏:‏ إن كان هذا الطوفان نارًا استحجر ما بنينا بالطين وبقيت هذه العلوم وإن كان الطوفان الوارد ماءً ذهب ما بنينا بالطين وبقي ما بنينا بالحجارة وإن كان الطوفان سيفًا بقي كلا النوعين‏.‏ النجوم الزاهرة في ملوك مصر ].

والبرابي قال عنها المقريزي: [‏‏ وبمصر أبنية يقال لها‏:‏ البرابي من الحجارة العظيمة الكبيرة وهي على أشكال مختلفة وفيها مواضع الصحن والسحق والحل والعقد والتقطير تدل على أنها عملت لصناعة الكيمياء وفي هذه الأبنية نقوش وكتابات لا يُدرى ما هي وقد أصيبت تحت الأرض فيها هذه العلوم مكتوبة في التوز وهي صفائح الذهب والنحاس وفي الحجارة‏.‏ المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار  – الجزء الأول]

وهذا الإنذار المبكر ليس هذا من السحر الشائع أو الخدع و الحيل البصرية بل هو استغلال أعلى درجات التقدم العلمي والتكنولوجي في كل عصر واستخدام خواص العناصر كما سيبين ذك المسعودي وسنذكره في حينه وكان هذا من أعظم إختراعات الإنذار المبكر في هذا الزمن فلا يعلم الجيش الغازي مصر كيف ضرب ومن أين.

يقول المسعودي : [قال المسعودي: وأخبرني غير واحد من بلاد أخميم من صعيد مصر، عن أبي الفيض في النون بن إبراهيم المصري الِإخميمي الزاهد، وكان حكيمأ، وكانت له طريقة يأتيها ونحلة يعضدها، وكان ممن يقرأ عن أخبار هذه البرابي ودارها وامتحن كثيراً مما صور فيها ورسم عليها من الكتابة والصور، قال: رأيت في بعض البرابي كتاباً تدبرته، فإذا هو احفروا العبيد المعتقين، والأحداث المغترين والجند المتعبدين، والنبط المستعربين قال: ورأيت في بعضها كتابأ تدبَّرْته فإذا فيه يقدر المقدور والقضاء يضحك وزعم أنه رأى في آخره كتابة وتبينها بذلك القلم الأول فوجدها: تُدَئر ُبالنجوم ولمستَ تَدْري  ورَب النجم يفعلُ ما يريد وكانت هذه الأمة التي أتخذتَ هذه البرابي لهِجَة بالنظر في أحكام النجوم مواظبة على معرفة أسرار الطبيعة، وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم أن طوفانأ سيكون في الأرض، ولم تقطع بأن ذلك الطوفان ما هو: أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها، أو ماء فيغرقها، أو سيف يبيد أهلها. فخافت دثور العلوم وفناءها بفناء أهلها، فاتخذت هذه البرابي، ( المعابد و الآثار الفرعونية)واحدها بربا، ورسمت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة، وجعلت بنيانها نوعين: طينأ، وحجر أو فرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر، وقالت: إن كان هذا الطوفان ناراً استحجر ما يبنى من الطين وانحرق، وبقيت هذه العلوم، وإن كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما يبنى بالطين، ويبقى ما يبنى بالحجارة، وإن كان الطوفان سيفاً بقي كِلَا النوعين ما هو بالطين وما هو بالحجر، وهذا على ما قيل- والله أعلم- كان قبل الطوفان، وقيل: إن ذلك كان بعد الطوفان لأن الطوفان الذي كانوا يرقبونه ولم يتيقنوا أنار هو أم ماء أم سيف، كان سيفاً أتى على جميع أهل مصر من أمة غشيتها وملك نزل عليها فأباد أهلها ومنهم من رأى أن ذلك الطوفان كان وباءً عم أهلها ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنيس من التلال المنضدة من الناس من صغير وكبير، وذكر وأنثى، كالجبال العظام، وهي المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بأبي الكوم وما يوجد ببلاد مصر وصعيدها من الناس المنكسين بعضهم على بعض في كهوف ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أي الأمم هم، فلا النصارى تخبر عنهم أنهم من أسلافهم، ولا اليهود تقول عنهم إنهم من أوائلهم، ولا المسلمون يدرون مَنْ هم – مروج الذهب ج1 ص360-361].

ومن هتا يتبين لنا أن المصريون ورثوا صحف إدريس عليه السلام ولذلك علموا أن هلاكاً سيحدث للعالم ولا يدرون أهو  طوفان ماء أم نار وهذه العلوم الغريبة قيل أن صاحبها ورائدها الأول هو سيدنا إدريس عليه السلام  يقول المقريزي في خططه : [وقال صاعد اللغوي في كتاب طبقات الأمم‏:‏ إن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأوّل الساكن بصعيد مصر الأعلى وهو أوّل من تكلم في الجواهر العلوية والحركات النجومية وهو أوّل من ابتنى الهياكل ومجد اللّه فيها وأوّل من نظر في علم الطب وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضية والسماوية وقالوا‏:‏ إنه أوّل من أنذر بالطوفان ورأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء والنار فخاف ذهاب العلم واندراس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي التي في صعيد مصر الأعلى وصوّر فيها جميع الصنائع والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصًا على تخليدها لمن بعده وخيفة أن يذهب رسمها من العالم وهرمس هذا هو‏:‏ إدريس عليه السلام‏.‏ المواعظ والإعتبار ج1 ]

ونعتقد أن هذه بقايا علمه عليه السلام التي ورثها الفراعنة وبهذا العلم الدقيق المحير يبنى الهرم الأكبر لذلك تضعه ( عاد الآخرة ) أمريكا اليوم شعاراً لها على عملتها فئة الواحد دولار.وكان من تقدم هؤلاء وسعة علومهم كما بين المسعودي في تاريخه [ أنهم بنوا مدناً وقرى لا يدخلها عقرب ولا حية، مثل مدينة حمص ومَعَرة وبُصْرَى وإنطاكية، ( وهذه مدناً تخضع لحكم مصر في هذا الوقت وتدخل في جغرافيتها وتحت سيطرتها ) وقد كان ببلاد إنطاكية، إذا أخرج إنسان يده خارج السور وقع عليها البق، فإذا جذبها إلى داخل لم يبق على يده من ذلك شيء، إلى أن كسر عمود من الرخام في بعض المواضع بها، فأصيب في أعلاه حُقُّ من نحاس في داخله بق مصور من نحاس نحو كف، فما مضت أيام- أو على الفور من ذلك- حتى صار البق في وقتنا هذا يعم الأكثر من دهرهم، وهذا حجر المغناطيس يجذب الحديد، ولقد رأيت بمصر حية مصورة من حديد أو نحاس توضع على شيء ويُدْنى منها حجر المغناطيس فتحدث فيها حركة تباعد منه، وحجر المغناطيس إذا أصابته رائحة الثوم بطل فعله في الحديد واذا غسل بشيء من الخل أو ناله شيء من عسل النحل عاد إلى فعله الأول من جذب الحديد، وللمغناطيس في الحديد خواص عجيبة غير ما ذكرنا كالحجر الماص للدم، والله عز وجل قد استأثر بعلم الأشياء، وأظهر للعباد ما شاء ما لهم فيه الصلاح على قدر الوقت وحاجتهم فيه إليه وأشياء استأثر بعلمها لم يظهرها لخلقه. فلا تقف العقول عَلَى كنهها، وكما يجمع بين أشياء فيحدث لاجتماعها معنى هو غيرها، كما يحدث من ماء العفص والزاج عند الاجتماع من شدة السواد، وكحدوث جوهر الزجاج عند جمعنا بين الرمل والمغنيسيا والقلى عند الطبخ والسبك لذلك، وكذلك لو جمع بين ماء القلي وماء المرتك وهو المرداسنج خرج الحارث من مزاجيهما كالزبد بياضاً، وإذا مزج ماء القلي بماء الزاج خرج من مزاجيهما لون أحمر كالعصفر، وكجمعنا في النتاج بين الفرس الأنثى والحمار فتحدث بغلاً، ولو نتج دابة على أتان لخرج منها بغل أفطس ذو خبث ودها يسمى الكودن.- ومروج الذهب ج1 للمسعودي]. وهنا يثبت المسعودي أن المسألة ليست وهم ودجل بقدر ماهو فهم لخواص المعادن والمخلوقات ولشدة فهمهم اخترعوا هذه المخترعات تماماً كما فعل الآن الدكتور زويل واكتشف  علوماً عجزت البشرية مجتمعة الآن عن الوصول إليها  وما هذا إلا بروح من آل بيت النبوة ومصر فلا تنسى أن سيدنا يوسف كان مخترع للساعة الرملية ومقياس النيل وجده إسماعيل عليه السلام أول من وطئ الخيل وسخرها للركوب وداوود وهبه الله تعالى تشكيل الحديد واختراع الدروع منه قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ – سبأ10 } وقال تعالى أيضاً {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ – سبأ11}. وهنا نكون قد أثبتنا بالدليل على أن المصريين بناة الأهرام قد أودعوا فيها علومهم وبطلاسم وعلوم دقيقة ورثوها عن إدريس النبي عليه السلام .

 

من عجائب الدنيا السبع في مصر :

 

بناء الأهرام أو هرم أعاديمون من العجائب السبع :

هرم عاديمون قال عنه المقريزي :

[هرم أعاديمون: يقال‏:‏ كانت عدة الأهرام ثمانية عشر هرمًا منها تجاه مدينة الفسطاط ثلاثة‏:‏ أكبرها دوره ألفا ذراع وهو مربع في كل وجه من وجوهه الأربعة خمسمائة ذراع ويقال‏:‏ إن المأمون لما فتحه وجد فيه حوضًا من حجر مغطى بلوح من رخام وهو مملوء بالذهب وعلى اللوح مكتوب بقلم عُرّبَ فكان‏:‏ إنَّا عمرنا هذا الهرم في ألف يوم وأبحنا لمن يهدمه في ألف سنة والهدم أسهل من العمارة وكسونا جميعه بالديباج وأبحنا لمن يكسوه الحصر والحصر أيسر من الديباج وجعلنا في كل جهة من جهاته ما لا يقدر ما يصرف على الوصول إليه فأمر المأمون أن يحسب ما صرف على النقب فبلغ قدر ما وجد في الحوض من غير زيادة ولا نقص‏.‏

ويقال‏:‏ إنه وجد فيه صورة آدمي من حجر أخضر كالدهنج فيها طبق كالدواة ففتح فإذا فيه جسد آدميّ عليه درع من ذهب مزين بأنواع الجواهر وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له وعند رأسه حجر من ياقوت أحمر في قدر بيضة الدجاجة فأخذه المأمون وقال‏:‏ هذا خير من خراج الذهب‏.‏

وذكر بعض مؤرخي مصر‏:‏ أنَّ هذا الصنم الأخضر الذي وجدت الرمة فيه لم يزل معلقًا عند دار الملك بمدينة مصر إلى سنة إحدى عشرة وستمائة من سني الهجرة‏.‏

وكان عند مدينة فرعون هرمان وعند ميدوم هرم وهذا آخرها‏.‏

وفي سنة تسع وسبعين وخمسمائة من سني الهجرة ظهر بتربة بوصير من ناحية الجيزة بيت هرميس ففتحه القاضي ابن الشهر زوري وأخذ منه أشياء من جملتها كباش وقرود وضفادع من حجر بازهر وقوارير من دهنج وأصنام من نحاس‏.‏

وقال ابن خرداذبه‏:‏ من عجيب البنيان أن الهرمين بمصر سمك كل واحد منهما أربعمائة ذراع وكلما ارتفع دق وهما من رخام ومرمر والطول أربعمائة ذراع في عرض أربعمائة ذراع مكتوب عليهما‏:‏ باليد كل سحر وكل عجيب من الطب ومكتوب عليهما‏:‏ إني بنيتهما فمن يدّعي قوّة في ملكه فليهدمهما فإن الهدم أيسر من البناء فاعتبر ذلك فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما‏.‏

وقال في كتاب عجائب البنيان عن الأهرام‏:‏ قد انفردت مصر بهذه الأشكال فليس لها بغيرها تمثال يظنهما الناظر للديار المصرية نهدين ويحسبهما القابل أن مكارم أهلها قد أعدّتهما للتكرم ابلوجين تراهما العين على بعد المسافة وإذا حدثت عن عجائبها يُظنّ أنه حديث خرافة وقد أكثر الناس في ذكر الأهرام ووصفها ومساحتها وهي كثيرة العدد جدًّا وكلّها ببرّ الجيزة على سمت مصر القديمة تمتدّ نحوًا من مسافة ثلاثة أيام وفي بوصير منها شيء كثير وبعضها كبار وبعضها صغار وبعضها طين وبعضها لبن وأكثرها حجر وبعضها مدرج وأكثرها مخروط وقد كان منها بالجيزة‏:‏ عدد كثير كلها صغار هُدمت في زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد الطواشي‏:‏ بهاء الدين قراقوش أخذ حجارتها وبنى بها القناطر في الجيزة وقد بقي من هذه الأهرام المهدومة تَلها‏.‏

وأمّاالأهرام المتحدّث عنها

فهي‏:‏ ثلاثة أهرام موضوعة على خط مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط وبينها مسافات كثيرة وزوايا متقابلة نحو الشرف واثنان عظيمان جدًّا في قدر واحد وهما متقاربان ومبنيان بالحجارة البيض وأما الثالث‏:‏ فصغير عنهما نحو الربع لكنه مبنيّ بحجارة الصوّان الأحمر المنقط الشديد القوّة والصلابة ولا يكاد يؤثر فيه الحديد إلا في الزمان الطويل وتجده صغيرًا بالقياس إلى ذينك فإذا أتيت إليه وأفردته بالنظر هالك مرآه وحَير النظر في تأمله‏.‏

وقد سلك في بناء الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان ولذلك صبرت على ممرّ الأيام لا بل على ممرّها صبر الزمان فإنك إذا تأملتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثالًا في غاية إمكانها حتى أنها تكاد تحدث عن قوّة قومها وتخبر عن سيرتهم وتنطق عن علومهم وأذهانهم وتترجم عن سيرهم وأخبارهم وذلك أن وضعها على شكل مخروط ويبتدئ من قاعدة مربعة وينتهي إلى نقطة‏.‏

ومن خواص الشكل المخروط‏:‏ أن مركز ثقله في وسطه يتساند على نفسه ويتواقع على ذاته ويتحامل بعضه على بعض وليس له جهة أخرى يتساقط عليها‏.‏

ومن عجيب وضعه أنه شكل مربع قد قوبل بزوايا مهاب الرياح الأربع فإن الريح تنكسر سورتها عند مسامتتها الزاوية وليست كذلك عندما تلقي السطح‏.‏

وذكر المساح‏:‏ أنَّ قاعدة كل من الهرمين العظيمين أربعمائة ذراع بالذراع السوداء وينقطع المخروط في أعلاه عند سطح مساحته عشرة أذرع في مثلها وذكر أن بعض الرماة رمى سهمًا في قطر أحدهما وفي سمكه فسقط السهم دون نصف المسافة وذكر أنَّ ذرع سطحها أحد عشر ذراعًا بذراع اليد وفي أحد هذين الهرمين مدخل يلجه الناس يفضي بهم إلى مسالك ضيقة وأسراب متنافذة وآبار ومهالك وغير ذلك على ما يحكيه من يلجه وإنَّ أناسًا كثيرين لهم غرام به وتحيل فيه فيتوغلون في أعماقه ولا بدّ أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه‏.‏

وأما المسلوك المطروق كثيرًا فزلاقة تفضي إلى أعلاه فيوجد فيه بيت مربع فيه ناوس من حجر وهذا المدخل ليس هو الباب في أصل البناء إنما هو منقوب نقبًا صادف اتفاقًا وذكر أن المأمون فتحه‏.‏

وحكى من دخله وصعد إلى البيت الذي في أعلاه فلما نزلوا حدّثوا بعظيم ما شاهدوه وإنه مملوء بالخفافيش وأبوالها وتعظم فيه حتى تكون قدر الحمام وفيه طاقات وروازن نحو أعلاه كأنها عملت مسالك للريح ومنافذ للضوء بحجارة جافية طول الحجر منها‏:‏ من عشرة أذرع إلى عشرين ذراعًا وسمكه من ذراعين إلى ثلاثة أذرع وعرضه نحو ذلك‏.‏

والعجب كل العجب من وضع الحجر على الحجر بهندام ليس في الإمكان أصح منه بحيث لا نجد بينهما مدخل إبرة ولا خلل شعرة وبينهما طين لونه الزرقة لا يُدرى ما هو ولا صفته وعلى تلك الحجارة كتابات بالقلم القديم المجهول الذي لم يوجد بديار مصر من يزعم أنه سمع من يعرفه وهذه الكتابات كثيرة جدًّا حتى لو نقل ما عليها إلى صحف لكانت قدر عشرة آلاف صحيفة وقرأت في بعض كتب الصابئة القَديمة‏:‏ أن أحد هذين الهرمين قبر أعاديمون والآخر قبر هرمس ويزعمون أنهما بيتان عظيمان وأن أعاديمون أقدم وأعظم وإنَّه كان يُحجج إليهما ويُهدى إليهما من أقطار البلاد‏.- المواعظ والإعتبارج1/ص36].

واستخدم هذا البناء الشاهق الضخم في مراقبة حركة الكواكب والنجوم وفيه دلالة على تسخير شعب وإذلاله كي يكون طوعاً لهوى كل حاكم ودليل على قهر الأمم والممالك والشعوب وخضوعها لحكم الفرد المطلق والتجبر من قوم قال تعالى فيهم { فنقبوا في اللاد هل من محيص } وسنبينه في حينه إن شاء الله وعن هذه الأهرام و قصة بنائها كأعجوبة من عجائب الدهور يقول المسعودي في تاريخه :[ والأهرام وطولها عظيم، وبنيانها عجيب، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة، والممالك الداثرة، لا يحرى ما تلك الكتابة ولا ما المراد بها، وقد قال مَنْ عنى بتقدير ذرعها: إن مقدار ارتفاع ذهابها في الجو نحو من أربعمائة ذراع، أو كثر، وكلما علا به الصعداء دق ذلك، والعرض نحو ما وصفنا، عليها من الرسوم ما ذكرنا، وإن ذلك علوم وخواص وسحر وأسرار للطبيعة، وإن من تلك الكتابة مكتوب: أنا بنيناها فمن يدعى موازنتنا في الملك وبلوغنا في القدرة وانتهاءنا من السلطان فليهدمها، وليزل رسمها. فإن الهدم أيسر من البناء، والتفريق أيسر من التأليف، وقد ذكر أن بعض ملوك الِإسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر وغيرها من الأرض لا يفي بقلعها، وهي من الحجر والرخام،-مروج الذهب ج1 ص361-362].

وورد في تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني عن هذه الأهرام العجيبة [عن عبدالله بن زيد الشعراني من ولد عماربن ياسر – رضي الله عنه – يقول : حكى أبوالقاسم محمد بن القاسم البصري أن أبا الحسن حمادويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح عليه من كنوز مصر مالم يرزق أحد قبله ، فاغري بالهرمين فأشار عليه ثقاته وحاشيته وبطانته  أن لا يتعرض لهدم الاهرام ، فإنه ماتعرض أحدلها فطال عمره فلج في ذلك ، وأمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب وكانوا يعملون سنة حواليه حتى ضجروا وكلوا ، فلما هموا بالانصراف بعد الاياس منه وترك العمل وجدوا سربا فقد روا أنه الباب الذي يطلبونه فلما بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مرمر فقدروا أنها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها وأخرجوها ، فإذا عليها كتابة يونانية ، فجمعوا حكماء مصروعلماء ها فلم يهتدوا لها ، وكان في القوم رجل يعرف بأبي عبدالله المدائني أحد حفاظ  الدنيا وعلمائها ، فقال لابي الحسن حمادويه بن أحمد : أعرف في بلد الحبشة اسقفا  قد عمر وأتى عليه ثلاثمائة وستون سنة يعرف هذا الخط ، وقد كان عزم على أن يعلمنيه  فلحرصي على علم العرب لم أقم عليه وهو باق . فكتب أبوالحسن إلى ملك الحبشة  يسأله أن يحمل هذا الاسقف إليه ، فأجابه أن هذا قد طعن في السن وحطمه الزمان  وإنما يحفظه هذا الهواء ، و ؟ عليه إن نقل إلى هواء آخر وإقليم آخرو لحقته  حركة وتعب ومشقة السفر أن يتلف ، وفي بقائه لنا شرف وفرج وسكينة ، فان كان  لكم شئ يقرأه أو يفسره أو مسألة تسألونه فالكتب بذلك . فحملت البلاطة في قارب  إلى بلد ” أسوان ” من الصعيد الاعلى ، وحملت من أسوان على العجلة إلى بلاد الحبشة  وهي قريبة من أسوان ، فلما وصلت قرأها الاسقف وفسرما فيها بالحبشية ثم نقلت إلى العربية فاذا فيها مكتوب : ” أنا الريان بن دومغ ” فسئل أبوعبدالله عن الريان  من هو ؟ قال : هو والد العزيز ملك يوسف عليه السلام واسمه الريان بن دومغ ، وقد كان عمر العزيز سبعمائة سنة وعمر الريان والده ألف وسبعمائة سنة وعمر دومغ ثلاثة  آلاف سنة . فإذا فيها :

” أنا الريان بن دومغ ، خرجت في طلب علم النيل ، لاعلم فيضه ومنبعه إذ كنت  أرى مغيضه فخرجت ومعي ممن صحبت أربعة آلاف ألف رجل ، فسرت ثمانين  سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات والبحر المحيط بالدنيا ، وفرأيت النيل يقطع البحرالمحيط ويعبر فيه ولم يكن له منفذ وتماوت أصحابي وبقيت في أربعة آلاف رجل  فخشيت على ملكي فرجعت إلى مصرو بنيت الاهرام والبرابي وبنيت الهرمين وأودعتهما  كنوزي وذخائري ، وقلت في ذلك شعرا :

وأدرك علمي بعض ماهو كائن * ولا علم لي بالغيب والله أعلم

وأتقنت ما حاولت إتقان صنعه * وأحكمته والله أقوى وأحكم

وحاولت علم النيل من بدء فيضه * فأعجزني والمرء بالعجز ملجم

ثمانين شاهورا قطعت مسائحا * وحولي بنو حجر وجيش عرمرم

إلى أن قطعت الجن والانس كلهم * وعارضني لج من البحرمظلم

فأيقنت أن لا منفذا بعد منزلي * لذي هيئة بعدي ولامتقدم

فإبت إلى ملكي وأرسيت ناديا * بمصر ولا الايام بؤس وأنعم

أنا صاحب الاهرام في مصركلها * وباني برابيها بهاو المقدم

تركت بها آثار كفي وحكمتي * على الدهر لا تبلى ولاتتهدم

وفيها كنوز جمة وعجائب * وللدهر أمر مرة وتهجم

سيفتح أقفالي ويبدي عجائبي * ولي لربي آخر الدهر يسجم

بأكناف بيت الله تبدو اموره * ولابد أن يعلو ويسمو به السم

ثمان وتسع واثنتان وأربع * وتسعون اخرى من قتيل وملجم

ومن بعد هذا كر تسعون تسعة * * وتلك البرابي تستخر وتهدم

وتبدى كنوزي كلها غير أنني * * أرى كل هذا أن يفرقه الدم

رمزت مقالي في صخور قطعتها * * ستفنى وأفنى بعدها ثم اعدم

فحينئذ قال أبوالحسن حمادويه بن أحمد : هذا شئ ليس لاحد فيها حيلة إلا القائم  من آل محمد عليهم السلام وردت البلاطة مكانها كما كانت . ثم إن أبا الحسن بعد ذلك  بسنة قتله طاهر الخادم على فراشه وهو سكران ، ومن ذلك الوقت عرف خبر الهرمين

ومن بناهما . فهذا أصح ما يقال في خبر النيل والهرمين . – البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني ج2 ص253  تفسير سورة يوسف& بحار الانوار مجلد: 53 من ص 236 ص 245].

وقرآنياً يرجخ القرآن أن فرعون موسى هو الباني للإهرامات الطيبنية  وهي إهرامات قزمية بنيت إلى جوار الهرم الأكبر الحجري وذلك لقوله تعالى {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ – القصص38}وهذا الصرح على الطين ومن الطين المتحجر ليعلوا بهذا البناء إلى السماء ليطلع إلى إله موسى لعنه الله وأما الهرم الحجري الأكبر هو هرم قوم أسبق على فرعون موسلى بآلاف السنين وهو هرم قوم عاد لأنهم من أصحاب الحجر الذين قال تعالى فيهم مبيناً أنها أمم استخدمت الججارة لتكون لها حجراً ومانعاً في حضاراتهم وهؤلاء هم قوم عاد وثمود وفرعون قال تعالى فيهم { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍإِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ – الفجر} وهذه كلها أمم استخدمت الحجارة في حضارتها وأوتاد فرعون هى الإهرامات التي على شكل جبال مدببة القمة وذلك لورود هذا الفظ في قوله تعالى{وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً – النبأ7} وعلى ذلك أمة عاد أمة قبل الفراعين بنت الإهرامات وفيها أسرار من علوم نبي الله إدريس عليه السلام ومع انقراض الإيمان وشيرع الكفر كما قال تعالى {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ – الصافات71} ومع ضلالهم اهتموا بأمور الدنيا وتركوا الدين والتوحيد والولاية لله الحق فعملوا بعلم الهيئة والسحر والكهانة ونيت هذه الأهرام للسيطرة على الخلق وبيان أنهم  الأقوى في العالم وتركوا الحلال والحرام فعبدوا الرجال ثم الأصنام وبدأ الإنتقام الإلاهي من مصر بخروج إستعمار ودخول آخر لما أدركوا أهمية هذا البلد وقوته الخفية التي أودعها الله تبارك و تعالى بها .وقد بنى ذو القرنين مدينة الإسكندرية بوحي من أمم قبله كالعادة في تدبر امور الدولة ودراسة أخطاء الأمم  من قبل يقول المسعودي [ذكر جماعة من أهل العلم أن الإسكندر المقدوني لما استقام ملكه في بلاده سار يختار أرضاً صحيحة الهواء والتربة والماء، حتى انتهى إلى موضع الإسكندرية فأصاب في موضعها آثار بنيان عظيم وعمدأ كثيرة من الرخام، وفي وسطها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المُسْنَدِ- وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد- أنا شداد بن عاد بن شداد بن عاد، شددت بساعدى البلاد، وقطعت عظيم العماد، من الجبال والأطواد، وأنا بنيت إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأردت أن أبني ههنا كإرم، وأنقل إليها كل في إقدام وكرم، من جميع العشائر والأمم، وذلك إذ لا خوف ولا هرم، ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني، وعما أردت قطعني مع وقوع ما أطال همي وشَجَنِي، وقل نومي وسكني، فارتحلت بالأمس عن داري لا لقهر ملك جبار، ولا لخوف جيش جَرار، ولا عن رهبة ولا عن صَغَار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الأثار، وسلطان العزيز الجبار، فمن رأى أثري، وعرف خبري، وطول عمري، ونَفاذ بصري، وشدة حفري، فلا يغتر بالدنيا بعدي، فإنها غرارة تأخذ منك ما تعطي، وتسترجع ما تُوِلي. وكلام كثير يُرِي فناء الدنيا ويمنع من الاغترار بها والسكون إليها.- مروج الذهب ج1 ص370].

وعن نهايته هنا كانت بالإسكندرية دليلاً على أنه بنى عمد شاهقة في حياته وهى آيات قال تعالى فيها { أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين – الشعراء} والآية هنا البناء العالي وفي هذه الأزمان لا يوجد أعلى من إهرامات الجيزة الحجرية والتي كانوا يستخدمها اصحاب الحجر في البناء كما بينا  وكان ذلك بمصر بينا.

 

بناء الإسكندرية والمنارة من عجائب الدنيا السبع :

 

وأما عن بناء مدينة الإسكندرية فكان بتأثر ذو القرنين كما بينا بما رآه من آثار قوم عاد وبعلم لدني وهبه الله تعالى إياه بنيت الإسكندرية به يقول المسعودي: [ونزل الإسكندر متفكراً يتدبر هذا الكلام ويعتبره، ثم بعث فحشر الصناع من البلاد،. وخط الأساس، وجعل طولها وعرضها أميالاً، وحشد إليها العمد والرخام، وأتته المراكب فيها أنواع الرخام. وأنواع المرمر والأحجار، من جزيرة صقلية، وبلاد إفريقية، وإقريطش، وأقاصي بحر الروم مما يلي مصبه من بحر أوقيانوس، وحمل إليه أيضاً من جزيرة روعس وهي جزيرة مقابلة للإسكندرية على ليلة منها في البحر، وهي أول بلاد الِإفرنجة، وهذه الجزيرة في وقتنا هذا، وهو صنة اثنتين وثلانين وثلثمائة، دار صناعة لم لروم، وبها تنشأ المراكب الحربية، وفيها خلق كثير من الروم، ومراكبهم تطرق بلاد الإسكندرية وغيرها من بلاد مصر فتُغِيرُ وتأسر وتسبي. وأمَرَ الإسكندر الفعَلة والصناع أن يدوروا بما رسم لهم من أساس سور المدينة، وجعل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالاً منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام، وكان أمام مضربه، وعلق على العمود جرساً عظيماً مصوتاً، وأمر الناس والقُؤام على البَنَائين والفعَلة والصناع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس وتحركت الحبال وقد علق على كل قطعة منها جرساً صغيراً حرصوا على أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة من سائر أقطارها، وأحب الإسكندر أن يجعلِ ذلك في وقت يختاره في طالع سعيد، فخفق الإسكندر برأسه وأخذته سِنةٌ في حال ارتقابه الوقتَ المحمودَ المأخوذَ فيه الطالعُ، فجاء غراب فجلس على حبل الجرس الكبير الذي فوق العمود فحركه، وخرج صوت الجرس وتحركت الحبال، وخفقت ما عليها من الأجراس الصغار، وكان ذلك معمولاً بحركات فلسفية، وحيل حكمية، فلما رأى الصناع تحرك تلك الحبال وسمعوا تلك الأصوات وضعوا الأساس دفعة واحدة، وارتفع الضجيج بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رَقْدته وسأل عن الخبر، فأخبر بذلك، فعجب وقال: أردت امرأَ وأراد الله غيره، ويأبى الله إلا ما يريد، أردت طول بقائها، وأراد الله سرعة فنائها وخرابها وتداول الملوك إياها…….. وكان بناء الإسكندرية طبقات، وتحتها قناطر مقنطرة، عليها دور المدينة، يسير تحتها الفارس وبيده رمح لا يضيق به حتى يدور جميع تلك الأزاج والقناطر التي تحت المدينة، وقد عمل لتلك العقود والازاج مخاريق، وتنفسات للضياء، ومنافذ للهواء.قد كانت الإسكندرية تضيء بالليل بغير مصباح، لشدة بياض الرخام و المرمر، وأسواقها وشوارعها وأزقتها مقنطرة بها لئلا يصيب أهلها شيءٌ من لمطر، وقد كان عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها، بينها خنادق، وبين كل خندق وسور فصلان، وربما علق على المدينة شقاق الحرير الأخضر. لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس لشدة بياضه.فلما أحكم بناؤها، وسكنها أهلها، كانت آفات البحر وسكانه- على، زعم الإِخباريون من المصريين والاسكندريين- تختطف بالليل أهل هذه لمدينة، فيصبحون وقد فقد منهم العدد الكثير.

ولما علم الإسكندر بذلك اتخذ الطلسمات على أعمدة هناك تدعى المسال، وهي باقية إلى هذه الغاية، وكل واحد من هذه الأعمدة على هيئة السَّرْوَة وطول كل واحد منها ثمانون ذراعاً، على عمد من نحاس وجعل تحتها صورأ وأشكالاً وكتابة، وذلك عند انخفاض درجة من درجات الفلك وقربها من هذا العالم، وعند أصحاب الطلسمات من المنجمين والفلكيين أنه إذا ارتفع من الفلك درجة وانخفض أخرى في مدة يذكرونها من السنين نحو ستمائة سنة نأتي في هذا العالم فعل الطلسمات النافعة المانعة والدافعة، وقد ذكر هذا جماعة من أصحاب الزيجات والنجوم وغيرهم من مصنفي الكتب في هذا المعنى، ولهم في ذلك سر من أسرار الفلك ليس كتابنا هذا موضعاً له، ولغيرهم ممن ذهب إلى أن ذلك للطف قوى الطبائع التام وغير ذلك مما قاله الناس، وما ذكرنا من عرج الفلك فموجود في كتب من تأخر من- علماء المنجمين والفلكيين، كأب معشر البلخي، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، وما شاء الله، وحبش، واليزيدي، ومحمد بن جابر البُتاني في زيجه الكبير، وثابت بن قرة، وغير هؤلاء ممن تكلم في علوم هيأت الفلك والنجوم.- مروج الذهب ج1 ص372-373]. وهنا تستنتج لماذا صنع سيدنا داوود وسليمان  عليهما السلام التماثيل وذلك للسيطرة على الشياطين وسجنهم قال تعالى{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ – سبأ13}. ولذلك هنا يبرئ الله تعالى سليمان قائلاً { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت- البقرة}.

ولما بنيت الإسكندرية وشيدت كتب ذو القرنين على أبوابها [هذه الإسكندرية، أردت أن أبنيها على الفلاح والنجاح واليمن والسعادة والسرور والثبات في الدهور، فلما يرد الباري عز وجل ملك السموات والأرض ومفني الأمم أن نبنيها كذلك، فبنيتها وأحكمت بنيانها، وشيدت سورها، وآتاني اللّه من كل شيء علماً وحكماً، وسهل لي وجوه الأسباب، فلم يتعذر علي شيء في العالم مما أردته، ولا امتنع عني شرء مما طلبته، لطفأ من الله عز وجل، وصنعاً بي، وصلاحاً لي ولعبادي من أهل عصري، والحمد للّه رب العالمين، لا إله إلا اللهّ رب كل شيء. ورسم الإسكندر بعد هذه الكتابة كل ما يحدث ببلده من الأحداث بعده في مستقبل الزمان: من الآفات، والعمران، والخراب، وما يؤول إليه إلى وقت دُثور العالم – مروج الذهب ج1 ص373].

ومن هنا علمنا أن مصر مازال بها من أسرار العالم مالا يعرفه أحد وهى أسرار مخبئة لإمام آخر الزمان عليه السلام يستخرجها فيحكم بها العالم لأن بها أسرارً عجيبة غريبة وهذا هو سبب نهم البعثات التاريخية للبحث عن آثار مصر والتي جعلتها هيئة الأمم المتحدة من المحميات الأثرية التي تخص تراث العالم .

وعن هذه المدينة والتقدم العلمي التكنولوجي للمصريين المسلمين مع ذو القرنين في هذا الزمان كما بين المسعودي أن دواب البحر كانت تخطف المصريين بالإسكندرية فماذا فعل هنا ذو القرنين ؟:يقول المسعودي :[وإن الإسكندرية لما أحكم بنيانها وأثبت أساسها وجن الليل عليهم خرجت دواب من البحر فأتت على جميع ذلك البنيان، فقال الإسكندر حين أصبح: هذا بدء الخراب في عمارتها، وتحقق مراد الباري في زوالها، وتطير من فعل الدواب، فلم يزل البناءُ يُثنَى في كل يوم ويحكم، :يوكل به من يمنع الدواب إذا خرجت من البحر، فيصبحون وقد أخرب البنيان، فقلق الإسكندر لذلك، وراعه ما رأى، فأقبل يفكر ما الذي يصنع، وأي حيلة تنفع في دفع الأذية عن المدينة، فسنحت له الحيلة في ليلته عند خلوته بنفسه وإيراده الأمور وإصدارها، فلما أصبح دعا بالصناع فاتخذوا له تابوتاً من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمس،، وجعلت فيه جامات من الزجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها، وقد أمسك ذلك بالقار والزفت وغيره من الأطلية الدافعة للماء، حذراً من دخول الماء إلى التابوت، وقد جعل فيها مواضع للحبال، ودخل الإسكندر في التابوت هو ورجلان معه من كتابه ممن له علم باتقان التصوير ومبالغة فيه وأمر أن تسد عليهم الأبواب، وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية، وأمر فأتي بمركبين عظيمين، فأخرجا إلى لجة البحر، وعلق على التابوت من أسفل مثقلات الرصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلاً إذ كان من شأنه لما فيه من الهواء أن يطفو فوق الماء ولا يرسب في أسفله، وجعل التابوت بين المركبين، فألصقهما بخشب بينهما لئلا يفترقا، وشد حبال التابوت إلى المركبين وطَؤلَ حباله، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر، فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزجاج الشفاف في صفاء ماء البحر. فإذا هم بشياطين على مثال الناس ورؤوسُهم على مثال رؤوس السباع، وفي أيدي بعضهم الفؤوس، وفي أيدي بعض المناشير والمقاطع، يحاكون بذلك صناع المدينة والفعَلة وما في أيديهم من آلات البناء، فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصور وأحكموها بالتصوير في القراطيس، على اختلاف أنواعها وتشوه خلقتهم وقدودهم وأشكالهم، ثم حرك الحبال، فلما أحس بذلك مَنْ في المركبين جذبوا الحبال وأخرجوا التابوت، فلما خرج الإسكندر من التابوت وسار إلى مدينة الإسكندرية أمر صناع الحديد والنحاس والحجارة فصنعوا تماثيل تلك الدواب على ما كان صؤره الإسكندر وصاحباء، فلما فرغوا منها وضعت الصور على العُمُد بشاطئ البحر، ثم أمرهم فبنوا، فلما جن الليل ظهرت تلك الدوالب والآفات من البحر، فنظرت إلى صورها على العمد مقابلة إِلى البحر، فرجعت إلى البحر ولم تعد بعد ذلك –مروج الذهب ج1 ص374]. ومن هنا يتبين لنا أهمية رفع هذه المسلات في بلدان أمريكا وأوروبا إذ أن فيها سر تقدم الدولة وعلوها ولذلت تضعها أمريكا في أكبر ميادينها وبباريس ورومانيا ودولاً أوروبية أخرى فهل سأل المسلمون أنفيهم لماذا وهى لاتخصهم بل هى مصرية بنيت وصنعت في مصر ولأجل شعب مصر ؟!!.

 وعن منارة الإسكندرية :

 

منارة الاسـكـنـدريـة بنيت فى جزيرة فاروس فى الأسكندرية بـ مــصـر ومنارة الأسكندرية أحدى عـجـائـب الـدنيا الــســـبـع

وقـد بنى منـارة الاسكنــدرية المـهـنـدس ” سوستراتوس ”

وارتـفـاعها 180 مـتر وتـتـكون من ثـلاث طـوابـق مـن المرمر الأبـيـض .

أقـامـهـا بـطـلـيـموس في الـقـرن الـثالث

في أعلى المنارة يوجد تمثال لأحد أبطال الأساطير اليونانية وهو ” هيـلوس ” ابن ” هـرقـل ”

 

فى عام 332 ق . م غزا ‏الإسكندر‏ ‏الأكبر‏ ‏مصر وأنشأ ‏مدينة‏ ‏الإسكندرية‏ ‏مكان قرية صغيرة علي‏ ‏شاطئ‏ ‏البحر‏ ‏وسماها‏ ‏باسمه‏ وسميت الإسكندرية‏ ‏بمدينة‏ ‏قلسون‏ ‏باللغة العبرية.

وكانت توجد جزيرة مصرية مقدسة أسمها فارو-PHARAO- فرأى‏ ‏أحد‏ ‏المهندسين‏ ‏المصريين‏ ‏بأن‏ ‏تشييد الفنار‏ ‏سيؤثر‏ ‏علي‏ ‏منظر‏ ‏الجزيرة‏ ‏المصرية‏ ‏المقدسة‏ لكونها‏ ‏مركزا‏ ‏مهما‏ ‏لإقامة‏ ‏فرعون‏ ‏مصر‏ ‏فتركت ‏على‏ ‏حالها‏ (وقد أطلق على هذا المشروع فاروا وتحرف فيما بعد واصبح فنار‏ ‏علي‏ ‏اسمها )

‏ ‏وقرر ‏المهندس المصرى‏ ‏ألا‏ ‏يتم‏ ‏إنشاء‏ ‏الفنار‏ ‏داخل‏ ‏الجزيرة‏ ‏الفرعونية‏ ‏المقدسة‏ ‏وأن‏ ‏يكون‏ ‏بالقرب‏ ‏منها‏ ‏وبالقرب‏ ‏من‏ ‏المدينة‏ ‏الجديدة‏ ‏الإسكندرية‏.

‏واختار‏ المهندس مكان ‏بناء‏ ‏الفنار‏ ‏بجوار‏ ‏جزيرة‏ ‏فارو‏ ‏بسبب قربه ‏للمكان‏ ‏الوحيد‏‏ ‏المخصص‏ ‏لسماح‏ ‏دخول‏ ‏الغرباء‏ ‏إلي‏ ‏مصر‏ عن طريق البحر ‏بعد‏ ‏دفع‏ ‏الرسوم‏ ‏المستحقة‏ وكثرة المراكب التجارية التى تحمل محاصيل مصر إلى دول البحر البيض المتوسط وموانيه , ‏وقد‏ ‏وجد‏ ‏البطالمة‏ ‏كذلك‏ ‏بأن‏ ‏هذا‏ ‏المكان‏ ‏هو‏ ‏أهم‏ ‏منطقة‏ ‏علي‏ ‏البحر‏ ‏الأبيض‏ ‏المتوسط‏ , ‏وإقامة‏ ‏اليونانيين‏ ‏وسط‏ ‏الشعب‏ ‏المصري‏ ‏لأنهم‏ ‏أعتبروا‏ ‏الإسكندر‏ ‏الأكبر‏ ‏في‏ ‏منزلة‏ ‏الفراعنة‏

‏وعندما بدأ العمل فى الفنار ‏أسند‏ ‏إلي أهل الإسكندرية ‏بالأعمال‏ ‏المختلفة‏ ‏داخل‏ ‏المدينة‏ ‏وأصبح‏ ‏لايوجد‏ ‏بها‏ ‏عاطل‏..‏وبعد الإنتهاء من العمل أصبح‏ ‏المينائين‏ ‏الشرقي‏ ‏والغربي‏ ‏من‏ ‏أعظم‏ ‏الموانئ‏ ‏البحرية‏ ‏في‏ ‏العالم القديم ‏.‏

وأثناء‏ ‏تشييد‏ ‏الفنار‏, ‏أستخدموا رمال بحيرة‏ ‏مريوط‏ , ‏فتم‏ ‏تقوية‏ ‏الأساسات‏ ‏لتشمل‏ ‏المنطقة‏ ‏جميعها‏ 1400 ‏ياردة‏ ‏وتم‏ ‏ربط‏ ‏الميناء‏ ‏بمدينة‏ ‏الإسكندرية‏ ‏نفسها‏.‏

‏ ‏ ‏وزاد‏ ‏التعامل‏ ‏في‏ ‏زيادة‏ ‏نقل‏ ‏البضائع‏ ‏من‏ ‏مكان‏ ‏لآخر‏,‏ فازدادت‏ ‏شهرة‏ ‏المدينة‏ ‏ومصر‏ ‏وذاع‏ ‏صيتها‏ ‏لمركزها‏ ‏التجاري‏ ‏منذ‏ ‏وقت‏ ‏تأسيسها‏.‏

‏ولم‏ ‏يقف‏ ‏امتداد‏ ‏بحيرة‏ ‏مريوط‏ ‏بوجود‏ ‏كثرة‏ ‏رمالها‏ ‏بالنسبة‏ ‏للجزء‏ ‏الغربي‏ ‏من‏ ‏الفنار‏,‏فوضعوا‏ ‏أساسات‏ ‏الفنار‏ ‏لمسافة‏ 1400 ‏ياردة‏,‏ مما سهل‏ ‏ايصال‏ ‏الفنار‏ ‏بطريق‏ ‏يمتد‏ ‏حتي‏ ‏يصل‏ ‏إلي‏ ‏مدينة‏ ‏الإسكندرية‏,‏وأصبح‏ ‏لمدينة‏ ‏الإسكندرية‏ ‏مينائين‏ ‏الميناء‏ ‏الشرقي‏ ‏والميناء‏ ‏الغربي‏ ‏وبعد‏ ‏انتهاء‏ ‏تشييد‏ ‏المنارة‏ ‏ظهرت‏ ‏كأنها‏ ‏برج‏ ‏حجري‏, ‏واستمر‏ ‏بحجارة‏ ‏من‏ ‏الرخام‏ ‏علي‏ ‏قناطر‏ ‏من‏ ‏الزجاج‏, ‏والقناطر‏ ‏علي‏ ‏ظهر‏ ‏سرطان‏ ‏من‏ ‏النحاس‏,‏

وكان بها‏ ‏بيوت‏ ‏عددها‏ 300 ‏بيت‏ ‏بعضها‏ ‏فوق‏ ‏بعض‏ ‏وظهر‏ ‏كأنه‏ ‏برج‏ ‏كبير‏ ‏بجوار‏ ‏جزيرة‏ ‏فارو‏,

‏وذكر‏ ‏المؤرخ‏ ‏الشيخ‏ ‏عبد‏ ‏اللطيف‏ ‏البغدادي‏ ‏في‏ ‏مخطوطته‏,‏بأن‏ ‏بعض‏ ‏الثقاة‏ ‏قاس‏ ‏طول‏ ‏الفنارة‏,‏ وهي‏ ‏تتكون‏ ‏من‏ ‏ثلاث‏ ‏طبقات‏,‏الطبقة‏ ‏الأولي‏ ‏مربعة‏ ‏وطولها‏ 221 ‏ذراع‏ , ‏والطبقة‏ ‏الثانية‏ ‏مثمنة‏ ‏وطولها‏ 81.5 ‏ذراع‏ ‏والطبقة‏ ‏الثالث‏ ‏مدورة‏ ‏وطولها‏ 31.5 ‏ذراع‏ ‏والجزء‏ ‏المضيئ‏ ‏طوله‏ 10 ‏أذرع ‏: ‏وكانت‏ ‏المنارة‏ ‏داخل‏ ‏سور‏ ‏مدينة‏ ‏الإسكندرية‏,‏وهو‏ ‏بناء‏ ‏حجري‏ ‏ضخم‏ ‏مزود‏ ‏بالأبراج‏ ‏الضخمة‏.‏وهذا‏ ‏أيضا‏ ‏طبقا‏ ‏لما‏ ‏ذكره‏ ‏المؤرخ‏ ‏كاسيتوس.

‏أما ‏علي‏ ‏باشا‏ ‏مبارك ‏,‏ والعالم‏ ‏محمود‏ ‏الفلكي ‏فقالوا‏ فى وصف الجدار : ” ‏إن‏ ‏هذا‏ ‏الجدار‏ ‏كان‏ ‏عرضه‏ ‏خمسة‏ ‏أمتار‏,‏وكان‏ ‏يبدأ‏ ‏من‏ ‏برج‏ ‏السلسلة‏,‏وكان‏ ‏يسمي‏ ‏قديما‏ ‏برأس‏ ‏لوشياس‏-‏الحددة‏-‏وكان‏ ‏طول‏ ‏هذه‏ ‏المسافة‏ 3000‏متر‏,‏ووجدوا‏ ‏آثارا‏ ‏مغطاة‏ ‏بمترين‏ ‏من‏ ‏المياه‏-‏الخطط‏ ‏الجديدة‏-‏علي‏ ‏باشا‏ ‏مبارك‏ ‏جزء‏7‏ص‏35-).‏

وذكر‏ ‏أن‏ ‏بناء‏ ‏الفنار‏ ‏كان‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏الأعوام‏ 290-280‏ق‏.‏م‏ ‏وارتفاعه‏ ‏ما‏ ‏بين‏ 350 ‏إلي‏ 600 ‏أما‏ ‏الجزء‏ ‏العلوي‏ ‏المشتعل‏ ‏فكان‏ ‏يصل‏ ‏ضوئه‏ ‏حتي‏ 25 ‏ميلا‏ ‏داخل‏ ‏البحر‏ ‏الأبيض‏ ‏وكان‏ ‏الجزء‏ ‏المضيئ‏ ‏يتم‏ ‏اشعاله‏ ‏بإيقاد‏ ‏النار‏ ,‏ووضع‏ ‏مرايا‏ ‏معينة‏ ‏لزيادة‏ ‏وسهولة‏ ‏رؤية‏ ‏هذا‏ ‏الضوء‏ ‏عن‏ ‏بعد‏ 25‏ميلا‏ ‏داخل‏ ‏البحر‏ ‏الأبيض‏ ‏المتوسط‏

وقد‏ ‏اهتمت‏ ‏القسطنطينية‏ فيما بعد ‏بهذا‏ ‏الفنار ‏وساعدت‏ ‏في‏ ‏بناء‏ ‏الفنار‏ ‏والمينائين‏ ‏خدمة‏ ‏لأبنائهم‏ ‏لسهولة‏ ‏وسرعة‏ ‏المواصلات‏ ‏إلي‏ ‏مصر‏, ‏وإقامة‏ ‏مشاريعهم‏ ‏التجارية‏ ‏والزراعية‏ ‏بها‏ , ‏فلم‏ ‏يكن‏ ‏أمامهم‏ ‏سوي‏ ‏البحر‏ ‏ولسهولة‏ ‏الوصول‏ ‏إلي‏ ‏أي‏ ‏دولة‏ ‏أوربية‏ ‏أخري‏ ‏للتجارة‏ ‏أو‏ ‏الزراعة‏ ‏مستخدمين‏ ‏فنار‏ ‏مدينة‏ ‏الإسكندرية‏ ‏ومينائيها‏ ‏كمركز‏ ‏دائم‏ ‏للوصول‏ ‏والعودة‏.

‏وهكذا أصبحت‏ ‏مصر‏ ‏أكثر‏ ‏شهرة‏ ‏عن‏ ‏البلاد‏ ‏الأخري‏ ‏المطلة‏ ‏علي‏ ‏البحر‏ ‏الأبيض‏ ‏المتوسط‏.‏وعلا‏ ‏مركزها‏ ‏وسميت‏ ‏بفخر‏ ‏المدن‏ ‏القديمة‏,‏ وزينة‏ ‏ثغور‏ ‏البحر‏ ‏الأبيض‏ ‏وفردوس‏ ‏بلاد‏ ‏الشرق‏.

‏وفي‏ ‏‏الأعوام‏ ‏الماضية‏ ‏قد‏ ‏تم‏ ‏عمل‏ ‏مئات‏ ‏الغطسات‏ ‏الأثرية‏,‏في‏ ‏منطقة‏ ‏الجزء‏ ‏الشرقي‏ ‏من‏ ‏ميناء‏ ‏الإسكندرية‏، وتم‏ ‏انتشال‏ ‏بعض‏ ‏التماثيل‏ ‏للإلهة‏ ‏إيزيس من عمق البحر فى هذه المنطقة ‏,‏وعثر أيضا على تمثال‏ ‏لأبي‏ ‏الهول.

 

 

 

 

 

 

الرابط :

 

http://www.elaana.com/vb/t10747 ] .(هامش)

 

 

يقول المسعودي عن تلك المنارة العظيمة  : [ فأما منارة الإسكندرية فذهب الأكثر من المصريين والِاسكندرانيين – ممن عني بأخبار بلدهم – إلى أن الإسكندر بن فيلبس المقدوني هو الذي بناها على حسب ما قدمنا في بناء المدينة، ومنهم من رأى أن دلوكة الملكة هي التي بنتها، وجعلتها مرقباً لمن يرد من العدو إلى بلدهم، ومنهم من رأى أن العاشر من فراعنة مصر هو الذي بناها، وقد قدمنا ذكر هذا الملك فيما سلف من هذا الكتاب، ومنهم من رأى أن الذي بنى مدينة رومية هو الذي بنى مدينة الإسكندرية ومنارتها والأهرام بمصر، و-إنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لشهرته بالاستيلاء على الأكثر من ممالك العالم فشهرت به، وذكروا في ذلك أخباراً كثيرة، يدلون بها على ما قالوا، والإسكندر لم يطرقه في هذا البحر عدو، ولا هاب ملكاً يرد إليه في بلده ويغزوه في داره، فيكون هو الذي جعلها مرقباً، وإن الذي بناها جعلها على كرسي من الزجاج على هيئة السرطان في جوف البحر وعلى طرف اللسان الذي هو داخل في البحر من البر، وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، وفيها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، وإذا علت في الفلك فإصبعه مشيرة نحوها فإذا انخفضت يده سفلاً، يدور معها حيث دارت، ومنها تمثال يشير بيده إلى البحر إذا صار العدو منه على نحو من ليلة، فإذا دنا وجاز أن يرى بالبصر لقرب المسافة سمع لذلك التمثال صوت هائل يسمع من ميلين أو ثلاثة، فيعلم أهل المدينة أن العدو قد دنا منهم، فيرمقونه بأبصارهم، ومنها تمثال كلما مضى من الليل والنهار ساعة سمعوا له صوتاً بخلاف ما صوت في الساعة التي قبلها، وصوته مُطْرِب.- مروج الذهب ج1 ص375].

ويقول المسعودي عن صفاتها :[ وكان طولها في الهواء ألف ذراع، والمرآة على علوها والدبادبة جلوس حولها، فإذا نظروا إلى العدو في البحر في ضؤ تلك المرآة صوتوا بمن قرب منهم، ونصبوا ونشروا أعلاماً فيراها من بَعُدَ منهم فيحذر الناس وينفر البلد، فلا يكون للعدو عليهم سبيل-مروج الذهب ج1 ص376].وعن هدم جزء منها يقول المسعودي مبيناً أ ملك الروم قد احتال عليه فبعث له خادماً أوهمه أنه هرب من بطش ملك الروم وأنه قد أسلم لما أخرج كنزاً من تحت منارة بالشام وأنهخ يوجد كنز تحت منارة الإسكندرية  :[ فبعث الوليد مع الخادم بجيش واناس من ثقاته وخواصه فهدَمَ نصف المنارة من أعلاها، وأزيلت المرآة. فضج الناس من أهل الإسكندرية وغيرها، وعلموا أنها مكيدة وحيلة في أمرها، ولما علم الخادم استفاضة ذلك، وأنه سينمى إلى الوليد، وأنه قد بلغ ما يحتاج إليه هرب في الليل في مركب كان قد أعده، وواطأ قومأ على ذلك من أمره، فتمت حيلته، وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت- وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة- مروج الذهب ج1 ص376].

 

[أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبدالله بن عمر وبن العاص ، قال : عجائب الدنيا أربعة : مرآة كانت معلقة بمنارة الاسكندرية  فكان يجلس الجالس تحتها فيبصر من بالقسطنطنية وبينهما عرض البحر …-  الدر المنثور قال السيوطي ].

 

حائط العجوز :

 

 لو بقى هذا الحائط لكان من أكثر عجائب الدنيا ولكن سنكتفي بالإشارة فيما ورد عنه :

[قال ابن عبد الحكم ‏:‏ لما أغرق الله آل فرعون بقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد‏.‏ ولم يبق بها إلا العبيد والأجراء والنساء‏.‏ فاتفق من بمصر من النساء أن يولين منهم أحدًا وأجمع رأيهنّ أن يُوليَنّ امرأة منهنّ يقال لها‏:‏ دلوكة بنت زبا وكان لها عقل ومعرفة وتجارب وكانت في شرف منهنّ وموضع وهي يومئذ بنت مائة وستين سنة‏.‏ فملكوها فخافت أن يتناولها الملوك فجمعت نساء الأشراف وقالت لهنّ‏:‏ إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد ولا يمدّ عينه إليها وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم وقد رأيت أن أبني حصنًا أحدق به جميع بلادنا فأضع عليه المحارس من كل ناحية فإنا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس فبنت جدارًا أحاطت به على جميع أرض مصر كلها المزارع والمدائن والقرى وجعلت دونه خليجًا يجري فيه الماء وأقامت القناطر والترع وجعلت فيه محارس ومسالح على كل ثلاثة أميال محرس ومسلحة وفيما بين ذلك محارس صغار على كل ميل وجعلت في كل محرس رجالًا وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم آت يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض الأجراس فأتاهم الخبر من أي وجه كان في ساعة واحدة فنظروا في ذلك فمنعت بذلك مصر من أرادها وفرغت من بنائه في ستة أشهر وهو الجدار الذي يقال له‏:‏ جدار العجوز بمصر وقد بقيت بالصعيد منه بقايا كثيرة‏.‏

قال المسعودي وقيل‏:‏ إنما ينته خوفًا على ولدها وكان كثير القنص فخافت عليه سباع البرّ والبحر واغتيال من جاور أرضهم من الملوك والبوادي فحوّطت الحائط من التماسيح وغيرها‏.‏ وقد قيل غير ما وصفنا‏.‏ فملكتهم ثلاثين سنة في قول‏.‏ قال المؤلف رحمه اللّه‏:‏ قد بقي من حائط العجوز هذا في بلاد الصعيد بقايا‏.‏

أخبرني الشيخ المعمر محمد بن المسعودي‏:‏ أنه سار في بلاد الصعيد على حائط العجوز ومعه رفقة فاقتلع أحدهم منها لبنة فإذا هي كبيرة جدًا تخالف المعهود الآن من اللبن في المقدار فتناولها القوم واحدًا بعد واحد يتأملونها وبينما هم في رؤيتها إذ سقطت إلى الأرض فانفلقت عن حبة فول في غاية الكبر الذي يتعجب منه لعدم مثله في زماننا فقشروا ما عليها فوجدوها سالمة من السوس والعيب كأنها قريبة عهد بحصادها لم يتغير فيها شيء ألبتة فأكلها الجماعة قطعةً قطعةً‏.‏ وكأنها إنما خُبئت لهم من الزمن القديم والأعصر الخالية‏.‏

إنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها‏.‏ قال ابن عبد الحكم‏:‏ وكان ثم عجوز ساحرة يقال لها‏:‏ بدور وكانت السحرة تعظمها وتقدّمها في علمهم وسحرهم فبعثت إليها دلوكة ابنة زبا‏:‏ إنا قد احتجنا إلى سحرك وفزعنا إليك ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك فاعملي لنا شيئًا نغلب به من حولنا‏.‏ فقد كان فرعون يحتاج إليك فكيف وفد ذهب أكابرنا يعني في الغرق مع فرعون موسى وبقي أقلنا فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت لها أربعة أبواب كل باب منها إلى جهة القبلة والبحر والغرب والشرق وصوّرت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسفن والرجال وقالت لهم‏:‏ قد عملت لكم عملًا يهلك به كل من أرادكم من كل جهة تؤتون منها برًا أو بحرًا وهذا يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كل جهة فإنهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجالة تحركت هذه الصور من جهتهم التي يأتون منها فما فعلتم بالصور من شيء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما تفعلون بهم‏.‏ فلما بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صار إلى ولاية النساء طمعوا فيهم وتوجهوا إليهم فلما دنوا من عمل مصر تحرّكت تلك الصور التي في البربا فطفقوا لا يهيجون تلك الصور بشيء ولا يفعلون بها شيئًا إلا أصاب ذلك الجيش الذي كان أقبل إليهم مثله إن كان خيلًا‏.‏ فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة في البربا من قطع رؤوسها أو سوقها أو فقء عيونها أو بقر بطونها أثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم وإن كانت سفنًا أو رجالة فمثل ذلك وكانوا أعلم الناس بالسحر وأقواهم عليه وانتشر ذلك فتبادرهم الناس وكان نساء أهل مصر حين غرق فرعون وقومه ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال‏.‏ فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه وتتزوّج الأخرى أجيرها وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئًا إلا بإذنهنّ فأجابوهنّ في ذلك فكان أمر النساء على الرجال‏.‏ قال يزيد بن حبيب‏:‏ إنّ نساء القبط على ذلك إلى اليوم اتباعًا لمن مضى منهم‏.‏ لا يبيع أحد منهم ولا يشتري إلا قال‏:‏ استأمر امرأتي فملكتهم دلوكة بنت زبا عشرين سنة‏.‏ تدبر أمرهم بمصر حتى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم وأشرافهم يقال له‏:‏ دركون بن بلوطس فملكوه عليهم فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوًا من أربعمائة سنة‏.‏ وكلما انهدم من ذلك البربا الذي صوّر فيه الصور لم يقدر أحد على إصلاحه إلا تلك العجوز وولدها وولد ولدها وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم فانقطع أهل ذلك البيت وانهدم من البربا موضع في زمان لقاس بن مرنيوس‏.‏ فلم يقدر أحد على إصلاحه ومعرفة علمه وبقي على حاله وانقطع ما كان يقهرون به الناس‏.‏ وبقوا كغيرهم إلا أنّ الجمع كثير والمال عندهم‏.‏ فلما قدم بخت نصر بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل وسباهم وخرج بهم إلى أرض بابل قصد مصر وخرب مدائنها وقراها وسبى جميع أهلها ولم يترك بها شيئًا حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابًا ليس فيها ساكن يجري نيلها ويذهب لا ينتفع به ثم ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة فعمروها ولم تزل مقهورة من يومئذ‏.‏  النجوم الزاهرة ج1 ص 167] [ وفي  النجوم الزاهرة الزاهرة أيضاً :

ولما غرق فرعون ومن كان معه من الجنود خشي من بقي بأرض مصر من الذراري والنساء والصبيان والعبيد أن يغزوهم ملوك الشأم والمغرب فملكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم يقال لها‏:‏ دلوكة فبنت على ديار مصر حائطًا يحيط بجميع أرضها والبلاد وجعلت عليه المحارس والأجراس والرجال متصلة أصواتهم بقرب بعضهم من بعض وأثر هذا الحائط باق إلى هذا اليوم وسنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وهو يعرف بحائط العجوزة وقيل‏:‏ إنما بنته خوفًا على ولدها فإنه كان كثير الصيد فخافت عليه سباع البر والبحر واغتيال من جاوز أرضهم من الملوك فحوطت الحائط من التماسيح وغيرها وقد قيل في ذلك غير هذا أيضًا‏.‏

فملكتهم دلوكة المذكورة ثلاثين سنة واتخذت بمصر البرابي والصور وأحكمت آلات السحر وجعلت في البرابي صور من يرد من كل ناحية ودوابهم إبلًا كانت أم خيلًا وصورت فيها أيضًا من يرد في البحر من المراكب من بحر المغرب والشأم وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة وخواص الأحجار والنبات والحيوان وجعلت ذلك في أوقات حركات فلكية واتصالها بالمؤثرات العلوية فكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز أو اليمن عورت تلك الصور التي في البرابي من الإبل وغيرها فيتعور ما في ذلك الجيش وينقطع عنهم ناسه وحيوانه وإذا كان الجيش من نحو الشأم فعلت بتلك الصور أيضًا ما فعلت كما وصفنا وكذلك من أتاهم في المراكب فهابتهم الأمم والملوك ومنعوا ناحيتهم من عدوهم فاتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز إلى عدة أقطار ثم عرفت بمجيء الطوفان ثانية فخافت على هذه الصور والعلوم أن تذهب فبنت عدة برابٍ وجعلت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة وجعلت بنيانها نوعين‏:‏ طينًا وحجرًا وفرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر وقالت‏:‏ إن كان هذا الطوفان نارًا استحجر ما بنينا بالطين وبقيت هذه العلوم وإن كان الطوفان الوارد ماءً ذهب ما بنينا بالطين وبقي ما بنينا بالحجارة وإن كان الطوفان سيفًا بقي كلا النوعين‏.‏ – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة   ج1 ص 273 ] .

ذكر عجائب مصر العشرين

 

[ القاهرة ]

 

قال ابن ظهيرة عن عجائب مصر: وقال الجاحظ وغيره: عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة: منها بمصر عشرون، وعشر بسائر البلاد، وهي:

 

جامع دمشق، وكنيسة الرها، وقنطرة سنجر، وقصر غُمدان، وكنيسة، رومية، وصنم الزيتون بصقلية، وإيوان كسرى بالمدائن، وبيت الريح بتدمر، والأحجار الثلاثة ببعلبك، ذكر أنها بيت المشتري والزهرة، وأنه كان لكل كوكب من الكواكب السبعة بيت بها فتهدمت، والخورنق، والسدير بالحيرة، وكنيسة بيت لحم بالقدس. والكلام على هذه لا تسعه أوراق (كثيرة).

وأما عجائب مصر:

 

فالأولى:

كنيسة الأسقف بمنف.

 

الثانية:

مدينة عين شمس، قال الكندي: هي هيكل الشمس، بها قدمت زَلِيخا على يوسف عليه السلام القيص. وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا (من) بنائهما، وهما محمولان على وجه الأرض بغير أساس طولهما نحو السماء خمسون ذراعاً، فيهما صورة إنسان على دابة، وعلى رأسهما شبه الصومعتين من نحاس، فإذا جرى النيل محا وقطر الماء، وهما رصد لا تتجاوزهما الشمس في الانتهاء، فإذا دخلت أول دقيقة من الجدي، وهو أقصر يوم في السنة، انتهت إلى العمود الشمالي، فطلعت على قبة رأسه، ثم تطرد بينهما ذاهبة وجائية سائر السنة، ويرشح من رأسيهما ما يجري نحو أسفلهما، فينبت العوسج وغيره. وقال شيخنا المقريزي في كتابه “السلوك”: في رابع شهر رمضان من سنة ست وخمسين وست مئة سقطت إحدى هاتين المسلتين فوجد فيها نحو المئتي قنطار نحاس، وأخذ من رأسها عشرة آلاف دينار. ومن عجائبها أنها خربت في زمن الفتح، وإلى الآن تحمل حجارتها إلى كل البلاد بمصر ما فنيت. وبها يزرع البلسان ويخرج دهنه للنفط ونحوه ويجري منه الماء وليس هو في بلد.

الثالثة:

مولد ذي القرنين. وبها يقطع الرخام الأبيض والأبلق (وغلب عليه السحر).

الرابعة:

البرابي بإخميم، وأنصنا وقوص وأعمالها، (وبوصير وسمنود) وفيها الصور أمثال الفرسان والرجال ومعهم السلاح، وفيها صور السفن الصغار والكبار، وكان لا يتحرك أحد يريد مصر إلا ظهر (ذلك) في البرابي.

الخامسة:

حائط العجوز دلوكة، بنته حين ملكت مصر لتحصنها (به من الأعداء) وهو يحيط بمصر وأعمالها شرقاً وغرباً من حد رفح إلى أسوان إلى إفريقية إلى الواحات إلى بلد النوبة. وكان على كل ميل منه حرس في الليل يتبعه حرس، وهكذا في النهار، ويوقد فيه وقود لا تخبو ناره (وكانت البرابي من حصون

مصر، ولم يكن (بقى) من يحسن عملها، ولا كان إلا دلوكة العجوز وولديها).

السادسة:

بربا سمنود (البربا تعني المعابد) وما فيه من التماثيل والصور وأمثال قوم قد ملكوا مصر، وكم بقي، حتى ذكر بعض العلماء أنه رأى فيها قوماً عليهم الشاشات وبأيديهم الحراب ، وفيه مكتوب: هؤلاء يملكون مصر، وعن المأمون العدل قال: رأيت ببربا سمنود صورة عليها درقة فيها كتابة لا أعرفها، فنسختها في ورقة، فما كنت أستقبل بها أحداً إلاّ ولى هاربا.

السابعة:

بربا دندرة بصعيد مصر، فيه عدد (أيام) السنة كُوَى، تدخل الشمس في كل يوم كوّة ولا ترجع إلى مثله في قابل.

الثامنة:

منارة إسكندرية، طولها مئتا ذراع وثمانون ذراعا، وكان لها مرآة ترى فيها كل من يخرج من القسطنطينية.
التاسعة:

بها عمود الإعياء وهما عمودان ملقيان، وراء كل واحد حصى يأخذ الساعي سبع حصيات للتعب، ويستلقي على أحدهما، ثم يرمي وراءه بالسبع الحصيات، ويقوم ولا يلتفت ثم يمضي، فلا يحس شيئا. وعمد السواري بها باق إلى الآن.

العاشرة:

كنيسة في أسفل الأرض، مدينة على مدينة، لا يرى مثلها في الدنيا، وكذا بالإسكندرية.
الحادية عشرة: القبة الخضراء، وهي أعجب قبة ملبسة نحاساً كأنه الذهب الإبريز لا يبليه القدم، ولا تخلقه الدهور.

الثانية عشرة:

المنطقة المعروفة بصعيد مصر مشهورة متعالية، في بعض البساتين (بدشنى 133 سنطة) تهدد بالقطع فتذبل وتضمر، ثم يقال لها قد عفونا عنكم وتركناكم، فترجع وتخضر وتورق (وتفرش).

الثالثة عشرة:

الجبال التي بصعيد مصر على نيلها، وهي ثلاثة: جبل الكهف، وجبل الطيلمون، وعجائبه كثيرة، وجبل حباخير الساحرة، يقال إن فيه قطعة من الجبل ظاهرة مشرفة على النيل لا يصل إليها أحد، يلوح فيها خط بيّن (باسمك اللهم قدرته).

الرابعة عشر:

شعب البوقرات بناحية اشمون، وهو في جبل الكهف، فيه صدع تأتيه البوقرات في يوم في السنة معروف لكل طائر على الأرض، فيدخل كل طائر منقاره في ذلك الصدع ولا تزال كذلك إلى أن يمسك بمنقار واحد منها، فيموت، ويبقى معلقاً إلى أن تذروه الرياح، فتنصرف (جميع) الطيور حينئذ، وذلك مستمر باق إلى الآن، ويكون (ذلك) كالقربان لها.

الخامسة عشرة:

الحجر الذي يعدّي الناس في البحر، ويعود بآخرين، بنواحي دلالات.

السادسة عشر:

السمكة الرعادة، إذا وضع إنسان يده عليها لم يتمالك أن يضطرب جسمه اضطراباً شديداً.

السابعة عشرة:

الحيات العظام التي تبتلع الرجل ويكون مجراها في الأرض كخط محراث بثورين.

الثامنة عشرة:

حية معروفة عرض إصبع.

التاسعة عشرة:

بمصر مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره الله تعالى في القرآن (بقوله تعالى): (( وجعل بين البحرين حاجزا)) وهما: بحر الروم والصين، والحاجزين أيلة والقلزم والفرما، وبها العجائب في الوحوش في عظمها كثرتها ومصايد مصر من جميع جهاتها (الأربع).

العشرون:

الهرمان الكبيران في جانبها الغربي، وهما من عجائبها الظاهرة  ( ابن ظهيرة، جمال الدين محمد بن محمد، الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة، تحقيق كامل المهندس ومصطفى السقا، القاهرة: وزارة الثقافة، 1969، ص 149)

؟

(2)   تأثر المصريين القدماء بأخلاق الأنبياء ولذلك سادوا العالم بحسن خلقهم مع جميع الخلق :

وهذا عن الحضارة المصرية القديمة :

 

وأما عن الأخلاق عند الفراعنة وجدنا فيها من السموالأخلاقي ما يجعلنا على  يقن من تأثر هؤلاء بأخلاق الأنبياء الذين بدأوا عمارة الأرض من مصر وخاصة الوصايا العشر المتفق عليها بين الديانات الثلاثة السماوية وكذلك بقية الديانات الأرضية ولقد ظهر هذا السمو الأخلاقي الذي نسأل الله تعالى ان يهدي أمة محمد والعالم أليه من  خلال كتاب الموتى ووصية ماني الموجودة في متحف لندن وهى كما يلي :

 

– كتاب الموتى  عند الفراعنة والذي هو أعلى مقاماً من أخلاق  الكثير من مدعي الإسلام   الآن الذين يوهمون الناس بأن ما هم عليه من حقد وغلظة على بني آدم ممن خالفهم هو التوحيد الخالص   :

 

[… أنظر لقد أتيت إليك

أني أحضر العدالة غليك وأقصى الخطيئة عنك

إني لم أرتكب ضد الناس أي خطيئة

إني لم آت سوءا في مكان الحق

وإني لم أعرف أي خطيئة

إني لم ارتكب أي خبيث

وإني لم أفعل  ما يمقته الإله

وإني لم أبلغ ضد خادم شراً إلى سيده

وإني لم أترك أحداً يتضور جوعاً

ولم أتسبب في بكاء أي إنسان

وإني لم أرتكب القتل ولم آمر بالقتل

وإني لم أسبب تعساً لأي إنسان

إني لم أنقص طعاماً في المعابد

ولم أنقص قربان الآلهة

إني لم أغتصب طعاماً من قربان الموتى

إني لم أرتكب الزنا

إني لم أرتكب خطيئة تدنس نفسي داخل حرم إله البلدة الطاهرة

إني لم أخسر مكيال الحبوب

إني لم أنقص المقياس

إني لم أنقص مقياس الأرض

إني لم أثقل وزن الموازين

إني لم أحول كفتي الميزان

إني لم أغتصب لبناً من فم الطفل

إني لم أطرد الماشية من مرعاها

إني لم أنصب الشباك لطيور الآلهة

إني لم أتصيد السمك من بحيراتهم

إني لم أمنع المياه عن أوقاتها

إني لم أصنع سداً للمياه الجارية

إني لم أطفئ النار في وقتها (أي عند وقت نفعها)

إني لم أستول على قطعان هبات المعبد

إني لم أتدخل مع الإله في دخله – 272-273 فجر الضمير جيمس هنري برستيد ]

 

 وعن أعمال العنف التي يتبرأ منها المتوفى عند الفراعنة مايقوله في يوم حسابه :

[ إني لم أقتل رجالاً

إني لم أسرق

إني لم أتلصص

إني لم اسرق امرءا ينتحب على متاعه

ولم تكن ثروتي عظيمة إلا من ملكي الخاص

إني لم أغتصب طعاماً إني لم أبعث الخوف

إني لم أزك الشجار (الوقيعة بين الناس) .

 

هذا ونجد المتوفى كذلك ينكر الغش وغيره من الصفات المذمومة إذ يقول :

 

إني لم أنطق كذباً

إني لم أضع الكذب مكان الصدق

إني لم أكن أتصام عن كلمات الصدق

إني لم أنقص المكيال

ولم أكن طماعاً

وقلبي يلتهم (يعني يطمع)

ولم يكن قلبي متسرعاً

وإني لم أضاعف الكلمات عند التحدث

ولم يكن صوتي عالياً فوق ما يجب

وفمي لم يثرثر

ولم تأخذني حدة الغضب في طبعي

وإني لم أسب

ولم أكن متسمعاً

ولم أكن متكبرا     منفوخاً

كما كان المتوفى أيضاً بعيداً عن الرذائل الجنسية إذ يقول :

وإني لم أرتكب زناً مع امرأة

إني لم أرتكب ما يدنس عرضي

وكذلك ينكر المتوفى أيضاً مجاوزته للحدود الرسمية إذ يقول :

غني لم أعب في الذات الملكية

إني لم أسب الإله

إني لم أذبح الثور المقدس

إني لم أسرق هبات المعبد

إني لم أنقص طعام المعبد

إني لم أرتكب شيئاً تكرهه الآلهة – فجر الضمير – جيمس هنري برستيد  – ص 274- 276]

 

وفي بردية آني عندما يدخل قاعة الحساب أمام الإله الأعظم يقول لقلبه :

 

[ يا قلبي الذي أتيت من أمي

يا قلبي الخاص بكياني

لا تقفن شاهداَ ضدي

ولا تعارضني في المجلس (يعني محكمة العدل الإلهي)

ولا تكونن حرباً علي أمام رب الموازين ولا تدعن اسمي يصير منتن الرائحة في حضرة الإله – فجر الضمير جيمس هنري برستيد  ص 279 ] .

 

(3) شهادة الحكماء بعلم المصريين القدماء :

 

[ كان حكماء اليونانيين يصفون المصريين ويشهدون لهم بالحكمة فيقولون أخبرنا حكماء مصر بكذا وكذا وكانوا ينحون بكهانتهم نحو الكواكب ويزعمون أنها تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب وهى التي تعلمهم أسرار الطوالع وصفة الطلاسم وتدلهم على العلوم المكتوبة والأسماء الجليلة المخزونة فعملوا الطلسمات المشهورة والنواميس الجليلة وولدوا الأشكال الناطقة وصوروا الصور المتحركة زبنوا العالي من البنيان وزبروا علومهم في الحجارة وعملوا من الطلسمات ما دفعوا به الأعداء عن بلادهم فحكمهم باهرة وعجائبهم ظاهرة- الخطط للمقريزي ج2 ص515].

وهذا ماذكرته الأمم السالفة عن مصر والمصريين تماماً هو نفس مايقولونه عن الدكنور زويل الآن وهو ماسيقولونه إن شاء الله في غد  وذلك لأنها أرض مقدسة قدسها الله تبارك وتعالى  بخطاب موسى على عليه السلام في سينائها ونزل بها تقريباً كل أنبياء الله تعالى وأهل بيت النبي عليهم السلام لذلك قالت التوراة مبارك شعب مصر فإذا استدار الزمان فسد الخلق واقتربت الساعة تسلط الصهاينة عليها ليفسدوا أهلها واقتصادها حرباً منهم على دين الله  تعالى الذي نجاهم من فرعون .

 

الفصل 5:

 

ما ذكره العلماء في فضل مصر على سائر الأمصار :

 

قال ابن الكندي المتوفى ( 354 هـ )في كتابه فضل مصر :

 

[ وأما ذكر مصر وفضلها على غيرها من الأمصار وما خصت به وأوثرت به على غيرها، فروى أبو بصرة الغفاري قال: مصر خزانة الأرض كلها، وسلطانها سلطان الأرض كلها، قال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}. ولم تكن تلك الخزائن بغير مصر، فأغاث الله بمصر وخزائنها كل حاضر وباد من جميع الأرض.وجعلها الله تعالى متوسطة الدنيا، وهي في الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حر الإقليم الأول والثاني، ومن برد الإقليم الخامس والسادس والسابع، فطاب هواؤها، ونقي جوها وضعف حرها، وخف بردها، وسلم أهلها من مشاتي الجبال، ومصائف عمان، وصواعق تهامة، ودماميل الجزيرة، وجرب اليمن، وطواعين الشام، وغيلان العراق، وعقارب عسكر مكرم، وطلب البحرين، وحمى خيبر، وأمنوا من غارات الترك، وجيوش الروم وطوائف العرب، ومكائد الديلم، وسرايا القرامطة، وبثوق الأنهار، وقحط الأمطار، وقد اكتنفها معادن رزقها؛ وقرب تصرفها، فكثر خصبها، ورغد عيشها، ورخص سعرها.

وقال سعيد بن أبي هلال: مصر أم البلاد، وغوث العباد. وذكر أن مصر مصورة في كتب الأوائل، وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها. وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة.

وأجمع أهل المعرفة: أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها، ويطلبون الرزق بها، وأهلها لا يطلبون الرزق في غيرها، ولا يسافرون إلى بلد سواها، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا لغني أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا. ورى عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، حديث، يرفعه إلى الله عز وجل يقول يوم القيامة لساكني مصر فيما يعدد عليهم من نعمته ألم أسكنكم مصر، فكنتم تشبعون من خبزها وتروون من مائها، أمسكوا على أفواهكم. وقال يحيى بن سعيد: جلت البلاد فما رأيت الورع ببلد من البلدان أعرفه إلا بالمدينة وبمصر. وقال خالد بن يزيد: كان كعب الأحبار يقول: لولا رغبتي في الشام لسكنت مصر؛ فقيل: ولم ذلك يا أبا إسحاق؟ قال: إني لأحب مصر وأهلها؛ لأنها بلدة معافاة من الفتن، وأهلها أهل عافية، فهم بذلك يعافون، ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه. وروى عن شفي بن عبيد الأصبحي، أنه قال: مصر بلدة معافاة من الفتن لا يريدهم أحد بسوء إلا صرعه الله، ولا يريد أحد هلكهم إلا أهلكه الله. وذكر أهل العلم أنه مكتوب في التوراة: بلد مصر خزانة الله، فمن أرادها بسوء قصمه الله.وقال أبو الربيع السائح: نعم البلد مصر، يحج منها بدينارين، ويغزى منها بدرهمين. يريد الحج في بحر القلزم، والغزو إلى الإسكندرية وسائر سواحل مصر.وذكر يحيى بن عثمان، عن أحمد بن عبد الكريم، قال: جلت الدنيا، ورأيت أهلها، ورأيت آثار الأنبياء والملوك والحكماء، ورأيت بناء كسرى وقيصر وغيرهما من ملوك الأرض، ورأيت آثار سليمان بن داود عليهما السلام ببيت المقدس وتدمر، والأردن، وما بنته الشياطين بتدبير النبوة، فلم أر مثل برابي مصر على حكمتها، ولا مثل الآثار التي بها، والأبنية التي لملوكها وحكمائها ]   .

وقال المقريزي في فضائل مصر بكتابه الخطط :

[جاء في فضل مصر أحاديث روى عبد اللّه بن لهيعة من حديث عمرو بن العاص أنه قال‏:‏ حدّثني عمر أمير المؤمنين رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏”‏ إذا فتح اللّه عليكم بعدي مصر فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا فذلك الجند خير أجناد الأرض ‏”‏ قال أبو بكر ‏:‏ ولم ذلك يا رسول اللّه‏.‏ قال ‏”‏ لأنهم في رباط إلى يوم القيامة ‏”‏ لما وعن عمرو بن الحمق‏:‏ أن رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏‏.‏ تكون فتنة أسلم الناس فيها أو خير الناس فيها الجند الغربيّ‏.‏ ‏.‏‏”‏ قال‏:‏ فلذلك قدمت عليكم مصر وعن تبيع بن عامر الكلاعيّ قال‏:‏ أقبلت من الصائفة فلقيت أبا موسى الأشعريّ فقال لي‏:‏ من أين أنت‏.‏ فقلت‏:‏ من أهل مصر قال‏:‏ من الجند العربيّ‏.‏ فقلت‏:‏ نعم قال‏:‏ الجند الضعيف قال‏:‏ قلت‏:‏ أهو الضعيف قال‏:‏ نعم قال‏:‏ أما إنه ما كادهم أحد إلا كفاهم اللّه مؤنته اذهب إلى معاذ بن جبل حتى يحدّثك قال‏:‏ فذهبت إلى معاذ بن جبل فقال لي‏:‏ ما قال لك الشيخ فأخبرته فقال لي‏:‏ وأيّ شيء تذهب به إلى بلادك أحسن من هذا الحديث أكتبت في أسفل ألواحك فلما رجعت إلى معاذ أخبرني أن بذلك أخبره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وروى ابن وهب من حديث صفوان بن عسال قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏”‏فتح الله بابًا للتوبة في الغرب عرضه سبعون عامًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه‏”‏‏.‏

وروى ابن لهيعة من حديث عمرو بن العاص‏:‏ حدّثني عمر أمير المؤمنين رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏ إن اللّه عز وجل سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرًا فإنَّ لهم منكم صهرًا وذمّة‏.‏

وروى ابن وهب قال‏:‏ أخبرني حرملة بن عمران التجيبي عن عبد الرحمن بن شماسة المهريّ قال‏:‏ سمعت أبا ذر رضي اللّه عنه يقول‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏‏:‏ إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا فإنُّ لهم ذمّة ورحمًا فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فأخرجوا منها‏.‏

قال‏:‏ فمرَّ بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها وفي رواية‏:‏ ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فإذا افتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمّة ورحمًا أو قال‏:‏ ذمّة وصهرًا الحديث ورواه مالك والليث وزاد‏:‏ فاستوصوا بالقبط خيرًا‏.‏ أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي الطاهر عن ابن وهب‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ وكان يقال إنّ أمّ إسماعيل منهم قال الليث بن سعد‏:‏ قلت لابن شهاب‏:‏ ما رحمهم قال‏:‏ إن أمّ إسماعيل بن إبراهيم صلوات اللّه عليهما منهم وقال محمد بن إسحاق‏:‏ قلت للزهريّ‏:‏ ما الرحم التي ذكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ كانت هاجر أمّ إسماعيل منهم وروى ابن لهيعة من حديث أبي سالم الجيشاني‏:‏ أن بعض أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخبره أنه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏”‏ إنكم ستكونون أجنادًا وإن خير أجنادكم أهل الغرب منكم فاتقوا اللّه في القبط لا تأكلوهم أكل الخضر ‏”‏ وعن مسلم بن يسار‏:‏ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏ استوصوا بالقبط خيرًا فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال العدوّ ‏”‏ وعن يزيد بن أبي حبيب‏:‏ أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن حدّثه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود من جزيرة العرب وقال‏:‏ الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل اللّه ‏”‏ وروى ابن وهب عن موسى بن أيوب الغافقي عن رجل من الرّند‏:‏ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرض فاغمي عليه ثم أفاق فقال‏:‏ ‏”‏ استوصوا بالأدم الجعد ‏”‏ ثم أغمي عليه الثانية ثم أفاق فقال مثل ذلك ثم أغمي عليه الثالثة فقال مثل ذلك فقال القوم‏:‏ لو سألنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الأدم الجعد فأفاق فسألوه فقال‏:‏ ‏”‏ قبط مصر فإنهم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عدوّكم وأعوانكم على دينكم ‏”‏ قالوا‏:‏ كيف يكونون أعواننا على ديننا يا رسول اللّه قال‏:‏ ‏”‏ يكفونكم أعمال الدنيا وتتفرّغون للعبادة فالراضي بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم والكاره لما يؤتى إليهم من الظلم كالمتنزه عنهم ‏”‏ وعن عمرو بن حريب وأبي عبد الرحمن الحلبي أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏ إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم فاستوصوا بهم خيرًا فإنهم قوّة لكم وبلاغ إلى عدوّكم بإذن اللّه ‏”‏ يعني قبط مصر‏.‏

وعن ابن لهيعة‏:‏ حدّثني مولى عفرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الله الله في أهل المدرة السوداء السجم الجعاد فإن لهم نسبًا وصهرًا ‏”‏ قال عمرو مولى عفرة صهرهم أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تسرّى فيهم ونسبهم أن أمّ إسماعيل عليهم السلام منهم‏.‏قال ابن وهب‏:‏ فأخبرني ابن لهيعة أن أمّ إسماعيل هاجر من أمّ العرب قرية كانت أمام الفرما من مصر وقال مروان القصاص‏:‏ صاهر إلى القبط من الأنبياء ثلاثة‏:‏ إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام تسرّى هاجر ويوسف تزوّج بنت صاحب عين شمس ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم تسرّى مارية‏.‏

وقال يزيد بن أبي حبيب‏:‏ قرية هاجر باق التي عندها أمّ دنين وقال هشام‏:‏ العرب تقول‏:‏ هاجر وآجر فيبدلون من الهاء الألف كما قالوا‏:‏ هراق الماء وأراق الماء ونحوه‏.‏

وعن عمر بن الخطاب أنه قال‏:‏ الأمصار سبعة‏.‏ فالمدينة مصر والشأم مصر ومصر والجزيرة والبحرين والبصرة والكوفة‏.‏ وقال مكحول‏:‏ أول الأرض خرابًا أرمينة ثم مصر‏.

وقال عبد اللّه بن عمر‏:‏ وقبطة مصر أكرم الأعاجم كلها وأسمحهم يدًا وأفضلهم عنصرًا وأقربهم رحمًا بالعرب عامةً وبقريش خاصة ومن أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها وتنور ثمارها‏.‏

وقال كعب الأحبار‏:‏ من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا أخرقت وفي رواية‏:‏ إذا أزهرت‏.‏

ومن فضائل مصر‏:‏ أنه كان من أهلها السحرة وقد آمنوا جميعًا في ساعة واحدة ولا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط وكانوا في قول يزيد بن أبي حبيب وغيره اثني عشر ساحرًا رؤساء تحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفًا تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفًا ومائتين واثنين وخمسين إنسانًا بالرؤساء والعرفاء فلما عاينوا ما عاينوا أيقنوا أن ذلك من السماء وأن السحر لا يقوم لأمر اللّه فخرّ الرؤساء الإثنا عشر عند ذلك سُجدًا فأتبعهم العرفاء واتبع العرفاء من بقي وقالوا‏:‏ آمنا برب العالمين رب موسى وهارون‏.‏

قال تبيع‏:‏ كانوا من أصحاب موسى عليه السلام ولم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة العجل‏.‏

قال تبيع‏:‏ ما آمن جماعة قط في ساعة واحدة مثل جماعة القبط وقال كعب الأحبار‏:‏ مثل قبط مصر كالغيضة كلما قطعت نبتت حتى يخرّب اللّه عز وجل بهم وبصناعتهم جزائر الروم وقال عبد اللّه بن عمرو‏:‏ خلقت الدنيا على خمس صور‏:‏ على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه‏.‏ فالرأس مكة والمدينة واليمن‏.‏والصدر الشأم ومصر والجناح الأيمن العراق وخلف العراق أمّة يقال لها‏:‏ واق وخلف واق أمّة يقال لها‏:‏ واق واق وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل والجناح الأيسر السند وخلف السند الهند وخلف الهند أمّة يقال لها‏:‏ ناسك وخلف ناسك أمّة يقال لها‏:‏ منسك وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا اللّه عز وجل والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس وشرّ ما في الطير الذنب وقال الجاحظ‏:‏ الأمصار عشرة‏:‏ الصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والتحنيث ببغداد والعيّ بالري والجفا بنيسابور والحسن بهراة والطرمذة بسمرقند والمروءة ببلخ والتجارة بمصر والبخل بمرو الطرمذة‏:‏ كلام ليس له فعل وعن يحيى بن داخر الغافريّ أنه سمع عمرو بن العاص يقول في خطبته‏:‏ واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لمكث الأعداء حولكم ولإشراف قلوبهم إليكم وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية‏.‏

وعن عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ‏:‏ أنه قدم من الشأم إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال‏:‏ ما أقدمك إلى بلادنا قال‏:‏ كنت تحدّثني أن مصر أسرع الأرض خرابًا ثم أراك قد اتخذت منها وبنيت فيها القصور واطمأننت فيها قال‏:‏ إن مصر قد أوفت خرابها حطَّمها البخت نصر فلم يدع فيها إلا السباع والضباع فهي اليوم أطيب الأرضين ترابًا وأبعدها خرابًا ولا يزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرض بركة ويقال‏:‏ مصر متوسطة الدنيا قد سلمت من حرّ الإقليم الأوّل والثاني ومن برد الإقليم السادس والسابع ووقعت في الإقليم الثالث فطاب هواها وضعف حرّها وخف بردها وسلم أهلها من مشاتي الأهواز ومصايف عمان وصواعق تهامة ودماميل الجزيرة وجرب اليمن وطواعين الشأم وبرسام العراق وعقارب عسكر مكرم وطحال البحرين وحمى خيبر وأمنوا من غارات الترك وجيوش الروم وهجوم العرب ومكايد الديلم وسرايا القرامطة ونزف الأنهار وقحط الأمطار وبها ثمانون كورة ما فيها كورة إلا وبها طرائف وعجاب من أنواع البرّ والأبنية والطعام والشراب والفاكهة وسائر ما تنتفع به الناس وتدخره الملوك يعرف بكل كورة وجهاتها وينسب كل لون إلى كورة فصعيدها أرض حجازية حرّة حرّ العراق وينبت النخل والأراك والقرظ والدوم والعشر وأسفل أرضها شامي يمطر مطر الشأم وينبت ثمار الشأم من الكروم والزيتون واللوز والتين والجوز وسائر الفواكه والبقول والرياحين ويقع به الثلج والبرد‏.‏

وكورة الإسكندرية ولوبية ومراقيه براري وجبال وغياض تنبت الزيتون والأعناب وهي بلاد إبل وماشية وعسل ولبن‏.‏ وفي كل كورة من كور مصر مدينة في كل مدينة منها آثار كريمة من الأبنية والصخور والرخام والعجائب وفي نيلها السفن التي تحمل السفينة الواحدة منها ما يحمله خمسمائة بعير وكل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة يؤيد ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى‏: {‏ ‏”‏ وابعث في المدائن حاشرين ‏”‏ الشعراء 36 } .

ويعمل بمصر معامل كالتنانير يعمل بها البيض بصنعة يوقد عليه فيحاكي نار الطبيعة في حضانة الدجاجة لبيضها ويخرج من تلك المعامل الفراريج وهي معظم دجاج مصر ولا يتم عمل هذا بغير مصر‏.‏

وقال عمر بن ميمون‏:‏ خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتى بها فأمر بها أن تذبح ثم قال‏:‏ لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمس مائة ألف من القبط فاجتمعوا إليه فقال لهم فرعون‏:‏ إن هؤلاء لشرذمة قليلون وكان أصحاب موسى عليه السلام ستمائة ألف وسبعين ألفًا‏.‏

ووصف بعضهم مصر فقال‏:‏ ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء وثلاثة أشهر مسكة سوداء وثلاثة أشهر زمردة خضراء وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء فأما اللؤلؤة البيضاء فإن مصر في أشهر أبيب ومسرى وبوت يركبها الماء فترى الدنيا بيضاء وضياعها على روابي وتلال مثل الكواكب قد أحيطت بها المياه من كل وجه فلا سبيل إلى قرية من قراها إلا في الزوارق وأما المسكة السوداء فإن في أشهر بابه وهاتور وكيهك ينكشف الماء عن الأرض فتصير أرضًا سوداء وفي هذه الأشهر تقع الزراعات وأما الزمرذة الخضراء فإن في أشهر طوبه وامشير وبرمهات يكثر نبات الأرض وربيعها فتصير خضراء كأنها زمرذة وأما السبيكة الحمراء فإن في أشهر برمودة وبشنس وبؤنة يتورد العشب ويبلغ الزرع الحصاد فيكون كالسبيكة التي من الذهب منظرًا ومنفعة وسأل بعض الخلفاء الليث بن سعد عن الوقت الذي تطيب فيه مصر‏.‏

فقال‏:‏ إذا غاض ماؤها وارتفع وباها وجف ثراها وأمكن مرعاها وقال آخر‏:‏ نيلها عجب وأرضها ذهب وخيرها جلب وملكها سلب ومالها رغب وفي أهلها صخب وطاعتهم رهب وسلامهم شعب وحربهم حرب وهي لمن غلب‏.‏

وقال آخر‏:‏ مصر من سادات القرى ورؤساء المدن وفال زيد بن أسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{“‏ فإن لم يصبها وابل فطل ‏”‏ البقرة 265 }هي‏:‏ مصر إن لم يصبها مطر أزكت وإن أصلبها مطرًا ضعفت قاله المسعودي في تاريخه ويقال‏:‏ لما خلق اللّه آدم عليه السلام مثل له الدنيا شرقها وغربها وسهلها وجبلها وأنهارها وبحارها وبناءها وخرابها ومن يسكنها من الأمم ومن يملكها من الملوك فلما رأى مصر أرضًا سهلة ذات نهر جار مادّته من الجنة تنحدر فيه البركة ورأى جبلًا من جبالها مكسوًّا نورًا لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة في سفحه أشجار مثمرة وفروعها في الجنة تسقى بماء الرحمة فدعا آدم عليه السلام في النيل بالبركة ودعا في أرض مصر بالرحمة والبرّ والتقوى وبارك في نيلها وجبلها سبع مرّات وقال‏:‏ يا أيها الجبل المرحوم‏:‏ سفحك جنة وتربتك مسكة يدفن فيها غراس الجنة أرض حافظة مطيعة رحيمة لا خلتك يا مصر بركة ولا زال بك حفظ ولا زال منك ملك وعزيا أرض مصر فيك الخبايا والكنوز ولك البرّ والثروة وسال نهرك عسلًا كثر اللّه زرعك ودرّ ضرعك وزكى نباتك وعظمت بركتك وخصبت ولا زال فيك خير ما لم تتجبري وتتكبري أو تخوني فإذا فعلت ذلك عد النشر ثم يغور خيرك فكان آدم أوّل من دعا لها بالرحمة والخصب والرأفة والبركة‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ أن نوحًا عليه السلام دعا لمصر بن بيصر بن حام فقال‏:‏ اللهمّ إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي فريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقَوِّهم عليها‏.‏

وقال كعب الأحبار‏:‏ لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر فقيل له‏:‏ لِمَ فقال‏:‏ لأنها بلد معافاة من الفتن ومن أرادها بسوء أكبه اللّه على وجهه وهو بلد مبارك لأهله فيه‏.‏

وقال ابن وهب‏:‏ أخبرني يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن ابن أبي هلال‏:‏ أن كعب الأحبار كان يقول‏:‏ إني لأحب مصر وأهلها لأن مصر بلد معافاة وأهلها أصحاب عافية وهم بذلك مفارقون ويقال‏:‏ إن في بعض الكتب الإلاهية‏:‏ مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه اللّه تعالى‏.‏

وقال عمرو بن العاص‏:‏ ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة يعني إذا جمع الخراج مع الإمارة وقال أحمد بن مدبر‏:‏ تحتاج مصر إلى ثمانية وعشرين ألف ألف فدان وإنما يعمر منها ألف ألف فدّان وقد كشفت أرض مصر فوجدت غامرها أضعاف عامرها ولو اشتغل السلطان بعمارتها لوفت له بخراج الدنيا‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إنَّ خراج العراق لم يكن قط أوفر منه في أيام عمر بن عبد العزيز فإنه بلغ ألف ألف درهم وسبعة عشر ألف ألف درهم ولم تكن مصر قط أقل من خراجها في أيام عمرو بن العاص وأنه بلغ اثني عشر ألف ألف دينار وكانت الشامات بأربعة عشر ألف ألف سوى الثغور‏.‏

ومن فضائل مصر‏:‏ أنه ولد بها من الأنبياء موسى وهارون ويوشع عليهم السلام ويقال‏:‏ إن عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه أخذ على سفح الجبل المقطم وهو سائر إلى الشام فالتفت إلى أمّه وقال‏:‏ يا أمّاه هذه مقبرة أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ويذكر أنه ولد في قرية أناس من نواحي صعيد مصر وأنه كانت به نخلة يقال‏:‏ إنها النخلة المذكورة في القرآن بقوله سبحانه وتعالى‏:‏{ ‏”‏ وهزي إليك بجذع النخلة ‏”‏ مريم 25 }وهذا القول وهم فإنه لا خلاف بين علماء الأخبار من أهل الكتاب ومن يعتمد عليه من علماء المسلمين أن عيسى صلوات اللّه عليه ولد بقرية بيت لحم من بيت المقدس ودخل مصر من الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن وقد ذكر خبر ذلك عند ذكر خليج القاهرة من هذا الكتاب‏.‏

ودخلها أيضًا يعقوب ويوسف والأسباط وقد ذكر ذلك في خبر الفيوم ودخلها أرميا وكان من أهلها مؤمن آل فرعون الذي أثنى عليه اللّه جلّ جلاله في القرآن‏.‏

ويقال‏:‏ إنه ابن فرعون لصلبه وأظنه أنه غير صحيح وكان منها جلساء فرعون الذين أبان اللّه فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسى وهارون عليهما السلام لما استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالى‏:‏ {‏”‏ قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم ‏”‏ الشعراء 34 – 37 }وأين هذا من قول أصحاب النمرود في إبراهيم صلوات اللّه عليه حيث أشاروا بقتله قال تعالى حكاية عنهم‏:‏ ‏”‏ قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ‏”‏ الأنبياء 68 ومن أهل مصر امرأة فرعون التي مدحها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله‏:‏ {‏”‏ وضرب اللّه مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ‏”‏ التحريم 11}

ومن أهلها ماشطة بنت فرعون وآمنت بموسى عليه السلام فمشطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشط الكتان وهي ثابتة على إيمانها بالله‏.‏ وقال صاعد اللغوي في كتاب طبقات الأمم‏:‏ إن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأوّل الساكن بصعيد مصر الأعلى وهو أوّل من تكلم في الجواهر العلوية والحركات النجومية وهو أوّل من ابتنى الهياكل ومجد اللّه فيها وأوّل من نظر في علم الطب وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضية والسماوية وقالوا‏:‏ إنه أوّل من أنذر بالطوفان ورأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء والنار فخاف ذهاب العلم واندراس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي التي في صعيد مصر الأعلى وصوّر فيها جميع الصنائع والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصًا على تخليدها لمن بعده وخيفة أن يذهب رسمها من العالم وهرمس هذا هو‏:‏ إدريس عليه السلام .

وقال أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن الفرات في أخبار مصر‏:‏ إن الخضر جاز البحر مع موسى عليه السلام وكان مُقدّمًا عنده وكان بمصر من الحكماء جماعة ممن عمرت الدنيا بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم وكان من علومهم علم الطب وعلم النجوم وعلم المساحة وعلم الهندسة وعلم الكيمياء وعلم الطلسمات ويقال‏:‏ كانت مصر في الزمن الأوّل يسير إليها طلاب ومن فضائل مصر‏:‏ أنها تمير أهل الحرمين وتوسع عليهم ومصر فرضة الدنيا يحمل خيرها إلى ما سواها فساحلها بمدينة القلزم يحمل منه إلى الحرمين واليمن والهند والصين وعمان والسند والشحر وساحلها من جهة تنيس ودمياط والفرما فرضة بلاد الروم والإفرنج وسواحل الشام والثغور إلى حدود العراق وثغر إسكندرية فرضة أقريطس وصقلية وبلاد المغرب ومن جهة الصعيد يحمل إلى بلاد الغرب والنوبة والبجة والحبشة والحجاز واليمن وبمصر عدة من الثغور المعدة للرباط في سبيل الله تعالى وهي‏:‏ البراس ورشيد والإسكندرية وذات الحمام والبحيرة واخنا ودمياط وشطا وتنيس والأشتوم والفرما والواردة والعريش وأسوان وقوص والواحات فيغزى من هذه الثغور الروم والفرنج والبربر والنوبة والحبشة والسودان‏.‏

وبمصر عدّة مشاهد وكثير من المساجد وبها النيل والأهرام والبرابي والأديار والكنائس وأهلها يستغنون بها عن كل بلد حتى أنه لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسوره لاستغنى أهلها بما فيها عن جميع البلاد‏.‏

وبمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته وصارت ملوك الأرض تطلبه من مصر وتعتني به وملوك النصرانية تترامى على طلبه والنصارى كافة تعتقد تعظيمه وترى أنه لا يتم تنصر نصرانيّ إلا بوضع شيء من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها وبها السقنقور ومنافعه لا تنكر وبها النمس والعرس ولهما في أكل الثعابين فضيلة لا تنكر فقد قيل‏:‏ لولا العرس والنمس لما سكنت مصر من كثرة الثعابين وبها السمكة الرعادة ونفعها في البرء من الحمى إذا علقت على المحموم عجيب وبمصر حطب السنط ولا نظير له في معناه فلو وقد منه تحت قدر يومًا كاملًا لما بقي منه رماد وهو مع ذلك صلب الكسر سريع الاشتعال بطيء الخمود‏.‏

ويقال‏:‏ إنه أبنوس غيرته بقعة مصر فصار أحمر‏.‏

وبها الأفيون عصارة الخشخاش ولا يجهل منافعه إلا جاهل وبها البنج وهو ثمر قدر اللوز الأخضر كان من محاسن مصر إلا أنه انقطع قبل سنة سبعمائة من الهجرة وبها الأترج‏.‏

قال أبو داود صاحب السير في كتاب الزكاة‏:‏ شبرتُ قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبرًا ورأيت أترجة على بعير قطعتين وصيرت مثل عدلين‏.‏

قال المسعودي في التاريخ‏:‏ والأترج المدوّر حمل من أرض الهند بعد الثلاثمائة من سني الهجرة وزرع بعمان ثم نقل منها إلى البصرة والعراق والشام حتى كثر في دور الناس بطرسوس وغيرها من الثغور الشامية وفي أنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر وما كان يعهد ولا يعرف فعدمت منه الأراهج الحمراء الطيبة واللون الحسن الذي كان فيه بأرض الهند لعدم ذلك الهواء والتربة وخاصية البلد‏.‏

وفي مصر معدن الزمرد ومعدن النفط والشب والبرام ومقاطع الرخام ويقال‏:‏ كان بمصر من المعادن ثلاثون معدنًا وأهل مصر يأكلون صيد بحر الروم وصيد بحر اليمن طريًا لأن بين البحرين مسافة ما بين مدينة القلزم والفرما وذلك يوم وليلة وهو الحاجز المذكور في القرآن قال تعالى‏:‏ ‏”‏ وجعل بين البحرين حاجزًا ‏”‏ النمل 61 قيل‏:‏ هما بحر الروم وبحر القلزم وقال تعالى‏:‏{ ‏”‏ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ‏”‏ الرحمن 19‏ـ 20 }‏  . قال بعض المفسرين‏:‏ البرزخ ما بين القلزم والفرما‏.‏

ومن محاسن مصر‏:‏ أنه يوجد بها في كل شهر من شهور السنة القبطية صنف من المأكول والمشموم دون ما عداه من بقية الشهور فيقال‏:‏ رطب توت ورمان بابه وموزها تور وسمك كيهك وماء طوبة وخروف امشير ولبن برمهات وورد برمودة ونبق بشنس وتين بؤنة وعسل أبيب وعنب مسرى ومنها‏:‏ أن صيفها خريف لكثرة فواكهه وشتاءها ربيع لما يكون بمصر حينئذٍ من القرظ والكنان‏.‏

ومن محاسنها‏:‏ أن الذي ينقطع من الفواكه في سائر البلدان أيام الشتاء يوجد حينئذ بمصر‏.‏

ومنها‏:‏ أن أهل مصر لا يحتاجون في حرّ الصيف إلى استعمال الخيش والدخول في جوف الأرض كما يعانيه أهل بغداد ولا يحتاجون في برد الشتاء إلى لبس الفرو والاصطلاء بالنار الذي لا يستغني عنه أهل الشام‏.‏

كما أنهم أيضًا في الصيف غير محتاجين إلى استعمال الثلج ويقال‏:‏ زبرجد مصر وقباطي مصر وحمير مصر وثعابين مصر ومنافعها في الدرياق جليلة‏.‏

ومن فضائل مصر‏:‏ أن الرخامة التي في الحجر من الكعبة من مصر بعث بها محمد بن طريف مولى العباس بن محمد في سنة إحدى وأربعين ومائتين مع رخامة أخرى خضراء هدية للحجر فجعلت إحدى الرخامتين على سطح جُدُر الكعبة وهما من أحسن الرخام في المسجد خضرة وكان المتولي عليهما عبد اللّه بن محمد بن داود ذرعها ذراع وثلاث أصابع‏.‏

قاله الفاكهي في أخبار مكة ‏.‏

ومن فضائل مصر‏ :‏ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تسرّى من أهلها وولد له صلى الله عليه وسلم من نساء مصر ولم يولد له ولد من غير نساء العرب إلا من نساء مصر‏.‏

قال ابن عبد الحكم‏:‏ لما كانت سنة ست من مهاجر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورجع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الحديبية بعث إلى الملوك فمضى حاطب بن أبي بلتعة بكتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلما انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر فركب البحر فلما حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه فلما رآه أمر بالكتاب فقبض وأمر به فأوصل إليه فلما قرأ الكتاب قال‏:‏ ما منعه إن كان نبيًا أن يدعو عليّ فيسلط عليّ‏.‏

فقال له حاطب‏:‏ ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل فوجم ساعة ثم استعادها فأعادها عليه حاطب فسكت فقال له حاطب‏:‏ إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلى فانتقم الله به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك ولا تعتبر بك وإن لك دينًا لن تدعه إلا لما هو خير فيه وهو الإسلام الكافي لنبيه عمَّا سواه وما بشارة موسى بعيسى إلى كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به‏.‏

ثم قرأ الكتاب فإذا فيه‏:‏ بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد‏:‏ فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون اللّه فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون فلما قرأه أخذه فجعله في حق من عاج وختم عليه‏.‏

وعن أبان بن صالح قال‏:‏ أرسل المقوقس إلى حاطب ليلةً وليس عنده أحد إلا الترجمان فقال له‏:‏ ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها فإني أعلم أن صاحبك قد تخيرك حين بعثك قلت‏:‏ لا تسألني عن شيء إلا صدقتك قال‏:‏ إلى ما يدعو محمد‏.‏

قال‏:‏ إلى أن تعبد اللّه ولا تشرك به شيئًا وتخلع ما سواه ويأمر بالصلاة‏.‏

قال‏:‏ فكم تصلون‏.‏

قال‏:‏ خمس صلوات في اليوم والليلة وصيام شهر رمضان وحج البيت والوفاء بالعهد وينهى عن أكل الميتة والدم‏.‏

قال‏:‏ من أتباعه قال‏:‏ الفتيان من قومه وغيرهم‏.‏

قال‏:‏ وهل يقبل قوله قال‏:‏ نعم قال‏:‏ صفه لي‏.‏

قال‏:‏ فوصفته بصفة من صفته ولم آت عليها قال‏:‏ قد بقيت أشياء لم أرك ذكرتها في عينيه حمرة قلَّ ما تفارقه وبين كتفيه خاتم النبوّة يركب الحمار ويلبس الشملة ويجتزي بالتمرات والكسر لا يبالي من لاقى من عمّ ولا ابن عمّ قلت‏:‏ هذه صفته قال‏:‏ قد كنت أعلم أن نبيًا بقي وقد كنت أظنّ أن مخرجه الشام وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله فأراه قد خرج في أرض العرب في أرض جهد وبؤس والقبط لا تطاوعني في أتباعه ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك وسيظهر على البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفًا فارجع إلى صاحبك‏.‏

قال‏:‏ ثم دعي كاتبًا يكتب بالعربية فكتب‏:‏ لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط سلام‏.‏

أما بعد‏:‏ فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيًا قد بقي وقد كنت أظن أن نبيًا يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وأهديت إليك بغلةَ لتركبها والسلام‏.‏

وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال‏:‏ لما مضى حاطب بكتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبل المقوقس الكتاب وأكرم حاطبًا وأحسن نزله ثم سرَّحه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأهدى له كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أمّ إبراهيم ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدري فهي أمّ زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر ويقال‏:‏ بل وهبها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة الأنصاريّ ويقال‏:‏ بل لدحية بن خليفة الكلبي وقيل‏:‏ بل لحسان بن ثابت‏.‏

وعن يزيد بن أبي حبي‏:‏ أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضمه إلى صدره وقال‏:‏ هذا زمان يخرج فيه النبيّ الذي نجد نعته وصفته في كتاب اللّه تعالى وإنا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين في ملك يمين ولا نكاح وأنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة وأن جلساءه المساكين وإن خاتم النبوّة بين كتفيه ثم دعا رجلًا عاقلًا ثم لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها وهما من أهل جَفن بفتح أوّله وسكون ثانيه ثم نون بعده من كورة انصنا فبعث بهما إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأهدى له بغلة شهباء وحمارًا أشهب وثيابًا من قباطي مصر وعسلًا من عسل بنها وبعث إليه بمال صدقة‏.‏

ويقال‏:‏ إن المقوقس أهدى إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أربع جواري وقيل‏:‏ جاريتين وبغلة اسمها الدلدل وحمارًا اسمه يعفور وقبأ وألف مثقال ذهبًا وعشرين ثوبًا من قباطي مصر وخصيًا يسمى مايور ويقال‏:‏ إنه ابن عمّ مارية وفرسًا يقال له‏:‏ الكرّار وقدحًا من زجاج وعسلًا من عسل بنها فأعجب النبيّ صلى الله عليه وسلم ودعا فيه بالبركة وقال‏:‏ ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه فإن المقوقس قال خيرًا وأكرم حاطب ابن أبي بلتعة وقارب وقال ابن سعد‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر الواقديّ‏:‏ أنبأنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال‏:‏ أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في سنة سبع من الهجرة مارية وأختها سيرين وألف مثقال ذهبًا وعشرين ثوبًا وبغلته الدلدل وحماره عفيرًا وخصيًا يقال له‏:‏ مابور فعرض حاطب على مارية الإسلام فأسلمت هي وأختها ثم أسلم الخصي بعد وكان الذي بعثه المقوقس مع مارية اسمه جبرين بن عبد اللّه القبطي‏.‏

مولى بني عفار‏.‏

قال ابن عبد الحكم‏:‏ وأمر رسوله أن ينظر من جلساؤه وينظر إلى ظهره هل يرى شامة كبيرة ذات شعر ففعل ذلك الرسول فلما قدم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قدّم إليه الأختين والدابتين والعسل والثياب وأعلمه أن ذلك كله هدية فقبل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الهدية وكان لا يردّها من أحد من الناس‏.‏

قال‏:‏ فلما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه وكره أن يجمع بينهما وكانت إحداهما تشبه الأخرى فقال‏:‏ اللهم اختر لنبيك فاختار اللّه له مارية‏.‏

وذلك أنه لما قال لهما‏:‏ ‏”‏ اشهدا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله ‏”‏ فبادرت مارية فشهدت وآمنت قبل أختها ومكثت أختها ساعة ثم تشهدت وآمنت فوهب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أختها لمحمد بن مسلمة الأنصاريّ وقال بعضهم‏:‏ بل وهبها لدحية بن خليفة الكلبيّ‏.‏

وعن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شامة المهري عن عبد اللّه بن عمر قال‏:‏ دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على أمّ إبراهيم أمّ ولده القبطية فوجد عندها نسيبًا لها كان قدم معها من مصر وكان كثيرًا ما يدخل عليها فوقع في نفسه شيء فرجع فلقيه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فعرف ذلك في وجهه فسأله فأخبره فأخذ عمر السيف ثم دخل على مارية وقريبها عندها فأهوى إليه بالسيف فلما رأى ذلك كشف عن نفسه وكان مجبوبًا ليس بين رجليه شيء‏.‏

فلما رآه عمر رجع إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ أن جبريل أتاني فأخبرني أن الله عز وجل قد برّأها وقريبها وإن في بطنها كلامًا مني وأنه أشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم ‏”‏‏.‏

وقال الزهري عن أنس‏:‏ لما ولدت أمّ إبراهيم إبراهيم كأنه وقع في نفس النبيّ صلى الله عليه وسلم منه شيء حتى جاءه جبريل فقال‏:‏ السلام عليك يا أبا إبراهيم ويقال‏:‏ إن المقوقس بعث معها بخصيّ كان يأوي إليها وقيل‏:‏ إن المقوقس أهدى لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم جواري منهنّ أمّ إبراهيم وواحدة وهبها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حذيفة وواحدة وهبها لحسان بن ثابت فولدت مارية لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم إبراهيم‏.‏

وكان أحب الناس إليه حتى مات فوجد به وكان سنه يوم مات ستة عشر شهرًا وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه وسمى البغلة الدلدل وسمى الحمار يعفورًا وأعجبه العسل فدعا في عسل بنها بالبركة وبقيت تلك الثياب حتى كفن في بعضها صلى الله عليه وسلم وكان اسم أخت مارية قيصر وقيل‏:‏ بل كان اسمها سيرين وقيل‏:‏ حمنة‏.‏

وكلم الحسن بن عليّ معاوية بن أبي سفيان في أن يضع الجزية عن جميع قرية أمّ إبراهيم لحرمتها ففعل ووضع الخراج عنهم فلم يكن على أحد منهم خراج وكان جميع أهل القرية من أهلها وأقربائها فانقطعوا‏.‏

ويروى عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏”‏ لو بقي إبراهيم ما تركت قبطيًا إلا وضعت عنه الجزية ‏”‏ وماتت مارية في محرّم سنة خمس عشرة بالمدينة‏.‏ ‏ – المواعظ والإعتبار ج1 من ص6-167].

فضل  جبل المقطم  : وهو على إسم ولد من أولاد نبي الله نوح عليه السلام :

ويقال‏:‏ إنه عرف بمقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام‏.‏

وجبل المقطم‏:‏ يمرّ على جانبي النيل إلى النوبة ويعبر من فوق الفيوم فيتصل بالغرب إلى أرض وقال إبراهيم بن وصيف شاه‏:‏ وذكر مجيء مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح إلى أرض مصر وكشف أصحاب إقليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومهم التي هي بخط البرابي وآثارهم والمعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج وغير ذلك‏.‏

ووصفوا لهم عمل الصنعة يعني الكيمياء فجعل مصرايم أهلها إلى رجل من أهل بيعة يقال له‏:‏ مقيطام الحكيم فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي فسمي به‏:‏ المقطم من أجل أنَّ مقيطام الحكيم كان يعمل فيه الكيمياء واختصر من اسمه وبقي ما يدل عليه فقيل له‏:‏ جبل المقطم يعني جبل مقيطام الحكيم‏.‏

وقال البكري رحمه اللّه تعالى عليه‏:‏ المقطم بضم أوّله وفتح ثانيه وتشديد الطاء المهملة وفتحها‏:‏ جبل متصل بمصر يوارون فيه موتاهم‏.‏-المواعظ والإعتبارج1 .

وذكر عمر بن أبي عمر الكندي في فضائل مصر‏:‏ أن عمرو بن العاص رضي الله عنه سار في سفح الجبل المقطم ومعه المقوقس فقال له‏:‏ ما لجبلكم هذا أقرع أليس به نبات كجبال الشام فلو شققنا في أسفله نهرًا من النيل وغرسناه نخلًا فقال المقوقس‏:‏ وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارًا ونباتًا وفاكهة وكان منزل المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام أوحى اللّه إلى الجبال إني مكلم نبيًا من أنبيائي على جبل منكم فسمت الجبال كلها وتشامخت إلا جبل بيت المقدس فإنه هبط وتصاغر فأوحى اللّه إليه لم فعلت ذلك‏.‏- المواعظ والإعتبار للمقريزي الجزء الأول ] .

و [ قال ابن ظهيرة عن الجبل المقطم والبقاع الشريفة بمصر: وبمصر من البقاع الشريفة الجبل المقطم، والوادي المقدس، وبها الطور، وبها ألقى موسى عصاه، وبها انفلق البحر لموسى، وبها النخلة التي أُمرت مريم بهزها، وبها النخلة التي أُمرت أن تضع عيسى تحتها فلم يثمر غيرها، وهي بالجيزة. وبها الجميزة التي صلى تحتها موسى، وهي بطرا.

وأما الطور المقدس الذي كلم الله موسى عليه السلام عليه من جبلها المقطم فهو داخل فيها، وقد وقع فيه التقديس، كما قال كعب الأحبار، قال تعالى: “وناديناه من جانب الطور الأيمن”. وقال تعالى: “إنك بالوادي المقدس طوى”. قال سعيد بن عفير: لما فر موسى من منف خوفاً من فرعون دخل طوى، فكانت كل شجرة فيه إذا سجد تسجد معه، شكراً لله عز وجل، ولذلك ترى كل شجرة بطوى منكسة على القبلة، وأن موسى عليه السلام ناجى ربه بوادي المقطم : وقال عمرو بن العاص للمقوقس: ما بال جبلكم هذا أقرع لا نبات فيه كجبال الشام، فلو شققنا في سفحه نهراً من النيل، وغرسنا فيه نخلا؟ فقال المقوقس: إنا وجدنا في الكتاب أنه كان أكثر الجبال أشجارا (ونبتاً وفاكهة)، فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى أوحى إلى الجبال: إني مكلم نبياً من أنبيائي على جبل منكم، فسمت الجبال وتشامخت، إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتواضع ، فأوحى الله إليه: لم فعلت ذلك؟ وهو به أعلم. قال: إعظاماً وإجلالاً لك يا رب، فأمر الله عز وجل الجبال أن يَحْوُّه كل جبل بما عليه من النبات، فجادله المقطم بكل ما عليه، حتى بقي كما ترى، فأوحى الله إليه: إني معوضك على فعلك بشجر الجنة، أو بغراس الجنة.

وكان المقوقس أراد أن يبتاع سفح الجبل المقطم من عمرو بعشرين ألف دينار، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب (بذلك)، وأخبره أنها أرض لا نبات فيها، وأن المقوقس أخبره أنه وجد في الكتب أنها غراس أهل الجنة. فكتب عمر رضي الله عنه إلى عمرو: لا أعرف غراس الجنة غير المؤمنين، فاجعلها مقبرة لهم. فأول من حفر فيها رجل يقال له عامر، فقال له عمرو: عمرت إن شاء الله تعالى، فغضب المقوقس وقال: ما على هذا صالحتني، فعوضه عن ذلك بأرض الحبش، فدفن فيها النصارى.

وسأل كعب الأحبار رجلاً، مراده السفر إلى مصر، أن يهدي له من تربتها، (فلما حضر الرجل أهدى له من ذلك)، فلما حضر كعب الأحبار الموت أوصى أن يفرش ذلك التراب في قبره. وفعل مثل ذلك عمر بن عبد العزيز. وروى عن كعب الأحبار رضي الله عنه أنه قال لبعض أهل مصر، لما قاله له: هل لك من حاجة؟ قال: (نعم، جراب) من تراب سفح المقطم، يعني جبل مصر. قال: فقلت له: يرحمك الله، وما تريد به؟ قال: أضعه في قبري. فقال له: تقول هذا وأنت بالمدينة، وقد قيل في البقيع ما قيل؟ قال: إنا نجد في الكتاب الأول أنه مقدس (ما بين القصير إلى اليحموم).

وسمي المقطم لأن المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام كان ينزله (واليحموم: الجبل المطل على القاهرة). وقال الحسن البصري: يحشر منه الشهداء يوم يحشر الخلق إلى الجبار، (من رعاة الحق سبعون ألف ملك وشهيد، مطهرا من ذنبه؛ مشفعاً في القول عند ربه). قال ابن زولاق: ودفن بمصر من أمرائها اثنان وسبعون، أولهم عمرو بن العاص، (وآخرهم كافور)   –  ابن ظهيرة، جمال الدين محمد بن محمد، الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة، تحقيق كامل المهندس ومصطفى السقا، القاهرة: وزارة الثقافة، 1969، ص 107- 109 ] .

فضل مقبرة مصر

وأما فضل مقبرتها فذكر أهل العلم أن الطور من المقطم وأنه داخل فيما وقع عليه القدس في قوله تعالى: {وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً}. وقال تعالى: {إنك بالواد المقدس طوىً}.

ورد في كتاب قوانين الدوواوين للأسعد مماتي :  [ ذكر أهل العلم أن الطور من المقطم قال تعالى { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا – مريم 19} وقال تعالى {إنك بالوادي المقدس طوى – طه 20 } وقال كعب الأحبار ” كلم الله موسى عليه السلام من الطجور إلى طرا ” وروى أن موسى سجد فسجد معه كل شجرة من المقطم إلى طرا وفي التوراة ” واد أفيح مقدس ” يريد وادي مسجد موسى بالمقطم – كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي وزير الدولة الأيوبية – سلسلة الذخائر هيئة قصور الثقافة كتاب رقم 209 ص82-83] .

قال كعب : كلم الله تعالى موسى من الطور إلى أطراف المقطم من القدس، وقال تبيع: منازل الفسطاس في القدس. وروى أن موسى عليه السلام سجد، فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى طوى.

 

وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة، فجلسنا حوله، فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل، فقال: إن عيسى بن مريم عليه السلام مر بسفح هذا الجبل، وعليه جبة صوف، وقد شد وسطه بشريط، وأمه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أماه هذه مقبرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

 

وبينما عمرو بن العاص يسير في سفح المقطم ومعه المقوقس، فقال له عمرو: ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام، فلو شققنا في أسفله نهراً من النيل وغرسناه نخلا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجاراً ونباتاً وفاكهة، وكان ينزله المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام، فلما كانت الليلة التي كلم الله تعالى فيها موسى عليه السلام، أوحى إلى الجبال؛ إني مكلم نبياً من أنبيائي على جبل منكم، فسمعت الجبال كلها وتشامخت، إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، فأوحى الله تعالى إليه لم فعلت ذلك؟ وهو به أخبر، فقال: إعظاماً وإجلال لك يا رب! قال: فأمر الله الجبال أن يحيوه، كل جبل مما عليه من النبت، وجاد له المقطم بكل ما عليه من النبت حتى بقى كما ترى، فأوحى الله تعالى إليه إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غراسها، فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فكتب إليه: إني لا أعلم شجر الجنة أو غراسها لغير المسلمين، فاجعله لهم مقبرة، ففعل، فغضب المقوقس من ذلك، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني! فقطع له عمر قطيعاً نحو بركة الحبش يدفن فيه النصارى. وروى عبد الله بن لهيعة عن عياش بن عباس أن كعب الأحبار سأل رجلا يريد السفر إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها، فأتاه منه بجراب، فلما حضرت كعباً الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه.

والإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحجرها، ولا أعجب تربة منها، كأنها الكافور والزعفران مقدسة في جميع الكتب، وحين تشرف عليها تراها كأنها مدينة بيضاء، والمقطم عال عليها كأنه حائط من ورائها.

 

كور مصر

 

ذكر ابن الكندي في كتابه  :

 

[ وبمصر ثمانون كورة، ليس منها كورة إلا وفيها طرائف وعجائب من أصناف البر والأبنية والنتاج والشراب والطعام والفاكهة وجميع ما ينتفع به الناس، ويدخره الملوك، يعرف كل صنف من كورته، وينسب كل لون إلى كورته، وصعيدها أرض حجازية، حرها كحر الحجاز، تنبت النخل والأراك والقرط والدوم والعشر، وأسفل أرضها شامي تمطر مطر الشام، وتنبت نبات الشام من الكرم والتين والموز والجوز وسائر الفاكهة، والبقول والرياحين، ويقع به الثلج .

ومنها كورة لوبية ومراقية برابى وجبال وغياض، وزيتون وكروم برية بحرية جبلية، بلاد إبل وماشية، ونتاج وعسل ولبن وفي كل كورة من مصر مدينة، قال تعالى: {وابعث في المدائن حاشرين}.

وفي كل مدينة منها آثار عجيبة من الأبنية والصخور والرخام والبرابي، وتلك المدن كلها تأتي من السفن تحمل الطعام والمتاع والآلات إلى الفسطاط تحمل السفينة الواحدة ما يحمله خمسمائة بعير.

ومنها: الإسكندرية في أبنيتها وعجائبها وآثارها، وأجمع الناس أنه ليس في الدنيا مدينة على ثلاث طبقات غيرها، ولما دخلها عبد العزيز بن مروان وهو إذ ذاك أمير مصر، قال لعاملها حين رأى آثارها وعجائبها: أخبرني كم كان عدد أهلها في أيام الروم؟ قال: والله أيها الأمير ما أدرك علم هذا أحد من الملوك قط، ولكن أخبرك كم كان فيها من اليهود، فإن ملك الروم أمر بإحصائهم فكانوا ستمائة ألف. قال: فما هذا الخراب الذي في أطرافها؟ قال: بلغني عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر، أنه أمر بفرض دينار على كل محتلم لعمران الإسكندرية، فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم، وقالوا: أيها الملك لا تتعب، فإن ذا القرنين الإسكندر أقام على بنائها ثلاثمائة سنة. ولقد أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون فيها نهاراً إلا بخرق سود في أيديهم، خوفاً على أبصارهم من شدة بياضها.

ومن فضائلها ما قاله المفسرون من أهل العلم: إنها المدينة التي وصفها الله تعالى في كتابه الكريم، فقال: {إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد}.

وقال أحمد بن صالح: قال لي سفيان بن عيينة: يا مصري، أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط، قال: أتأتي الإسكندرية؟ قلت: نعم، قال لي: تلك كنانة الله يحمل فيها خير سهامه.

وقال عبد الله بن مرزوق الصدفي: لما نعى إلي ابن عمي خالد بن يزيد وكان توفي بالإسكندرية لقيني موسى بن علي بن رباح، وعبد الله بن لهيعة والليث بن سعد متفرقين، كلهم يقولون: أليس مات بالإسكندرية! فأقول: بلى فيقولون: هو حي عند الله يرزق، ويجري عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك.

ومن عجائبها المنارة، وطولها مائتان وثمانون ذراعاً، وكان لها مرآة ترى فيها من يمر بالقسطنطينية.

وفيها الملعب الذي كانوا يجتمعون فيه، لا يرى أحدهم شيئاً دون صاحبه ولا يتظالمون، ينظر وجه كل واحد منهم تلقاء وجه صاحبه، إن عمل أحدهم شيئاً أو تكلم أو قرأ كتاباً أو لعب لوناً من الألوان سمعه الباقون، ونظر إليه القريب والبعيد سواء.وفيه كانوا يترامون بالكرة، فمن دخلت كمه ولي مصر، وكان عمرو بن العاص قد دخل تاجراً في الجاهلية بالأدم والقطن، فشهد هذا الملعب فيمن ينظر، فدخلت الكرة كمه، فأنكروا ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط! أنى لهذا الأعرابي بولاية مصر! فأعادوها، فعادت الكرة إلى كمه مرات فتعجبوا من ذلك، إلى أن جاء الله بالإسلام، وكان من أمره ما كان.

وبها السواري والمسلتان، وعجائبهما و آثارهما أكثر من أن تحصى، حتى إن خليجها مبلط بالرخام من أوله إلى آخره يوجد كذلك إلى اليوم.

وقال الذين ينظرون في الأعمار والأهوية والبلدان بمريوط من كورة الإسكندرية، ووادي فرغانة.

وذكر أهل العلم أن المنارة كانت في وسط الإسكندية حتى غلب عليه البحر، فصارت في جوفه، ترى الأبنية والأساسات في البحر عياناً إلى يوم القيامة.

ومنها كورة الفيوم: وهي ثلاثمائة وستون قرية، دبرت على عدد أيام السنة لا تقصر عن الري، فإن قصر النيل سنة من السنين مارت كل قرية منها مصر يوماً واحداً.

وليس في الدنيا بلد بني بالوحى غير هذه الكورة، ولا بالدنيا بلد أنفس منه ولا أخصب ولا أكثر خيراً ولا أغزر أنهاراً.

ولو قايسنا بأنهار الفيوم أنهار البصرة ودمشق، لكان لنا بذلك الفضل. ولقد عد جماعة من أهل العقل والمعرفة مرافقها وخيرها فإذا هي لا تحصى، فتركوا ذلك وعدوا ما فيها من المباح مما ليس عليه ملك لأحد من مسلم ولا معاهد يستعين به القوي والضعيف فإذا هو فوق السبعين صنفاً.

ومنها مدينة منف، وأبنيتها وعجائبها وأصنامها ودفائنها وكنوزها أكثر من أن تحصى، لا يدفع ذلك دافع، ولا ينكره منكر، من آثار الملوك والحكماء والأنبياء.

قال إبراهيم بن منقذ الخولاني: خرجنا إلى منف، فإذا بعثمان بن صالح جالس على باب الكنيسة فسلمنا عليه، فقال أتدرون ما مكتوب على باب الكنيسة؟ قلنا: ما هو؟ قال: مكتوب عليه، أنا فلان بن فلان، لا تلموني على صغر هذه الكنيسة، فإني اشتريت كل ذراع منها بمائة دينار، فقلنا: إن لهذه قصة، فقال: ها هنا وكز موسى عليه السلام الرجل فقتله.

ومنها مدينة عين شمس، وهي هيكل الشمس، وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما، فإنهما محمولان على وجه الأرض ليس لهما أساس، وطولهما في السماء نحو خمسين ذراعاً، فيهما صورة إنسان على دابة، وعلى رأسهما شبه الصومعتين، من نحاس، فإذا جرى النيل قطر من رأسهما ماء، وتستبينه وتراه منهما واضحاً ينبع.

ومنها. الفرما، وهي أكثر عجائب وأقدم آثاراً، ويذكر أهل مصر أنه كان منها طريق إلى جزيرة قبرس في البر، فغلب عليها البحر.

ويقولون: غلب البحر على مقطع الرخام الأبلق، وأن مقطع الأبيض بلوبية.

قال يحيى بن عثمان: كنت أرابط بالفرما، وكان بينها وبين البحر قريب من يوم، يخرج الناس والمرابطون في أخصاص على الساحل، ثم علا البحر على ذلك كله.

وقال ابن قديد: توجه ابن المدبر وكان بتنيس إلى الفرما في هدم أبواب من حجارة شرقي الحصن احتاج أن يعمل منها جيرا. فلما قلع منها حجراً أو حجرين خرج إليه أهل الفرما بالسلاح فمنعوه من قلعها، وقالوا هذه الأبواب التي قال الله عز وجل فيها على لسان يعقوب: {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة}.

وبالفرما نخلها العجيب الذي يثمر حين ينقطع البسر والرطب من ثائر الدنيا، فيبتدئ هذا الرطب من حين يلد النخل في الكوانين، فلا ينقطع أربعة أشهر حتى يجيء البلح في الربيع . ولا يوجد ذلك في بلد من البلدان، لا بالبصرة ولا بالحجاز ولا باليمن، ولا بغيرها من البلدان. ويكون هذا في البسرمازون البسرة منه عشرون درهماً وأكثر. وفيه ما يكون طول البسرة منه قريباً من فتر.

وقال ابن التختكان: أربع كور بمصر ليس على وجه الأرض أفضل منها ولا تحت السماء لها نظير، كورة الفيوم، وكورة أتريب، وكورة سمنود، وكورة صا ].

ذكر شيء من فضائل النيل :

ورد في التوراة ‏:‏ وخلق فردوسًا في عدن وجعل الإنسان فيه وأخرج منه نهران فقسمهما أربعة أجزاء‏:‏ جيحون المحيط بأرض حويلا وسيحون المحيط بأرض كوش وهو نيل مصر ودجلة الأخذ إلى العراق والفرات‏.‏وروى ابن عبد الحكم عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال‏:‏ نيل مصر سيد الأنهار سخر اللّه له كل نهر بين المشرق والمغرب فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمدّه فتمده الأنهار بمائها وفجر اللّه له الأرض عيونًا فأجرته إلى ما أراد اللّه عز وجل‏.‏فإذا انتهت جريته أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره‏.‏

و   [ أخرج مسلم من حديث أنس رضي الله عنه في حديث المعراج‏:‏ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏ ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة‏.‏ قلت ‏:‏ ماذا يا جبريل قال‏:‏ هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار‏:‏ نهران باطنان ونهران ظاهران‏.‏ فقلت‏:‏ ما هذا يا جبريل قال‏:‏ أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات‏.‏ وفي التوراة‏:‏ وخلق فردوسًا في عدن وجعل الإنسان فيه وأخرج منه نهران فقسمهما أربعة أجزاء‏:‏ جيحون المحيط بأرض حويلا وسيحون المحيط بأرض كوش وهو نيل مصر ودجلة الأخذ إلى العراق والفرات‏.‏وروى ابن عبد الحكم عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال‏:‏ نيل مصر سيد الأنهار سخر اللّه له كل نهر بين المشرق والمغرب فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمدّه فتمده الأنهار بمائها وفجر اللّه له الأرض عيونًا فأجرته إلى ما أراد اللّه عز وجل‏.‏فإذا انتهت جريته أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره‏.‏ وعن يزيد بن أبي حبيب‏:‏ أن معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه سأل كعب الأحبار‏:‏ هل تجد لهذا النيل في كتاب اللّه خبرًا‏.‏ قال‏:‏ أي والذي فلق البحر لموسى إني لأجلده في كتاب اللّه إن اللّه يوحي إليه في كل عام مرّتين يوحي إليه عند جريته أن اللّه يأمرك أن تجري فيجري ما كتب اللّه له ثم يوحي إليه بعد ذلك يا نيل عد حميدًا‏.‏ وعن كعب الأحبار أنه قال‏:‏ أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا‏:‏ النيل نهر العسل في الجنة والفرات نهر الخمر في الجنة وسيحان نهر الماء في الجنة وجيحان نهر اللبن في الجنة‏.‏ وقال المسعودي‏:‏ نهر النيل من سادات الأنهار وأشراف البحار لأنه يرج من الجنة على ما ورد به خبر الشريعة‏.‏ وقد قال‏:‏ إن النيل إذا زاد غاضت له الأنهار والأعين والآبار وإذا غاض زادت فزيادته من غيضها وغيضه من زيادتها وليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحرًا غير نيل مصر لكبره واستبحاره‏.‏ وقال ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث‏:‏ وفي حديثه عليه السلام‏:‏ ‏”‏ نهران مؤمنان ونهران كافران‏.‏ أما المؤمنان‏:‏ فالنيل والفرات وأما الكافران‏:‏ فدجلة ونهر بلخ ‏”‏ إنما جعل النيل والفرات مؤمنين على التشبيه لأنهما يفيضان على الأرض ويسقيان الحرث والشجر بلا تعب في ذلك ولا مؤنة وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين لأنهما لا يفيضان على الأرض ولا يسقيان إلا شيئًا قليلًا وذلك القليل بتعب ومؤنة فهذان في الخير والنفع كالمؤمنين وهذان في قلة الخير والنفع كالكافرين‏.‏ – الواعظ والإعتبار ج 1 ]

ذكر ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة :

[ ما ورد في نيل مصر روى يزيد بن أبي حبيب‏:‏ أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سأل كعب الأحبار‏:‏ هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبرًا قال‏:‏ إي الذي فلق البحر لموسى عليه السلام‏!‏ إني لأجد في كتاب الله عز وجل أن الله يوحي إليه في كل عام مرتين‏:‏ يوحي إليه عند جريه‏:‏ إن الله يأمرك أن تجري فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك‏:‏ يا نيل عد حميدًا‏.‏

وروى ابن يونس من طريق حفص بن عاصم عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏ النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة ‏”‏ وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول‏:‏ أربعة أنهار من الجنة وضعها الله عز وجل في الدنيا فالنيل نهر العسل في الجنة والفرات نهر الخمر في الجنة وسيحان نهر الماء في الجنة وجيحان نهر اللبن في الجنة‏.‏

وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال‏:‏ نيل مصر سيد الأنهار وسخر الله له كل نهر من المشرق إلى المغرب فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر الله كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها وفجر الله له الأرض عيونًا فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله عز وجل وعن أبي جنادة الكناني‏:‏ أنه سمع كعبًا يقول‏:‏ النيل في الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل ودجلة ‏”‏ يعني جيحان ‏”‏ في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل ة وسيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل‏.‏

وقال بعض الحكماء‏:‏ مصر ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء فإن في شهر أبيب وهو تموز ومسرى وهو آب وتوت وهو أيلول يركبها الماء فيها فترى الدنيا بيضاء وضياعها على رواب وتلال مثل الكواكب وقد أحاطت بها المياه من كل وجه أفلا سبيل إلى قرية من قراها إلا في الزوارق وثلاثة أشهر مسكة سوداء فإن في شهر بابه وهو تشرين الأول وهاتور وهو تشرين الثاني وكيهك وهو كانون الأول ينكشف الماء عنها فتصير أرضها سوداء وفيها تقع الزراعات ة وثلاثة أشهر زمردة خضراء فإن في شهر طوبة وهو كانون الثاني وأمشير هو شباط وبرمهات وهو آذار تلمع ويكثر حشيشها ونباتها فتصير مصر خضراء كالزمردة ة وثلاثة أشهر سبيكة حمراء وهو وقت إدراك الزرع وهو شهر برمودة وهو نيسان وبشنس وهو أيار وبؤونة وهو حزيران ففي هذه الشهور تبيض الزروع ويتورد العشب فهو مثل السبيكة الذهب

وقال بعض الحكماء‏:‏ ليس في الدنيا نهر يصب في بحر الروم والصين والهند غير النيل‏.‏ وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال غير النيل‏.‏ وليس في الدنيا نهر يزيد في أشذ ما يكون من الحر غير النيل‏.‏ وليس في الدنيا نهر يزيد وينقص على ترتيبٍ فيهما غير النيل‏.‏ وليس في الدنيا نهر يزيد إذا نقص مياه الدنيا غير النيل‏.‏  – النجوم الزاهرة – الجزء الأول].

 قال ابن الكندي في كتابه :

 

[وأما نيلها، فروى … روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان والنيل والفرات).ورى أن الله تعالى خلق نيل مصر معادلا لأنهار الدنيا ومياهها، فحين يبتدئ في الزيادة تنقص كلها لمادته، وحين ينقصى تمتلئ كلها.

وذكر أبو قبيل، أن نيل مصر في زيادته يفور كله من أوله إلى آخره. وقال ابن لهيعة: كان لنيل مصر قطيعة على كور مصر، مائة ألف وعشرين ألف رجل، معهم المساحى، والآلات سبعون ألفاً للصعيد، وخمسون ألفاً لأسفل الأرض لحفر الخلج وإقامة الجسور والقناطر وسد الترع، وقطع القضب والحلفاء، وكل نبت مضر بالأرض.

وقال محفوظ بن سليمان: إذا تم الماء ست عشرة ذراعاً فقد وفى خراج مصر، فإذا زاد بعد ذلك ذراعاً واحدة زاد في الخراج مائة ألف دينار لما يروى من الأعالي، فإن زاد بعد ذلك ذراعاً أخرى نقص مائة ألف من الخراج، لما يستجر من البطون.

وذكر ابن عفير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني فكرت في بلدك فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عدداً وجلداً وقوة في بر وبحر، قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكماً، مع شدة عتوهم، فعجبت من ذلك، فأحب أن تكتب إلى بصفة مصر كأني أنظر إليها.

فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك وقرأته وفهمته، وأما ما ذكرت فيه من صفة مصر، فإن كتابي سيكشف عنك عمى الخبر، ويرمى على بالك بنافذ البصر، إن مصر وما أحببت أن تعلمه من صفتها، تربة سوداء، وشجرة خضراء بين جبل أغبر ورمل أعفر، قد اكتنفها معدن رفقها، ومحط رزقها، ما بين أسوان، إلى منشأ البحر، في سح النهر، مسيرة الراكب شهراً، كأن ما بين جبلها ورملها بطن أقب، وظهر أجب، يخط فيه نهر مبارك الغدوات، ميمون البركات، يسيل بالذهب، ويجري بالزيادة والنقصان كمجاري الشمس والقمر، له أيام تسيل إليه عيون الأرض وينابيعها مأمورة بذلك، حتى إذا ربا وطما، واصلخم لججه، واغلولب عبابه، كانت القرى بما أحاط بها كالربا لا يوصل من بعضها إلى بعض إلا في السفائن والمراكب، ولا يلبث إلا قليلا حتى يكون كأول ما بدأ من جريه وأول ما طما من شربه، وحتى تستبين فنونها ومتونها، ثم تنتشر فيه أمة محقورة، قد رزقوا على أرضهم جلداً وقوة، لغيرهم ما سعوا به من كدهم بلا حمد ينالهم من ذلك، يسقون سهل الأرض وخرابها وروابيها، ثم يلقون فيها من صنوف الحب ما يرجون به التمام من الرب، وما يلبث إلا قليلا حتى يشتد، ثم تسيل قنواته وتصفر، يسقيه من تحته الثرى ومن فوقه الندى، أو سحاب منهمر بالأرائك مستدر، ثم في هذا الزمان من زمانها يغنى ذبابها، ويبدأ في صرامها، فبينما هي مدرة سوداء إذا هي لجة زرقاء، ثم غوطة خضراء، ثم ديباجة رقشاء، ثم فضة بيضاء، فتبارك الله أحسن الخالقين، الفعال لما يشاء. وإن خير ما اعتمدت عليه في ذلك شكر الله عز وجل يا أمير المؤمنين، على ما أنعم عليك منها، فأدام الله لك النعمة والكرامة في أمورك كلها والسلام.

وأجمع أهل العلم أنه ليس في الدنيا نهر أطول مدى من النيل، يسير مسيرة شهر في بلاد الإسلام وشهرين في بلاد النوبة وأربعة أشهر في الخراب حيث لا عمارة، إلى أن يخرج من جبل القمر خلف خط الاستواء.

وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال إلا هو وليس نهر يصيب في بحر الروم والصين غير نيل مصر. وليس في الدنيا نهر يزيد ويمد في أشد ما يكون من الحر حين تنقص أنهار الدنيا وعيونها غير نيل مصر، وكلما زاد الحر كان أقوى لزيادته، وليس في الدنيا نهر يزيد بترتيب غير نيل مصر.

وليس في الدنيا نهر يزرع عليه ما يزرع على نيل مصر، ولا يجبي من خراج نهر من أنهار الدنيا ما يجبي من خراج النيل].

و بالتالي النص الوارد في مذهب أهل البيت (ع )

وعن كعب الأحبار أنه قال‏:‏ أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا‏:‏ النيل نهر العسل في الجنة والفرات نهر الخمر في الجنة وسيحان نهر الماء في الجنة وجيحان نهر اللبن في الجنة‏ .‏

وقال المسعودي ‏:‏ نهر النيل من سادات الأنهار وأشراف البحار لأنه يرج من الجنة على ما ورد به خبر الشريعة‏.‏ وقد قال‏:‏ إن النيل إذا زاد غاضت له الأنهار والأعين والآبار وإذا غاض زادت فزيادته من غيضها وغيضه من زيادتها وليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحرًا غير نيل مصر لكبره واستبحاره‏.‏

وقال ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث‏:‏ وفي حديثه عليه السلام‏:‏ ‏”‏ نهران مؤمنان ونهران كافران‏.‏

أما المؤمنان‏:‏ فالنيل والفرات وأما الكافران‏:‏ فدجلة ونهر بلخ ‏”‏ إنما جعل النيل والفرات مؤمنين على التشبيه لأنهما يفيضان على الأرض ويسقيان الحرث والشجر بلا تعب في ذلك ولا مؤنة وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين لأنهما لا يفيضان على الأرض ولا يسقيان إلا شيئًا قليلًا وذلك القليل بتعب ومؤنة فهذان في الخير والنفع كالمؤمنين وهذان في قلة الخير والنفع كالكافرين‏.‏ المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار – الجزء الأول ].

[… عن يعقوب بن يزيد رفعه قال: قال أمير المؤمنين: ماء نيل مصر يميت القلوب – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي ج 2 ص 58] موضوع لا محالة لتعارضه مع العقل أولا ومع ماروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله  .

مناظر مصر وجمالها :

ذكر ابن الكندي في كتابه مصر المحروسة:

[ وأما ما يعجب من رونق منظرها، فذكر عن كعب الأحبار أنه قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة، فلينظر إلى مصر إذا أخرفت وإذا أزهرت، وإذا اطردت أنهارها، وتدلت ثمارها، وفاض خيرها، وغنت طيرها. وعن عبد الله بن عمرو قال: من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتكسى بالنوار أشجارها وتغنى أطيارها.

وقال المأمون لإبراهيم بن تميم: صف لي مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتكسى بالنوار أشجارها، وأوجز. قال جحفلة: الفرس في الربيع، وعجزه في الرمل. يريد أنها برية بحرية يرتع الفرس في الربيع، ويبرد في بروده.

وذكر أهل مصر أن موسى بن عيسى الهاشمي وكان أمير مصر، قال لهم يوماً وهو بالميدان الذي في طرف المقابر: أتتأملون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى ميدان رهان، وجنان نخل، وبستان شجر ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبان أموات، ونهراً عجاجاً، وأرض زرع، ومرعى ماشية، ومرتع خيل، وصائد بحر، وقانص وحش وملاح سفينة، وحادي إبل، ومفازة رمل وسهلا وجبلا في أقل من ميل في ميل. وذكر أنه صورت للرشيد صورة الدنيا فما استحسن منها غير بلد أسيوط، وذلك أن مساحته ثلاثون ألف فدان في دست واحد، لو قطرت قطرة فاضت على جميع جوانبه، ويزرع فيه الكتان والقمح والقرط وسائر أصناف الغلات فلا يكون على وجه الأرض بساط أعجب منه، ويسايره من جانبه الغربي جبل أبيض على صورة الطيلسان، كأنه قرنان، ويحف به من جانبه الشرقي النيل، كأنه جدول فضة، لا يسمع فيه الكلام من شدة أصوات الطير. وأجمع الناس أنه ليس على وجه الدنيا بساط قرط فيه خيل موقوفة وخيام مضروبة، ونتاج، ومهارى، وسائمة، وقهارمة، إلا بمصر].

 

الخواص والعجائب التي بمصر

 

1- يقول ابن الكندي في كتابه:

 

[وأما الخواص التي بها والعجائب والبركات والحكم، فجبلها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور حيث كلم الله تعالى موسى، وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون وعيسى عليهم السلام. وبها كان ملك يوسف وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها بسدمنت من كورة أهناس، وبها اللبخة التي أرضعت عندها مريم عيسى بأشمون، فخرج من هذه اللبخة الزيت، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد مارية أم إبراهيم سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفن، أوصت أن يبني بها مسجد فبنى.

وبها من الأبنية وآثار الحكمة: البرابي والهرمان، وليس على وجه الأرض بناء باليد حجراً فوق حجر أطول منهما وجاءت الأخبار أنهما قبرا هرمس و أجاثيمون ].

 

  معادن بمصر تفوق الذهب: 

 

قال ابن الكندي في فضل مصر:

 

[ولهم معدن الزمرد، وليس في الدنيا زمرد إلا معدن بمصر، ومنها يحمل إلى سائر الدنيا. ولهم القراطيس، وليس هي في الدنيا إلا بمصر ولهم القمح اليوسفي، وليس هو في الدنيا إلا بمصر. ولهم زيت الفجل ودهن البلسان والأفيون والأبرميس وشراب العسل والبسر البرني الأحمر واللبخ والخس والكبريت، والريش والشمع والعسل وخل الخمر والترمس والجلبان والذرة والنيدة والأترج الأبلق والفراريج السرمكية، وذكر أن مريم عليه السلام شكت إلى ربها قلة لبنها فألهمها أن عملت النيدة فأطعمتها عيسى عليه السلام.

وذكر أهل العلم أنه لا يكاد يرى مترهبو الشام إلا عمشاً من أكلهم العدس ورهبان مصر سالمون من ذلك لأكلهم الجلبان، ولهم البقر الخيسية المؤبدة للحلب فقط، وهي أحسن البقر صورة، وبقر مصر ليس في الدنيا بقر أعظم منها، حتى أن العفو منها يساوي أكثر من عفو ثور من غيرها. ولهم حطب السنط والأبنوس والقرط الذي تعلفه الدواب. وذكر بعض أهل العلم أنه يوقد بحطب السنط عشرين سنة في الكانون أو التنور فلا يوجد له رماد طول هذه المدة .

وقال بعض أهل العلم: ليس في الدنيا شجرة إلا وهي بمصر، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.

وبوجد بمصر في كل وقت من الزمان من المأكور والمأدوم والمشروب والمشموم وسائر البقول والخضر، جميع ذلك في الصيف والشتاء، لاينقطع منه شيء لبرد ولا لحر، يوجد ذلك كله في الصيف ويوجد بعينه في الشتاء غير مفقود منه شيء واحد. وذكر أن بختنصر قال لابنه بلسلطان: ما أردت سكنى مصر إلا لهذه الخصال وبلسطان هو الذي بنى قصر الشمع.

وقال بعض من سكن مصر: لولا ماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بئونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، وسمك كيهك، ما سكنت مصر.

ومصر مع ذلك فرضة مكة والمدينة وساحلهما، وفرضة صنعاء وعدن وعمان والشحر والسند والهند والصين وجزائر الصين وسرنديب وغيرها، يجلب العطر والجواهر والطرائف والآلات في البحر حتى توافى المراكب بالقلزم.

وهي فرضة بحر الروم من الشام كلها، وبلد الروم من أنطاكية إلى ما وراءها من قسطنطينة ورومية وبلد الإفرنجة وأنطابلس وطرابلس والقيروان وتاهرت. وسجلماسة والسوس وطنجة والأندلس وجزائر البحر صقلية وأقريطش، وقبرس، ورودس. يحمل إليها رقيق هذه البلدان كلها من الجواري والغلمان والديباج والحرير والمصطكي والميعة والمرجان والعنبر والزعفران وسائر أصناف التجارات، ويحمل من مصر إليها مثل ذلك، ولا يقصدون بلداً سواها، ولا يؤمون غيرها، فلأهلها خيار ذلك كله، ولسائر الناس حثالته- من كتاب فضل مصر ].

 واحة سيوة المميزة على كل واحات العالم

كتبت  مجلة العربي الكويتية  في عددها  إبريل 2009 العدد 605  مقالاً بعنوان

 

[ سيوة.. الواحة المقدسة

 

بعد الوصول إلى القاهرة، والانتقال إلى الإسكندرية، والاستعداد للسفر إلى «واحة سيوة» في قلب صحراء مصر الغربية قرب الحدود الليبية عبر مدينة مرسى مطروح، تركتُ الصور، ونحَّيْتُ الكتب، واستبعدتُ الخرائط، وفكرتُ أن أستطلع عين القمر الصناعي في طريق الرحلة الذي يبلغ نحو 600 كيلومتر من الإسكندرية. أخذ مؤشِّر الإنترنت يقربني عبر موقع (جوجل) من الواحة النائية، والدهشة ترسم الملامح. فتلك البقعة داكنة الخضرة ترقدُ مثل طائر أليف فوق عش من اللون الذهبي اسمه بحر الرِّمال العظيم، وهي كذلك تستند بأعجوبة غرب جرف منخفض القطارة، الذي يشبه حفرة عبثية؛ فرَّغت جوفَها من قلب الصَّحراء يدٌ عملاقة. كان السؤال الأول، كيف وصل إلى تلك البقعة كل صانعي التاريخ القديم والمعاصر؟ أما السؤال المُلِحُّ فكان؛ كيف استقامت الحياة الفريدة في ذلك المكان البعيد على مرِّ آلاف السنين؟ وظلَّ السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا بقي من الحيوات التي وقفت فيها «واحة سيوة» شاهدة على كل العصور؟
نعبر الساحل الشمالي الموازي لشاطئ البحر المتوسط بين الإسكندرية ومرسى مطروح، بما يضم من عشرات القرى السياحية، بعضها مكتمل ومتجمِّل، وأكثرها في طور الأجنة، وكثيرٌ منها ليس سوى لافتات وسور وصورة مشروع. ثم انحدرنا جنوبًا إلى طريق تشبه خطا سميكًا فوق دفتر الرِّمال. دفتر من ورقة وحيدة عملاقة، لا تدرك أولها من آخرها، ولا تعرف الفارق بين سطورها إلا من اللوحات التي تحدد لك المسافات المتبدلات. حتى الجغرافيا المبهمة، الخادعة، تبدو كبساطٍ دون نقوش، تفك طلاسمها، إلا حين تبدو نقطة تفتيش أو مركز مرور.

الانتقالُ من النهر إلى القَفر، من الزراعة إلى الجَدْب، هو انتقال شرس الملامح، حاد التباين، لذلك لم يشهد التاريخ المصري هجرة من الوادي إلى الصحراء. حتى أن هذه المدن الجديدة، والمنتجعات التي بلا حصر، التي كنا نراها على الطريق من الإسكندرية إلى مرسى مطروح تظل مدنا بلا قلب. كم من قرية سياحية مررنا بها، وكم من مجمع سكني عبرنا به، وكل هذه العمائر الخرسانية لا أحد! الانتقال يساوي مغادرة أسلوب حياة إلى آخر مغاير، وهو أمرٌ لم يعتده المصريون لآلاف السنين، لذا بقيت الواحات في عزلتها، يخرج منها الناسُ إلى الوادي، ولكن لا يأتيها أبناء الوادي، مع استثناءات، ككل قاعدة. لذلك لم تكتشف الصحراء إلا خلال القرنين الماضيين وحسب، وحين جاء العربُ مصر لم يدخلوا غمار الصحراء، وإنما ساروا على المدقات (الطرق الترابية) الساحلية. وامتلأت القصص التاريخية والحكايات الأسطورية بمرويات عن التهام الصحراء للجيوش وكذلك لكونها ملآنة بالوحوش المفترسة!

تبدأ الجغرافيا تفشي سرًّا بأن التغيير قادمٌ، حين انكشفت الرمال عن مئات من الأشكال شبه الهرمية التي كونتها عوامل التعرية، كاشفة عن أجسادها؛ كأنها بسطات متدرجات مماثلات لمدرج سقارة، ليس لها لون واحد، وبدأ كما لو كانت كتلا ضخمة، أو أسطولا من صخور، أو أشباحًا لسفن عملاقة تركها ربَّانُها في العراء ومضى!

حين ظهرت الواحة الخضراء بُعيد ذلك المشهد اللانهائي بدا كأن هذا الأسطول الأبدي يحمي «واحة سيوة» من جهاتها جميعًا، فيكبح بحر الرِّمال العظيم من الهجوم عليها، من جهة الجنوب ويمنع جسد الواحة من السقوط إلى الشرق، حيث يربض منخفض القطارة.

نستمعُ، قبل الولوج إلى عالم «واحة سيوة»، إلى صوتِ التاريخ، فيقول هيرودوت: «بعد السَّفر إلى قلب الصحراء، يمرُّ المرءُ بأحراش تمرحُ فيها الوحوش البرية، وخلفها منطقة الرمال الكثيبة، التي تمتد من طيبة في مصر حتى أعمدة هرقليس. في هذه المنطقة بالتحديد، يصادف المرء، بعد مشي على القدمين لعشرة أيام، آثار مغطاة بأحجار الملح، الذي تحوَّل إلى بلورات من الكريستال العملاق، وفوق قمة تلك الروابي، ومن قلب الملح، يتفجر ماء عذب متجدد، ليصبح عينًا، خلف الغابات البرية».

هانحن على بُعد آلاف السنين من سطور هيرودوت، لكن الصورة التي وثقها لم تَخْتَفِ، بل أصبحت أكثر غرابة، سنكتشفها حين نزور مدينة الملح!

مدينة من ملح!

نحن في قلب ثلاث مساحات؛ بحر، وواحة، ومنخفض، وهي حين تجتمع تكون خطرا. لكنها هنا تمثل جنة منسية. فمع هذه المساحات، يطلعنا التاريخ على رحلات أكدت أهمية «واحة سيوة»، أبرزها: رحلة الملح، ورحلة الحج ورحلة التجارة!

في قلب «واحة سيوة»، تمتد طريقٌ أكثر غرابة، بطول 12 كيلومترا. تشق بحرًا من الملح! فعلى جانبي الطريق الإسفلتية تستقر المياه المالحة. هي الآن في الشتاء مرآة للسماء وما على الشطآن، ولكن ما إن يهل الصيف، حتى تكسو طبقة من الملح وجه الماء. ليصبح مثل غلالة نور. بين حين وآخر يظهر في البحر طمي قوامه الملح، لايزال يأخذه أبناء «واحة سيوة»، ليشيدوا به البيوت التقليدية، جريًا على عادة الآباء قبل مئات السنين. لا تزال هناك مدينة واحدة، شيِّدت بكاملها من هذا الملح، وهانحن على عتبات الوصول إليها.

من بعيد لاحت المدينة الملحية، غير المأهولة، سور كبير يحيطها من كل جانب، تآكلت منه أجزاء. وعلى باب المدينة مسجد من الملح، عرفناه على الرغم من أنه بلا مئذنة، لسبب يسير: لا يزال المحراب قائمًا، بارزا كأنه نصف عمود أسطواني خارج من جدار المسجد. تجولتُ مع زميلي المصور، والدليل والسائق. لايصاحبنا سوى الصمت في مدينة نادرة ليس يحرسها أحد. مدينة فريدة تستحق أن تضم إلى قائمة تراث الإنسانية الذي تسجله اليونسكو، من أجل الحفاظ عليه للأجيال القادمة، لا أن تُتركَ لمصيرها. لا تُمطر الدنيا في «واحة سيوة»، وإلا لاختفت تلك المدينة، واختفت معها آثار أخرى سنراها لاحقا. فعلى الرغم من ندرة مطرها فإنه يأتي كالسيل المدمر.

لا تستمد هذه المدينة فرادتها من الملح الذي شيِّدتْ منه وحسب، بل لأنها تضم رُبَّما أقدم عاصرة زيتون في مصر، وهي التي وهبت المدينة اسمها؛ «الزيتونة». يحدد الدليل عمرَ المدينة والمعصرة من جذع النخلة التي تعتليها، وقد تآكلت، مما يثبت أن عمرها انتهى، وإذا عرفنا أن خشب النخل يعيش أربعة قرون، لأمكننا بالتقريب تحديد عمر مدينة «الزيتونة» الملحية!

من أين جاء كُلُّ هذا الملح؟ ما أيسر السبب! لقد كانت «واحة سيوة» مغطاة بأكملها بالبحر، الذي انحسر ليصبح ما عليه الآن البحرُ المتوسط. لم يعش أحدٌ من تلك الأزمان السحيقة ليخبرنا بقصص اختفاء البحر، لكن الحفريات الباقية للحيوانات البحرية، والصخور الملحية، وتلك البحيرات المالحة، تظل شاهدًا على حضور البحر، ومرور المحيط.

في قلب كل هذا الملح، كانت هناك غرفة وحيدة من الحجر، تشبه إلى حدٍّ كبير غرف المقابر التي سنزورها لاحقا. لعل مدينة الزيتونة شيدت فوق أطلال معبدٍ قديم! يسمِّي أهالي «واحة سيوة» تلك المادة الملحية المستخدمة في البناء باسم طريف؛ «الكرشيف»! في القرن التاسع عشر، يصف الرَّحالة مينوتولي «واحة سيوة» فيقول إن أرضها منداة، مبتلة، كثيرة المستنقعات، مغطاة ببحيرات الملح، التي تنمو فوقها جزر صغيرة خصبة مثمرة».

 

… ومدينة من الطين!

من الزيتونة سنتجه إلى شالي، في قلب «واحة سيوة». وكلمة «شالي» باللغة السيوية تعني الوطن (البلدة، المدينة). في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي شيدت قرية شالي لتكون حاجز دفاع أمام القبائل المعادية. هناك بنى السكان قرية محصنة فوق هضبة عالية ترى المساحات حول الواحة من كل زاوية، تبوح بيوت شالي القديمة بسر العمارة الدفاعية؛ أسوار عالية، أبراج مراقبة، وطبقات من المنازل بعضها فوق بعض، وكأنه منزل وحيد، أو قلعة موَّحَّدة، وكلها من الطين، المُعَشَّق والمُطعَّم بالحجارة، كما أنها خاوية منذ العام 1820م، وفرادتها تدعو اليونسكو مرة أخرى لدراستها تمهيدًا لوضعها ضمن التراث الإنساني الواجب حفظه للأجيال القادمة. فالبيوت «العصرية» تزحف ببطء منذ العام 1985، ولكن بشراسة، لتلتهم العمارة السيوية التقليدية، ونموذج شالي هو الأندر بين العمارة الطينية، مثلما يبرز نموذج الزيتونة مثالا للعمارة الملحية. فمن يتدخل ليُحافظ على ما بقي من تلك الآثار؟

من أعالي شالي، تأتيك الصحراء، وبداية مشاهد بحر الرمال العظيم، ومن قمة شالي تبصر الشوارع المحيطة في «واحة سيوة». يمكنك أيضا أن تتأمل تقسيمات البيوت، وبعضها له حظائر عنزات ودجاج في مقابل البيوت أو متاخمة لها. وكثيرٌ من الناس حوَّل الباحة أمام البيت إلى سوق لعرض بعض المشغولات اليدوية، مثل أزياء النسوة، ودمى العرائس والإبل.

صعوبة تسلق شالي كان أحد أساليب الدفاع عنها، ونوافذ البيوت ضيقة، ولها فتحات ثلاث تشكل مثلثا. حيث توجد نافذتان تعلوهما ثالثة، تتيح للقاطنين مراقبة الخارج، مع وجود نار موقدة بشكل دائم (في الماضي)، وحراس، وتسمح آبار الماء الستة داخل المدينة بعدم الحاجة إلى الخروج.

كان إنشاء «شالي» نقطة تحول في حياة أبناء سيوة، وانتقالهم من مرحلة العيش في قرى متفرقة لها مركز «أكروبول» إلى العيش داخل أسوار «واحة سيوة». وقد حدد بعض الباحثين ذلك النزوح إلى الداخل زمنيا بين عامي 1100م، و1203م. كانت تلك مبادرة لحلول السلام، وتوقف هجمات قبائل البدو العابرة للصحراء عن الإغارة والسلب والنهب.

جبلٌ للموتى

على القمم بنى السيويون بيوتهم، لكنهم كذلك شيدوا فيها مقابر ملوكهم. ومثلما أقاموا المنازل واحدًا فوق الآخر، اختاروا من ذلك الجبل مكانا ليكدسوا المقابر واحدة فوق الأخرى، يحفرون جزءا ويشيدون جزءا آخر.

ومما يؤسف له هو ذلك التخريب الذي طال معظم المقابر في جبل الموتى، والنهب والسلب من قبل الرحالة الذين جابوا الصحراء المصرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حتى أنهم يحكون في الواحة من (مستر هاري) الذي أسس نزلا قرب الجبل، واستأجر عمالا محليين للتنقيب عن كنوز المقابر. إضافة لما سبق، فإن مما أساء إلى هذه المقابر، لجوء أهالي شالي القديمة للاختباء بالمقابر الحصينة بأسقفها الحجرية خشية قنابل الطائرات في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومنهم من جاء هاربًا من الغزو الإيطالي لليبيا، ولا تزال فروع بعض العائلات ذوات جذور ليبية.

لم نستطع التصوير داخل المقابر، الصغيرة نسبيا عن تلك الموجودة في وادي الملوك، ومن أشهر المقابر في جبل موتى تلك المسماة (سي آمون(  .

واحة وثلاثة عيون

في «واحة سيوة» عيون كثيرة، تبلغ في بعض المصادر والمرويات الثلاثمائة عددًا. لكن ضمن ما بقي في الواحة اليوم ثلاثة عيون شهيرة؛ الأولى عين كليوباترا، والثانية عين قريشات، والثالثة عين أبوشروف.

المتفق بين العيون هو أن حولها مكان يستريح إليه السائح، كمطعم أو مقهى، غير أن الطحالب تختفي في العين الثالثة. سألنا راعيها فقال إنه ربى فيها أسماك البلطي التي تنظف العين أولا بأول. تحوي العين ماء كبريتية جعلت عيون الأسماك بها تبدو جاحظة!

وتقع عين أبوشروف شرق عين قريشات بنحو 7 كيلومترات، وهي قرب قرية بالاسم نفسه، انتقلت بأكملها إلى مكانها الحالي بعد أن شيدت الحكومة وحدة صحية ومدرسة ومنازل جديدة. وقد زرنا أحد هذه البيوت التي أكملها صاحبها، وأضاف إليها مثل كثير من جيرانه، سياجًا من سعف النخيل، كنوع من الحفاظ على «حُرمة» البيت وساكنيه. القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد السكان فيها ألف نسمة، تصلها الكهرباء بمولِّدٍ للطاقة يشتغل من الخامسة عصرًا حتى الثانية صباحًا بعد منتصف الليل.

لكن للعيون المائية قصصًا أخرى في «واحة سيوة».

فمن أعلى كل قمة في الواحة، تستطيعُ أن تلمح هنا وهناك، في بيوتٍ كثيرة، عيونا مائية منزلية. إن حديث الجيولوجيين يؤكد أن «واحة سيوة» ترقد فوق بحر من المياه العذبة، حيث يستطيع كل «سِيويّ» أن يدق ماسورة مياه على عمق 70 مترًا أو أكثر، فإذا بها تتفجر بالمياه العذبة. وهكذا يمكن أن تنبع عين في كل بيت، وبستان.

قرب خزان مياه ضخم، يشبه مسبحًا تعوم فيه الطحالب، وعلى جدار مبنى صغير، كانت هناك لافتة مزدحمة بالعبارات: محافظة مطروح، مركز سيوة، الوحدة المحلية لقرية أغورمي، برنامج التنمية المحلية رقم 2، ووزارة التنمية والتعمير، جهاز الساحل الشمالي وسيوة، قطاع التنمية والتعمير بمطروح، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة: مشروع خفض منسوب المياه الجوفية واستغلال مياه الصرف للزراعة! كانت لافتة لا يتجاوز طولها نصف المتر، وعرضها المتر، بالرغم من وجود 38 كلمة بها. يقول الدليل شارحًا:

«حين تم حفر عين للري تحت جبل الدكرور، فاضت مياهها الساخنة، بشكل لافت، وفي الوقت نفسه، يعلو منسوب المياه المالحة، مما دعا المسئولين، المشار إليهم في اللافتة السابقة، إلى التفكير بسحب المياه، العذبة والمالحة، من هنا وهناك، إلى خزان موحد، يجمعهما معًا، ثم يوزعها للري». تحت الماسورتين، اللتين تضخان ماء باردًا وساخنا، وتصبان في حوض مربع أخذ طفل يقفز إلى الماء، ويستمتع بحمام ساخن بارد في آن واحد!

هذه الوفرة المائية أهلت سيوة لاحتضان أربعة مصانع لتعبئة مياه العيون، أحدها تديره شركة وطنية تتبع القوات المسلحة المصرية.

من بين الأخطاء التاريخية الشائعة والمدونة قرب هذا معبد الوحي – التسمية التي أطلقها «البعضُ» على «عين الشمس» – إذ توجد لافتة بأنها عين كليوباترا! والذي منح الاسم التاريخي للواحة هو هيرودوت، الذي قال «إن النيل هبة لمصر، والعيون هبة للآمونيين».وقد سألتُ الباحث عبد العزيز عبد الرحمن الدميري، مدير آثار سيوة، ومدير مخزن أحمد فخري المتحفي، عن سر تلك التسمية الخطأ، فأجابني:

«ومثل هذه التسمية، اسم آخر، هو عين الحمام، كما ورد في مخطوطات دفاتر الملكية بسيوة لمدة تزيد عن مائتي عام، لأن العروس في الماضي كانت تأتي لتغتسل بمياهها، ومياهها ذات تدفق قوي، ونقاء وصفاء، دافئة شتاء، وباردة صيفا، حتى مع اشتداد درجة الحرارة، وتسميتها بعين كليوباترا تسمية سياحية لا أكثر ولا أقل من قبل الهواة، حيث لم يثبت أن كليوباترا أتت للواحة، وربما سمِّيَتْ كذلك مضاهاة بحمام كليوباترا الذي يقع غرب مدينة مرسى مطروح».نساء وتقاليد ليست العمارة وحدها هي الفريدة في «واحة سيوة»، بل العادات والتقاليد، المروية والمدونة، الباقية والزائلة، على حد سواء. فعزلة «واحة سيوة» في قلب مثلث رءوس زواياه عواصم مصر وليبيا والسودان، جعل من هذا النَّأي فضلا في تفردها. وهو الأمر الذي سجَّله أبو المصريات الأثري أحمد فخري، بعد سنوات قضاها بين أبناء «واحة سيوة». لا تزال النسوة غير حاسرات ولا كاشفات، فما أن تخرج الواحدة منهن حتى تغطي وجهها تمامًا. ستعرف أنها متزوجة حين يكون غطاء الرأس والوجه أسود! وهي تلبس الملاءة المطرزة باللون الأزرق حين تخرج للمهن التي اصطفاها المجتمع لها، مثل مناسبات الزواج، والعزاء.

اليوم تخرج الفتيات للسوق في «واحة سيوة»، مثلما تخرجُ إلى العمل في بعض الحرف، مثل مصانع التمور، التي زرنا أحدها، وكان أغلب العاملين التسعين فيه من البنات. في يوم زفافها، ترتدي العروس السيوية سبع طبقاتٍ من الثياب. يمثل الرّقم سبعة فألا حسنًا، وهذه الأثواب السبعة تسمح للعروس بأن ترتدي كل يوم من أيام أول أسبوع لزواجها ثوبًا مختلفا. ويكون الثوب الأقرب للجسد شافًّا أبيض اللون، أما الثاني فيكون خفيفا قماشه أحمر، والثالث أسود، والرَّابع أصفر، والخامس أزرق، والسادس من الحرير الأحمر، والأخير من الحرير الأخضر!

تستعد العروس لاحقا لارتداء ثوب الزفاف الأسود التقليدي، المطرز بكثافة، بتصميمات هندسية ملونة حول العنق، وكثير من الأزرار والأصداف، مع رسم عيون شمسية دقيقة لطرد عيون الشر. البعض يرى في تلك الأزرار بقايا من صورة أشعة الشمس، رمز الإله آتون. فيما يصورها الآخرون على أنها مرايا سحرية، ويُعْتَقدُ أنها تجلب الطاقة من الشمس لتمنحها لمن يتجمل بها.

ترتدي نساء سيوة قلائد فضية عريضة مزخرفة برسوم الشمس والتمر والنخل والأسماك. أما الشَّعْر فتزينه قطعة من الفضة لها شكلُ الهلال، ثقيلة الوزن، يغطيها شال حريري له شرائط ملونة، تتدلى منه أطراف من الصوف المتعدد الألوان.

هذا الزي الأسود يكون للفرح، أما زي الحزن الذي يرتدى في مناسبات العزاء فيكون أبيض. وحين تخرج المرأة وحدها أو بصحبة ابنتها، لا يبين من الوجوه شيء.

اقتربنا من طفلة لا يتجاوز عمرُها العامين، ورفعنا عدسة التصوير نحوها، لكنها أسرعت بتغطية وجهها كفتاة كبيرة أو امرأة ناضجة. صبية أخرى تكاد تبلغ أعوامها الثلاثة أعلنت رفضها التصوير بالإنجليزية. وكأنهن ينشأن على نمطٍ وحيدٍ: لا لكشف الوجه، ونعم لاحترام التقاليد الحازمة.

على خطا الإسكندر الأكبر

كان الفتى الإسكندر قد ورث أمرين، إمبراطورية أبيه، وحلمه الخاص بمعرفة من قتل ذلك الأب المحارب فيليب ملك مقدونيا. وفي سنة 334 قبل الميلاد ترك الإسكندر (أنتيباتر) خلفه لحكم اليونان، وانطلق ليكمل مسيرة أبيه الفاتح، على رأس أسطول من 30 ألف فارس، وأسطول بحري من مائة وستين سفينة. وقد كانت موقعة إيسوس (في تركيا الحالية) سنة 333 ق.م، وانتصار الإسكندر على الملك الفارسي داريا، ودانت مدن الفينيقيين بالولاء للقائد الجديد، إلا مدينة صور (في لبنان) التي حوصرت 7 أشهر، ومدينة غزة (في فلسطين) التي كانت آخر محطاته قبل دخول مصر برًّا.

أظهر الإسكندر المقدوني احترامه للديانة المصرية، بل وأقام احتفالا أوليمبيا مزج فيه على الطريقة الإغريقية الرياضة بالدين والفن!

حين كان الإسكندر المقدوني يدرس وهو في الثالثة عشرة بمدرسة أرسطو، كانت هناك أنباء مثيرة عن كهنة آمون، وقدرتهم على قراءة التنبؤات. ومن هنا كان الفتى يبحث عن نبوءة خاصة: معرفة من قتل والده، وماذا سيكون مستقبل إمبراطوريته؟

ومثلما اتجهنا مع الفرع الغربي للنيل شمالا، في بداية رحلتنا، ترك الإسكندر المقدوني مدينة منف، واتجه شمالا بمحازاة النيل حتى وصل إلى البحر، وبمواجهة جزيرة فاروس قرر تأسيس مدينة الإسكندرية. ولم تتوافر كمية كافية من مادة الجير اللازم لتخطيط المدينة العملاقة التي ستصبح عاصمة جديدة، فاستخدم المهندسون الدقيق (أو القمح) المعد لمئونة الجنود!

ومثلما تركنا الإسكندرية إلى مرسى مطروح، اتجه الإسكندر المقدوني إلى هناك قبل 2340 سنة بالتمام والكمال. وقد هبت في رحلة الإسكندر المقدوني جنوبا إلى «واحة سيوة» عاصفة رملية، وازاها ما لقيناه في منتصف الطريق حيث يتم ترميم الطريق الإسفلتية، وتكاد الرؤية تنعدم بسبب الغبار المتطاير من أعمال الإنشاء. وحين نفد ماء الإسكندر المقدوني أمطرت السماء فملأ الجنود قربهم المائية. يقول الباحث محمد حسن «إن الإسكندر المقدوني لم يأتِ بجيش وإنما بفرقة من الأدلاء قوامها عشرون فقط». وحين ضللنا الطريق إلى المنتجع الذي نقصده على شفا بحر الرّمال قرب جبال التكرور، سألنا أهل سيوة، أما حين ضل الإسكندر المقدوني الطريق، فإن آمون أرسل له ولجمعه غرابين دلاهم على معبد الوحي

أمام معبد الوحي

وصلنا إلى بوابة معبد الوحي، أو مركز المدينة عصر عبادة الإله آمون. من فوق الهضبة التي ترتفع ثلاثين مترًا، حيث أقيم المعبد على هيئة حدوة حصان، كنا نستطيع أن نشاهد الحزام الأخضر العريض الذي يمثل سياجًا لذلك الركن الديني. كانت قرى واحة آمون المتناثرات، لها مركز واحد هو الأكروبول، معبد الوحي، حيث نقف الآن، وكانت تحيط به، في تراتبية تعكس الطبقات بين الحاكم والمحكوم، فقد أحيط الأكروبول بثلاثة أقسام، أو أسوار، يسكن الأول الحكام، ويعيش في الثاني النساء والأطفال والأقارب والحرس، بينما يؤمِّن القسم الثالث الجنود ومنازل الحرس. وعلى مسافة صغيرة من الأكروبول كان هناك معبدٌ ثان لآمون، قرب ما كان يسمى بعين الشمس.

ومما يدل على استقلال «واحة سيوة» أو «واحة آمون» كما كانت تُسمى، وحصولها على نوع من «الحكم الذاتي قبل أكثر من 22 قرنًا، هو تصوير حاكم سيوة بصفة ودرجة موازية مع الفرعون أحمس الثاني، في مخالفة للقاعدة المتبعة في التصوير المعتاد لحكام الأقاليم في مصر، وباقي الواحات الأخرى، بأن يكون تصوير حاكم الإقليم أو الواحة، مثل الواحات البحرية، خلف الفرعون.

كنا نكادُ نسمع أغنية المصري القديم التي ترجمها سليم حسن: (يا آمون. أنت يا مُخرج القطعان في الصَّباح. ومرشِد المُتَألم إلى المرعى. وكما يقود الرَّعي إلى المرعى فأنت كذلك تفعل. يا آمون. خذ بزمام المُتألم إلى الطعام. لأن «آمون رع» يرعى من يتكل عليه. يا «آمون رع» إني أحبك وقد ملأت قلبي بك. وستنجيني من أفواه الناس في اليوم الذي يفترون فيه عليَّ الكذب. لأن رب الحق يعيش في الحق. وإني لن أستسلم للخوف الذي في قلبي. لأن ما قاله «آمون» يعلو ويزدهر).في مديح العزلة
في اللحظات التي كان الجنون يصيب نهر النيل، بفيضان مُدَمِّر، لم يكن هناك من ملجأ لساكني الوادي سوى الهروب إلى الواحات. انتشرت تلك الواحات صغيرها وكبيرها في الصحراء المصرية من الشمال إلى الجنوب. من هنا، ومع الثورات غير المنقطعة للنهر الخالد، أصبح دور الواحات هو بناء المجتمعات. ومنذ عصور ما قبل التاريخ، اجتذبت الواحات هؤلاء الهاربين بحياتهم من غضب الطبيعة، مثلما استقبلت – كذلك – اللاجئين إليها لحمايتهم من غضب البشر، حين أصبحت الواحات مأمنًا لمن ضاق بالإرهاب الديني والسلطوي. هكذا امتلأت الواحات بخبرات متنوعة، وفرها القادمون إليها، فمنهم الفنانون، والحرفيون، والمعلمون، والمزارعون، وسواهم. وأصبحت الواحة نوعًا ما منفى سياسيا بعيدًا عن السلطة الحاكمة في وادي النيل، دون أن يعني ذلك أن تكون بلا فنون وآداب.

لكن الواحات التي كانت منعزلا، أصبحت نقطة جذب. هذه هي «واحة سيوة» مثالا، تعد نموذجًا فريدًا في أنها البقعة الوحيدة في مصر التي تحتاج إلى عمالة، وتختفي فيها البطالة! لذلك ستجد في قطاع كالسياحة ومجال كالتعليم كثيرين من الوافدين على الواحة المقيمين فيها. حتى أن المستثمرين الأجانب وجدوا طريقا ذهبيا في أراض تباع الفدادين فيها بمئات الجنيهات فقط.

الواحة التي كانت تغني عزلتها، ويمتدحها الأثريون، بدأت تغير طباعها لتلائم الوافدين الجدد، وبدأ التراث يتحول من عادات وتقاليد إلى فلكلور. صحيح أن الأمر في أوله، ولكن لا ننسى أن عجلة الزمن كفيلة بأن تسيء إلى تلك الخصوصية مثلما أساءت إلى بقاع سواها.

رَوى لنا أحد السيويين قصة طريفة وقعت قبل وصْل «واحة سيوة» بطريق مطروح الحالي، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. كان الرَّاوي قد نجح في المرحلة الابتدائية، ويستعد للانتقال إلى المرحلة الإعدادية، وأن يترك ارتداء «مريلة» المدرسة الابتدائية، ليرتدي «قميصًا وسروالا» خاصين بالمرحلة التعليمية التالية، ولكن «واحة سيوة» لم يكن بها من يبيع الزي المدرسي الإعدادي، وكان أن انطلق مع صحبه، وسائق، إلى مطروح. كان الليل يأتي فينام الجميع في السيارة، على ربوة عالية، وعند الفجر يبدأ التحرك، وقد اكتشف السائق أكثر من مرة أنه يخطئ الاتجاه، ويعود مرة أخرى من حيث أتى، مما جعل الرَّكب يستغرق في رحلة البحث عن زيٍّ مدرسي ثلاثة أيام.

لكن الراوي يمتدح تلك العزلة التي منحت «واحة سيوة» خصوصيتها، في العمارة حينا، والتقاليد حينا، واللسان أو اللغة حينا آخر.

اللغة السيوية تحتاجُ إلى معجم وممارسة لفهمها، وإذا كانت رحلة التجارة قد جعلت من «واحة سيوة» مركزًا لعبور البربر ولغتهم الأمازيغية، في المغرب والجزائر وليبيا، فإن هناك تأثيرات أخرى أنجبت معًا لغة شفهية غير مدونة لأهالي «واحة سيوة». تقول أغنية سيوية:

«َمَاسْ يا عيني لاجلسياما أتادم توحل تخلض

كان شك منحاق أنوكان لا طاوعه دأقيماط ددي»

ومعناها:

«قُل لعينيَّ: لا تبكِ يا ما أناس غيرك أحبت

فلو أنك يا حبيبي، عاشقي حقا ما كنت قد بعدتَ عني».في مكان ما، قد تستمع للسيوي يحدثك بالعامية التي تفهمها، ثم يحدث جاره باللهجة السيوية، ويمرُّ أجنبي فيخاطبه بلغته، وهو يتنقل بين اللغات بيسر، مثل سحابة تعبر الواحة. قد تسمعُ جرسًا عربيا للكلمات، لكن ذلك للهجة قائلها. ومن الطريف أن نمرَّ ببعض المفردات.

ومن قاموس السيوية: أمان (ماء)، آخصوم (لحم)، آجبن (بيت)، آخوبي (صبي)، نيتا (هو)، آزمور (زيتون)، تيني (تمر)، جافلاخ (اذهب)، هيد (يأتي)، ماشي (نعم)، أولا (لا)، فِلْ (يذهب)، شيخ (أنت)!ونختتم بالشنة والرنة!فكثيرًا ما نسمع تمجيدًا لشخص أنه له شنة ورنة. وفي سيوة تدرك المعنى، فالشنة هي غطاء رأس يرتديه ذوو المكانة، والرنة صوت عصاه يدق بقوة تعبيرًا عن سلطته ونفوذه.

كان الليل يقتربُ وأنت تكاد تسمع لكل رجل في «واحة سيوة» شنة ورنة. فملامح الوجوه تحكي أكثر مما يبوح به التاريخ، ومسامع اللهجة تروي أفضل مما تفسره الوثائق. وهي تقول إن الواحة كانت أكثر من مجرد طريق، وأفضل من أن تكون معبرًا، وأهم من أن تكون مقصدًا فقط. وإذا كانت في الأمس واحة مقدسة بفضل ما كان يُروَى عن كهنة آمون، فإنها اليوم أكثر قدسية بفضل العمل الدءوب الذي يقوم على قدم وساق، لمستقبل جديد، تتحول فيه نبوءات الأساطير، إلى حقائق الحياة.

———————————-

صورة بالقمر الاصطناعي للصحراء الغربية في مصر حيث تقع «واحة سيوة». الخلاف على نشأة هذه الواحات محتدم بين العلماء، حيث لا يوجد ممر يربطها بالبحر. ومن ثم فكَّروا أنها نشأت بفضل حركة الرِّياح. ولكن مع التأكيد على دور الرِّياح، والجَزْم بأن تياراتها هي التي أعطت في «واحة سيوة» شكلها الحالي، فإن الحفريات تؤكد نشأة الواحة من قلب البحر المتوسط قبل 40 مليون سنة، لتصعد كجزيرة، مع انسحاب البحر إلى حيث يوجد الآن، بعد أن ترك صخوره وحفرياته لتدعم الجزيرة المتكونة. وقد أصبح سطح الصحراء الغربية ـ كله ـ مثل سطح مستو، مثل سرير عملاق من الحجر الكلسي الجيري. ومع عوامل التعرية عبر السنين، وتخلل المطر أجزاء السطح الجيري، بدأ تكوين الكهوف والقنوات التي تعبر تحت سطح الصحراء وقلب الواحات.

ينتشر ركوب الدراجات بين السياح بدرجة كبيرة، وفي ظل الشجر توجد مواقف للدراجات التي يستأجرها السائح للتجوال في الواحة بحرّية، فوق الطرق الترابية وبين مزارع النخيل. فضلا عن تنظيم رحلات السفاري بسيارات الدفع الرباعي.

في المدينة الملحية، غير المأهولة، وعلى باب المدينة مسجد من الملح، عرفناه بالرغم من أنه بلا مئذنة، لسبب يسير: لا يزال المحراب قائمًا، مدينة فريدة تستحق أن تضم إلى قائمة تراث الإنسانية الذي تسجله اليونسكو، من أجل الحفاظ عليه للأجيال القادمة، لأنها تضم ـ رُبَّما ـ أقدم عاصرة زيتون في مصر، وهي التي وهبت المدينة اسمها؛ «الزيتونة»! تقع «واحة سيوة» أسفل سطح البحر بنحو 65 قدمًا، ويقال إن بها 300 عين ماء، وربع مليون شجرة نخيل. ومما يروى في الأساطير عن خصب أراضيها أن شجرة برتقال واحدة أثمرت 14 ألف برتقالة! ويُزرعُ في «واحة سيوة» أيضا الزيتون والتين والمشمش والرُّمان والعنب والشمام. في كل منزل فرصة أن تنبع عين تفيض مياها عذبة! في يوم زفافها، ترتدي العروس السيوية سبع طبقاتٍ من الثياب. يمثل الرّقم سبعة فألا حسنًا، وهذه الأثواب السبعة تسمح للعروس بأن ترتدي كل يوم من أيام أول أسبوع لزواجها ثوبًا مختلفا. ويكون الثوب الأقرب للجسد شافًّا أبيض اللون، أما الثاني فيكون خفيفا قماشه أحمر، والثالث أسود، والرَّابع أصفر، والخامس أزرق، والسادس من الحرير الأحمر، والأخير من الحرير الأخضر! ويحتفظ متحف البيت السيوي بنماذج من هذه الثياب والحلي وأدوات بيتية انقرض استخدامها…… الصورة لسيدة متزوجة لا يبين منها شيء .

 

الرابط:

 

http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=7707 ] .(هامش)

 

 

مصر عبر التاريخ  في الأزمان الغابرة  :

 

على ماذكرناه  سالفاً يتبين لنا أن المصريين إما أبناء أنبياء أو أبناء أهل بيت النبي محمد عليهم السلام قال تعالى للعرب { ملة أبيكم إبراهيم – } ويقول المسعودي :

[كل قبطي في مصر يعرف نسبه واتصاله بمصر ابن بيصر ابن حام بن نوح – مروج الذهب ج1 ص357] .

وهذا أكسبهم الهدوء والصبر الشديد والعاطفة الجياشة وشدة البعد عن حب سفك الدماء والشجاعة كما بين ذلك المؤرحين وبيناه من قبل وإن شئت أن تعرف إيمان المصريين فانظر لإيمان السحرة لما قالوا لفرعون لعنه الله تعالى { لن نؤثرك على ما جائنا من البينات والذي فطرنا فاقض ماأنت قاض إنما تقض هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خيرُ وابقى إنه من يأت ربه مجرماً فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحى ومن ياته مؤمناً قد عمل الصالحات   فأولائك لهم الدرجات العلا- طه72-73}.

وعن رحلة مصر عبر التاريخ بينا ان ادريس عليه السلام وهو أخنوخ أو هرميس كان أول من خط بالقلم وكان بارعاً فى علم النجوم و الهيئة و هو ما يعرف بعلم التنجيم الأن ولكنه نبى يوحى اليه من الله تبارك وتعالى.

 

الفصل 6 :

 

مصر الثائرة  ذات النفوذ تنفصل سبع مرات على دولة الخلافة لقوتها وأمن الحاكم فيها على نفسه من الغوائل والإنقلابات :

 

مصر  المنافسة على الخلافة في الدولة العباسية : صدق قول عمرو ابن العاص بأن ولاية مصر تعدل االخلافة  كما سنوضح وتعدل ا

(1) مصر ميزان تمكين الدولة العباسية :

العباسيون هم سلالة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدع أحد من العباسيون لنفسه الخلافة طيلة القرن الأول الهجري فقد كرسوا جهودهم لمناصرة أبناء على بن أبي طالب حيث كانوا يرون أنهم أبناء بيت واحد هو بيت النبي عليه الصلاة والسلام

وقد توفي العباس زمن حكم معاوية ابن أبي سفيان سنة 32 هـ / 652م وسار ابنه عبد الله بن عباس على نهجه فى الإيمان بحق على بن أبي طالب فى الخلافة ، ثم تابع ابنه على بن عبد الله بن العباس السير على سياسة جده فى تأييده لأبناء على بن أبي طالب فى دعواهم للخلافة.

وكان أن أقام بن العباس فى مدينة الحميمة وهى قرية على أطراف الشام شرق الأردن ومعه نفر من أبناء على بن أبي طالب رضى الله عنه وعلى رأسهم أبو هاشم بن محمد بن الحنفية هربا من الأمويين ومراقبتهم للعباسيين والعلويين وتتبع نشاطهم ، وقد نجح أبو هاشم بن محمد فى تمهيد التشيع لأبناء على بن أبي طالب رضى الله عنه وخاصة بعد مقتل الحسين الأمر الذى أدي إلى خوف الأمويين من أبو هاشم مما دعاهم إلى دس السم له وعندما أحس أبو هاشم بدنو أجله أسرع إلى مدينة الحميمة حيث قام بالتنازل عن حقه فى الخلافة إلى على العباسي ، وهنا جاء هذا التنازل نقطة تحول هامة فى التاريخ الإسلامي إذ بدأ العباسيون يعملون على نقل الخلافة إلى بيتهم بعد أن اقتصر نشاطهم على مناصرة أبناء على بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد أجاد العباسيون تنظيم دعوتهم حتى بعد وفاة على العباسي وانتقال الخلافة إلى ابنه محمد الذى قام بتعبئة صفوف الرافضين للخلافة الأموية دون إثارة الشكوك ضده ، فكانت الدعوة التى يدعون إليها هي ” الرضا من آل محمد ” دون تحديد للبيت المقصود له الخلافة ، ولقد بدأ العباسيون يدبرون أمر دعوتهم فى مدينة ” خراسان ” ولكن تقرر على أرض مصر مصير هذه الدعوة بالرغم من قيامها ببلاد فارس حيث أعلن قائد العباسيين أبو مسلم الخراساني الثورة على الأمويين سنة 129 هـ ودارت بين الأمويين والعباسيين معركة بدأت أولا عند نهر الزاب أحد روافد نهر دجلة ثم نقلت المعركة إلى مصر حيث انتصرت جيوش العباسيين بقيادة صالح بن على العباسي على الأمويين وقتل الخليفة الأموي مروان الثاني فى شهر ذى الحجة سنة 132هـ وذلك عند بلدة أبو صير من أعمال الجيزة .

بعد انتصار العباسيون على الأمويين وتمكنهم من الخلافة ودخولهم مصر قام القائد العباسي صالح بن على بإقامة عاصمة له بمصر أطلق عليها اسم ” العسكر ” وذلك سنة 132 هـ / 750 م بدلا من مدينة الفسطاط التى أقامها عمرو بن العاص ، وكانت مدينة العسكر تقع فى الفضاء الواقع فى الشمال الشرقي من الفسطاط الممتد من النيل حتى جبل يشكر فى منطقة كانت تعرف فى صدر الإسلام باسم ” الحمراء (وهى حي السيدة زينب الآن من منطقة أبو الريش وزين العابدين وميدان السيدة زينب ومساكن زينهم)  القصوى ” ، كما قام الوالي صالح بن علي بتشييد ” دار الإمارة ” إلى جانب ثكنات الجند ، وفى سنة 169 هـ / 785م أسس الوالي الفضل بن صالح مسجدا إلى جانب دار الإمارة بمدينة العسكر التى أخذ العمران يزداد بها حتى اتصلت بمدينة الفسطاط وأصبحتا مدينة واحدة خطت فيها الطرقات وشيدت بها المساجد والدور والأسواق .

وبعد تولية أحمد ابن طولون لمصر من قبل العباسيين سرعان ما كتشف بأن ولاية مصر اكبر من دولة الخلافة فسارع لتقوية جيشها واقتصادها والتحكم في مواردها نحو التنمية وتشييد وإقامة دولة كبرى للخلافة نواتها مصر فانفصل بها وبدات دولة الخلافة الطولونية كما يلي :

 (2) الدولة الطولونية  وانفصالها بمصر والشام عن الدولة العباسية:

(254-292)هـ/ 868-905م(

فى عهد الخليفة الواثق، كانت مصر من نصيب “باكباك” التركى حيث ازداد نفوذ الأتراك، وأخذوا يتولون المناصب الكبري، ويتقاسمونها فيما بينهم. , ولكن “باكباك” فَضَّلَ أن يبقى فى العاصمة “بغداد” ويبعث من ينوب عنه فى ولاية مصر.

ووقع الاختيار على أحمد بن طولون، ذلك الشاب الذى نشأ فى صيانة وعفاف ورياسة ودراسة للقرآن العظيم مع حسن صوت به، وكان والده مملوكًا تركيا بعث به وإلى بلاد “ما وراء النهر” إلى الخليفة “المأمون العباسي” ولما مات والده تزوج باكباك أمه.

وجاء أحمد بن طولون ليحكم مصر نيابة عن “باكباك” التركي، ولكن موقع مصر الجغرافي، وبُعد المسافة بين العاصمة المصرية “الفسطاط” والعاصمة العباسية “بغداد” شجع وإلى مصر الجديد على الاستقلال بها.فلم يكد أحمد بن طولون يستقر فى مصر سنة 254هـ حتى أخذ يجمع السلطة كلها فى يده.

لقد عزل الموظف العباسى المختص بالشئون المالية فى مصر واسمه “عامل الخراج” وصار هو الحاكم الإدارى والمالى والعسكري.وكان له ما أراد، فأقر الأمور فى البلاد، وقضى على الفتن، ونشر الطمأنينة فى ربوع الوادي، وعَمَّ البلاد الرخاء.

استقلال مصر عن الخلافة:

ولقد أتاحت له الظروف أن يعلن استقلاله بالبلاد فى عهد الخليفة المعتمد العباسي، عندما بعث ابن طولون بإعانة مالية للخلافة مساعدة منه فى القضاء على “ثورة الزنج”. ولكن “طلحة” أخا الخليفة بعث يتهم ابن طولون بالتقصير فى إرسال المال الكافي، ويتهدده ويتوعده، وهنا كان رد ابن طولون قاسيا وعنيفًا، ولم يكتف بهذا بل أعلن استقلاله بالبلاد.

وتأسست فى مصر “الدولة الطولونية” نسبة إلى منشئها أحمد ابن طولون، وراح أحمد بن طولون يعدّ جيشًا قويا لحماية البلاد داخليا وخارجيا؛ وقد بلغ جيش مصر فى عهد أحمد بن طولون مائة ألف جندي

القطائع عاصمة مصر:

وراح يفكر فى اتخاذ عاصمة له غير “الفسطاط” تضارعها وتنافسها، فاتخذ الأرض الواقعة بين السيدة زينب والقلعة وسماها “القطائع”، وعليها أقام جامعه الكبير الذى ما زال موجودًا حتى الآن، وجعله معهدًا لتدريس العلوم الدينية، وكان ابن طولون رجل صلاح وبرٍّ، يتصدق من خالص ماله فى كل شهر ألف دينار.
وقد رابطت فى العاصمة الجديدة طوائف الجند حيث أقطعهم أحمد بن طولون أرضًا يقيمون عليها.

حماية الثغور:

وأمام ما وصل إليه أحمد بن طولون من قوة، كان لابد أن تتقرب إليه الخلافة العباسية ليقف إلى جانبها فى مواجهة الروم البيزنطيين، الذين لا يكفُّون عن الإغارة من آسيا الصغري.

إن شمال الشام منطقة حساسة، وكانت المناطق الملاصقة للروم فيه تعرف باسم “إقليم العواصم والثغور” فهى تشتمل على المنافذ والحصون القائمة فى جبال طوروس.

فليس عجيبًا إذن أمام ضعف الخليفة وقوة أحمد بن طولون أن يعهد إليه بولاية الثغور الشامية للدفاع عنها ورد كيد المعتدين.

لقد كان أحمد بن طولون مهيأً لهذه المهمة وجديرًا بها، فبعث بجزء من جيشه وأسطوله ليرابط هناك على الحدود، يحمى الثغور، ويؤمن المنافذ والحصون.

الوحدة بين مصر والشام:

ثم يتوفى والى الشام التركى سنة 264هـ، فيضم أحمد بن طولون البلاد إليه لكى يستكمل وسائل الدفاع على إقليم الثغور.

وصارت مصر والشام فى عهد الدولة الطولونية وحدة لها قوتها فى الشرق العربي، تحمل راية الدفاع عن أرض الإسلام ضد الروم، بينما عجزت الخلافة العباسية فى ذلك الوقت عن مواجهة قوى الشر والعدوان، وأمام قوة أحمد بن طولون وقيامه بتوحيد الشام ومصر تحت إمرته خشى أباطرة الروم سلطانه، وخافوا سطوته، فبعثوا إليه يودون أن يعقدوا هدنة معه، بل لقد حدث أكثر من ذلك، لقد عزم الخليفة العباسى “المعتمد” على مغادرة البلاد سرّا فرارًا من سيطرة أخيه الموفق “طلحة”، فأين يذهب يا تري؟!

لقد قرر اللجوء إلى أحمد بن طولون صاحب القوة الجديدة فى مصر والشام، ولكن أخاه الموفق أعاده إلى عاصمة الخلافة بالعراق.

وظلت الوحدة بين الشام ومصر قائمة فى عهد أحمد بن طولون، وراحت قواته البحرية والبرية تحمى هذه الوحدة وتعلى قدرها فى شرق البحر الأبيض المتوسط.

ولاية خمارويّه:

ويتولى ابنه “خُمارويه” بعده حاملاً راية الدفاع عن مصر والشام كما كان أبوه. ولكن “طلحة” أخا الخليفة “المعتمد” يعود إلى محاولاته ودسائسه لإعادة مصر والشام إلى سيطرة الخلافة العباسية.

ويعد خمارويه جيشًا يتولى قيادته بنفسه، ويهزم قوات أخى الخليفة عند دمشق فى معركة “الطواحين” سنة 273هـ/ 887م، فلا يملك إلا أن يعقد مع “خمارويه” صلحًا اعترفت فيه الخلافة العباسية بولاية خمارويه على مصر والشام، ولأبنائه من بعده لمدة ثلاثين سنة. وكان نصرًا رائعًا أتاح له أن يسيطر على منطقة العواصم والثغور، وأصبح “خمارويه” قوة يرهبها الروم.

مصاهرة الخليفة:

وهكذا القوة تكسب أصحابها الاحترام والسيطرة والنفوذ، وتزداد العلاقة بين خمارويه والخلافة العباسية قوة، حيث يتزوج الخليفة المعتمد “العباسة” بنت خمارويه المعروفة باسم “قطر الندي”، وهى التى جهزها أبوها بجهاز لم يسمع بمثله.

وراح خمارويه يهتم بمرافق الدولة، ويخصص الأموال لمساعدة الفقراء والمحتاجين، ويشيد القصور الضخمة فى عاصمة أبيه “القطائع”. وظل خلفاء خمارويه فى الحكم ما يقرب من عشر سنوات بعد وفاته مقتولا عام 282هـ/ 895م.

إعادة الدولة إلى الخلافة:

لقد ولى مصر بعد خمارويه ثلاثة من آل طولون لم يسيروا على نهجه، بل انغمسوا فى اللهو والملذات، فكثر الطامعون فى الحكم، وانتشرت الفوضي، وانتهى الأمر بعودة جيوش الخلافة العباسية لاسترداد مصر من يد رابع الولاة الطولونيين عليها.

وفى سنة 292هـ/ 905م دخلت الجيوش العباسية القطائع تحت قيادة محمد بن سليمان وقد قبض على الطولونيين وحبسهم وأخذ أموالهم وأرسلهم إلى الخليفة، وأزال بقايا الدولة الطولونية التى حكمت مصر والشام مدة ثمانية وثلاثين عامًا.

ثم جائت الدولة الإخشيدية أيضاً لتفعل نفس الفعل وتنفصل عن دولة الخلافة بالعراق:

وبعد تولية كافور الأخشيد  يكتشف نفس ما اكتشفه ابن طولون بأن مصر أقوى من دولة الخلافة نفسها فيسير على نفس سيرته ونهجه وينفصل بمصر وأكثر دول شمال أفريقيا و الحجاز والشام  وبدات  الدولة الإخشيدية كما يلي :

(3) الدولة الإخشيدية وانفصالها بمصر والشام عن الدولة العباسية للمرة الثانية:

(323 – 358هـ/ 935 – 969م)

عادت مصر بعد سقوط الدولة الطولونية إلى الخلافة العباسية وعلى الرغم من ذلك ظلت ثلاثين عامًا تعانى من الاضطراب والفوضى والفتن الداخلية. وظل النفوذ العباسى غير مستقر فى مصر بعد زوال الدولة الطولونية. ويتطلع أحد القادة الأتراك فى الجيش العباسى فى مصر إلى الانفراد بالسلطة وحده دون القادة المتنازعين، والولاة العباسيين.

فيا ترى من هو؟ إنه “محمد بن طُغج الإخشيد”، لقد ساعده على ذلك ما قدمه من خدمات فى الدفاع عن البلاد ضد هجمات الدولة الفاطمية التى قامت فى تونس، وراحت تهدد مصر من جهة الشمال الإفريقي، وذلك فى عام (321-324هـ/ 933- 936). وفى سنة 323هـ/ 935م تولى الإخشيد ولاية مصر وصار الحاكم المطلق فى البلاد.

سبب التسمية:

ولكن من أين “لمحمد بن طغج” هذا اللقب “الإخشيد” وهو لقب إيراني؟

لقد رغب الخليفة “الراضي” العباسى فى اكتساب مودة محمد بن طغج إلى جانبه، فمنحه لقب “الإخشيد” وهو لقب إيرانى تلقب به الأمراء.

ويدل هذا على مكانة الإخشيد فى مصر وما بلغه من سلطان واسع ونفوذ كبير.

توحيد مصر والشام وبلاد العرب:

لقد أصبح “محمد بن طغج” مؤسس الدولة الإخشيدية فى مصر وإليه تنتسب أسرته. وظلت الأمور على ما يرام بين محمد بن طغج الإخشيد والخلافة العباسية حتى جاء اليوم الذى أرسل فيه الخليفة الراضى جيشًا بقيادة “محمد بن رائق” إلى الشام لانتزاع مصر من الإخشيد سنة 328هـ/ 940م.

وعندئذ ألغى الإخشيد اسم الخليفة العباسى من الخطبة وأعلن استقلاله بمصر، واستطاع هزيمة القائد ابن رائق والاحتفاظ بملكه سليمًا.

وكان ابن رائق قد هزم محمد الإخشيدى فى بداية الأمر، وانشغل جنود ابن رائق بجمع الأسلاب، فخرج كمين لابن الإخشيد عليهم، وهزمهم، وفرقهم، وتفرغ الإخشيد بعد هزيمة قائد الخليفة إلى الداخل، فنجح فى القضاء على الفتن والقلاقل الداخلية، وراح يعمل على دراسة أحوال العالم العربى المجاور لمصر.وأخذ يفكر فى وحدة تقف فى وجه العدوان الخارجى من قبل الروم.

وبعد سنتين من قيام الدولة الإخشيدية ضم الإخشيد إليه الشام بعد موت ابن رائق سنة 130هـ ؛ ليعيد القوة إلى الشرق العربي، وليتسنى له الوقوف فى وجه الروم البيزنطيين، وهنا خاف أباطرة الروم، وأسرعوا يخطبون وده كما فعلوا مع أحمد بن طولون.

وفى العام التالى لهذه الوحدة، مد الإخشيد نفوذه إلى مكة والمدينة، وراح يتولى أمر الحجاز ويشرف على الحرمين الشريفين.

ولقى الإخشيد ربه سنة 334هـ/469م.

إمارة كافور:

وبعد وفاته تولى وزيره أبو المسك كافور الوصاية على ولديه الصغيرين، وأثبت هذا الوصى مقدرة فى إدارة شئون البلاد والدفاع عنها ضد الأخطار التى تهددها من طائفة “القرامطة”، وأفلح فى القضاء عليها.

فلقد حافظ على وحدة مصر والشام وبلاد العرب، وامتد سلطان الدولة الإخشيدية إلى “جبال طوروس”، فى أقصى شمال الشام وصارت قوية الجانب يرهبها البيزنطيون.

وأبو المسك كافور هذا هو الذى خلع عليه الشاعر المتنبى أجمل قصائد المدح، ثم عاد وهجاه؟

نعم، إنه هو بعينه، فلقد كان المتنبى يطمع فى أن يوليه كافور “ولاية” تنافس مملكة سيف الدولة بن حمدان، فمدحه لينال رضاه، فلما لم يولِّه هجاه.

لقد بلغت إمارة كافور على مصر ثلاثًا وعشرين سنة حكم فيها باسم أبناء الإخشيد عدا سنتين انفرد فيها بالأمر وظل اسمه طوال هذه المدة موضع الهيبة والإجلال، ويدعي له من منابر المساجد من طرسوس بأطراف الشام ومصر والحجاز، ولقد كان كافور شهمًا جيد السيرة.

ترى من يخلفه بعد وفاته؟ وهل تظل الدولة الإخشيدية بعده رافعة أعلامها؟!

سقوط الدولة بعد كافور:

لقد لقي كافور ربه فخلفه “أبو الفوارس أحمد بن علي أبو الحسن” حفيد الإخشيد، وكان طفلا لم يبلغ الحادية عشرة من عمره، وكان لابد في مثل هذه الظروف أن تعود الفوضى إلى البلاد، وأن يكثر من حولها الطامعون واشتدت هجمات الفاطميين من بلاد المغرب على مصر حيث حاول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي الاستيلاء عليها، وعجزت الدولة العباسية عن الوقوف إلى جانب الإخشيديين، فلم يكن بد من استيلاء الفاطميين عليها سنة 358هـ/ 969م، ليحلوا محل الدولة الإخشيدية.

وهنا من الطبيعي أن تنشر الدولة العباسية كل لعائنها وجام غضبها على مصر في صورة أحاديث موضوعة أو مكذوبات تنسب لعلماء تذمها وأهلها ومن يسكنها أو حتى يمر بها  وبدات الخلافة الفاطمية بنفس طرق الخلافة الطولونية والإخشيدية ولكن بصورة أكثر تعقيداً بالنسبة للتنظيم السري الفاطمي والذي بدأ من الغرب في بلاد أفريقيا ( تونس)  ويخذل الشعب المصري جيش العباسيين بطريقته المعهودة في الفتح الإسلامي إذا بغض حاكمه  ويخرج لاستقبال خلفاء أهل بيت النبي عند الحدود الغربية للبلاد المصرية ويتخذونها مسقراً وعاصمة لخلافتهم ويبدأو عملية تنمية شاملة حقيقية للدولة المدنية والجيش المصري الذي كان نواة لكل الجيوش الزنجية والصقلبية والقبائل العربية ككتامة وزناته ويني هلال وغيرهم من قبائل الفتح العربي  وبدأت الخلافة الفاطمية .

 

(4) الخلافة الفاطمية  فى مصر 358- 567 هـ ( 969- 1171م ) والإنفصال الثالث عن دولة الخلافة :

 

أولاً : الدولة الفاطمية

 

  وهى دولة إمتد ملكها من الهند إلى المغرب (واستمرت في مجملها منذ بداية نشأتها حوالى خمسة وسبعون ومائتي عام  قال الذهبي في تاريخه :  [ لايعلم دولة إتسع ملكها و إمتد زمانها من الدولة العبيدية فقد إمتدت دولتهم من حيدر آباد بالهند إلى بلاد المغرب]. وهنا يبين تعالى لنا بالعقل إن كان لنا عقل أن أنجح دولة حكمت العالم وامتد ملكها وعظم واشتد كان بمركزية مصر لها لأنها بحكم موقعها الجغرافي وسط العالم العربي والأرض كلها ومن اجتياحها لابد وأن يمر على بلدان كثيرة وبالتالي لابد لمن يحتل مصر من الاستعمار أو من يحكمها من الخلفاء أن تكون أكبر قوة على الأرض لتغلب كل الدول والممالك في طريقها إليها أو على أقل تقدير بالاتفاق مع الدول حولها وهذا جعل موقع مصر لحكم العالم موقع حصين ومن هنا استمر ملك الدولة الفاطمية زمناً طويلاً حوالي الستة قرون وأما العراق فموطن القلاقل والانفصالات  والفتن لبعده عن مركزية العالم العربي وقربه من حدوده فهذا يضعف كل دولة تتخذ من العراق مركزاً لذلك كان في وجود الخلافة العباسية دولاً منفصلة بالفعل عنهم لايقدرون عليهم لبعد دولتهم عن مركزية الأحداث كما في دولة عبد الرحمن الناصر الأموي بالأندلس ودولة الأدارسة بالمغرب وابن طباطبا باليمن ودولة العلويين بالري وأصفهان وهذا لا يدل إلا على فشل إختيار مركزية مكان حكم الدولة ونعتقد أن الإستعمار الغربي أدرك ذلك لذلك قالوا في نظريتهم لحكم العالم من ملك قاهرة العالم وجزيرة العالم فقد ملك العالم وجزية العالم(الجزيرة العربية) بنفطها لأنها قبل النفط لم يكن لها مكانة تذكر بين الدول .

 

وعن الخلافة الفاطمية:

أول من دعا لهذه الحلافة عبيد الله المهدي في وقت كان الانتساب للبيت العلوي تهمة يقتل بها الرجل وهذا في عهد الخلافة الأموية وكذلك أشد  البلاء في الدولة العباسية أضعاف ماكان عليه العلويين في دولة بني أمية ومن لا يصدق فليراجع كتاب مقاتل الطالبيين للأصفهاني ليرى عدد القتلى من أهل بيت النبي والذي تضاعف عدة مرات في الخلافة العباسية  وعبيد الله المهدي [ ولد في (السلمية) في سوريا سنة 259 هـ، و مات و دفن في (المهدية) عاصمة دولته سنة 322 هـ عن عمر بلغ 63 عاما، أما مدة خلافته فهي 25 عاما (97

ـ 322هـ).- علي الشمري- مجلة النبأ عدد 38- رجب- 1420].

وهذا يعني أنه ولد قبل الإمام محمد ابن الحسن العسكري الثاني عشر بخمس سنوات أي في سنة 255للهجرة النبوية المباركة.

أول من دعا لهذه الحلافة عبيد الله المهدي في وقت كان الانتساب للبيت العلوي تهمة يقتل بها الرجل وهذا في عهد الخلافة الأموية وكذلك أشد في الدولة العباسية ومن لا يصدق فليراجع كتاب مقاتل الطالبيين للأصفهاني ليرى عدد القتلى من أهل بيت النبي والذي تضاعف عن عهد الأمويين وعبيد الله المهدي [ ولد في (السلمية) في سوريا سنة 259 هـ، و مات و دفن في (المهدية) عاصمة دولته سنة 322 هـ عن عمر بلغ 63 عاما، أما مدة خلافته فهي 25 عاما (97 ـ 322هـ).- علي الشمري- مجلة النبأ عدد 38- رجب- 1420].

 

فى سنة 280 هـ – 893 م ذهب أحد دعاة الشيعة وإسمة أبا عبدالله الشيعى أهل قبائل البربر فى بلاد البربر ( شمال أفريقيا) فاستمالهم ونجح فى دعوته بينهم وإنضموا إليه وأعلن بينهم أن الخليفة هو عبيد الله  بن محمد من نسل جعفر الصادق ( من نسل على ) فنجح فى دعوته وطرد الوالى العباسى سنة 296 هـ – 908 م واسمه الأمير ” الأغلٌبى” وأعلن أن عبيد الله هو خليفة المسلمين الحقيقى ورئيس دينهم المنتظر وأنه الإمام عبيد الله والملقب بالمهدى – وقال عبيد الله أنه من نسل السيدة فاطمه بنت محمد صاحب الشريعة الإسلامية لهذا سميت سلالته بالفاطميين ويشك كثير من المؤرخين السنيين فى صحة نسبه.

وذهب ” عبيد الله ” إلى بلاد المغرب وحكمها أربعة وعشرين سنة بعد أن مهد له طريق الحكم أبو عبد الله ( 297 هـ – 322هـ  , 910 م – 934م ) وأخضع له قبائل العرب والبربر , ولما صار الأمر كله بيده عمل على الضغط على أهل البلاد حتى يدينوا بالشيعة ولم يذر جهداً فى سبيل إبادة كل ما يخالف عقيدته أو الإباحات التى ظهرت إذ ذاك فى تلك الجهات ودان له الحاكم المسلم على جزيرة صقلية , ولما قويت شوكته ودان أهل البلاد لديانتة فخشى أن ينازعه ” أبو عبد الله ” سلطانه ففتك به وقتله خيانه غدراً مع أنه هو الذى أتى به إلى تلك البلاد داعياً لخلافته محارباً لإستتباب سلطانه .

وكان من أكبر أمانى عبيد الله احتلال مصر فأرسل لغزوها ثلاث جيوش على ثلاث مرات اثنان منهما بقيادة إبنه ” أبى القاسم ” فحال دون نجاحه فى احتلالها تفشى المجاعة في المغرب سنة 316 هـ – 928م ومره أخرى تفشى وباء فى الجيش المرسل وانتقل المرض منه بالعدوى بعد عودته إلى أهل المغرب ولما لم يستطع مد رقعه حكمه انشغل فى تدبير الأمور الداخلية بقية حياته وفى سنة 322هـ – 934 م خلفهُ إبنهُ الكبير ” أبى القاسم محمد” وقد لقب بإسم ” القائم بأمر الله ” وتطلع أبو القاسم إلى توسيع نطاق ملكه فأعد أسطولاً أغار على شواطئ كلاً من إيطاليا وفرنسا والأندلس وكان ينهب بلاد السواحل فى هذه البلاد , ولم ينسى حلم أبيه فى إحتلال مصر فأعد جيشاً قوياً وأرسله إلى مصر ولكن جيشه إنهزم من الجيش الذى قادة الإخشيد حاكم مصر فى ذلك الوقت , وظهرت له مشكله أخرى وهى ثورة فى الداخل قادها أبى يزيد الخارجى وأراد أن ينزع عنه الملك فلم يقدر التغلب عليه ولم يستقر الأمر له وكان حكمه مزعزعاً فى أوآخر أيامه 0

وخلفهُ ” المنصور إسماعيل ” سنة 334هـ – 946م فقهر أبى يزيد الخارجى سنة 336هـ 947م وقضى بقيه حياته فى الإهتمام بترسيخ حكمه داخلياً خوفاً من ثائر آخر فلم يحاول احتلال مصر – دكتور جمال سرور , الدوله الفاطميه فى مصر , ص 87].

وحكم الفاطميين 200 سنة جزء منها فى المغرب ثلاثه من الخلفاء وهم المهدى والقائم والمنصور ومدة حكمهم 74 سنة وجميع خلفائهم 14 خليفة 275 سنة وقد نقش الخليفة المعز لدين الله الفاطمى أول خليفة فاطمى يحكم مصر على بلاطة ( حجر ) وبناها فى باب القنطرة فى الجزء الأسفل ومن يريد قرائتها فليقرأها فهى ما زالت هناك حتى اليوم.

ثانياً:

وقفة مع الحضارة الفاطمية التي رسخت لعادات وتقاليد منذ الفراعنة هى سبب  رفض المصريين للمنهج الوهابي السلفي فيها

 

كما سنبين فيما بعد :

 

حضارة الدولة الفاطمية

 

صدق الله العظيم إذ يقول ” بلدة طيبة ورب غفور ” إذا رضى الله عن أمة نسأ لها في عمرها ومد لها فيه وبارك في بلادهم ورفع البلاد عنهم والعكس صجيج إذا غضب الله عن أمة سلط عليها حكامها ونزل البلاء بها والقحط والتسلط والدمار كما ترى الآن في مجتمعنا المصر خاصة والعربي عامة والفاطميين لما جمعوا بين مايرضي الله تبارك وتعالى وتعمير الدنيا بتوفير احتياجات البشر من مأكل وملبس اتسمت مصر حينها بالرخاء والإستقرار وبالتالي ساددت ثقافة البهجة بين الناس , لقد قال تعالى أن الخائف والجائع  لايعبدان الله حق عبادته ولذلك قال تعالى { فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } ولما كان آدم في الجنة عليه السلام ورزجه  قال تعالى أنه قد وفر لهما كل ما يحتاجان إليه من أمور معاشهما على أن يعبدوه ولا  يطيعون إبليس لعنه الله وإلا سيطرد منها إلى الجوع والعرب والمكابدة في الأرض قال تعالى { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ولا تظمأ فيها ولا تضحى – طه }  , وبالتالي أخذت مصر صفة الجنة لكل مؤمن في زمن الفاطميين كما سنبين إن شاء الله بهذ البحث وذلك لعدة أسباب منها :

1- تحقيق الإكتفاء الذاتي في كل احتياجات المسلمين من المأكل والمشرب .

2- انتشار روح التسامح الديني بين المسلمين بكافة مذاهبهم وأهل الديانات الأخرى  .

3- ارتفاع المستوى الثقافي والعلمي  للناس  بانتشار المكتبات والندوات العلمية  بما يجعلهم قادرون على تحليل الوضع السياسي للدولة تحليلاً سليما يقيها شر التفتت والإنقسام  .

4- الإعتماد على النفس في التسليح وتكوين جيشاً قوياً بإمكانيات مصري عربية خالصة  .

وبالتالي أمن الناس في معاشهم ومن عدوهم فسادت ثقافة البهجة بين الناس لعدم وجود مايؤرقهم

وقد قسمنا هذا البحث إلى ثلاثة محاور الأول أشهر الصناعات التي أدخلها الفاطميون في مصر وما كان الأقباط يساهمون به في هذه الدولة من صتاعات ورأيهم الإيجابي في هذه الدولة المسلمة .

والمحور الثاني نتيجة لهذه الصناعات ازدهرت الحياة الإقتصادية في مصر ولذلك أتينا بوصفها من كتاب سفر نامة للرحالة الإيراني ناصر خسرو  والذي بين مظاهر الكرم والبذخ والإحتفالات والعادات المصرية التي نبيت على الثقة بين الراعي والرعية  وأشار إلى أشهر قانون  لم يكن موجوداً في كل بلدان العالم الإسلامي وكان معمولاً به وقتها في مصر وما أحوجنا إليه الآن وهذا القانون هو قانون معاقبة الكذاب فإذا كذب التاجر وضع على جمل وفي يده جرس ويطاف به ويقول بأعلى صوته أنا الكذاب لذلك أنا أعاقب ” ولذلك سادت هذه الدولة كل  العالم  بسمو أخلاقها وصدقها مع ربها ورعيتها وفي المحور الثالث تكلمنا على مظاهر الأعياد والإحتفالات  والعادات والتقاليد الطيبة التي بثها الفاطميون وعشقها  المصريون والسوريون حتى أخذوا يتوارثونها على الرغم من حقد أعدائهم الغير منصفين عليهم كعادتهم بغضاً لذرية رسول الله صلى الله عليه وآله في كل زمن فيقتلونهم بشتى التهم والأسباب .

 

نسب الفاطميين الأشراف

 

تم لطعن في النسب الفاطمي الشريف ولكن لا عبرة بهذه الطعون الصادرة من ملاعين لعنهم الله تعالى ورسوله حيث قال صلى الله عليه وآله [ ” إثنان هما  بهم كفر النياحة على الميت والطعن في الأنساب ”  –  رواه أحمد وصححه الألباني في كتاب الجنائز ص 167 .

 

وبالتالي  لايجوز الطعن في نسب أي شخص عادي فما بلكم بمن أسقطوا نسب طائفة من أولاد رسول الله صلى الله  عليه وآله فهو خصمهم في الدنيا  ويوم القيامة . ولا مجال للطعن فيهم إلا إذا خطط لحربهم عدو لهم  , وقد كان لهم ما أرادوا في خلافة الفاطميين التي اختفت من كل كتب التاريخ تماماً لا يعلم عنها إلا النذر اليسير .

وأما عن صحة النسب فمن أحب قوماً حشر معهم كما قال النبي صلى الله عليه وآله هذا إن لم يكونوا منسبين للنبي صلى الله عليه وآله وأما أن يعترف بنسبهم السادة الأشراف ونقيبهم السيد الشريف الرضي كما في الكامل لابن الأثير  فلا يجوز بعد ذلك تكذيب نسبهم إلا من مغرض محارب لله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام , قال ابن الأثير : [ أول من ولي الخلافة منهم محمد ابن عبد الله ابن ميمون ابن محمد ابن إسماعيل ابن جعفر ابن محمد ابن علي ابن الحسين ابن علي ابن أبي طالب وقيل هو عبيد الله ابن أحمد ابن إسماعيل الثاني ابن محمد ابن إسماعيل ابن جعفر ابن محمد ابن علي ابن الحسين ابن علي ابن أبي طالب  وقد اختلف العلماء في صحة نسبه فقال هو وأصحابه القائلون بإمامته : إن نسيه صحيح على ما ذكرناه ولم يرتابوا فيه  وذهب كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى مواقفهم أيضاً ويشهد بصحة هذا القول ما قاله الشريف الرضي :

 

ما مقامي على الهوان وعندي ألبس الذل في البلاد الأعادي   مقول صارم وأنف حمي وبمصر الخليفة العلوي
من أبوه ابى ومولاه مولا ي   لف عرقي بعرقه سيد الناس   اذا ضامني البعيد القصي  جميعاً محمد وعلي
  • إن ذلي بذلك الجو عز وأوفى بذلك النقع ري –  الكامل لابن الأثير ج8
  • ص24-25 .

ويؤكد ابن خلدون  بأن المتزلفين لخلفاء بني العباس هم من نشر تلك الفرية فيقول في مقدمته :

[ و من الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين و الأثبات في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان و القاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم و الطعن في نسبهم إلى اسماعيل الإمام ابن جعفر الصادق يعتمدون في ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس تزلفاً إليهم بالقدح فيمن ناصبهم و تفنناً في الشمات بعدوهم حسبما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم و يغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات و أدلة الأحوال التي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم و الرد عليهم. ص7].

 

أولاً

القوة الإقتصادية

 

 التي بنيت عليها الدولة لفاطمية

 

ملامح الدولة الفاطمية

 

كان للفاطميين أثر كبير في التاريخ الإسلامي بشكل العام والمصري بشكل خاص، حيث تقدمت العلوم والفنون في عهدهم وكانت القاهرة حاضرة زمانها يفدها الطلاب من أنحاء العالم للتزود بالعلم والمعرفة وبنيت بها دار الحكمة والأزهر وانتشرت الكتب وجعل المال من أجل الشعراء والأدباء، وارتبطت الكثير من العادات والتقاليد والطقوس بالدولة الفاطمية في مصر حيث مازال التاثير الفاطمي يظهر في مصر أثناء شهر رمضان والأعياد.

بل إن بعض مؤرخي تاريخ المسرح العربي يرون ان بذور المسرح كانت بدأت في الظهور في العصر الفاطمي من خلال ما يسمى بالمهرج والحاوي أثناء الإحتفالات في العصر الفاطمي.

وتميز العصر الفاطمي بالاهتمام بالأعياد والإحتفالات ونرى المقريزي يمعن في وصف الإحتفالات والمواكب الخاصة بالخلفاء.

ومازل المصريون يتذكرون موكب حصان الخليفة المهيب الذي كان يخرج يوم المولد النبوي فيصنعون حلوى تشبه هذا الحصان.

وارتبط العصر الفاطمي بكثير من الحكايات الشعبية المصرية التي ليس لها سند تاريخي ولكن يتناقلها الناس من جيل إلى جيل كحادثة نقل جبل المقطم على يد سمعان الخراز والقصص المرتبطة بالشاطر حسن وأيضا الحواديت المرتبطة بست الملك أخت الحاكم بأمر الله. وغيرها الكثير.

 

وفي العصر الفاطمي يعود أقباط ويهود مصر في الظهور على مسرح الأحداث من جديد فإذا استثنينا السنوات الأخيرة من عهد الحاكم بأمر الله نجد أن باقي العهد الفاطمي كان عهد حريات للأقباط واليهود وبعضهم وصل إلى أرقى مناصب البلاط الفاطمي. وهذا التغيير ساهم في منح الاقليات الأخرى بالمساهمة الفعلية في تقبل الأخر وقد قامت الدولة بإشراك وزراء سنة مثل رضوان وصلاح الدين الذي انقلب على الدولة انذاك. وقد قام الداعي المطلق إدريس عماد الدين القرشي بالشرح الوافي عن تطور الدولة الفاطمية والمعارك التي خاضتها مع قبائل المشرق والكتاميين ضد فضل بن ابي يزيد وقبائلة التي انتهت لصالح المنصور بالله. أيضا قام بتفصيل مراحل الخلفاء ومنجزاتهم في عدة كتب قد فقد بعضها.

 

العمارة في الخلافة الفاطمية

 

امتدت مرحلة العصر الفاطمي نحو مائتي عام، وسادت روح الترف في هذه الفترة في كل شيء. وفي خطط المقريزي ما يعكس صورة هذه الحياة بأبهى مظاهرها. وكان مذهب الحاكمين هو المذهب الشيعي، بينما كان أغلب الشعب يتبع مذهب أهل السنة.

 

وكل ما لدينا عن قصور الفاطميين إنما استقيناه من أقوال المؤرخين. وهي “في تونس” إلا فكرة خيالية عن فخامتها، فكان لهم في القاهرة قصران متقابلان أحدهما الشرقي وله تسعة أبواب ويبلغ طول واجهته 345 مترا.

وترتبط المساجد الفاطمية في القاهرة تارة بابن طولون في استعمال الأكتاف، وتارة بسيدي عقبة في استعمال المجاز المرتفع الذي يقطع رواق القبلة. وقد اقترن هذا العصر بعدة ظواهر معمارية منها استخدام الحجر المنحوت لأول مرة في واجهات المساجد بدلا من الطوب، ثم تزيين هذه الواجهات بالزخارف المنوعة المحفورة على الحجر. بعد أن كنا نشاهدها في جامع عمرو وجامع ابن طولون عارية من الزخارف. ومن أمثلة هذه الواجهات واجهة مسجد الحاكم والأقمر. حيث نرى في واجهة الأخير وردة بديعة محفورة ومفرغة تذكرنا بالتفوق الفني على نظيرها في طراز قرطبة.

وكانت القباب في ذلك العصر صغيرة وبسيطة. سواء من الداخل أم من الخارج. وظهر تضليعها أول مرة في قبة السيدة عاتكة ق 12م. وتطور أركان القبة نحو المقرنصات المتعددة الحطات. حيث بدأ بطاقة واحدة. كما في جامع الحاكم ثم بحطتين في قبة الشيخ يونس والجعفري وعاتكة.

 

أما الزخارف المعمارية فقد بلغت الغاية في الجمال سواء أكانت في الجص أم في الكتابة الكوفية المزهرة التي كانت تحتل الصدارة في المحاريب وطارات العقود والنوافذ. وكذلك الزخارف المحفورة في الخشب سواء في الأبواب أم المنابر أم المحاريب المنقولة أو في الروابط الخشبية التي تربط العقود .

المصدر  :كتاب: الفن الإسلامي أصوله فلسفته مدارسه، للمؤلف: بو صالح الألفي.

الدولة الفاطمية الكبرى، مختارات من عارف تامر، المكتبة الفاطمية (3)، دار آل البيت، ط1، 2007.

كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي المؤلف عبد الرحمن أبى بكر السيوطي

الرابط :

http://ar.wikipedia.org/wiki/خلافة_فاطمية.D9.86.D8.B3.D8.A8.D9.87.D9.85. ] .(هامش)

لقد تم تاسيس الدولة الفاطمية على دعائم اقتصادية قوية تقوم عليها اقوى بلدان العالم في كل زمن وهى القوة الصناعية التي ينهض بها المجتمع مع البعد عن الفتن الداخلية نشر ثقافة الحب والوفاق والوئام بين تكتلات الأمة فحققوا  قوة إقتصادية كبرى ومن ثم دولة قوية ذات بهجة ناتجة عن رفاهية حققتها الدولة من فائض في الإنتاج وهذا لا يتم إلا في وجود قادة مخلصون لبلادهم محبين لأوطانهم وهنا سنبين إن شاء الله الصناعات التي أسستها الدولة الفاطمية في مصر كما يلي :

 

صناعات

 

(1)

 

الأثاث وتأسيس مدينة لصناعة الأثاث

( المناصرة بالقاهرة)

 

[ على الرغم من شهرتها الواسعة في صناعة الموبيليا اليدوية، وملتقى أمهر الأسطوات والصنايعية من شيوخ المهنة وشبابها، إلا أن الغالبية العظمى من المصريين يسمعون عنها فقط، ويجهلون الطريق إليها بالرغم من أنها تقع في قلب القاهرة! «سكة المناصرة».. سميت بهذا الاسم نسبة إلى الخليفة المنصور بالله والد المعز لدين الله الفاطمي ويرجع تاريخ إنشائها إلى سنة 971 ميلادية الموافق 360 هجرية……-  المصدر :

جريدة الشرق الوسط :

السبـت 30 ذو القعـدة 1429 هـ 29 نوفمبر 2008 العدد 10959

الرابط :

http://www.aawsat.com/details.asp?section=54&article=496781&issueno=10959 ] .(هامش)

 

 (2)

صناعة الزجاج

 

كما اشتهر الفاطميون بتطور الصناعات الفنية من الزجاج النقي (الكريستال) والخزف. ومن أمثلة هذا الفن في العصر الحالي إبريق من الكريستال المحفور يصل عمره إلى ألف عام، كان قد صنع خصيصا لبلاط الفاطميين في القاهرة وعرض في صالة مزاد كريستي وقدر خبراء قيمته ب 3 ملايين جنيه استرليني (5.3 مليون دولار). -] .

(3)

الخزف في العصر الفاطمي

أنتج خزَّافو العصر الفاطمي أفخر أنواع الخزف وأبدع زخارفه، وكانت الفسطاط أهم مراكز صناعة النوع ذي البريق المعدني منه في ذلك العصر. وفي العصر الفاطمي ظهرت توقيعات الخزَّافين على

منتجاتهم، وإن كانت هناك قِطَعٌ كثيرة تُركت بدون توقيع. وفي هذا الإطار عُرف مسلم  ابن الدهان وإبراهيم وسعد بمصر ولطفي  وعلي البيطار وهيثم بن إبراهيم وجعفر ومترف أخو مسلم وأحمد الصيَّاد وغيرهم، ممَّا يدل على نشاط صناعة الخزف ورواجها. وكان لكل فنَّان أسلوبه في رسم الأشخاص والزخارف وشكل الأواني التي ينتجها. ولاشك في أنَّ الخزف الفاطمي هو استمرار للخزف الذي أنتج في العصر الطولوني متّبعًا التقاليد القبطية، والذي استمدّ بعض زخارفه من الأسلوب الساساني والصيني. وقد تطوَّرت زخارف الخزف في العصر الفاطمي حتى أصبحت ذات طابع خاص يعبِّر عن صميم الحياة الاجتماعية في مصر. وكانت الزخارف التي تُرى على الخزف اقتباساً من الزخارف النباتية والحيوانية ورسوم الطيور التي ظهرت على الخشب والعاج والمعادن في هذا العصر، وهكذا انتشرت  رسوم الحيوانات  الممسكة في أفواهها فروعًا نباتية. أما الأواني التي ضمَّت رسوم شخوص، فقد كانت  مساحة الزخرفة فيها تشمل رسم شخص واحد، يحيط به خطّ يفصله عن الزخارف التي تحيط به. وتميِّز رسوم الشخوص الوجوه القمرية المستديرة والعيون اللوزية، ويضع الرجال العمائم فوق رؤوسهم فيما تعتمر النساء العصائب أو التيجان. أما الملابس فكانت فضفاضة، وقد حليت ملابس النساء بزخارف نباتية ومطرَّزات على الأكمام والأكتاف.  وتعطينا هذه الرسوم فكرة عن ثياب ذلك العصر وزخارف المنسوجات وتطريزاتها. وفي متحف الفن الإسلامي بالقاهرة صحنان يمثِّلان ذلك النوع من الزخارف الآدمية، وعلى أحدهما، المسجل بالرقم (14923).

موضوع تصويري زخرفي يمثل سيِّدة  تعزف على آلة موسيقية وترية تشبه القيثارة، رقيقة الوجه  تتدلى على جانبيه خصلتان من الشعر، تعتمر غطاءً كبيراً مزخرفاً بشرائط، وترتدي ثوبًا يغطي الجسد تقريبًا، واسع الأكمام مزين بأشرطة وأشكال صليبية… أما زخارف طيّات الثوب عند الأرجل فقد تميَّزت بها  الملابس الفاطمية.   وعلى يسار السيدة رسم  إبريق دقيق التصميم. تحيط به أوراق نباتية محوَّرة ومناطق زخرفية غير منتظمة تملؤها زخارف دقيقة حلزونية، وحملت حافة الصحن  زخارف مثلثة مسنَّنة تشبه أسنان المنشار. وعلى الصحن الثاني، وهو ذو بريق معدني أيضًا، رسم أميرة جالسة وفي كلتا يديها كأس، وعلى رأسها تاج، ترتدي ثوباً فضفاضاً مزخرفاً بتفريعات نباتية سيقانها ذات عقود، دائرية حلزونية تنتهي كل منها في وسطها بورقة نباتية، والأكمام  مطرَّزة. ويفصل الرسم عن الزخرفة خطّ يحوي مناطق بها خطوط حلزونية منقَّطة في وسطها، وقد زيّنت حافة الصحن  بمناطق لوزية، يحيط بكل واحدة منها قوس.

زخارف لسيدة مرسومة بالبريق المعدني فوق طلاء زجاجي

وعند نهاية الضفيرة فوق ذراع الأيسر لرسم الأميرة وقَّع صانع الصحن اسمه..>جعفر<. أما في رسوم الحيوان فقد وُجد بعضها يحتوي على أجنحة، ومن المحتمل أن يكون ذلك طرازًا ساسانيًا، أو ينتسب إلى عقيدة دينية. ولقد ذكر ابن إياس >أن المنجِّمين نصحوا المعزّ لدين اللَّه بالاختفاء في سرداب تحت الأرض، فاختفى المعزّ ثلاثة شهور. ولمَّا طالت غيبته على جنده ظنُّوا أنَّه رُفع إلى السماء فكان الفارس من عسكره إذا نظر عالياً إلى الغمام  ينزل عن فرسه ويقول: >السلام عليك يا أمير المؤمنين<. وقد بقوا على ذلك الحال حتى ظهر المعز من السرداب وجلس على سرير ملكه.  وأظن أن رسوم الحيوانات الخرافية والخيول المجنّحة قد عبَّرت عن هذه الفكرة، فإذا عرفنا أيضًا أن معظم الفُرْس وقتذاك كانوا من السنَّة، وأنهم هم أنفسهم قد أقلعوا عن استخدام الأجنحة الساسانية الملكية في زخارفهم، فإن الرأي يميل إلى فكرة أن الأجنحة تعبِّر عن عقيدة مذهبية. وفي متحف الفن الإسلامي بمصر طبق من الخزف، مسجل بالرقم (14467)، مزخرف فوق الطلاء الزجاجي بأسلوب البريق المعدني، عليه طائران خرافيان كل منهما برأس آدمي. البدنان متدابران والرأسان متقابلان، بينهما شجرة الحياة. وقد استمد الموضوع الزخرفي بالكامل من أساطير وفنون شرق العالم الإسلامي القديمة. وتحيط بالطائرين مناطق زخرفية من دوائر غير منتظمة، بداخل كل منها دائرة صغيرة، وهو أسلوب زخرفي ظهر على الخزف الفاطمي المبكر تقليدًا للخزف في العصر العباسي. وينتمي هذا الطبق إلى إنتاج الخزاف الفاطمي المشهور  أبو القاسم >مسلم<، بن الدهان الذي عاش وأنتج في الفسطاط في عصر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (1021-969)م. وكانت لهذا الخزاف ،  مدرسة في في الزخرفة بأسلوب البريق، انتمى إليها وقلد أساليبها العديد من الخزافين الفاطميين، منهم شقيقه >مترف<، و> أحمد الصياد <وابنه >علي قور< و>الطبيب<، و>أبو الفرج< و>جعفر البصري <وغيرهم. كما يوجد بالمتحف طبق من الخزف، مسجل بالرقم (14933)، له حافة مفصَّصة بزخارف مرسومة بالبريق المعدني على الطلاء الزجاجي. وقوام الزخرفة الرئيسة رسم حيوان خرافي مجنح، مستوحى من الأساطير الساسانية والهندية القديمة، ضخم البدن ويتسم بالجمود الذي تميَّزت به منتجات >مسلم< المبكرة ومدرسته. كما أن تفاصيل البدن محوَّرة، وربما قصد الخزَّاف ذلك، أو أنه عبَّر عن هذا التحوير بإمكاناته الفنية المحدودة في إنتاجه المبكر، حيث نرى رسوم الحيوان في المراحل التالية من إنتاج >مسلم< ومدرسته قد تخلَّصت من هذا الجمود واكتسبت قدرًا كبيرًا من الليونة والقرب من الطبيعة.

رجلان يمارسان لعبة التحطيب

تملأ المساحات المحيطة ببدن الحيوان الخرافي مناطق غير منتظمة من دوائر، بداخل كل منها دائرة صغيرة، وهي الزخرفة المعروفة باسم >عين الديك<، التي استخدمت في الصناعات العباسية والطولونية. واختفت هذه المناطق من إنتاج >مسلم< ومدرسته في مراحله التالية المتطورة. وفي المساحات الخالية من المناطق الزخرفية حول بدن الحيوان، رسم الخزَّافُ أوراقًا نباتية محوَّرة كان من شأنها أن تحقق التوازن الزخرفي والوحدة للموضوع . ويتميَّز هذا الطبق عن غيره، من معظم أطباق الخزف الفاطمية المزخرفة بأسلوب البريق، بحافته المفصَّصة التي أضفت عليه قدرًا من الخصوصية والتميُّز. وقد رسم الخزَّاف في مناطق متفرقة من الحافة  أنصاف دوائر بالبريق البني الذهبي. ويضم متحف الفن الإسلامي سلطانية صغيرة من الخزف، مسجلة بالرقم (14402)، مزخرفة بالبريق المعدني فوق الطلاء الزجاجي الشفاف باللون البنِّي الذهبي. وهذا  الموضوع  جديد ومبتكر في  زخرفة البريق المعدني الفاطمي. ويبدو أن الطبق من الإنتاج الفاطمي المبكِّر، في أواخر القرن العاشر أو أوائل القرن الحادي عشر، حيث نرى تأثير الفنون الإيرانية بوضوح. وقد لجأ  الخزَّاف إلى الرمزية في التعبير عن حبّ ملكي، تمثِّله حمامتان في وسط الإناء، منقاراهما متماسان، وفوق رأس كل منهما حلية تشبه التاج. ولعلّ الطائرين من تلك التي عرفت في الفن الإيراني بـ >طيور العشق<، الجبلية المعروفة في إيران.. وفوق الحمامتين إناء كأسي الشكل يشبه المشكاة، بدنه مزخرف بدوائر بيضاء، وعلى الجانبين طائران بدناهما محوران والذنبان عريضان، ويتدلى من فم كل منهما فرع ينتهي بورقة نباتية محوَّرة، على رأس الطائر الأيسر حلية تشبه التاج منفَّذة بالأسلوب المألوف في الفن الإيراني.. على ظهر كل من الطائرين ورقة نباتية محوَّرة.. وعلى أسفل جانبي السلطانية  ورقتان نباتيتان محوَّرتان، تحتهما ورقة  خماسية،  وفي المساحات الخالية بين الطيور والأوراق النباتية والإناء الكأسي، تتناثر أوراق نباتية صغيرة محوَّرة.

كما يوجد بالمتحف طبق من الخزف، مسجل بالرقم (13478)،  نفِّذت زخارفه بالبريق المعدني فوق طلاء زجاجي زبدي اللون، حيث سيدة في  جلسة  أمامية، الذراعان مرفوعان قليلاً وفي اليدين كأسان مزخرفتان. تعتمر غطاء  يشبه التاج، وقد أدارت بوجهها قليلاً نحو ذراعها الأيمن. الوجه دقيق والحاجبان متصلان على شكل قوسين متلامسين، و الشعرالخفيف ينسدل على الأكتاف. الثوب  فضفاض بأكمام واسعة،  مغطى بزخارف من أوراق نباتية كبيرة مسنَّنة ومحوَّرة داخل دوائر حلزونية. أما الأرضية المحيطة برسم المرأة فقوامها مناطق غير منتظمة، تتألف من دوائر من النوع المعروف باسم >عين الديك< المأخوذ من الزخارف العباسية والطولونية. فيما حافة الطبق مزخرفة بأنصاف دوائر >فستونات<  متتابعة ومألوفة في منتجات >مسلم بن الدهان< ومدرسته وتلاميذه. وفوق اليد اليسرى بجوار الكأس نرى توقيع الخزَّاف >جعفر< مكتوبًا بخط بسيط.  وتشير  الأدلة الأثرية إلى أن >جعفر< هذا عمل في وقت واحد مع الخزَّاف >مسلم بن الدهان< ، إذ  وُجد توقيعا الإثنين  على جزء من طبق من الخزف إلى جانب بعضهما، مما يدل على أنهما عملا معًا في وقت معاصر. ويظهر توقيع >جعفر< على طبق خزف آخر باسم >جعفر البصري<.

زخارف لسيدة جالسة

ويوجد في المتحف أيضًا طبق من الخزف، مسجل بالرقم (7900)، مشغول بأسلوب البريق المعدني  باللون الزيتوني فوق طلاء زجاجي أبيض. يمثِّل مركباً كبيراً  بأربعة عشر مجدافًا،  ويظهر الخطاف أو >الهلب< عند مقدمة المركب ومؤخرته. والشراع على شكل مثلث، وهو الشراع العربي الأصيل،  تغطيه بالكامل زخارف معيَّنة الشكل. ويظهر صاريان في المقدمة والمؤخرة على كل منهما ثلاث رايات مثلثة تبين اتجاه الريح، وبالتالي اتجاه سريان المركب. ولم ينس الخزَّافُ تعبئة الفراغ بين الصاري والشراع بزخرفة من فروع نباتية محورة. وتظهر أسفل المركب ثلاث سمكات تتجه يسارًا ، وقد قصد الخزَّاف ذلك لتعطي إيحاءً طبيعيًا بالإبحار. تزين حافة الطبق أنصاف دوائر، وعلى ظهره  أربع مجموعات من دوائر، كل اثنتين منها متّحدتان في المركز، وتضم الدائرة الداخلية منها كتابة شبه كوفية. كما يوجد بالمتحف طبق عميق من الخزف جدرانه منفرجه إلى الخارج، مسجل بالرقم (14930)، مزخرف بطلاء زجاجي سمني اللون مرسوم عليه بالبريق المعدني زيتوني اللون،  وموضوع الزخرفة دائرة في وسط القاع بداخلها رسم حيوان خرافي يسير نحو اليسار، له رأس نسر وجسم أسد تظهر فيه بعض التفاصيل التشريحية. الجناحان يخرجان من الأرجل الأمامية في شكل لوزي مع انحناء الطرف العلوي قليلاً إلى الأمام وانتهاء الطرف بشكل ورقة ثلاثية محورة، ويخرج من الظهر   الحيوان، الذي يمسك في فمه بورقة نباتية محوَّرة، فرع نباتي محوَّر، وهو أسلوب مستمد من رسوم الطيور في الفن الساساني. وحول الدائرة المركزية أربع جامات لوزية في وضع متعامد، بداخل كل جامة ورقة نباتية كبيرة محوَّرة. وتملأ الفراغات بين الجامات رسوم نباتية محوَّرة بأوراق تشبه ما حملته الزخارف الطولونية. وتلعب الزخارف النباتية دورًا رئيساً مع رسم الحيوان المجنح في زخرفة هذا الطبق، وقد وضع الخزَّاف توقيعه علىه بعبارة: >عمل مسلم بن الدهان< بخط بسيط تحت إطار إحدى الجامات. ويظهر التوقيع مقلوبًا أمام مقدمة الحيوان. ويعتبر هذا الطبق، بشكله وزخارفه ولون طلائه وبريقه،  مثالاً جيدًا للإنتاج البكّر للخزَّاف >مسلم<  في عصر الحاكم بأمر الله 1021-996م. ويعتبر >مسلم< رائدًا لمجموعة من خزَّافي العصر الفاطمي المبكر، الذين عاشوا وأنتجوا في الفسطاط. فقد أمدَّتنا حفائر الفسطاط بقطع عديدة تحمل توقيعه، ونجد في أوانيه أطباقًا عميقة ذات جدران مائلة، وأخرى مقعرة تنتهي من أعلاها بحافة مسطحة بارزة إلى الخارج، وبعضها قليل العمق قصير الجدران يميل إلى التسطح. وقد تأثرت زخارفه بأسلوب العصر الطولوني وخزف سامرَّاء. وتمتاز أواني >مسلم< بأن قاعدتها قليلة الارتفاع، وبأن الطلاء الزجاجي يغطي سطح الإناء كله بما فيه القاعدة. ويغلب على منتجاته استعمال نوع من الطلاء المعدني ذهبي اللون بدرجة من الاخضرار. إلى ذلك يوجد المتحف الإسلامي طبق من الخزف، مسجل برقم (14931)، مصنوع بأسلوب البريق المعدني على طلاء زجاجي. وقوام هذه الزخرفة دائرة كبيرة في قاع الطبق، بداخلها نجمة سداسية تضم عصفورًا في فمه فرع نباتي، وفق الأسلوب الساساني المألوف الذي يظهر كثيرًا في منتجات >مسلم< ، وحول العصفور زخارف نباتية محورة. أما المناطق المثلثة المحصورة بين رؤوس النجمة فتحتلها مناطق مثلثة من دوائر غير منتظمة من النوع المعروف باسم >عين الديك< المأخوذة عن الزخارف العباسية والطولونية. ونلاحظ هنا أن هذه الزخرفة أخذت تتضاءل تمهيدًا لاختفائها في المراحل المتقدمة من إنتاج >مسلم<. أما  العنصر الرئيس في الزخرفة على الطبق فهو شريط عريض من كتابة بالخط الكوفي المورَّق يلتف حول الدائرة المركزية، وهي منفذة على أرضية من الزخرفة النباتية المحوّرة من فروع ملتفة وأوراق ثلاثية. وتقرأ الكتابة: >بركة كاملة ونعمة شاملة له<، وهي من العبارات الدعائية الشائعة التي ظهرت على منتجات العصر الفاطمي. وقد استخدم مسلم الخط الكوفي في زخرفة الكثير من أوانيه وأطباقه من الداخل، وكان يجتهد في إكساب الحيوانات والطيور قدرًا كبيرًا من المرونة والحيوية حتى يخلِّصها من مسحة الجمود التي ميزت إنتاجه المبكر.

 

عصفور تعلوه عبارة: بركة كاملة ونعمة شاملة له

وقد تطورت رسوم الأشخاص والحيوان، من  شخص وحيوان مفرد، إلى واحد من الموضوعات الاجتماعية المستمدَّة من المحفورات الخشبية التي تمثِّل حياة اللّهو والطرب والصيد والراقصين والجمال والطيور والحيوانات المفترسة. ومن أجمل الموضوعات على الخزف رسم اللّعبة الشعبية (التحطيب) التي ما زال الفلاحون يمارسونها حتى اليوم في قرى الدلتا والصعيد. وتُرى في الرسم دقَّة التصوير وصحّة أوضاع اللاعبين، وقد أبرزت أسلوب الحز تفاصيل الملابس. وحلّيت خلفية الرسم بالتوريقات والتفريعات النباتية، وزيّنت حواف الصحون بخطوط متوازية تنتهي رؤوسها بنقاط كرأس الدبُّوس.كما يوجد صحن آخر عليه رسم يعرض مشهدًا لمناقرة الديكة، حيث تبدو دقَّة التصوير ووضوح تعبير الوجوه بين الشيخ وديكه المتحفّز على الأرض، والشاب وديكه المتحدِّي الواقف على فخذه، وكلاهما جالس القرفصاء وحولهما تفريعات نباتية(83). وهذا الطبق، المسجل بالرقم (14516)، مقعَّر قليلاً، وحوافه منخفضة مفصَّصة، والموضوع التصويري مرسوم بالبريق المعدني على طلاء زجاجي سمني اللون. رأسا الرجلين. عاريان، وهما يرتديان ملابس تظهر فيها الثنايا والطيات الناتجة عن الحركة بأسلوب يكاد يكون طبيعيًا وتتطاير من فوق أكتافهما أطراف عباءات خفيفة عليها أشرطة من الطراز  كانت مألوفة في ملابس علية القوم.  أما المساحات المحيطة بالرجلين فقد ملأها الخزاف بوحدات  محوَّرة من أوراق نباتية تتفاوت في الحجم. ويحيط بالموضوع التصويري على الحافة شريط من زخرفة خطية هندسية تقطعها أوراق نباتية محوَّرة. ونلاحظ أن أجزاء عديدة من الطبق قد تعرضت للترميم والتجديد، وأعيد تلوين بعض المناطق ورسم بعض الأجزاء  الناقصة. ويمثل الطبق مرحلة تالية من إنتاج >مسلم<  ومدرسته، إذ بدأ يتخلص من تأثير الأساليب الزخرفية العباسية والطولونية. ومن الملاحظ أن >مسلم< استخدم موضوعات مستمدة من مشاهد الحياة  اليومية، مثل هذا الطبق، إلى جانب مناظر الصيد ومجالس الغناء والرقص والشراب وحياة الكادحين. كذلك يوجد بالمتحف  طبق من الخزف مسجل بالرقم (14926)، مزخرف بطلاء البريق المعدني فوق الطلاء الزجاجي السمني اللون. والموضوع الأساسي للزخرفة على قاع الطبق يمثل رسم غزال يعدو في رشاقة وحركة طبيعية نحو اليسار، وقد ظهرت معظم التفاصيل التشريحية لبدن الحيوان وهو في حالة العدو، مما يدل على نضوج صنعة الخزَّاف وتمكُّنه من رسم الحيوان في حرية وبساطة. وكان من الموضوعات الزخرفية المفضلة لدى  >مسلم< رسم موضوع رئيسي لحيوان أو طائر يتوسط قاع الإناء وبسط باقي العناصر والتفاصيل الزخرفية في توازن جميل.

إناء صغير من الخزف

أما المساحات أو الأرضية التي تحيط برسم الغزال فقد ملأها بزخارف نباتية محورة رقيقة ومتماثلة في تناسق فني قوامه فروع ملتوية تنتهي بأوراق نباتية مفصَّصة ومدبَّبة. وقد زيَّن حافة الطبق بجامات زخرفية خطية هندسية مستطيلة، تقطعها مناطق ثلاث من زخرفة خطية مجرَّدة. وهنا نلاحظ أن الخزاف في مرحلة إنتاجه المتطورة قد تخلص تمامًا من الأساليب الزخرفية القديمة التي ظلت تتحكم في إنتاجه المبكر، كما أن التقنية الصناعية بدت ناضجة متطورة تتجه إلى تحقيق أسلوب جديد.  وكان >مسلم< يضع توقيعه في بداية إنتاجه باسم >مسلم بن الدهان<،، وذلك قبل أن يحقق شهرته ذائعة الصيت، ثم وضع توقيعه باسم >أبو القسم مسلم <، والمقصود به >أبو القاسم مسلم<. وبعد أن ذاع صيته وحقق شهرته اكتفى بتوقيع >مسلم< فقط، إلى جانب قطع كثيرة لم يضع توقيعه عليها. وهناك بعض الأواني كان يترك لصبيانه وضع اسمائهم عليها. وكانت زخارف الفنان >سعد< المشهور، الذي عاش وأنتج في فترة متأخرة من القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر الميلادي، ترسم بالبريق المعدني ذي اللّون الأحمر النحاسي والذهبي والأخضر والبنفسجي القاتم والأصفر. وقد استخدم الزخرفة بالحزّ تحت الطلاء في البطانة البيضاء. وتخلَّلت زخارفه خطوط محزوزة ونقاط لونها أزرق كوبالتي، وفوق الطلاء الزجاجي رُسمت الزينة بالبريق المعدني. وفي متحف الفن الإسلامي إناء صغير من الخزف مسجل بالرقم (15575)،  مزخرف فوق الطلاء الزجاجي بأسلوب البريق المعدني. وتمثّل الزخرفة طائرين باللون الأسود على الطلاء الزجاجي بلونه الأخضر الزيتوني. ويبدو من أسلوب الصناعة والزخرفة تطوُّرٌ ونضوجٌ واضحان. وقد تميّز إنتاج >سعد< بعدم تزجيج قواعد الأواني. وفي هذا العصر ظهرت في مصر جميع فنون الخزف، فقد كانت تلك البلاد تنتج الخزف بالزخارف المحفورة على بدن الإناء تحت الطلاء الزجاجي، وكان هذا الطلاء ذا لون واحد، وهو تقليد للخزف الصيني المستورد في عهد أسرة سونج.

 

طيور العشق على سلطانية خزف بالبريق المعدني

وظلَّت صناعة هذا النوع من الخزف المقلّد للبورسلين الصيني مستخدمًا في مصر حتى القرن الثالث عشر، وكانت الزخارف ترسم بالبريق المعدني الذي لم يكن يعرفه الصينيون. وصنع فنانو العصر الفاطمي الخزف بعجينته البيضاء المتماسكة، كما توصَّلوا إلى الخزف ذي الزخارف المخرَّمة المغطَّاة بالبريق المعدني، والتي كانت تسمح للضوء بأن ينفذ من خلف الإناء، كما ذكر ذلك الرحَّالة الفارسي ناصري خسرو، الذي قدِم من إيران مارّاً بالعراق، وقال  إنه لم ير مثله، ممَّا يدلّ على أن الخزف ذا الزخارف المخرّمة لم يكن معروفًا ولم يكن ينتج في العراق أو إيران في العصر الفاطمي. وقد وُجدت قطع من الخزف الأبيض ذي الزخارف المخرّمة وعليها توقيع >سعد< وأخرى عليها تواقيع خزَّافين آخرين. وفي نهاية القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، بدأت رسوم الحيوان والطير تأخذ شكلاً أكثر حيوية ونشاطًا عمَّا كان من قبل، كما تحسَّنت أشكال القدور والأواني والصحون والصحاف والأكواب والمزهريات. وقد رُوعيت النسب الفنِّية عند تشكيل هذه الأواني وأصبحت للقدور قاعدة عالية تقف عليها.  ومن الجليّ أن هذا التطوُّر في أشكال الأواني قد صاحب محاولات الخزَّافين لتقليد الخزف الصيني. وكان الفخَّار العادي الشعبي الاستعمال منتشرًا، ولم يخْلُ من الزخارف والتزويق. وحتى يومنا هذا تزخرف الأواني الفخَّارية بالخدش على العجينة  قبل الحرق داخل الفرن. وهذه الخدوش ترسم خطوطًا متوازية بإضافة عجينة تشكِّل زخارف وتزويقات على جسم الفخَّار الذي كان بعضه يدهن بألوان أو بطلاء قبل الحرق. ومن الزخارف الطريفة في القلل وبعض الجرار والأباريق المخصّصة لتبريد الماء، أن الخزَّافين زيَّنوامصافيها بزخارف متنوّعة. وفي متحف الفن الإسلامي مصاف وقلل وأباريق متنوّعة الزخارف، أطرفها ذلك الشباك المزخرف برسم سيدة ترقص وعلى يديها كوبان تحافظ عليهما متوازنين  أثناء الرقص، وقد ارتدت الراقصة رداء بسيطًا يكشف معظم جسدها. وتصوير هذه الراقصة بهذا الأسلوب نـادر فـي الفن الإسلامي، ويذكّرنا  بقطعة من الخزف محفوظة بالمتحف، عليها رسم راقصة في ثياب تقرب من ثياب البحر، وهي من القطع النادرة في الفن الإسلامي(84. ( وبسقوط الفاطميين ينتهي العصر الذهبي للخزف البديع دقيق الصنع، ليظهر في إيران متتبّعًا خطى الفاطميين، وهناك أسبغ عليه الخزافون من زخارفهم وتعبيراتهم الجميلة في ظلّ سلاطين السلاجقة ما جعله من أروع التحف الإسلامية. وكانت الفسطاط هي مركز صناعة الخزف ذي البريق المعدني طوال العصر الفاطمي، ثم توقف إنتاج هذا النوع من الخزف فيها بعد احتراقها نهائيًا العام 1168م، قبل ثلاث سنوات من سقوط الدولة الفاطمية. وإلى الآن لم يتوصل الباحثون إلى معرفة أسباب تدهور صناعة الخزف عقب العصر الفاطمي، إلا  أن بعضهم يرجع اختفاء صناعة الخزف ذي البريق المعدني إلى الحريق الذي أصاب حي الخزافين في الفسطاط العام (85)1169. –

الرابط :

http://mahmoodkhidr.blogunited.org/?p=118 ] . .(هامش)

 

(4)

 

صناعة الفانوس

 

وقد بدأت صناعة الفوانيس منذ العصر الفاطمي تتخذ مسارا حرفيا وابداعيا في الوقت ذاته، فظهرت طائفة من الحرفيين في صناعة الفوانيس بأشكالها المتعددة وتزيينها وزخرفتها، ولم يتشكل الفانوس في صورته الحالية إلا في نهاية القرن التاسع عشر وأصبح يستخدم الي جانب لعب الأطفال في تزيين واضاءة الشوارع ليلا كما كانت وظيفته الأصلية خلال شهر رمضان رغم وجود وسائل الاضاءة الحديثة وارتبطت صناعة الفانوس في القاهرة الفاطمية بأحياء الدرب الأحمر وبركة الفيل حيث اشتهر من الحرفيين في صناعة الفوانيس ب’السمكري البلدي’، ويبدأ الحرفيون في العمل بعد انتهاء عيد الفطر مباشرة حيث يكون العمل تحضيريا فقط ويصل الي ذروته قبل حلول شهر رمضان ببضعة أشهر . -الرابط :

.http://www.egynews.net/wps/portal/print?params=80137 ] .(هامش)

 

(5)

 

صناعة السفن في العصر الفاطمي

الأسطول الفاطمي

أولاً :الأسطول البحري العسكري في عهد الدولة الفاطمية باختصار

[ …. في عهد المعز لدين الله كان للبحرية الفاطمية شأن يذكر في بلاد المغرب ومصر، حيث اتخذ هذا الخليفة من المهدية مرفأ رئيساً ومن سوسة وغيرها من الموانئ أماكن تأوي إليها سفنه، ولا نغلو إذا قلنا: أن المعز لدين الله، بفضل أسطوله القوي، جعل غربي البحر المتوسط بحيرة فاطمية –  مختار العبادي: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 77.‏ .(هامش)

وذلك نظراً لقلة الاضطرابات الداخلية في عهده، وبفعل سياسة اللين والتفتح التي انتهجها- أحياناً- مع الثائرين. ولذا وجد المجال متسعاً للاهتمام بالأسطول حيث اتخذ من المراسي المختلفة مأوى لقطع هذا الأسطول. وعمل المعز جاهداً على تحصين موانئه، حتى أنه قال : [“لئن امتد المقام هنا- أي في المنصورية- لنجرين البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحط وتقلع بحضرتنا”. –

النعمان: المجالس ص 592. العبادي: ص 720 l’Architecture musulmane, p.412‏  ] .(هامش)

[ ولا شك أن هذا يدل على مدى عنايته أكثر من أسلافه بالجيش البحري حيث أراد أن يجعل من المنصورية ميناء ثالثاً من حيث الأهمية بعد المهدية وسوسة –  حسن إبراهيم حسن: المعز لدين الله ص 185 Histoire de l’Afrique, p.329‏ ] . .(هامش)

[ وقد كثرت في عهده المحارس والثغور مثل سبته ومليلة ووهران وجزائر بني مرغنة وبجاية وجيجل وسكيكدة وبونة ومرسى الخزر وبنزرت وتونس وسوسة والمهدية وصفاقس وقابس وطرابلس وبنغازي، حتى بلغ عددها على ما روي أكثر من عشرة آلاف حصن مبنية بالحجارة والكلس وأبواب الحديد – البكري: المغرب ص 37- 55- 64- 65- 82- 83- 85. حسن حسني عبد الوهاب: بساط العقيق ص 52.‏] .(هامش)

[ ولا عجب أن وجدنا هذا الأسطول يمثل العامل الأكبر في انتصارات الفاطميين البحرية، ويعود إليه الفضل في تزويد جوهر بالإمدادات أثناء فتحه مصر. – حسن إبراهيم حسن وآخر ص 185- 186.‏ ] .(هامش)

[ ونلاحظ تقدماً ملموساً في قوة الأسطول الفاطمي في عهد المعز بما في ذلك القطع البحرية العاملة بالمغرب الأوسط –  البحرية الجزائرية: نشر المكتبة الوطنية الجزائرية، ص  27] . ‏.(هامش)

ويمكننا أن نوجز أهم العوامل التي ساعدت على نمو الأسطول وقوته فيما يلي:‏

1-[ صلاحية الموقع الجغرافي لبلاد المغرب وكثرة موانيه، ووجود أحواض لبناء السفن مثل المهدية وسوسة وبونة (عنابة) ومرسى الخزر، والقالة وبجاية وغيرها، وتوفر المواد اللازمة لبناء السفن كالأخشاب التي تصنع منها ألواح السفن، والحديد الذي يوجد في صقلية وبونة وبجاية والإربس. بالإضافة إلى القطران والحبال –  مختار العبادي وآخر: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 71- 72 إلى 76.‏ & Le passe de l’Afrique du nord, p. 412.‏ & ابن عذاري: البيان ج1 ص 102. حسن حسني عبد الوهاب: بساط العقيق ص 49- 50.‏ & عبد الله عنان: مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية ص 126- 127.‏ ] .(هامش)

2- [ وراثة الفاطميين لأسطول قوي عن الأغالبة، يعود تاريخ نشأته إلى عهد حسان بن النعمان (75-78هـ/ 965-968م)، حيث عملوا على تنميته وتطويره، ولم يبدؤوا من الصفر في هذا المجال  –

العبادي: البحور الإسلامية ص 77- 78.‏ ] ‏.(هامش)

3-[ وجد الفاطميون بين أهل المغرب إطارات ذات كفاية عالية، عارفة بالملاحة والأمور البحرية، ولها خبرة ودراية في هذا المجال منذ عهد الفينيقيين، فكان هذا أحد العوامل في قوة بحريتهم ونجاحها)  –   ابن الأثير الكامل ج6 ص 334- 335. المالكي: رياض النفوس.‏ ] .‏ .(هامش)

4-[   يعتبر مركز صقلية البحري الهام من العوامل التي ساعدت على قوة الأسطول وتحكمه في مياه الحوض الغربي للبحر المتوسط، وقد أصبحت محطة بحرية هامة للمسلمين منذ أن فتحت سنة 212هـ/ 827م على يد أسد بن الفرات  –   مختار العبادي: البحرية الإسلامية ص 68- 70. Grand L’arousse, p.521‏  .]  .(هامش)

5-هذا ويمكن أن نعتبر تأصل فكرة الجهاد عند الفاطميين وتطلعهم إلى التوسع شرقاً وغرباً، وخوفهم من الخطر الخارجي المتمثل في الروم بصفة خاصة من أهم الحوافز التي جعلتهم يعنون أشد العناية بأمور الأسطول حتى تكون لهم قوة بحرية قادرة على تحقيق آمالهم في توسيع رقعة دولتهم ورد الخطر الخارجي الصليبي  كما ذكرنا.‏

6-[ عني المعز بالأسطول أكثر من أسلافه لأنه كان يهدف إلى تكوين قوة بحرية كبيرة يسيطر بها على حوضي البحر المتوسط الغربي والشرقي على السواء، ويقارع بها كلاً من الأمويين والروم في الحوض الأول، والعباسيين في الحوض الثاني. كما كان ينوي أن يتخذ من سواحل مصر والشام جسراً يعبر منه إلى بغداد  –

ابن عذاري: البيان ج1 ص 180. عبد العزيز سالم: المغرب الكبير ص 614- 615.‏

أرشبالد لويس: ص 235- 236.‏  سرور: سياسة الفاطميين الخارجية ص 221.‏  محمد صابر دياب: سياسة الدول الإسلامية ص 117.‏  ] .‏ .(هامش)

7-[ ومما زاد من قوة الأسطول في عهد المعز وراثته لأسطول الإخشيديين. فبعد فتحه مصر وجد بين المصريين جنداً أكفاء في ميدان الملاحة النهرية والبحرية معاً. وبعد فتح مصر والشام حقق ما كان يطمح إليه في هذا المجال حيث امتد نفوذه البحري من سبته غرباً إلى أنطاكية شرقاً، بالإضافة إلى الموانئ المطلة على المحيط الأطلسي. وبذلك بلغ الأسطول في عهده ذروة مجده   –

ابن الأثير الكامل ج 7: 31. ابن حماد: تاريخ بني عبيد ص 40. البداية والنهاية ج1 ص 266. حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله ص 83- 84. صابر دياب ص 102.‏  ] .‏ .(هامش)

وإلى هذا الأسطول الفاطمي يرجع فتح مصر في أسرع وقت، فقد كان همزة الوصل بين جيوش جوهر الغازية وبين المعز في المغرب. وفي حراسة هذا الأسطول كانت الإمدادات تصل إلى جوهر في سهولة ويسر. وقد اتخذ المعز في بعض المدن المصرية دوراً لصناعة السفن، فأنشأ في المقص دار صناعة ضخمة، وصفها المسبحي المؤرخ المصري المتوفى سنة 420هـ بقوله  :

[” إنه لم يُرَ مثلها فيما تقدم كبراً ووثاقة وحسناً” –  حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله ص 83-84. صابر دياب: النظم الإسلامية ص 521.‏ ] .(هامش)

. [ وقال ابن أبي طي: “لم يُرَ مثلها في البحر على ميناء”  –  المقريزي: خطط ج2 ص 195.‏ .(هامش)

] . ويظهر أن المعز لم يهمل دار صناعة الفسطاط التي كانت تسمى [ “دار صناعة مصر”، كما عني بإقامة دور صناعة السفن في مواني مصر الهامة كالاسكندرية –

ابن كثير ج1 ص 266. المقريزي خطط ج1 ص 329- 330.‏ ] .‏ .(هامش)

[ ولم يكن بناء السفن في مصر راجعاً إلى خوف المعز من غارات الروم والقرامطة على مصر والشام فحسب، بل كان ذلك راجعاً إلى رغبته في بسط نفوذه على البلاد التي قد يتخذها الأعداء طريقاً يغيرون منه على مصر. بالإضافة إلى ما كان يهدف إليه المعز لدين الله من اتخاذ مصر والشام قنطرة يعبر منها إلى بغداد حاضرة العباسيين في ذلك الحين  –   الطبري ج6 ص 257. النعمان: افتتاح الدعوة ص 32/54- 71. ابن الأثير: الكمال ج 7 ص 147- 161. ابن عذاري: البيان ج1 ص 171- 181. Encyclopédie de l’Islam, pp. 13-19.‏ ] .(هامش)

. أضف إلى ذلك أنه حرص على أن تكون لأسطوله السيادة والتفوق على سائر أساطيل البحر المتوسط. [ ولا غرو فقد دخلت في حوزة المعز لدين الله- بعد أن تم له فتح مصر والشام- البلاد الواقعة على البحر المتوسط من أنطاكية إلى سبته، ووقعت في يده موانئ المغرب الأقصى المطلة على المحيط الأطلسي –

مختار العبادي وآخر: المرجع نفسه ص 76-77.‏ ] .‏ .(هامش)

ومن ثم ملأ المعز كثيراً من موانئ الشام الهامة، مثل صور عكا وعسقلان، بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع وأهمها [  الشلنديات –  ( مفردها شلندي، من المراكب المسطحة، وتختص بحمل العتاد والرجال) . –  مختار العبادي وآخر: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 35-36. ماجد: نظم الفاطميين ج1 ص 222. إبراهيم حسن: المعز لدين الله ص   186.‏ .(هامش)

والشواني الحربية   ) – [مفردها شونة. وهي سفن كبيرة، تشبه البوارج البحرية في يومنا هذا، وبها آلات الهجوم والدفاع. ) – ماجد المرجع نفسه. مختار العبادي وآخر المرجع نفسه ص 136. محمد صابر دياب: سياسة الدول الإسلامية ص 107 Dozy T.I. 717.‏ ) .(هامش)

والمسطحات وهى نوع من السفن  والطرادات[ ( وهى السفن الصغيرة واحدها طراد: وهي من السفن الصغيرة القوية السريعة، تحمل الواحدة منها نحو مائة فارس –   العبادي وآخر ص 135. حسن إبراهيم حسن وآخر المرجع نفسه ص 186.‏) .(هامش)

والعشاريات(  .‏ ( وهى من القوارب النهرية التي استخدمها الفاطميون في غزواتهم البحرية واحدها عشيري )

( والحراقات) وهى التي تلي الشواني في الضخامة، وتحمل المنجنيقات وغيرها من معدات الهجوم.  –

مختار العبادي: المرجع نفسه ص 134. حسن إبراهيم حسن وآخر المرجع نفسه ص 187. محمد صابر دياب: نفسه ص 108-109) . .(هامش)

[ وقد رأينا موقف أسطول المعز من صور وسواها في حروبه مع الروم ، كما رأينا كيف اتخذ جوهر من عكا وعسقلان مستودعات للإمدادات التي كانت تتدفق على جيوش الفاطميين في بلاد الشام، حتى أن قواد المعز اتخذوا منها أماكن يفرون إليها مع جندهم من وجه أعدائهم، ولا سيما القرامطة –   المقريزي: خطط ج1 ص 193. سهيل زكار: القرامطة ص 393 وما بعدها.‏ ] .‏ .(هامش)

ولأهمية السواحل الشامية في نظر المعز كان يعين عليها قواداً وولاة، ليكون الاتصال محكماً بين مصر وبلاد الشام، [  وقد قدرت سفن الأسطول الفاطمي التي بنيت في دور الصناعة المصرية بأكثر من ستمائة قطعة مختلفة الأشكال والأحجام، على حين بلغ عدد السفن في أواخر عهد الدولة الفاطمية مائة قطعة فقط-.

خطط المقريزي ج2 ص 913. حسن إبراهيم حسن: المعز لدين الله ص 186-187.‏  ] .‏ .(هامش)

وهكذا استغل المعز لدين الله موقع مصر والشام الاستراتيجي،  فكون أسطوله الشرقي الضخم، ولو قدر له البقاء طويلاً لكان هذا الأسطول أكثر ضخامة وأبعد أثراً . وقد وصف المقريزي عناية المعز بالأسطول بهذه العبارة [: “لما سار الروم إلى البلاد الشامية بعد سنة خمسين وثلاثمائة اشتد أمرهم بأخذهم البلاد، وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله، وأنشأ المراكب الحربية، واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد، واعتناء بالأسطول، وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر واسكندرية ودمياط، من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت في أيام المعز تزيد على ستمائة قطعة” – خطط ج2، ص 193.‏ ] .‏ .(هامش)

[ وكان للأسطول أمير يدعى “قائد القواد”، وقد سمي بذلك لأنه يرأس عشرة قواد، كما كان يطلق عليه “أمير الجيش” و”المستوفي” –  المقريزي خطط ج2 ص 193.‏ ] . .(هامش)

[ وقد بلغ من عناية المعز ومن جاء بعده من الخلفاء بالأسطول أن الخليفة كان ينفق عليه في غزواته بنفسه، ويساعده وزيره أو يقوم مقامه. ولم يكن بحارة الأسطول في مرتبة واحدة، فهناك جماعة كانت تتقاضى راتباً قدره ديناران، وأخرى تتقاضى ثمانية، وثالثة عشرة دنانير، ورابعة خمسة عشر ديناراً، وخامسة عشرين ديناراً، وسادسة خمسة وعشرين ديناراً. أما أمير الأسطول أو “مُقَدَّمُهُ” فكان من كبار الأمراء والأعيان، وهو أمر لا بد منه على حد قول المقريزي، أن يقوم على الأسطول كبير من الأعيان من أمراء الدولة وأقواهم – المصدر السابق ] . [ كما كان الخليفة يقطع رجال الأسطول إقطاعات عرفت باسم “أبواب الغزاة”. وكان قائد الأسطول يشرف عليه، ويتناوب القواد العشرة الإشراف العملي، فيأتمر الجميع بأمر القائد الذي تؤول الرياسة إليه – المصدر السابق ] .‏

[ ولكي يشجع الخليفة رجال الأسطول أو الغزاة- كما كانوا يسمونهم- كان يترك لهم من الغنائم المال والثياب والمتاع، ولا يستبقي سوى الأسرى والسلاح. وكانت الفسطاط من أهم مراكز الأسطول، وكان الخليفة يشاهد بنفسه حفلة النفقة على الأسطول عند خروجه، ويبارك رجاله، ويدعو لهم بالتوفيق، كما كان يحضر حفلة استقباله عند عودته. وقد بلغ اهتمام الخلفاء الفاطميين بالأسطول أنهم اتخذوا لهم “منظرة”- بالمقص، يحتفلون فيها بتوديع الأسطول واستقباله، ويتضح ذلك من هذا الوصف الشيق الذي أورده المقريزي  –

حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله، ص 188. ماجد: الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص 79.‏  ] .(هامش)

[ :  “ويتولى الخليفة بنفسه بحضور الوزير. فإذا أراد النفقة فيما تعين من عدة المراكب السائرة.. فيتقدم إلى النقباء بإحضار الرجال، وفيهم من كان يتعيش بمصر والقاهرة، وفيهم من هو خارج عنهما، فيجتمعون، وكانت لهم المشاهرة والجرايات في مدة أيام سفرهم، وهم معروفون عند عشرين عريفاً يقال لهم النقباء، واحدهم نقيب”  -حسن: نظم الفاطميين ص 271.‏ ] .‏ .(هامش)

,  [ وكان رجال الأسطول يشغلون مكانة سامية بين موظفي ديوان الجيش، ولا غرو، فإن صاحب ديوان الجيش، وهو المستوفي، كان أمير الأسطول. وبذلك وضع المعز لدين الله أساس نظام البحرية في مصر

خطط ج2 ص 193.‏ ] ، .(هامش)

ونهج نهجه من جاء بعده من الخلفاء، إلا أنهم لم يصلوا بالجيش والأسطول إلى ما وصل إليه المعز.‏

وليس أدل على اهتمام المعز بالأسطول من اعتماده على “ديوان الجهاد” أو “ديوان العمائر” كما كانوا يسمونه في تنظيم شؤون الأساطيل، ووقف الأموال الضخمة للإنفاق على الأسطول ورجاله. وكثيراً ما كان المعز يمد هذا الديوان بالعطايا والهبات من بيت المال.‏

ثانياُ : على مستوى الإستخدام التجاري لهذه الأساطيل  البحرية :

[عني المعز بالأسطول التجاري لينقل السلع المصرية إلى البلدان الأخرى، ويعود محملاً بالسلع من هذه البلدان  –  تاريخ الدعوة الإسماعيلية ص 184. رابح بونار: المغرب العربي ص 187.‏ ] . .(هامش)

[ وقد أصبح للفاطميين أسطولان تجاريان، أحدهما في البحر المتوسط، والآخر في البحر الأحمر، فكانت الاسكندرية ودمياط في مصر، وعسقلان وعكا وصور وصيدا في الشام، من أهم الموانئ الفاطمية في البحر المتوسط   – مختار العبادي وآخر: المرجع نفسه ص 141. ماجد المرجع نفسه ج1 ص 227.‏ ] ، . .(هامش)

[ كما كانت عيذاب من أهم مواني البحر الأحمر، وكانت مزودة بأسطول حربي يقوم على حماية الأسطول التجاري والقضاء على اللصوصية في هذا البحر   -صابر محمد دياب: سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط ص 107-108.‏ ] .‏ .(هامش)

Gautier. Le passé, p. 412. Dozy suplement aux dixtionnaires Arabes, p.67, leir l’espague, p.332.‏  ] .‏ .(هامش)

[ وقد عني الخليفة المعز “بديوان الإقطاع” الذي كان تابعاً “لديوان الجيش”، وكان عمل صاحبه مقصوراً على النظر في الإقطاعات التي اقتطعها رجال الجيش وخاصة الممتلكات الكثيرة التي كانت تابعة للإخشيديين من قبل  – انظر م- أ- م مقال الإخشيد ص 512 Gobrin: Le Magreb, p.570.‏ .(هامش)

وخلاصة القول : إن المعز لدين الله نهض بالجيش والبحرية نهضة مباركة مشهودة، كان لها أثر بعيد المدى فيما قام به الفاطميون من فتوح وما نالوه من انتصار وظفر. [  وما كان هذا ليتم إلا باستخدام المقاتلين الطرق العلمية في المجال البحري، وبما تهيأ لهم من عدة وأسلحة، في مقدمتها النفط الخاص بإحراق مراكب العدو. كما استخدموا الكلاليب الحديدية التي ترمى على سفن العدو بقصد إغراقها أو العبور إليها بواسطة الألواح الخشبية والسلالم، كما استخدموا السيوف ومختلف الأسلحة الخفيفة  – ختار العبادي وآخر: المرجع نفسه ص 141. ماجد: نظم الفاطميين ج1 ص 227.‏ ] ، . .(هامش)

[ وقد بلغت قطع الأسطول الفاطمي بالمغرب ما يزيد على ثلاثمئة، كما بلغت في عهد المعز بمصر أكثر من ستمائة قطعة  –

[ مصادر ومراجع يمكن الرجوع إليها للتفاصيل :

المقريزي: خطط ج2 ص 193. حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله ص 86-87.‏ ] .

مراجع أخرى :‏

ملخص بحث كتبه الأستاذ التوني أبو بكر

1-آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري (جزآن) ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده، طبع لجنة التأليف والترجمة ط3 القاهرة 1377هـ.‏

2-الإدريسي: الشريف الإدريسي المتوفي (548هـ/ 1154م) وصف أفريقية الشمالية والصحراوية تصحيح، هنري بيرس، الجزائر 1376هـ/ 1957م.‏

3-أرشبالد لويس: القوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط (500-1100م) ترجمة أحمد عيسى، نشر مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1960م.‏

4-ابن الأثير: أبو الحسن علي بن الكرم محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني (ت 630هـ).‏

5-الكامل في التاريخ (8 أجزاء) نشر دار الكتاب العربي، بيروت 1387هـ/ 1967م.‏

6-ابن حوقل: أبو القاسم بن حوقل النصيبي (ت 367هـ) كتاب صورة الأرض، بيروت مكتبة الحياة.‏

7-ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد (ت 808هـ) المقدمة والكتاب، نشر دار الكتب اللبناني- بيروت 1967م.‏

8-ابن خلكان: أبو العباس شمس الدين بن محمد بن أبي بكر (681هـ/ 1181م) وفيات الأعيان ج2، 3، 4، دار الثقافة- بيروت.‏

9-ابن سعد: عريب بن سعد القرطبي المتوفي سنة 380- صلة التاريخ الطبري القاهرة، دار الاستقامة 1358هـ/ 1939م.‏

10-ابن سعد المغربي: أبو الحسن علي بن موسى المتوفي (685هـ/ 1286م) كتاب الجغرافيا، تحقيق إسماعيل العربي، بيروت، ط1، نشر المكتب التجاري المغرب في حلي المغرب (جزآن) تحقيق شوقي ضيف (ط2، نشر دار المعارف ط2، القاهرة 1964.‏

11-أبو الفداء: الحافظ بن كثير (ت 774هـ).‏

12-البكري: أبو عبد الله بن العزيز بن محمد مصعب الحافظ (ت 487هـ) المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، تحقيق دوسلان- بغداد نشر مكتبة المثنى- جغرافية الأندلس وأوروبة، تحقيق عبد الرحمن الحجي- بيروت- طبعة سنة 1388هـ/ 1968م.‏

13-بونار: رابح: المغرب العربي تاريخه وثقافته، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1968م.‏

14-ثابت بن سنان وابن العديم: تاريخ أخبار القرامطة وترجمة الحسن الأعصم، تحقيق سهيل زكار- ادر الأمانة، بيروت سنة 1391هـ/ 1971م.‏

15-الجوذري: أبو علي منصور العزيزي “أواخر القرن 485هـ” سيرة الأستاذ جوذر تحقيق محمد كامل حسن، ومحمد عبد الهادي شعيرة، طبعة الاعتماد، مصر 1945م.‏

16-جوليان: شارل أندريه، تاريخ أفريقية الشمالية، تعريب محمد مزالي، البشير بوسلامة طبع السداد 1969م.‏

17-حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية في المغرب ومصر وسورية وبلاد العرب ط2 مكتبة تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي (3 أجزاء) ط6 مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1962م. عبيد الله المهدي إمام الشيعة الإسماعيلية ومؤسس الدولة الفاطمية في المغرب وسورية وبلاد العرب (بالاشتراك مع الدكتور طه أحمد شرف) مكتبة النهضة القاهرة 1366هـ/ 1947م.‏

18-حسن علي إبراهيم: تاريخ جوهر الصقلي، قائد المعز لدين الله الفاطمي، مكتبة النهضة المصرية ط2، القاهرة عام 1963م.‏

19-الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الروي البغدادي المتوفي (626هـ/ 1228م) معجم البلدان (5 أجزاء) بيروت 1955م.‏

20-الدباغ: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأنصاري (ت ؟) كتاب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (4 أجزاء) المطبعة العربية بتونس 1321.‏

21-دياب: صابر محمد: سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط في أوائل القرن الثاني الهجري، حتى نهاية العصر الفاطمي، نشر عالم الكتب ط1 القاهرة 1973م.‏

22-سرور: محمد جمال الدين: سياسة الفاطميين الخارجية، دار الفكر العربي، القاهرة 1386هـ/ 1967م.‏

23-سالم: السيد عبد العزيز: المغرب الكبير (العصر الإسلامي) طبع الدار القومية القاهرة 1966م.‏

24-ماجد: عبد المنعم: تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى- القاهرة، نشر مكتبة الانجلو المصرية 1963م.‏

25-ماجد: عبد المنعم: علي البنا: الأطلس التاريخي للعالم الإسلامي في العصور الوسطى- القاهرة ط2- دار الفكر عام 1967م.‏

***‏

Dozy, R.‏

1-Supplement aux dixtionnaires Arabes Paris 1967.‏

2-Gaulhier E.F.‏

Le passé de l’Afrique du nord petite Bibliothèque, Paris 1952.‏

3-Golvin L.‏

Le Maghreb central à l’eppoque des Zirides Mitiers graphiques, Paris 1957.‏

4-Julien ch. André‏

Histoire de l’Afrique du nord. Payot, Paris 1931.‏

5-Marcais Gorges‏

L’architecture Muslmane d’occident: Tunis- Algerie Maroc Espagne et sicile, Paris 1954.‏

6-Provencal Levi.‏

L’espagne musulmane aux Xeme sicile institution et vie social larosde, Paris 1932.‏

7-Atlas géologique de l’algerie Redigé Par Stephon- Gazelle Adolph jourdon imprimeur libraire Educateur Alger 1911.‏

8-Grand larousse Paris 1960-1961- 1963.‏

9-Encyclopédie de l’Islam, Paris 1913-1934-1954

.(هامش)

لكن شأن الأسطول أخذ بالضعف والتدهور في آخر عهدهم حيث وصل إلى مائة وعشرين سفينة فقط.‏ ومما تقدم يتجلى لنا أن الفاطميين عنوا عناية كبرى بالأسطول ورجاله في المغرب وكان هذا احد أسباب نهضتهم ورفاهيتهم بواسطة التجارة من جهة ودفع الأعداء عن الدولة وحمايتها من جهة أخرى .-  مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 25 و 26 – السنة السابعة – تشرين الأول وكانون الثاني “اكتوبر ويناير” 1986 و 1987 – صفر وجمادى الأولى 1407.(هامش)

أسماء دار صناعة السفن في أوروبا اصلها  عربي فاطمي كما يلي :

[ ….. عني الفاطميون بصناعة السفن إلى الحد الذي غدت معه مصر واحدة من أقوى الدول البحرية من نهاية القرن السادس الهجري (12 م) . , . وقد عقد مؤرخو مصر الإسلامية فصولاً خاصة لصناعة السفن مثل بن عبدالحكم والقلقشندي والمقريزي. وقد كان لصناعة السفن الإسلامية تأثيرها على باقي أجزاء العالم. , فكلمة “دار الصناعة” هي كلمة عربية تعني “دار صناعة السفن” واستخدمها الإيطاليون بلفظ “Darsena” ثم Arsenal حيث شاعت بين باقي لغات أوروبا. , –

الرابط :

http://www.dahsha.com/viewarticle.php?id=26717 ] . .(هامش)

(6)

 

الأقباط بين التسامح الديني في العصر الفاطمي

وإتقان بعض الصناعات الحرفية

الأقباط في القرن الحادي عشر :

[ كان الأقباط في عصر الدولة الفاطمية يتمتعون بسياسة التسامح الديني التي سار عليها الخلفاء الفاطميون في العصر الفاطمي الأول؛ ولكن باستثناء فترة في عهد الحاكم بأمر الله، عانى فيها الأقباط والمصريون عموماً من التصرفات الجنونية، لكنه رجع في نهاية عهده عن هذه التصرفات الغريبة (ارجع إلى مجلة مرقس، عدد أكتوبر 2008، ص 42).

عموماً في هذا العصر – وبالذات في القرن الحادي عشر – نَعِمَ الأقباط بقدر جيد من حرية ممارسة شعائرهم المسيحية. فالخليفة المعزُّ لدين الله الفاطمي لم يتدخل في الشئون الداخلية الخاصة بالكنيسة، علاوة على أنه أقام علاقات وطيدة مع رجالها.

وفي عهد البابا أبرآم بن زرعة السرياني، نشأت بين الخليفة المعزِّ والأب البطريرك صداقات طيبة، وكان يستدعيه إلى مجلسه. كما كان البابا أبرآم محل تقدير واحترام كبار رجال الدولة الفاطمية، مما كان له الأثر الطيب في العلاقة بين الدولة والكنيسة؛ لكن ذلك من جهة أخرى أثار حقد رجال الدولة من اليهود الذين كانت لهم صلة وثيقة بقصر الخلافة. ومعجزة نقل جبل المقطم كانت نتيجة للوشاية من موسى اليهودي صديق الوزير يعقوب بن كلس لإحراج البابا أبرآم أمام الخليفة. فضلاً عن أن الخليفة قلَّد المناصب العُليا في الدولة لكبار رجال الأقباط (وكذلك اليهود) دون أن يُكره أحداً منهم على اعتناق الإسلام كشرط لتقلُّده المنصب.

وفي عهد المستنصر بالله، ساءت العلاقات بينه وبين البطريرك خريستوذولوس (البطريرك السادس والستين)، حينما اتُّهم الأب البطريرك بعدم الوفاء بالتزامات ملك النوبة تجاه الخليفة، فأُلقي القبض على البطريرك ورُحِّل من القاهرة، وأُلزم بدفع غرامة مالية كبيرة. ولكن متولي منطقة مصر السفلى توسَّط لدى الوزير ”اليازوري“ للإفراج عن البطريرك، وأخذ منه تصريحاً بإطلاق سراحه في الحال. وفي ظل هذه العلاقات طلب البابا أبرآم من الخليفة المعزِّ بتجديد عمارة بعض الكنائس، وأَذِن له المعزُّ ببناء كنيستين (القديس مرقوريوس بالفسطاط، والكنيسة المعلَّقة بقصر الشمع).

كما قام البطريرك المذكور ببناء وترميم كثير من الكنائس بالإسكندرية وسائر أنحاء مصر. وقصة اعتراض بعض مشايخ المسلمين وعامَّتهم المتعصبين على قيام المسيحيين ببناء الكنائس الجديدة بحجة أن هذا مخالف للإسلام، ثم توفير الحراسة وحماية العمال والبنَّائين بأمر الخليفة المعزِّ، هي من أهم الأحداث في سيرة البابا أبرآم، حينما أمر جنوده بإلقاء الحجارة على الشيخ الذي ارتمى في الأساس المحفور في الأرض لمنع البناء، لكن البابا أبرآم توسَّل لدى الخليفة بإنقاذه من تنفيذ هذا الحكم.

ولكن مع التسامح الذي أبداه كلٌّ من الخليفتين المُعزُّ والعزيز بالتصريح بترميم الكنائس، وهذا ما يتفق مع ما يُسمَّى ”الشروط العُمَرية“ فيما يتعلَّق بالكنائس ، إلاَّ أنهما صرَّحا أيضاً بإقامة وبناء الكنائس الجديدة بالقاهرة والأقاليم، وهذا ما لا يتفق مع ”الشروط العُمَرية“ التي حرَّمت بناء كنائس جديدة للمسيحيين.

لكن الخليفة الحاكم بأمر الله كان صارماً في تنفيذ ما جاء بالشروط العُمَرية فيما يتعلَّق ببناء الكنائس؛ بل زاد على ذلك، فأمر بهدم الكثير من الكنائس في فترة سياسته المتشدِّدة إزاء الأقباط. فكان يهدم الكنائس ويبني بدلاً منها جوامع (مثل جامع راشدة). كما هدم كنيستين، واحدة قبطية والأخرى للنساطرة، وبنى بدلاً منهما جامعين للمسلمين، وشمل الهدم أيضاً كنيستين للملكانيين بحارة الروم. وكان أخطر إجراء اتخذه هو المرسوم بهدم كنيسة القيامة بالقدس ومصادرة جميع أملاكها وأوقافها وأموالها، والاستيلاء على جميع محتوياتها من تحف وذخائر، وكان هذا الحادث هو أحد أسباب ودوافع الحروب الصليبية بعد ذلك.

الأقباط أَثْروا الحركة الصناعية والتجارية في مصر:

مع تواتر الاضطهاد والتسامح، لم يكُفَّ الأقباط – وهم أهل مصر – من أن يواصلوا نشاطهم الصناعي والتجاري وإثراء الحركة الاقتصادية في مصر. وهذه لمحات من أنشطتهم المتنوعة، كما ذكرها المؤرِّخون المسلمون وغيرهم عن ذلك:

-ازدهرت صناعة النسيج، بسبب جودتها وتفوُّقها على مثيلها في البلاد الأخرى. وقد ساعد على ذلك توفُّر خامات النسيج في مصر، فالكتان تتوفر زراعته في ريف مصر، والصوف المصري يتوفر في مناطق الفيوم وأخميم وأسيوط نتيجة تربية الأغنام في تلك المناطق. وقد شهد المؤرخ ”ابن حوقل“ لجودة وتفوُّق هذه المنسوجات قائلاً: ”ليس في جميع الأرض ما يُدانيها في القيمة والحُسن والنعمة والترف والرقة والدقة“. وقد حملت هذه المنسوجات الكثير من أسماء المدن المصرية التي صُنعت بها مثل: تنِّيس، شطوبة، دمياط، دبيق، الإسكندرية، البهنسا، وغيرها. وقد اشتهرت من بين هذه المدن ”تنِّيس“ (جهة المحلة الكبرى) التي كانت تضم حوالي 50 ألفاً من السكان وآلاف المناسج، و”دمياط“، و”أسيوط“. كما كانت أخميم تُصدِّر منسوجاتها إلى أقصى البلاد.       

نسيح مصري من العصر الفاطمي

– بلغت الدقة في الحفر على الخشب والصناعات الخشبية مرحلة ممتازة على يد الصُّنَّاع الأقباط في عصر الفاطميين. ونظراً لعدم توفُّر الأخشاب المتينة في مصر، فقد استوردت الأخشاب الشديدة الصلابة من أوروبا والشام (خشب الأَرْز والصنوبر)، وآسيا الصغرى، والسودان (خشب الأبنوس). وفي المتحف القبطي قبة مذبح أصلها من كنيسة المُعلَّقة مصنوعة من خشب الأبنوس. ومن أبدع الأمثلة الباقية للتحف الخشبية (الحفر على الخشب) حجاب الهيكل في كنيسة ”القديسة بربارة“ بمصر القديمة (معروض الآن بالمتحف القبطي).

حفر على الخشب يمثل ميلادالمسيح – كنيسة ”أبو سرجة“ – القاهرة

صناعة المعادن والعاج: برع المصريون في صناعة المعادن وسبكها وزخرفتها، هذه الصناعة التي عرف دقائقها وأسرارها أقباط مصر منذ عهد الفراعنة. كما كثر استخدام النحاس في صناعة الأواني والأدوات المنزلية. كما استخدم هؤلاء الصُّنّاع البرونز في صناعة المباخر (الشورية) وصنابير الأواني. ويذكر المؤرخ ناصري خسرو أن الصُّناع في مدينة تنِّيس كانوا يصيغون آلات الحديد كالمقراض والسكين. وقد وُجد في كنيسة أبي سيفين كرسي من الحديد يرجع إلى القرن الحادي عشر. كما استُخدم العاج في صناعة أشياء كثيرة مُطعَّمة بالعاج مثل أبواب الهياكل في دير القديس أنبا مقار.

حفر على الخشب يمثل العشاء الأخير – كنيسة ”أبو سرجة“ -القاهرة

صناعة الورق والتجليد: اشتهرت مصر منذ عهد الفراعنة بصناعة ورق البردي، وظلت تحتكر هذه الصناعة طوال عصر الولاة المسلمين. وكان معظم الصُّناع المشتغلين بصناعة ورق البردي من الأقباط. ومع مجيء الفاطميين إلى مصر، اهتم الولاة بالحركة العلمية، فجُمعت نوادر الكتب والمخطوطات لتُضمَّ إلى الخزانة الفاطمية للكتب لتصبح منافساً عملاقاً لمكتبات بغداد وقرطبة.

وقد ضمَّت المكتبات الخاصة بالأقباط، وبخاصة الأطباء منهم، الكثير من الكتب العلمية والمخطوطات النادرة، أو الكتب العلمية التي قاموا بتأليفها بتكليف من الخلفاء، أو تقرُّباً إليهم. كذلك امتلأت الكنائس والأديرة بنفائس الكتب والمصنفات الفنية والكتب المترجمة من القبطية واليونانية. وقد عُثر على بقايا كتب وقطع من البردي والرقوق محفوظة الآن في متاحف أوروبا وأمريكا والمتحف القبطي ودار البطريركية في مصر. ثم استبدل الأقباط ورق البردي بالرقوق (جلد الغزال). ومن أحدث الكتب المخطوطة على الرق: كتاب ”تكريز الكنائس الجدد“ بمكتبة دير السريان، ويرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر (سنة 1181م). أما عملية التجليد فكانت تشمل الجلدة الخارجية والبطانة والحرير. كما استعمل الصُّناع جلود العجول واستخدموا الحرير في التجليد. وقد عُثر على بعض الجلود التي ترجع إلى العصر الفاطمي في القرن العاشر وما بعده، وفيها يبدو تأثير الصناعة والفن القبطي ظاهراً.

صناعة الزجاج والبللور الصخري والخزف: بلغت هذه الصناعة أرقى درجات الفن على أيدي الأقباط في العصر الفاطمي. وقد اشتهرت بعض المدن بصناعة الزجاج ومن أهمها: الفسطاط (القاهرة)، الفيوم، الأشمونين، الشيخ عبادة (بالقرب من البهنسا، المنيا الآن)، والإسكندرية. وكانت أرقى المصنوعات الزجاجية هي الزجاج المذهب المُزيَّن بزخارف لها بريق معدني. أما عن صناعة البللور الصخري، فقد رأى الرحَّالة ”ناصري خسرو“ أثناء جولته بـ ”سوق القناديل“ بالفسطاط، معلِّمين مهرة ينحتون بللوراً غاية في الجمال. وقد تركت الرسوم والزخارف القبطية أثرها على الخزف ذي البريق المعدني الذي كان فخر صناعة الفخار في مصر الفاطمية.

جزء من طبق خزف صيني عليه رسم المسيح

ومن أشهر صانعي الخزف شخص اسمه سعد من سلالة الأقباط. وهناك قطعة من الخزف ذي البريق المعدني عليها رسم المسيح وحول رأسه هالة من النور. أما عن صناعة الفخار الذي كان يُصنع من الطين، فكانت صناعته واسعة الانتشار في بلاد الصعيد الأعلى، حيث كان يوجد أجود أنواع الطمي. ومنه كانت تُصنع الأزيار والقلل وأوعية الخل والنبيذ والسمن وجرار العسل والكثير مما يستعمله العامة في مصر.

– وهناك صناعات أخرى راجت في مصر، مثل: صناعة السكر والعسل حيث توجد زراعة القصب. ولكن في عصر الحاكم بأمر الله تدهورت هذه الصناعة بسبب أمره بإراقة كميات ضخمة من العسل وكسر الجرار التي تحتويه، فقلَّ وجوده وارتفع ثمنه. وبانتهاء عصر الحاكم بأمر الله زاد الإقبال عليه مرة أخرى، ونفس الأمر ينطبق على صناعة الخمر من العنب.

النشاط التجاري للأقباط: كان التجَّار الأقباط في مصر على درجة كبيرة من المهارة في الأعمال التجارية. وقد زخرت القرى بالأسواق العامرة بما يسدُّ حاجة سكَّانها. واشتغل كبار التجار الأقباط بتجارة الغلال. ويذكر ”ناصري خسرو“ أن الخليفة المستنصر بالله أرسل إلى أحد التجار الأقباط أثناء إحدى المجاعات يطلب منه إمداد المخازن الحكومية بالغلال، بالنقد أو بالأَجَل كقرض، فردَّ عليه هذا التاجر: ”إن لديَّ من الغلة ما يمكنني إطعام أهل مصر بالخبز ست سنوات“. وهكذا انفرجت المجاعة بالمخزون لدى هذا التاجر القبطي.

وكان لكبار تجار مصر من الأقباط أعداداً من السفن التي تسير في النيل حاملة الحاصلات الزراعية والسلع والبضائع إلى البلاد شمالها وجنوبها. ويذكر ”ابن مَيْسر“ أن بدر الدين الجمالي عند قدومه إلى مصر عام 1073م، نزل دمياط وتنِّيس، واقترض من تجار تنِّيس، وكان معظمهم من الأقباط، أموالاً كان في حاجة إليها.

وضع الرهبان والأديرة في العصر الفاطمي الثاني:

كانت أديرة الرهبان منتشرة في أنحاء مصر والشام. نَعِمَ فيها رهبان تلك الأديرة بسياسة التسامح الديني لفترةٍ، باستثناء فترة الخليفة الحاكم بأمر الله. فعندما أقدم جوهر الصقلِّي على بناء مدينة القاهرة لتكون عاصمة للفاطميين، قام بتعمير دير الخندق شمال القاهرة، بدلاً من دير هدمه كان موضعه بالقرب من الجامع الأقمر، وكان يُعرَف بدير العظام. كما نقل رفات الموتى المسيحيين إلى دير الخندق (أرض الأنبا رويس).

– ولما قدم الخليفة المعزّ لدين الله إلى مصر واستقرَّ بها، صرَّح للبطريرك أبرآم السرياني آنذاك بترميم الأديرة القديمة وبناء ما طلبه من الأديرة الجديدة في سائر أقاليم الدولة.

– وعندما هبَّت العاصفة ضد الأقباط في خلافة الحاكم بأمر الله، وصل ذُراها إلى الأديرة والرهبان، فهدم الكثير من الأديرة، ولم يبقَ منها إلاَّ القليل.

– ولكن الخلفاء اللاحقين غيَّروا هذه السياسة، في خلافة الظاهر والمستنصر بالله. على أنه أثناء الحروب بين قوات المستنصر بالله وبين القائد التركي نصر الدولة الذي شقَّ عليه عصا الطاعة، تعرَّضت الأديرة في الوجه البحري للسلب والنهب، وشُوِّهت زخارف ورسوم تلك الأديرة ومبانيها، وتعرَّض رهبانها للأذى والقتل والتشريد، مما أدَّى إلى هروب مَن نجا منهم إلى الأرياف فراراً من البطش والموت.

ومع انتشار المجاعة وازدياد الفتن واضطراب الأمن وعجز الخليفة المستنصر، اضطر إلى استدعاء القائد بدر الدين الجمالي (الأرمني الأصل) إلى مصر. وبمجيء هذا القائد، تحسنت الأوضاع كثيراً بالنسبة للأقباط.   .

المصادر:

(1) مختصر عن كتاب: ”تاريخ مصر من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفَّع“، إعداد وتحقيق عبد العزيز جمال الدين، الجزء الثالث، المجلد الثاني، من صفحة 1014-1109.

(2) كلمة ”قبطي“ استخدمها الغُزاة العرب. وهي مُشتقة من الاسم المصري القديم: ”ها كا بتاح“ أي ”بيت روح الإله بتاح“، ومنها تسمَّت في اللغة اليونانية ”آيجيبتوس“، ومنها النطق العربي في الجزيرة العربية ”جِبْط“، فأطلقوها على أهل مصر، ثم تعارفوا على تسمية المصريين الذين حافظوا على إيمانهم المسيحي بهذا الإسم. (بعد ظهور الإسلام) نسبة إلى وثيقة الخليفة ”عمر بن الخطاب“.

الرابط :

http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm060911.htm ] . .(هامش)

ثانياً

 

 الحضارة الفاطمية ووصف مصر في العصر الفاطمي

من كتاب سفر نامة للرحالة ناصر خسرو

 

حرص الفاطميون دائماً على نظافة البلاد وظهورها بالمظهر الحضاري الجميل الذي يتناسب مع مكانة مصر كدولة محورية لكل دول المنطقة حتى وصفها الرحالة ناصر خسرو في كتابه سفر نامة قائلاً :

[ وصف مدينة القاهرة

أول مدينة يصل إليها المسافر من الشام إلى مصر هي القاهرة وتقع مدينة مصر جنوبهاوتسمى القاهرة المعزية ويقال للمعسكرالفسطاط يروى إن أحد أبناء أمير المؤمنينالحسين بن علي صلوات الله عليهم أجمعين.

وهو المعز لدين الله استولى على بلادالمغرب حتى الأندلس ثم سير جيشاً نحو مصركان لابد لهذا الجيش إن يعبر النيل وهذاأمر غير مستطاع أولاً لأن النيل عظيمالاتساع وثانياً لأنه مملوء بالتماسيح التي تجذب إلى قاعه في الحال كل من يعبر ويقال إنه في الطريق قرب مدينة مصر طلسم يحمي الإنسان والدواب من هذا الشر ولكن أثره يبطل على مسافة رمية سهم من المدينة فلا يجرؤ أحد إن يقترب من النيل قيل إن المعز أرسل جيشه فنزل حيث القاهرة اليوم وقد أمر جنوده قائلاً حين تصلون إلى النيل ينزل الماء أمامكم كلب أسود فيعبر النهر فاتبعوه واعبروا آمنين قيل وقد بلغ هذا المكان ثلاثون ألف فارس كلهم خدم المعز وقد انطلق الكلب سابحاً أمامهم وساروا على أثره وعبروا من غير حادث ولم يقل أحد قط إن فارسا عبر نهر النيل راكباً وكانت هذه الحادثة سنة ثلاث وستين وثلثمائة 973.

قد حضر السلطان إلى مصر عن طريق البحر فأفرغت السفن التي حضر بها قرب القاهرة وأخرجت من الماء وتركت كأنها أشياء لاغناء فيها وقد رأى راوي هذه القصة ناصرخسر و تلك السفن وهي سبع طول الواحدة مائة وخمسون ذراعاً وعرضها سبعون وقد مضى عليها هناك ثمانون سنة كان ذلك سنة إحدى وأربعين وأربعمائة حين بلغ الراوي هذا المكان.

وحين دخل المعز لدين الله مصر تقدم لهب الطاعة قائد الجيش الذي ولاه خليفة بغداد ونزل المعز بالجيش في هذا الموضع الذي هو القاهرة اليوم وقد سمى المعسكر بالقاهرة لأن ذلك الجيش كان قاهراً وقد أمر المعز بان لا يتجول أحد من جيشه في المدينة أو يدخل بيت أحد ثم أمر إن تبنى مصر في هذه الصحراء وإن يشيد كل من أفراد حاشيته بيتاً وهكذا بنيت المدينة التي قل نظيرها.

وقدرت إن في القاهرة ما لا يقل عن عشرين ألف دكان كلها ملك للسلطان وكثير منهايؤجر بعشرة دنانير مغربية في الشهر وليس بينها ما تقل أجرته عن دينارين والأربطة والحمامات والأبنية الأخرى كثيرة لايحدها الحصر وكلها ملك السلطان إذ ليس لأحد إن يملك عقاراً أو بيتاً غير المنازل وما يكون قد بناه الفرد لنفسه وسمعت إن للسلطان ثمانية ألف بيت في القاهرة ومصر وأنه يؤجرها ويحصل أجرتها كل شهر يؤجرونها للناس برغبتهم ثم يتقاضون الأجر فلا يجبر شخص على شيء.

ويقع قصر السلطان في القاهرة وهو طلق من جميع الجهات ولا يتصل به أي بناء وقد مسحه المهندسون فوجدوه مساويا لمدينة ميافارقين وكل ما حوله فضاء ويحرسه كل ليلة ألف رجل خمسمائة فارس وخمسمائة رجل وهم ينفخون البوق ويدقون الطبل والكوس من وقت صلاة المغرب ويدورون حول القصر حتى الصباح ويبدو هذا القصر من خارج المدينةكأنه جبل لكثرة ما فيه من الأبنية المرتفعة وهو لا يرى من داخل المدينة لارتفاع أسواره وقيل إن به اثني عشر ألف خادم مأجور ومن يعرف عدد من فيه من النساء والجواري إلا أنه يقال إن به ثلاثين ألف آدمي وهذا القصر يتكون من اثني عشر جوسقاً وله عشرة أبواب فوق الأرض لكل منها اسم على هذا التفصيل وذلك فضلاً عن أبواب أخرى تحت الأرض باب الذهب باب البحر باب السريج باب الزهومة باب السلام.

باب الزبرجد باب العيد باب الفتوح باب الزلاقة باب السرية وتحت الأرض باب يخرج منه السلطان راكباً وهذا الباب على سرداب يؤدي إلى قصر آخر خارج لمدينة ولهذا السرداب الذي يصل بين القصرين سقف محكم وجدر إن القصر من الحجر المنحوت بدقة تقول إنها قدت من صخر واحد وفوق القصر المناظر والإيوانات العالية وفي داخله دهليز به دكك.

وأركان الدولة والخدم من العبيد السود أو الروم والوزير رجل يمتاز عن الجميع بالزهد والورع والأمانة والصدق والعقل.

ولم يكن شرب الخمر مباحاً أعني أيام الحاكم هذا وفي أيامه حرم على النساء الخروج من بيوتهن وما كان أحد يجفف العنب في بيته لجواز عمل السيكي نوع من الشراب منه ولم يكن أحدهم يجرؤ على شرب الخمر ولا كانوا يشربون الفقاع فقد قيل إنه مسكر فهومحرم.

وللقاهرة خمسة أبواب باب النصر وباب الفتوح وباب القنطرة وباب الزويلة وباب الخليج وليس للمدينة قلعة ولكن أبنيتها أقوى وأكثر ارتفاعاً من القلعة وكل قصر حصن ومعظم العمارات تتألف من خمس أو ست طبقات.

ويجلب ماء الشرب من النيل ينقله السقاءون على الجمال والآبار القريبة من النيل عذب ماؤها وأما البعيدة عنه فماؤها ملح ويقال إن في القاهرة ومصر اثنين وخمسين ألف جمل يحمل عليها السقاءون الروايا وهؤلاء عدا من يحمل الماء على ظهره في الجرار النحاسية أو القرب وذلك في الحارات الضيقة التي لا تسير فيها الجمال.

وفي المدينة بساتين وأشجار بين القصور تسقى من ماء الآبار وفي قصر السلطان بساتين لا نظير لها وقد نصبت السواقي لريها وغرست الأشجار فوق الأسطح فصارت متنزهات.

وحين كنت هناك أجر منزل مساحته عشرون ذراعاً في إثني عشر ذراعاً بخمسة عشر ديناراً مغربياً في الشهر كان أربعة طوابق ثلاثة منها مسكونة والرابع خال وقد عرض على صاحبه خمسة دنانير مغربية كأجرة شهرية فرفض معتذراً بأنه يلزمه إن يقيم به أحيانا ولو انه لم يحضر مرتين في السنة التي أقمتها هناك.

وكانت البيوت من النظافة والبهاء بحيث تقول إنها بنيت من الجواهر لا من الجص والآجر والحجارة وهي بعيدة عن بعضها فلا تنمو أشجار  بيت على سور بيت آخر ويستطيع كل مالك إن يجعل ما ينبغي لبيته في كل وقت من هدم أو إصلاح دون إن يضايق جاره .

ويرى السائر خارج المدينة ناحية الغرب ترعة كبيرة تسمى الخليج حفرها والد السلطان وله على شاطئيها ثلاثمائة قرية ويبتدئ فم الخليج من مدينة مصر  ويمر بالقاهرة ويدور بها ماراً  أمام قصرالسلطان وقد شيد على رأسه قصران أولهماقصر اللؤلؤة وثانيهما قصر الجوهرة.

وفي القاهرة أربعة مساجد جا مع الأزهر وجامع النور وجامع الحاكم وجامع المعز والأخير خارج القاهرة على شاطئ النيل.

ويتوجه المصريون نحو مطلع الحمل حين يولون وجوههم شطر القبلة وبين مدينتي مصر والقاهرة أقل من ميل والأولى في الجنوب والثانية في الشمال ويمر النيل بهما وبساتينهما وبيوتهما متصلة أما البقية فتحت مستوى الماء وتغمر المياه الوادي بأجمعه في الصيف كأنه بحر عدا حديقةالسلطان لأنها على مرتفع أما البقية فتحت مستوى الماء……

وصف مدينة مصر :

(منطقة قلعة الكبش وزينهم الآن على مايصفه ناصر خسرو رحمه الله )

شيدت مصر على ربوة وجانبها الشرقي جبل يتكون من جبال حجرية غير عالية كالتلال وفي طرف المدينة جامع ابن طولون وهو مشيد على ربوة وله جداران محكمان ولم أر أعظم منهما غير جدار آمد وميافارقين وقد بناه أمير من أمراء العباسين كان حاكماً على مصر وفي أيام الحاكم بأمر الله جد هذا السلطان المستنصر باعه أحفاد ابن طولون بثلاثين ألف دينار مغربي وبعد مدة شرعوا في هدم المئذنة بحجة أنها لم تبع فأرسل لهم الحاكم قائلا لقد بعتموني هذا المسجد فكيف تهدمونه فأجابوا نحن لم نبع المئذنة فأعطاهم خمسة آلاف دينار ثمنا لها كان السلطان يصلي في هذا المسجد طوال شهر رمضان وأيام الجمع من بقية الشهور.

ومدينة مصر مشيدة على ربوة خشية فيضان الماء عليها وهذه الربوة كانت مغطاة في وقت ما بأحجار كبيرة جدا فكسرت وسويت ويقال إن للأماكن التي لم تسو عقبة وتبدو مصر كأنها جبل حين ينظر إليها من بعيد.

وبمصر بيوت مكونة من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات وسمعت من ثقات إن شخصاً غرس حديقة على سطح بيت من سبعة أدوار وحمل إليها عجلاً رباه فيها حتى كبر ونصب فيهاساقية كان هذا الثور يديرها ويرفع الماء إلى الحديقة من البئر وزرع على هذا السطح شجر النارنج والترنج والموز وغيرهما وقد أثمرت كلها كما زرع فيها الورد والريحان وأنواع الزهور الأخرى.

وسمعت من تاجر ثقة إن بمصر دوراً  كثيرة فيها حجرات للاستغلال أي للإيجار ومساحتها ثلاثون ذراعاً في ثلاثين وتسع ثلاثمائة وخمسين شخصاً وهناك أسواق وشوارع تضاء فيها القناديل دائما لأن الضوء لا يصل إلى أرضها ويسير فيها الناس.

وفي مصر سبعة جوامع غير جوامع القاهرة والمدينتان متصلتان وفيهما معا خمسة عشر جامعاً مسجد جمعة وذلك لتلقى خطبة الجمعة والصلاة في كل حي منهما وفي وسط سوق مصر جامع يسمى باب الجوامع شيده عمرو بن العاص أيام إمارته على مصر من قبل عمر بن الخطاب وهذا المسجد قائم على أربعمائة عمود في الرخام والجدار الذي عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام الأبيض التي كتب القرآن عليها بخط جميل ويحيط بالمسجد من جهاته الأربع الأسواق وعليها تفتح أبوابه ويقيم بهذا المسجد المدرسون والمقرئون وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة ولا يقل  من فيه في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرها وقد اشترى الحاكم بأمر الله هذا المسجد من أبناء عمرو بن العاص وكانوا قد ذهبوا إليه وقالوا نحن فقراء معوزون وقد بنى جدنا هذا المسجد فإذا إذن السلطان نهدمه ونبيع أحجاره ولبناته فاشتراه الحاكم بمائة آلف دينار وأشهد على ذلك كل أهل مصر ثم أدخل عليه عمارات كثيرة عظيمة منها ثريا فضية لها ستة عشر جانباً  كل جانب منها ذراع ونصف فصارت دائرتها أربعاً وعشرين ذراعاً.

ويوقدون في ليالي المواسم أكثر من سبعماية قنديل ويقال إن وزن هذه الثريا خمسة وعشرون قنطارا فضة كل قنطار مائة رطل وكل رطل أربعة وأربعون ومائة درهم ويقال إنه حين تم صنعها لم يتسع لها باب من أبواب المسجد لكبرها فخلعوا بابا وأدخلوها منه ثم أعادوا الباب مكانه ويفرش هذا المسجد بعشر طبقات من الحصير الجميل الملون بعضها فوق بعض ويضاء كل ليلة بأكثر من مائة قنديل. وفي هذا المسجد مجلس قاضي القضاة .

وعلى الجانب الشمالي للمسجد سوق يسمى سوق القناديل لا يعرف سوق مثله في أي بلد وفيه كل ما في العالم من طرائف ورأيت هناك الأدوات التي تصنع من الذبل كالأوعية والأمشاط ومقابض السكاكين وغيرها ورأيت كذلك عاملين  مهرة ينحتون بلوراً  غاية في الجمال وهم يحضرونه من المغرب وقيل انه ظهر حديثا عند بحر القلزم بلور ألطف وأكثر شفافية من بلور المغرب ورأيت أنياب الفيل أحضرت من زنجبار كان وزن كثير منها يزيدعلى مائتي من كما أحضر جلد البقر من الحبشة يشبه جلد النمر و يعملون منه النعال وقدجلبوا من الحبشة طائراً  أليفاً كبيراً به نقط بيضاء وعلى رأسه تاج مثل الطاووس. وتنتج مصر عسلاً وسكراً كثيراً .

وفي اليوم الثالث من شهر دي القديم ديسمبر يناير من السنة الفارسية ست عشرة وأربعمائة رأيت في يوم واحد هذه الفواكه والرياحين الورد الأحمر والنيلوفر والنرجس والترنج والنارنج والليمون والمركب والتفاح والياسمين والريحان الملكي والسفرجل والرمان والكمثري والبطيخ والعطر والموز والزيتون والبليج الإهليلج والرطب والعنب وقصب السكر والباذنجان والقرع واللفت والكرنب والفول الأخضر والخيار والقثاء والبصل والثوم والجزر والبنجر.

وكل من يفكر كيف تجتمع هذه الأشياء التي بعضها خريفي وبعضها ربيعي وبعضها صيفي وبعضها شتوي لا يصدق هذا ولكن ليس لي قصد فيما ذكرت ولم أكتب إلا ما رأيت وأما ما سمعته ثم كتبته فليست عهدته على فولاية مصر عظيمة الاتساع بها كل أنواع الجو من البارد والحار وتجلب كل الحاجيات لمدينة مصر من جميع البلاد ويباع بعضها في الأسواق.

ويصنعون بمصر الفخار من كل نوع وهو لطيف وشفاف بحيث إذا وضعت يدك عليه من الخارج ظهرت من الداخل وتصنع منه الكؤوس والأقداح والأطباق وغيرها وهم يلونونها بحيث تشبه البوقلمون فتظهر مختلف في كل جهة تكون بهاويصنعون بمصر قوارير كالزبرجد في الصفاء والرقة ويبيعونها بالوزن.

وسمعت من بزاز ثقة إن وزن الدرهم الواحد من الخيط يشترى بثلاثة دنانير مغربية وهي تساوي ثلاثة دنانير ونصف نيسابورية وقد سألت في نيسابور بكم يشترون أجود الخيط فقالوا إن الخيط الذي لا نظير له يشترى الدرهم منه بخمسة دراهم.

ومدينة مصر ممتدة على شاطئ النيل الذي بنيت عليه القصور والمناظر الكثيرة بحيث إذا احتاجوا إلى الماء رفعوه بالحبال من النيل أما ماء المدينة فيحضره السقاءون من النيل أيضاً يحمله بعضهم على الإبل وبعضهم على كتفه ورأيت قدورا من النحاس الدمشقي كل واحد منها يسع ثلاثين منا وكانت من الطلاوة بحيث تظنها من ذهب وقد حكوا لي إن امرأة تملك خمسة آلاف قدر وأنها تؤجر الواحد منها بدرهم في الشهر وينبغي إن يردها المستأجر سليمة.

وأمام مصر جزيرة وسط النيل كان عليها مدينة في وقت ما و الجزيرة غربي المدينة وبها مسجد جمعة وحدائق وهي صخرة وسط النهرتقسمه قسمين كل منهما في اتساع جيحون ولكن أكثر هدوءا وبطأ في جريانه وثبت بين الجزيرة والمدينة جسر من ست وثلاثين سفينة.

ويقع جزء من مدينة مصر على جانب النيل الآخر ويسمونه الجيزلا وبها مسجد لصلاة الجمعة ولكن ليس لها جسر ولذا يعبر الناس بالزوارق أو بالمعابر وهي كثيرة في مصر أكثر مما في بغداد أو البصرة.

وتجار مصر يصدقون في كل ما يبيعونه وإذا كذب أحدهم على مشتر فإنه يوضع على جمل ويعطى جرساً بيده ويطوف به في المدينة وهو يدق الجرس وينادي قائلا قد كذبت وها أنا أعاقب وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب….

ملحوظة  ووقفة هامة هنا حول طلب ملح بسن قانون لمعاقبة الكذاب سواء كان شخص أو  جماعة أو هيئة أو منظمة :

وهى عقوبة أطلق عليها القرآن الكريم (اللا مساس) وهو العزل مع التحقير كما فعل المصريون في العصر الفاطمي وكما نهت عن ذلك الحضارة الفرعونية القديمة في كتاب الموتى وبردية آني :

((((( ومن هنا نطالب الدولة المصرية الجديدة بسن قانون لمعاقبة الكذاب كما كان على العهد الفاطمي ويعاقب كل من كذب على شخص أو جماعة أو دولة وتسبب  عن هذا الكذب مايضر به المصريون أو غيرهم على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وتتدرج تلك العقوبة من الجلد إلى الغرامة المالية وترتفع إلى الإعدام لأن الكذبة يمكن أن توقع بين شخصين أو طائفتين أو دولتين بما يوقع قتلى بينهما وهنا الكذاب يتحمل عاقبة كذبته وفي هذا القانون سيكون إن شاء الله الخلاص النهائي من تلك الجريمة التي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله ” أيكون المسلم جباناً قال نعم قال أيكون كذاباً : قال لا  ” صدق رسول الله صلى الله عليه  وآله وسلم” ))) أهـ .

…ويعطي التجار في مصر من بقالين وعطارين وبائعي خردوات الأوعية اللازمة لمايبيعون من زجاج أو خزف أو ورق حتى لا يحتاج المشتري إن يحمل معه وعاء.

ويستخرجون من بذور الفجل واللفت زيت اللمصابيح يسمونه الزيت الحار والسمسم هناك قليل وزيته عزيز وزيت الزيتون رخيص والفستق أغلى من اللوز ولا تزيد العشرة أمنان من اللوز المقشور على دينار واحد.

ويركب أهل السوق وأصحاب الدكاكين الحمر المسرجة في ذهابهم وإيابهم من البيوت إلى السوق وفي كل حي على رأس الشوارع حمر كثيرةع ليها برادع مزينة يركبها من يريد نظير أجر زهيد وقيل إنه يوجد خمسون ألف بهيمة مسرجة تزين كل يوم وتكرى ولا يركب الخيل إلا الجند العسكر فلا يركبها التجار أوالقرويون أو أصحاب الحرف والعلماء ورأيت كثيراً من الحمر البلق كالخيل بل أجمل. كان أهل مدينة مصر في غنى عظيم حين كنت هناك.

وفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ولد للسلطان ولد فأمر الناس بإقامة الأفراح فزينت المدينة والأسواق زينة لو وصفتها لما اعتقد بعض الناس صحة ما أقول ولماصدقوني فقد كانت دكاكين البزازين والصرافين وغيرهم مملوءة بالذهب والجواهر والنقد والأمتعة المختلفة والملابس المذهبة والمقصبة بحيث لا يوجد فيها متسع لمن يريد إن يجلس.

وكان الناس جميعاً يثقون ب السلطان فلا يخشون الجواسيس ولا الغمازين معتمدين على إن السلطان لا يظلم أحد ولا يطمع في مال أحد ورأيت أموالا يملكها بعض المصرين لو ذكرتها أو وصفتها لما صدقني الناس في فارس فإني لا أستطيع إن أحدد أموالهم أو أحصرها أما الأمن الذي رأيته هناك فإني لم أره في بلد من قبل وقد رأيت هناك نصرانيا من سراة مصر قيل إن سفنه وأمواله وأملاكه لا يمكن أن تعد وحدث في سنه ما أن كان النيل ناقصاًو كانت الغلة عزيزة فأرسل الوزير إلى هذا النصراني وقال ليست السنة رخاء و السلطان مشفق على الرعية فأعط ما استطعت من الغلة إما نقداً وإما قرضا قال النصراني أسعدالله السلطان والوزير إن لدي من الغلة مايمكنني من إطعام أهل مصر الخبز ست سنوات ولا شك إن سكان مصر في ذلك الوقت كانوا كثرين فإن سكان نيسابور خمسهم مع الإسراف في التقدير وكل من يستطيع الحكم يدرك كمي نبغي إن يكون لهذا الثري لتبلغ غلته هذاالمقدار وأي سلام كانت فيه الرعية وأي عدل كان للسلطان بحيث تكون أحوال الناس على هذا الوضع وأموالهم بهذا القدر لم يكن السلطان يظلم أو يجور على أحد ولا كان أحد من الرعية يخفي أو ينكر شيئاً مما يملك .

ورأيت هناك خانا يسمى دار الوزير لا يباع فيه سوى القصب وفي الدور الأسفل منه يجلس الخياطون و في الأعلى الرفاءون وسألت القيم عن أجرة هذا الخان الكبير فقال كانت سنة عشرين ألف دينار مغربي ولكن جانبا منه قد تخرب وهو يعمر الآن فيحصل منه كل شهر ألف دينار يعني إثني عشر ألف دينار في السنة وقيل إن في هذه المدينة مائتي خان أكبر منه أو مثله.

وصف مائدة السلطان

يقيم السلطان مأدبة في كل من العيدين ويأذن بالاستقبال في قصره للخواص والعوام وتنصب مائدة الخواص في حضرته ومائدة العوام في سرايات أخرى وقد سمعت كثيراً عن هذه المآدب فرغبت في رؤيتها رأي العين فذهبت عند أحد كتاب السلطان وكنت قدصاحبته فتوطدت الصداقة بيننا وقلت له رأيت مجالس ملوك وسلاطين العجم مثل السلطان محمود الغزنوي وابنه السلطان مسعود وقدكانا ملكين عظيمين ذوي نعمة وجلال وأريد أن أرى مجالس أمير المؤمنين فنقل رغبتي إلى الموكل بالستار المسمى صاحب الستر وقد تفضل هذا فسمح لي بالذهاب في آخر رمضان سنةأربعين وأربعمائة 7مارس كان المجلس قد أعد لليوم الثاني وهو يوم العيد حيث يحضر السلطان بعد الصلاة فيجلس في صدر المائدة.

حين دخلت من باب السراي رأيت عمارات وصففو إيوانات إن أصفها يطل الكتاب كان هناك اثنا عشر جناحاً أبنيتها مربعة وكلها متصلة بعضها ببعض وكلما دخلت جناحا منها وجدته أحسن من سابقه ومساحة كل واحد منها مائة ذراع في مائة عدا واحداً منها كانت مساحته ستين ذراعاً في ستين كان بهذا الأخير تخت يشغل عرضه بتمامه وعلوه أربع أذرع وهو مغطى بالذهب من جهاته الثلاث وعليه صور المصطاد والميدان وغيرهما كما أن عليه كتابة جميلة وكل ما في هذا الحرم من الفرش والطرح من الديباج الرومي والبوقلمون نسجت على قدر كل موضع تشغله وحول التخت درابزين من الذهب المشبك يفوق حد الوصف ومن خلف التخت بجانب الحائط درجات من الفضة وبلغ هذا التخت من العظمة أني لو قصرت هذا الكتاب كله على وصفه ما استوفيت الكلام وما كفى.

وقيل إن راتب السكر في ذلك اليوم الذي تنصب فيه مائدة السلطان خمسون ألف من وقد رأيت على المائدة شجرة أعدت للزينة تشبه شجرة الترنج كل غصونها وأوراقها وثمارها مصنوعة من السكر وعليها ألف صورة وتمثال مصنوعة كلها من السكر أيضاً.

ومطبخ السلطان خارج القصر ويعمل فيه دائما خمسون غلاماً ويصل القصر بالمطبخ طريق تحت الأرض وجرت العادة في مصر إن يحمل إلى دار الشراب السلطانية شرابخانة كل يوم أربعة عشر حملاً من الثلج كان لمعظم الأمراء والخواص راتب من هذا الثلج ويصرف منه لمن يطلبه من مرضى المدينة وكذلك كل من يطلب من أهلها مشروبا أو دواء من الحرم السلطاني فإنه يعطاه كما إن هناك زيوتا أخرى كزيت البلسان وغيره  كان للناس كافة أن يطلبوها فلا تمنع عنهم.

سيرة سلطان مصر

بلغ أمن المصريين واطمئنانهم إلى حد إن البزازين وتجار الجواهر والصيارفة لايغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر ولم يكن أحد يجرؤ على مد يده إلىشيء منها يحكى أنه كان بمصر يهودي وافر الثراء يتجر بالجواهر كان مقرباً من السلطان الذي كان يعتمد عليه في شراء مايريد من الجواهر الكريمة وذات يوم اعتدى عليه الجنود وقتلوه فلما ارتكبوا هذا الجرم خشوا بطش السلطان فركب عشرون ألف فارس منهم وخرجوا إلى الميدان وهكذا خرج الجيش إلى الصحراء وخاف أهل المدينة مغبة هذه المظاهرة إذ ظل الجيش في الصحراء حتى منتصف النهار فخرج إليهم خادم القصر ووقف بباب السراي وقال إن السلطان يسأل إذا كنتم مطيعين أم لا فصاحوا صيحة واحدة نحن عبيد مطيعون ولكننا أذنبنا فقال الخادم يأمركم السلطان بأن تعودوا فعادوا في الحال.

واسم هذا اليهودي المقتول أبو سعيد كان له ابن وأخ وقيل إنه لا يعرف مدى غناه إلا الله فقد كان على سقف داره ثلاثمائة جرة من الفضة زرع في كل منها شجرة كأنها حديقةو كلها أشجار مثمرة وقد كتب أخوه لما ملكه من الفزع رسالة للسلطان يقول فيها أن يأقدم للخزانة مائتي ألف دينار مغربي حالا فأمرالسلطان بعرض الرسالة على الناس وتمزيقها على الملأ وقال كونوا آمنين وعودوا إلى بيوتكم فليس لأحد شأن بكم ولسنا بحاجة لمال أحد واستمالهم إليه.

وكان لكل مسجد في جميع المدن والقرى التي نزلت بها من الشام إلى القيروان نفقات يقدمها وكيل السلطان من زيت السرج والحصير والبوريا وسجاجيد الصلاة ورواتب القوم و الفراشين والمؤذنين وغيرهم وكتب والي الشام في بعض السنين إلى السلطان بأن الزيت قليل ثم استأذن في إن يصرف للمساجد الزيت الحار المستخرج من بذور الفجل واللفت فأجيب إنك مأمور لا وزير وليس من الجائز إن تغير أو تبدل في شيء يتعلق ببيت الله.

ويتقاضى قاضي القضاة ألفي دينار مغربي في الشهر ومرتب كل قاض على قدر مرتبته ذلك حتى لا يطمع القضاة في أموال الناس أويظلمونهم والعادة في مصر إن يقرأ مرسوم السلطان في المساجد في منتصف رجب وهو: يامعشر المسلمين حل موسم الحج وسيجهز ركب السلطان كالمعتاد وسيكون معه الجنود والخيل والجمال والزاد وينادى بذلك في شهر رمضان أيضاً ويبدأ الناس في السفر ابتداء من أول ذي القعدة وينزلون في موضع معين ثم يسيرون في منتصف هذا الشهر ويبلغ خرج الجيش الذي يرافق السلطان ألف دينار مغربي في اليوم هذا عدا عشرين ديناراً مرتبة لكل رجل فيه ويبلغون مكة في خمسة وعشرين يوماً ويمكثون بها عشرة أيام ثم يعودون إلى مصر في خمسة وعشرين يوما ونفقاتهم في الشهرين ستون ألف دينار مغربي عدا التعهدات والصلات والمشاهرات وثمن الجمال التي تنفق في الطريق.

وقد قرى على الناس سنة تسع وثلاثين وأربعمائة المرسوم التالي من سجل السلطان : يقول أمير المؤمنين أنه ليس من الخير إن يسافر الحجاج للحجاز هذا العام فإن بها قحطاً وضيقاً وقد هلك به خلق كثيرون وإني أقول هذا شفقة بالمسلمين فلم يسافر الحجاج , كان السلطان يرسل الكسوة للكعبة كالمعتاد لأنه يرسلها مرتين كل سنة فلما سافرت الكسوة مع وفد السلطان عن طريق القلزم سافرت معهم فخرجت من مصر أول ذي القعدة وبلغت القلزم في الثامن منه ومن هناك أقلعت السفينة فبلغنا بعد خمسة عشر يوماً مدينة تسمى الجار في الثاني والعشرين من ذي القعدة وقمنا من هناك فبلغنا مدينة الرسول صلّى الله عليه وسلم بعد أربعةأيام –

 المصدر سفر نامة لناصر خسرو ص18- وما بعدها . (هامش)

 

وهنا  هذا الوصف يؤكد أن هذه الحضارة وهذه البهجة التي أوجدها الفاطميون في مصر ليست إلا نتاج عمل وإنتاج وإيمان وإخلاص لله تعالى وحب متبادل بين الراعي والرعية وأخلاق وقامت على قانون لإسلامي أصيل يجرم الكذب ويعاقب عليه كما ذكر الرحالة ناصر خسرو رحمه الله ولذلك استمرت تلك العادات التي غرسها الفاطميون في أهل مصر إلى الآن  ليس بالسيف ولكن بالعقل والحب والثقة  المتبادلة بين الراعي والرعية   ويقول صلى الله عليه وىله [ ماكان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل ] وإلا قلي بربك  لماذا  حافظ المصريون على العادات والتقاليد  منذ فجر التاريخ الفرعوني مرورا  بالعصر الفاطمي إلى الآن  حيث وصلنا إلى زمن وصول الخوارج إلى سدة الحكم الآن في مصر وهى إمارة الكذبة التي تقوم على تقليب الفتن بين المصريين بعضهم بعضا وبين أصحاب الديانات الآخرى و المذاهب الإسلامية فمرة يكفرون المسيحيين وأخرى ويحذرون الشيعة والصوفية من حرب  إبادة شاملة في مصر وهدم لأضرحة أهل البيت عليهم السلام ومرة أخرى يميلون بالتكفير والقتل والخطف والسحل لبقية التيارات السياسية على أنهم كفار  وبالتالي مصر في حالة  من عدم الإستقرار الآن فإما انتصار تيار الخوارج  المدعوم شيطانياً من الصهيو ماسونية العاليمة ويتظاهرون   بالإسلام وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا كما قال تعالى { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- الكهف }  و هؤلاء هم خوارج آخر الزمان في زماننا هذا  وحكوكتهم التي أطلق عليها رسول الله صلى الله عليه وآلة إمارة الكذبة والمصرين في حرب إما أن تنتصر فيها القيم الدينية الأصيلة والمبادئ السامية وروح التسامح والحضارة والتاريخ التي عاش عليها المصريون  وورثوها جيلا بعد جيل منذ فجر التاريخ  أو المقاومة المسلحة لهؤلاء القتلة الذين لا يعرفون إلا لغة القتل والدم ونكاح السبايا في الدنيا والحور العين في الآخرة والإستمتاع بالدنيا من سيارات  وفيلات فارهة ونكاح اجمل النساء شهريا يبدلونهم كما يبدل أحدنا نعلاه ويزعمون أنم إسلاميون وغيرهم كافرون لعنهم الله .

 

ثالثاً

 

مظاهر الحضارة الفاطمية في الإحتفالات

(1)

مواسم الفاطميين :

اشتهر العصر الفاطمي بكثرة المواسم والاحتفالات والإنفاق ببذخ عليها .

وقد تفاعل المصريون مع هذه الإحتفالات والمناسبات وأحبوها لما كانت تمثله بالنسبة لهم من أهمية معنوية وترفيهية بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية حيث كانت توزع فيها العطايا من أموال وكسوة وطعام . .

وأهم هذه المناسبات التي كان يحتفل بها الفاطميون . مناسبة رأس السنة الهجرية ومناسبة عاشوراء . ومولد النبي ( صلى اللهخ عليه وآله ) . وعيد الفطر . وعيد النحر ( الأضحى ) . وليلة النصف من شعبان . ومولد الإمام علي . ومولد الحسن . ومولد الحسين . ومولد فاطمة . وأول رمضان . وعيد الغدير . وموسم فتح الخليج . وكسوة الشتاء . وكسوة الصيف. ويوم النيروز. وليلة أول رجب وليلة النصف منه . وذلك غير المناسبات الأخرى الخاصة بخلفاء الفاطميين . وقد نحولت هذه الإحتفاليات إلى عادات وتقاليد مصرية  سائدة إلى اليوم  وقد كانت هذه الإحتفالات فعلياً  تعكس الحالة الاقتصادية السائدة في العصر الفاطمي . وهي حالة على ما يبدو من هذه الإحتفالات تدل على رغد العيش واتساع الأرزاق وبالتالي سادت ثقافة البهجة والأعيا والإحتفالات  حيث ساد الأمن والرزق فتحقق في مصر  ما أمر الله تعالى به أهل مكة لما قال تعالى لهم : { فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } .

(2)

المظاهر الحضارية  والتصوير والمسرح

عند الفاطميين

عنى الفاطمييون بمظاهر التحضر المختلفة فلا عجب أن اهتموا بالتصوير و من مظاهر الترف والحضارة التي تبعث على البهجة في الدولة الفاطمية :

[ أن الآمر بأحكام الله (495-524ه\ 1101-112 م ) شيد ببركة الحبش منظرة من خشب, و أمر أن يصور فيها بالألوان عدد من شعرائه و بلادهم, و ان يكتب فوق صورة كل منهم ابياتا من الشعر فى مدح الخليفة.

مصور فاطمى يسمى “الكتامى” صور فى دار النعمان صورة سيدنا يوسف فى الجب. ,  و يبدو أن سوق المصورين كانت رائجة فى هذا العصر و قد ورد بعض أسماء المصوريين فى كتاب “ضوء النبراس و أنس الجلاس فى أخبار المزوقين من الناس” مثل: القصير و بنى المعلم و النازوك و الكتامى و هم من المصريين. كما أشار الى مصورين غير مصريين اشتغلوا فى مصر مثل ابن عزيز من العراق.
– اشتهروا بصناعة النقش و الفسيفساء, ذكر المقدسى أنه شاهد على فسيفساء الكعبة الشريفة توقيع صناع مصريين.

و من المعروف أن فسيفساء قبة الصخرة جددت كما صنعت فسيفساء قبة جامع الأقصى فى بيت المقدس فى عصر الخليفة الظاهر 418 ه \ 1027 م , و قد جاء فى كتابة بها مؤرخة آخر ذى القعدة سنة 426 ه توقيع أحد المزوقين المصريين فى العصر الفاطمى “صنعة عبد الله بن الحسن المصرى المزوق”.
– وجود شعراء أمثال عمارة اليمنى.

و يلاحظ تأثر الصور الجدارية الفاطمية بأسلوب سامرا حتى أن يصعب تعيين اختلاف جوهرى بينهما :
1- اذ يلاحظ مثلا أن الثوب الذى يحليه زخرفة من وحده متكررة.

2- الهالة الكاملة الاستدارة.

3-أشكال الرؤس و رسوم الطير و الزخارف النباتية.

4- الاطار الذى يشتمل على أشكال كروية.

كما ان الوشاح مثلا الموجود فى صورة وجدت فى حمام فاطمى حول ظهر الشاب الجالس يشبه فى طريقة وضعه الوشاحين حول ظهر الراقصتين فى صور سامرا, و ان كان الوشاح الفاطمى قد رسم بأسلوب أقل واقعية: اذ أنه شبه معلق فى الهواء فى حين أن وشاح الراقصتين فى سامرا يتدليان الى أسفل بشكل طبيعى.

أما من حيث الأسلوب فيتضح فى الصور الجدارية الفاطمية خصائص قريبة من سامرا: اذ أنه أسلوب مسطح يعتمد على الخطوط, و بعيد عن الواقعية, و ذو طابع زخرفى.

و يمكن تعليل التشابه بأنهم ورثوا أسلوبهم من الطولونيين و من جاء بعدهم و هؤلاء كانوا قد نقلوا أسلوبهم من سامرا ضمن ما نقلوه من الأساليب الفنية الأخرى.

يلاحظ أن كلا من العباسيين و الفاطميين أعتمدوا على الفرس, و من ثم ظهر فى فنهم طابع فارسى مشترك. و من المعروف أن الدولة الفاطمية استخدمت عددا من الفرس سواء فى نشر المذهب الفاطمى أو فى القيام بأعباء الحكم و الادارة, كما اعتبر الفاطميون بلاد الفرس من المناطق المتصلة بنفوذهم المذهبى, و أحيوا فى دولتهم كثيرا من المراسم الفارسية القديمة.


أيضا من أهم آثار الفاطميين على مصر و التقاليد و العادات التى بقيت الى الآن:

.. ارتبطت الكثير من العادات والتقاليد والطقوس بالدولة الفاطمية في مصر حيث مازال التاثير الفاطمي يظهر في مصر أثناء شهر رمضان والأعياد.( كما سنبينه فيما بعد)
إن بعض مؤرخي تاريخ المسرح العربي يرون ان بذور المسرح كانت بدأت في الظهور في العصر الفاطمي من خلال ما يسمى بالمهرج والحاوي أثناء الإحتفالات في العصر الفاطمي.
ومازال المصريون يتذكرون موكب حصان الخليفة المهيب الذي كان يخرج يوم المولد النبوي فيصنعون حلوى تشبه هذا الحصان.

وارتبط العصر الفاطمي بكثير من الحكايات الشعبية المصرية التي ليس لها سند تاريخي ولكن يتناقلها الناس من جيل إلى جيل كحادثة نقل جبل المقطم على يد سمعان الخراز والقصص المرتبطة بالشاطر حسن وأيضا الحواديت المرتبطة بست الملك أخت الحاكم بأمر الله. وغيرها الكثير –  المصدر : كتاب فن التصوير فى مصر الاسلامية للدكتور حسن باشا (هامش)

(3)

المظاهر الرمضانية منذ العهد

الفاطمى

[ التقاليد الفاطمية:

ربما كانت العادات والتقاليد الشعبية المصرية هي الذكرى الأساسية التي مازالت تربط المصريين بفترة الدولة الفاطمية حتى الآن رغم الحملات العسكرية والثقافية التي شنتها الدول المتعاقبة (الأيوبيين ، المماليك والعثمانيين) على التشيع في مصر وسعيها للقضاء على كل أثر للفاطميين حتى لو كان مسجداً، فقد تمسك الشعب المصري بعاداته وتقاليده الفاطمية لدرجة أجبرت حكام هذه الدول على مسايرتها في النهاية.

و لعل بقاء هذه العادات حتى الآن إشارة واضحة إلى أن الفترة الفاطمية كانت الأكثر تأثيراً في ذهنية الشعب المصري الذي لا يحمل وعيه الجمعي أي ذكرى حقيقية عن الدول السابقة على العهد الفاطمي.

ويمثل شهر رمضان الفترة التي ينتقل فيها الوعي المصري إلى المرحلة الفاطمية بشكل شبه كامل، وربما كان هذا هو سر تميز شهر رمضان في مصر، وتميز هذا الشهر لدى المصريين،كونهم ينفصلون فجأة عما هو سائد ويرتبط وعيهم من جديد بالعادات والمظاهر الفاطمية وما تمتلكه من جاذبية ورسوخ لدى الشخصية المصرية .   يعد

“المسحراتي”

من أهم المظاهر الرمضانية الأساسية التي حرص عليها الفاطميون في مصر، وقد احتفظ هذا التقليد باستمراريته حتى الآن كغيره من الطقوس الفاطمية رغم عدم الحاجة العملية له، وربما تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن بداية هذا التقليد كانت سابقة على ظهور الفاطميين، إلا أنه على كل حال ارتبط بهم أكثر من أي أسرة حاكمة أخرى نظراً لأن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله تولى هذه المهمة بنفسه مع بدايات عهدهم بالقاهرة ، وقد تواصل اهتمام الخلفاء الفاطميين بهذه المهنة وإن لم يتولوا مهمتها بأنفسهم وإنما اكتفوا بتخصيص أحد الأشخاص للقيام بها، ولعل انتشار هذا التقليد في معظم المناطق التي خضعت للنفوذ الفاطمي كمصر وجنوب لبنان واليمن بشكل خاص يعد دليلاً على ارتباطه بالعهد الفاطمي .

فانوس رمضان:

ثمة تقليد آخر مازال مرتبطاً بهم حتى الآن في الذهنية المصرية وكانت بدايته بالفعل مع دخول الفاطميين وهو “فانوس رمضان”، وقد ارتبط هذا التقليد مع ليلة دخول المعز لدين الله الفاطمي للقاهرة والتي صادفت أنها ليلة أول يوم في رمضان فأمر القائد الفاطمي جوهر الصقلي بأن يخرج الناس لاستقباله حاملين الشموع لإنارة الطريق أمامه، وحتى لا تنطفئ الشموع، لجأ الناس إلى وضعها على قاعدة من الخشب وإحاطتها ببعض الزعف والجلد الرقيق، وتشير المرويات التاريخية أن الخليفة الفاطمي أثار إعجابه هذا الاستقبال ، واعتبرت الفوانيس من هذه اللحظة تقليداً رمضانياً مصرياً.

وفي عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي تطورت صناعة الفوانيس بدرجة أكبر بعد أن أصدر أمره بألا تخرج النساء من منازلهن إلا إذا تقدمهن صبي يحمل فانوساً، كما أمر بتعليق الفوانيس على أبواب المنازل ومداخل الحارات، وفرض غرامات على من يخالف هذا الأمر، وبالتالي فقد أصبح للفوانيس أحجام وأشكال مختلفة طبقاً لأغراض الاستخدام المختلفة .

وقد ارتبط فانوس رمضان كذلك بتجمعات الأطفال وغنائهم في الشوارع ، ويقال أن هذه التجمعات بدأت في عهد الخليفة الفاطمي العاضد الذي كان يخرج بنفسه لاستطلاع هلال رمضان وكان الأطفال يخرجون معه لإنارة الطريق بالفوانيس مرددين بعض الأغنيات فرحاً بقدوم شهر رمضان، وقد استمر فانوس رمضان حتى الآن رمزاً لبهجة الأطفال في هذا الشهر، ومن المعتاد مشاهدة تجمعاتهم بالفوانيس وهم ينشدون بعض الأغاني التراثية وأشهرها: “وحوي يا وحوي .. اياحا، وكمان وحوي .. اياحا”. ومن المعتاد أن يطرق الأطفال في كل شارع الأبواب أثناء انشادهم لهذه الأغاني طالبين الحلوى من الجيران .

أما عبارة ” وحوي يا وحوي .. إياحا ”

التي يرددها الأطفال فهي أنشودة فرعونية قديمة كانت تردد في الاحتفال بالقمر وأصل الأنشودة : “قاح وي، واح وي، إحع” ومعناها “ما أجمل ظهورك يا قمر ” وقد حرفت كلمة ” إحع” والتي تعني القمر إلى ” إياحا” للتخفيف.

ويبدو غريباً أن يحافظ المصريون على هذه الأغنية التراثية كل هذه الفترة الزمنية الطويلة ، لكنها تشير إلى أن المسلمين في مصر ارتبطت عاداتهم وتقاليدهم بتراثهم القبطي والمصري القديم.

” الحلويات الرمضانية ”

ثمة تقليد آخر رسخه الفاطميون في مصر وهو تناول بعض الأطعمة والحلويات مثل “الكنافة” و”القطائف”، وسعوا من خلال هذه الأطعمة للدعوة إلى مذهبهم عبر صناعتها بشكل معين يخدم جوهريات هذا المذهب ويرسخها بهدوء في الشخصية المصرية،كما يشير بعض الباحثين.

وبالرغم من أن المرويات التاريخية تذكر أن ظهور الكنافة كان سابقاً بفترة طويلة على ظهور الفاطميين فإن صناعتها بالطريقة المتبعة الآن تبدو مرتبطة بالفاطميين، حيث يتم وضع دقيق مخلوط بالماء في وعاء به العديد من الثقوب الرفيعة، ثم يتم نشر هذا الخليط على سطح ساخن من الصاج في شكل دائري على عكس حركة الساعة، وهي طريقة مختلفة تماماً عن طرق صنع الكنافة في أماكن أخرى، وقد استخدمها الفاطميون في لفت نظر المصريين إلى مدى قدسية الشكل الدائري والذي يحتل مكانة خاصة في التراث الإسماعيلي بشكل خاص، وفي التفسيرات الباطنية للدين بشكل عام.

أما القطائف فاسمها مشتق من القطيفة نظراً لملمسها الناعم، وهي عجينة يتم انضاجها على صاج ساخن على هيئة أقراص، ثم تحشى بالمكسرات ويثنى القرص ويغلق عليها؛ وهذا الشكل الذي اتخذته القطائف ساعد الفاطميين في نشر رؤيتهم عن عقيدة الظاهر والباطن غير المنفصلين من ناحية الأهمية كما ينص المذهب الإسماعيلي، بشكل مبسط تجاوز ما يعانيه هذا المذهب من الغاز وصعوبة واضحة.

” العادات الدينية “:

أما العادات الدينية قد اشتهرت في مصر عادة ختم القرآن الكريم في رمضان والاحتفال به في اليوم التاسع والعشرين، وهي عادة ارتبطت بالفاطميين على وجه الخصوص، حيث كان القصر الفاطمي يشهد احتفالاً في هذا اليوم بختم القرآن الكريم وتصرف مخصصات للمقرئين والمؤذنين بحكم أنها ليلة ختام الشهر الكريم.

ومن مظاهر هذا الاحتفال في العصر الفاطمي حضور الوزير لتناول الإفطار مع الخليفة، ويشاركهم العلماء والمقرئون الذين يتناوبون قراءة القرآن من الفاتحة إلى خاتمته، وفي نهاية الحفل تفرق الخلع الشريفة وصرر الدنانير والدراهم على العلماء والمقرئين والمؤذنين.

   لقد كانت الدولة الفاطمية من أكثر الدول الحاكمة التي أدركت ما للمصريين من خصوصية حضارية وثقافية، وبالتالي فقد سعت لأن تكون عاداتها وتقاليدها وحتى طريقة دعوتها لمذهبها الإسماعيلي قريبة من هذه الخصوصية، لذلك كانت الدولة الأكثر تأثيراً في وعي المصريين وشعورهم القومي

المصدر : جريدة بيناتأرشيف الإفتتاحياتنشرة العدد 334اخبار وتقارير/ العدد 334-تقاليد فاطمية راسخة.. واحتفاء بالشهر الكريم / العدد 334(هامش)

[ . وفي العصر الفاطمي بمصر كان يُعهد فيه للقضاة بالطواف بالمساجد في القاهرة وباقي الأقاليم في أيام رمضان ؛ لتفقُّد ما تم إجراؤه فيها من إصلاح وفرش وتعليق المسارج والقناديل ، حتى إن الرحالة “ناصر خسرو” الذي زار مصر في القرن الخامس الهجري وصف “الثريا” التي أهداها الخليفة الحاكم بأمر الله إلى مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط بأنها كانت تزن سبعة قناطير من الفضة الخالصة، وكان يوقد به في ليالي المواسم والأعياد أكثر من 700 قنديل، وكان يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض، وما إن ينتهي شهر رمضان حتى تُعاد تلك الثريا والقناديل إلى مكان أعد لحفظها فيه داخل المسجد، كما أن الدولة في ذلك الوقت كانت تخصص مبلغًا من المال لشراء البخور الهندي والكافور والمسك الذي يصرف لتلك المساجد في شهر الصوم .

 

وعن الأسواق التي كانت تنشط فيها الحركة التجارية خلال شهر رمضان

 

سوق الشماعين بالنحاسين من أهم الأسواق خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين، فكان به في شهر رمضان موسم عظيم لشراء الشموع الموكبية التي تزن الواحدة “عشرة أرطال” فما دونها، وكان الأطفال يلتفون حول إحدى الشموع وبأيديهم الفوانيس يغنون ويتضاحكون ويمضون بموكبهم المنير في الحواري من بعد الإفطار حتى صلاة التراويح..

 

أما عن ”

 

” سوق الحلاويين “

 

” الذي كانت تروق رؤيته في شهر رمضان، فكان من أبهج الأسواق ومن أحسن الأشياء منظرًا؛ حيث كان يصنع فيه من السكر أشكال خيول وسباع وغيرها تسمي “العلاليق”.

وكان هناك أيضًا سوق السمكرية داخل باب زويلة “بوابة المتولي بالغورية”، فيعجُّ بأنواع “الياميش” و”قمر الدين”، وكانت وكالة “قوصون” شارع باب النصر التي ترجع إلى القرن الثامن الهجري مقر تجار الشام ينزلون فيها ببضائع بلاد الشام من الزيت والصابون والفستق والجوز واللوز والخروب..

ولما خربت وكالة قوصون في القرن التاسع انتقلت تجارة المكسرات إلى وكالة مطبخ العمل بالجمالية، وكانت مخصصة لبيع أصناف النقل كالجوز واللوز ونحوهما..

كما كان يتم عرض أنواع الحلوى مثل “القطايف” و”الكنافة”؛ إذ يقال إن الكنافة صنعت خصيصًا للخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، كما قيل: إنها صنعت للخليفة معاوية بن أبي سفيان.
وكانت الكنافة والقطايف موضع مساجلات بين الشعراء فجلال الدين السيوطي له رسالة عنوانها: “منهل اللطايف في الكنافة والقطايف”.

ولم تكن مظاهر الاحتفال وما يقدم على الموائد فحسب.. بل كان لها تقاليد رسمية، فقد كان الخليفة يخرج في مهرجان إعلان حلول شهر رمضان من باب الذهب “أحد أبواب القصر الفاطمي”، متحليًا بملابسه الفخمة وحوله الوزراء بملابسهم المزركشة وخيولهم بسروجها المذهبة، وفي أيديهم الرماح والأسلحة المطعمة بالذهب والفضة والأعلام الحريرية الملونة، وأمامهم الجند تتقدمهم الموسيقى، ويسير في هذا الاحتفال التجار صانعو المعادن والصاغة، وغيرهم الذين كانوا يتبارون في إقامة مختلف أنواع الزينة على حوانيتهم فتبدو الشوارع والطرقات في أبهى زينة..

وكان موكب الخليفة يبدأ من بين القصرين “شارع المعز بالصاغة الآن”، ويسير في منطقة الجمالية حتى يخرج من باب الفتوح “أحد أبواب سور القاهرة الشمالية”، ثم يدخل من باب النصر عائدًا إلى باب الذهب بالقصر، وفي أثناء الطريق توزع الصدقات على الفقراء والمساكين، وحينما يعود الخليفة إلى القصر يستقبله المقرئون بتلاوة القرآن الكريم في مدخل القصر ودهاليزه، حتى يصل إلى خزانة الكسوة الخاصة، فيغيِّر ملابسه ويرسل إلى كل أمير في دولته بطبق من الفضة مملوء بالحلوى، تتوسطه صرة من الدنانير الذهبية وتوزع الكسوة والصدقات والبخور وأعواد المسك على الموظفين والفقراء، ثم يتوجه لزيارة قبور آبائه حسب عاداته، فإذا ما انتهى من ذلك أمر بأن يكتب إلى الولاة والنواب بحلول شهر رمضان.

وكان الخليفة الفاطمي يصلي أيام الجمعة الثلاث: الثانية والثالثة والرابعة على الترتيب التالي الجمعة الثانية في جامع الحاكم والثالثة في الجامع الأزهر، أما الرابعة التي تعرف بالجمعة اليتيمة فكان يؤديها في جامع عمرو بالفسطاط، وكان يصرف من خزانة التوابل ماء الورد والعود برسم بخور الموكب والمسجد، وعقب صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان يُذاع بلاغ رسمي عرف بسجل البشارة، وآخر ليلة من الشهر الكريم كان القراء والمنشدون يحيونها بالقصر الشرقي الكبير والخليفة يستمع من خلف ستار، وفي نهاية السهرة كان الخليفة ينثر على الحاضرين دنانير الذهب.

 

“موائد الرحمن الرمضانية

 

يروى أن أحمد بن طولون حاكم مصر ومؤسس الدولة الطولونية هو أول من رأى في شهر رمضان مناسبة كريمة لاستثمار الفضائل؛ فأمر بدعوة أغنياء وحكام الأقاليم في أول يوم من رمضان ووزعهم على موائد الفقراء والمحتاجين كي ينفقوا عليها ، وعرفت موائد الرحمن الرمضانية في العصر الفاطمي وسميت “السماط” ، وكان الخليفة يعد مائدة كبيرة في قاعة الذهب بقصره تمتد من الليلة الرابعة من رمضان حتى الليلة السادسة والعشرين، ويدعى إليها كبار رجال الدولة والأمراء والوزير وقاضي القضاة ، إضافة إلى موائد أخرى في مسجد عمرو بن العاص والجامع الأزهر، وكذلك إناء مملوءة بالطعام تخرجها مطابخ قصر الخليفة للمحتاجين., ويعتبر الخليفة الفاطمي العزيز بالله أول من عمل مائدة في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق (عمرو بن العاص)، وأقام طعامًا في الجامع الأزهر مباحًا لمن يحضر في شهور رجب وشعبان ورمضان، وكان يخرج من مطبخ القصر في شهر رمضان 1100 قدر من جميع ألوان الطعام، توزع كل يوم على المحتاجين والضعفاء.

وفي العصر الفاطمي كانت تمتد آلاف الموائد المليئة بأطيب الطعام للصائمين غير القادرين أو عابري السبيل في صورة رائعة تجسد جوهر ما دعى إليه الدين الحنيف من تكافل وتراحم ، وكان الخليفة العزيز بالله ومن بعده المستنصر بالله يهتمون بموائد الإفطار التي تقام في قصر الذهب للأمراء ورجال الدولة ، وكذا التي تقام في المساجد الكبرى للفقراء والمساكين حتى بلغت نفقات شهر رمضان مدة 27 يوما ثلاثة آلاف دينار.

“دار الفطرة

وفي العصر الفاطمي أيضا بنى الخليفة الفاطمي العزيز بالله دارا سميت “دار الفطرة” خارج قصر الخلافة بالقاهرة، وقرر فيها صناعة ما يحمل إلى الناس في العيد من حلوى وكعك وتمر وبندق، وكان يبدأ العمل بدار الفطرة من أول رجب إلى آخر رمضان، ويستفيد منها الأمراء والفقراء، حيث توزع عليهم أصنافها كل على قدر منزلته، ويقوم بالتوزيع مئة فرّاش ، وكان يعمل في هذه الدار مئة صانع للحلوى وغيرها من المأكولات ، علاوة على ما هو مرتب لخدمتها من الفراشين الذين يحفظون رسومها ومواعينها ، وكان يصرف على أجرة الصنّاع والمواعين خمسمائة دينار ، أما ما يفرق على الناس فكان يصرف عليه – كما قال بن الطوير – سبعة آلاف دينار، وقال غيره عشرة آلاف، وجرت العادة في هذا العصر أن يحضر الخليفة الفاطمي العزيز بالله إلى دار الفطرة ومعه الوزير فيجلس الخليفة على سريره ، ويجلس الوزير على كرسي ، وذلك في النصف الثاني من شهر رمضان، ويدخل معهما قوم من الخواص، ويشاهد الخليفة ما بالدار من الحواصل المعمولة المعبأة مثل الجبال من كل صنف فيفرقها من ربع قنطار إلى عشرة أرطال إلى رطل واحد وهو أقلها، كل على قدر منزلته، وذلك في أوانٍ لا تُرد، ثم ينصرف الخليفة ووزيره بعد أن ينعم على مستخدمي الدار بستين دينارا.  –

الرابط :

http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-45-3024.htmكعك العيد ] . .(هامش)

 

(4)

عيدية العيد

وتمثل العيدية المتداولة في الأعياد عادة قديمة بدأت منذ العصر الفاطمي مع كعك العيد، حيث كان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي يمنح أمراء الدولة “سرة من الدنانير” في المناسبات.

ويرجع ظهور العيدية كمنحة لموظفي الدواوين الحكومية والوزارات لسياسة “الترغيب والترهيب” التي اتبعها الخليفة المعز لدين الله والمعروفة تاريخياً بـ”ذهب المعز وسيفه”، تيمنا بما فعله الخليفة الفاطمي عندما اختلف المصريون على صحة نسبه إلى البيت النبوي، فوقف وسط جموع الشعب في مسجد عمرو بن العاص شاهرا سيفه وقائلا: هذا نسبى، ثم نثر بعض الذهب على رؤوسهم مرددا: هذا حسبي.

وقد أثبتت الأحداث التاريخية أن الفاطميين بمصر أحسنوا استخدام ذهب المعز للاستمالة والترغيب أكثر من تطبيقهم سياسة السيف للترهيب، إذ خصصوا لكل مناسبة دينية رسما ماليا توزع معه العيديات النقدية والعينية، ففي عيدي الفطر والأضحى كان الخلفاء يوزعون على الفقهاء وقراء القرآن الكريم بمناسبة ختم القرآن ليلة العيد مقادير مختلفة من الدراهم الذهبية، مع توزيع كسوة العيد على موظفي الدولة، مصحوبة بمبالغ من الدنانيرالذهب تختلف حسب رتبهم الوظيفية.

وكانت العيدية تحظى باهتمام أكبر في عيد الأضحى، فقد رصد الفاطميون لرسوم العيدية عام 515هـ خلال خلافة الحاكم بأمر الله نحو 3 آلاف و307 دنانير ذهبية.

وتم توزيع “ذهب المعز” أيضا كعطايا عندما يذهب الناس إلى قصر الخليفة الفاطمي لتهنئته صباح يوم العيد، إذ كان الخليفة يطل عليهم من شرفة أعلى باب القصر ليفرق عليهم الدراهم الفضية والدنانير الذهبية، وعرفت تلك النقود باسم العيدية نظرا لارتباط الحصول عليها بقدوم العيد حتى حدثت محن في عهد الفاطميين أدت إلى ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة العملات عدة مرات، مما دفع الميسورين إلى اكتناز الذهب، وكانت النتيجة أن طردت الدراهم الفضية دنانير الذهب من التعامل اليومي إلى الادخار في قصور الأثرياء.

ولم تتوقف الدولة الفاطمية عن منح العيدية إلا في آخر أيامها عندما اضطربت الأحوال الداخلية بسبب الحملات الصليبية على بلاد الشام وأطراف مصر الشرقية، وعلى يد صلاح الدين الأيوبي توقف مؤقتا دور الدولة في صرف العيدية أو الرسوم لأرباب الوظائف المدنية، حينما اكتفت الدولتان الأيوبية والمملوكية بصرفها للجنود من المماليك وبصفة خاصة في عيد الأضحى، ففي العصر المملوكي كان السلطان يقدم راتبا للأمراء والجنود بمناسبة قدوم العيد، وفقا لرتبة كل منهم بحيث يحصل الأقل رتبة على عيدية أقل مما يحصل عليها الأعلى رتبة.

وكثيرا ما تعرض بعض سلاطين المماليك لاعتداءات بسبب قلة أو تأخر نفقة العيد، وربما ترتب على تذمر المماليك عزل السلطان عند فشله في إرضاء رغبات مماليكه.

واسم العيدية المتداول أيام المماليك “الجامكية” وتنوعت أشكالها، فكانت تقدم للبعض على شكل طبق مملوء بالدنانير الذهبية، ولآخرين كدنانير من الفضة، كما اتخذت العيدية صورة الحلويات والمأكولات الشهية والملابس الفاخرة والبالونات والألعاب وغيرها.

وكان المسلمون يعتبرون الدنانير والدراهم هي النقود الشرعية، بينما كانوا ينظرون إلى الفلوس النحاسية باعتبارها عملات مساعدة تستخدم فقط لشراء الأشياء البسيطة، نظرا للفارق الكبير بين قيمتيها الاسمية والجوهرية كنحاس رخيص.

ولكن قبل منتصف عمر دولة المماليك، اختفت الدراهم الفضية وصارت الفلوس النحاسية هي السائدة في التعامل حتى أن الشخص الذي يقع في يده دينار من الذهب الأحمر، كان – حسبما قال المقريزي – كمن جاءته البشارة بالجنة ويسعد بالعيدية النحاسية –

الرابط :http://www.egynews.net/wps/portal/print?params=80137 ] . .(هامش)

(5)

مظاهر احتفالات عيد الفطر عند

الفاطميين

 

كانت احتفالات عيد الفطر لها طابع مميز في عهد الدولة الفاطمية، فهو عندهم “الموسم الكبير”، على حد تعبير المقريزي، كما كان يطلق عليه عيد “الحُلل” لتوزيع الكسوات على جميع موظفي الدولة كبيرهم وصغيرهم فتعم الجميع من الخليفة إلى أدنى موظفي القصر.

[ وقد بدأ الفاطميون احتفالهم الرسمي بهذا العيد منذ قدوم الخليفة المعز لدين الله سنة 362هـ/972م فيذكر ابن زولاق أن المعز ركب في هذا العام لصلاة عيد الفطر إلى المصلى الذي يقع شرقي القصر الكبير ، وقد بناه القائد جوهر لهذا الغرض.

كما يروى في أحداث سنة 380هـ/990م أن الخليفة العزيز خرج في موكب صلاة عيد الفطر في هذا المصلى وقد أقيمت لهذا الغرض مصاطب على الطريق الذي يسلكه الخليفة بين المصلى والقصر، وقد اصطفّى عليها المؤذنون، كما يجلس على كل مصطبة جماعة من أنصار الدولة من الشيعة تخرج بأسمائهم كشوف من قاضي القضاة وداعي الدعاة محمد بن النعمان، فيجلس هؤلاء الاتباع إلى المصاطب حسب ترتيب أسمائهم، ويبدأ التكبير والابتهالات من القصر إلى المصلى بين المؤذنين الذين على المصاطب، والخليفة يخترق هذا الطريق في موكبه الضخم الذي يضم طوائف العسكر في أبهى زينة، وكان يشترك في هذا الموكب الفيلة والزرافات والأسود المزينة بالأجلة والحرير وعليها قباب الذهب.

وكانت الفيلة المشتركة في الموكب عليها الأسرة يجلس فوقها العسكر بكامل زيهم وسلاحهم، والموسيقى المصاحبة للموكب تصدح بأنغام قوية وتحوي بين آلاتها أبواقًا خاصة لا تعزف إلا بمصاحبة الخليفة، وقد انتشرت في كل مكان البنود (أي الإعلام) والمفضضة والتي تحمل عبارات النصر على أسنة الرماح، والناس محتشدون على جانب الطريق للتطلع إلى الخليفة ولمشاهدة ما يحويه الموكب من مظاهر القوة والفخامة. وعند وصول الخليفة إلى المصلى كان يؤم الناس في صلاة العيد طبقًا لرسوم محددة. وفي طريق عودة الخليفة إلى القصر، يحتشد الناس لمشاهدة الألعاب التي يقوم بها طائفة من أهل برقة يطلق عليها “صبيان الخف” تخصصت في الألعاب البهلوانية، وكانت الدولة تخصص لها إقطاعات ومرتبات ورسوم، ويبدو أن الخليفة كان يقف بموكبه لمشاهدة ألعابهم عند باب القصر، فكانوا يمدون حبلين من أعلى باب القصر إلى الأرض وينزل على الحبلين جماعة منهم وهم يركبون خيلا من خشب، ويحملون الرايات ويحمل الراكب فردًا آخر معلقًا بيديه ورجليه، وآخر خلفه!! ويقومون بمجموعة من الألعاب المذهلة. كما يركب جماعة منهم على الخيول ويتقلبون عليها وهي مسرعة، ويخرج الواحد منهم من أسفل الفرس ثم يعود للركوب من الجهة الأخرى، ومنهم من يقف على ظهر الحصان وهو مسرع!! .

وكانت هذه الألعاب والاستعراضات تجري أمام الخليفة في عيدي الفطر والأضحى وفي موكب فتح الخليج. وكان من عادة الخلفاء في هذه المناسبة أن يزوروا تربة الزعفران التي تحوي رفات الخلفاء الفاطميين السابقين للترحم عليهم وتوزيع الصدقات.

وكان من أهم مظاهر الاحتفال بعيد الفطر توزيع الحلوى على جميع موظفي الدولة وإقامة الأسمطة الضخمة التي تحوي كل طريف في القصر، وقد أنشئ لهذا الغرض مطبخ لصناعة الحلوى أطلق عليه “دار الفطرة”، وقد أنشئت في عهد الخليفة العزيز بالله وهو أول من بنى “دار الفطرة” وقرر فيها عمل ما يحمل للناس في العيد، ويبدأ العمل في هذه الدار منذ نصف رجب فيخزن داخلها كميات كبيرة من السكر والعسل وقلوب اللوز والجوز والفستق والبندق والدقيق والتمر والزبيب والمواد العطرية، ويستمر العمل استعدادًا لحول عيد الفطر في صنع أصناف الحلوى المختلفة مثل: الرقاق المحشو وبالفستق واللوز (الخشكنانج) وحلى تصنع من الدقيق والملح (البستندود) وكعب الغزال ولقمة القاضي وغيرها، وتخزن هذه الأصناف في مخازن داخل دار الفطرة، وكان الخليفة يحضر نفسه بصحبة الوزير للاطمئنان على سير العمل في النصف الثاني من شهر رمضان، ثم يبدأ من هذا التاريخ توزيع الحلوى على جميع أرباب الرتب في الدولة والموظفين كبيرهم وصغيرهم في صوانٍ تحمل كل صينية اسم صاحبها، ويختلف حجم الصينية وكمية الحلوى حسب مكان كل فرد، ويحمل هذه الحلوى فراشون مخصصون لهذا العمل، وهم في أتم زينة ويرتدون الثياب الفاخرة.

وكان يقام في القصر سماطان (أي مائدتان) بمناسبة عيد الفطر، السماط الأول: يباح للناس ولعامة موظفي القصر من أرباب الوظائف الصغيرة، كان يبدأ في إعداد هذا السماط من ليلة العيد في الإيوان الكبير المطل على الشباك الذي ينظر منه الخليفة، ويحتشد السماط بأصناف الأطعمة والحلوى والتي صنعت في دار الفطرة، فإذا صلى الخليفة صلاة الفجر جلس في الشباك المطل على الإيوان وحضر إليه الوزير وأمر أن يسمح للناس بالطعام، فيقبل الجميع على السماط فيأكلون كفايتهم ويسمح لهم ما يستطيعون حمله حتى أن بعضهم كان يبيع من هذه الحلوى ما لا حاجة له بها.

أما السماط الثاني: فكان يقام في قاعة الذهب بالقصر بعد عودة الخليفة من صلاة العيد الفطر، فتوضع أمام سرير الملك الخاص بالخليفة مائدة ضخمة من الفضة تسمى “المدورة” عليها من الأطعمة في أوانٍ من الذهب والفضة والخزف الصيني، وهي خاصة بالخليفة فلا تحوي من الأطعمة إلا الخاص الفائحة الطيب من غير خضروات سوى الدجاج الفائق المسمن المعمول بالأمزجة الطيبة ،ونُصب على رأس السماط قصران كبيران من الحلوى قد صنعا لهذا المناسبة في دار الفطرة مدهونان بأوراق الذهب وبهما تماثيل من سكر في غاية الدقة في صناعاتها كأنها مسبوكة في قوالب، وكان هذا السماط مخصصا لكبار رجال الدولة والأمراء. ويعم أهل القاهرة والفسطاط من هذه المائدة طعام وفير وتستمر المائدة إلى قرب الظهر، وخلال الطعام يقرأ القراء ويكبر المؤذنون وينشد المنشدون ويتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم في هذه المناسبة، ويتقدم كبار رجال الدولة من الشيوخ والقضاة والشهود والأمراء والكتاب والفقهاء ورجال العلم وأعيان القاهرة والفسطاط للسلام على الخليفة كما يتقدم للسلام أيضا زعماء اليهود برئيسهم، والنصارى ببطريقهم ويوزع على الجميع خلال ذلك الحلل والهبات حسب العادة المتبعة , وبمغادرة الخليفة لمجلسه ينتهي السماط ثم يتبعه الوزير وباقي الحاضرين، وكان الوزير يقيم سماطًا آخر مختصرًا في دار الوزارة لأهله وحاشيته.

وكان عيد الفطر من المناسبات التي ترسل فيها المكاتبات المعطرة إلى أنحاء الدولة الفاطمية، والأقطار الخاضعة لها لتصف عظمة موكب الخليفة وعودته سالمًا إلى قصره وانتهاء الاحتفالات بسلام –

الرابط :

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1182697420585&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout .(هامش)

 

 (6)

احتفالات فتح الخليج

يقول الرحالة ناصر خسرو رحمة الله عليه في كتابه سفر نامه عن فتح الخليج ومظاهر الإحتفالات فيه :

[وصف فتح الخليج

حين يبلغ النيل الوفاء أي من العاشر شهر يور أغسطس وسبتمبر إلى العشرين من آبان أكتوبر ونوفمبر ويبلغ ارتفاع الماء ثمانية عشر ذراعاً عن مستواه في الشتاء وتكون أفواه الترع والجداول مسدودة في البلاد كلها يحضر السلطان راكباً ليفتح النهر الذي يسمى الخليج والذي يبدأ قبل مدينة مصر ثم يمر بالقاهرة وهو ملك خاص للسلطان وفي ذلك اليوم يوم ركوب السلطان لفتح الخليج تفتح الخلجان والترع الأخرى في الولايات كلها. وهذا اليوم أعظم الأعياد في مصر ويسمى عيد ركوب فتح الخليج.حينما يقترب ينصب للسلطان على رأس الخليج سرادق عظيم التكاليف من الديباج الرومي وموشى كله بالذهب ومكلل بالجواهر ومعد أعظم إعداد بحيث يتسع ظله لمائة فارسوأمام هذا السرادق خيمة من البوقلمون وسرادق آخر كبير.

وقبل الاحتفال بثلاثة أيام يدقون الطبل وينفخون البوق ويضربون الكوس في الاصطبل لتألف الخيل هذه الأصوات.

وحين يركب السلطان يصطف عشرة آلاف فارس على خيولهم سروج مذهبة وأطواق وألجمة مرصعة وجميع لبد السروج من الديباج الرومي والبوقلمون نسجت لهذا الغرض خاصة فلم تفصلو لم تخط وطرزت حواشيها باسم سلطان مصر وعلى كل حصان درع أو جوشن وعلى قمة السرج خوذة وجميع أنواع الأسلحة الأخرى وكذلك تسير جمال كثيرة عليها هوادج مزينة وبغال عمارياتها هوادجها كلها مرصعة بالذهب والجواهر وموشاة باللؤلؤ وإن الكلام ليطول إذا وصفت كل ما يكون يوم فتح الخليج.

وفي ذلك اليوم يخرج جيش السلطان كله فرقة فرقة وفوجاً فوجاً فرقة تسمى الكتاميين وهم من القيروإن أتوا في خدمة المعز لدين الله وقيل إن عددهم عشرون ألف فارس.

وفرقة تسمى الباتليين وهو رجال من المغرب دخلوا مصر قبل مجيء السلطان إليها وقيل إن عددهم خمسة عشر ألف فارس.

وفرقة تسمى المصامدة وهم سود من بلاد المصامدة قيل إن عددهم عشرون ألف رجل.

وفرقة تسمى المشارقة وهم ترك وعجم وسبب هذه التسمية إن أصلهم ليس عربياً ولو إن أكثرهم ولد في مصر وقد اشتق اسمهم من الأصل قيل انهم عشرة آلاف رجل وهم ضخام الجثة.

وفرقة تسمى عبيد الشراء وهم عبيد مشترون قيل إن عددهم ثلاثون ألف رجل.

وفرقة تسمى البدو وهم من أهل الحجاز يقال لهم الرماة وهم خمسون ألف فارس.

وفرقة تسمى الأستاذين كلهم خدم بيض وسود اشتروا للخدمة وهم ثلاثون ألف فارس.

وفرقة تسمى السرائيين وهم مشاة جاءوا من كل ولاية ولهم قائد خاص يتولى رعايتهم وكل منهم يستعمل سلاح ولايته وعددهم عشرة آلاف رجل.

وفرقة تسمى الزنوج يحاربون بالسيف وحده وقيل أنهم ثلاثون ألف رجل.

ونفقة هذا الجيش كله من مال السلطان ولكل جندي منه مرتب شهري على قدر درجته ولا يجبر على دفع دينار منها أحد الرعايا أو العمال ولكن هؤلاء يسلمون للخزانة أموال ولايتهم سنة فسنة وتصرف أرزاق الجند من الخزانة فيوقت معين بحيث لا يرهق و لا واحد من الرعية بمطالبة الجند.

وهناك فرقة من أبناء الملوك والأمراء الذين جاءوا لمصر من أطراف العالم ولايعدون من الجيش وهم من المغرب واليمن والروم وبلاد الصقالبة والنوبة وأولاد ملوك الكرج جورجيا وأبناء ملوك الديلم وأبناء خاقان تركستان.

وكذلك وجد في يوم فتح الخليج طبقات أخرى من الرجال ذوي الفضل والأدباء والشعراء والفقهاء ولكل منهم أرزاق معينة ولا يقل رزق الواحد من أبناء الأمراء عن خمسمائةدينار وقد يبلغ الألفين وليس لهم عمل إلا أن يذهبوا ليسلموا على الوزير حين يركب ثم يعودون. والآن نعود إلى حديث فتح الخليج.

في اليوم الذي ذهب السلطان في صباحه لفتح الخليج استأجروا عشر آلاف رجل أمسك كل واحد منهم إحدى الجنائب التي ذكرتها وساروا مائة مائة وأمامهم الموسيقيون ينفخون البوق ويضربون الطبل والمزمار وسار خلفهم فوج من الجيش مضى هؤلاء من قصر السلطان حتى رأس الخيول أتت الجمال وعليها المهود والمراقد ومن بعدها البغال وعليها العماريات.

وقد ابتعد السلطان عن الجيش والجنائب وهو شاب كامل الجسم طاهر الصورة من أبناء أمير المؤمنين الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما كان حليق شعر الرأس يركب على بغل ليس في سرجه أو لجامه حلية فليس عليه ذهب أو فضة وقد ارتدى قميصاً أبيض عليه فوطة فضفاضة كالتي تلبس في بلاد المغرب والتي تسمى في بلاد العجم دراعة وقيل إن اسم هذا القميص الدبيقي وإنه يساوي عشرآلاف دينار كان على رأسه عمامة من لونه ويمسك بيده سوطاً ثمينا وأمامه ثلثمائة راجل ديلمي عليهم ثياب رومية مذهبة وقد حزموا خصورهم وأكمامهم واسعة كما يلبس رجال مصر ومعهم النشاب والسهام وقد عصبوا سيقانهم.

ويسير مع السلطان حامل المظلة راكباًحصاناً وعلى رأسه عمامة مذهبة مرصعة وعليه حلة قيمتها عشرة آلف دينار ذهبي مغربي والمظلة التي بيده ثمينة جداً   مرصعة ومكللة وليس مع السلطان فارس غير حامل المظلة وقد سار أمامه الديالمة وعلى يمينه ويساره جماعة من الخدم يحملون المجامر ويحرقون العنبر والعود.

والعادة في مصر إن يسجد الرجال للسلطان وأن يدعوا له كلما قرب منهم وجاء بعد السلطان الوزير مع قاضي القضاة وفوج كبير من أهل العلم وأركان الدولة وقد ذهب السلطان إلى حيث ضرب الشراع على رأس سد الخليج أي فم النهر وظل ممتطيا البغل تحت السرادق مدة ساعة وبعد ذلك سلموه مزراقاً ليضرب به السد ثم عجل الرجال بهدمه بالمعاول والفؤوس والمخارف فانساب الماءوقد كان مرتفعا وجرى دفعة واحدة في الخليج.

وفي هذا اليوم يخرج جميع سكان مصر والقاهرة للتفرج على فتح الخليج وتجرى فيه أنواع الألعاب العجيبة.

وكان في أول سفينة نزلت الخليج جماعة من الخرس يسمون بالفارسية كنكت والعالم متفائلون بنزولهم ويجري السلطان عليهم صدقاته في هذا اليوم.

وكان للسلطان إحدى وعشرون سفينة وقد عمل لها حوض خاص قرب القصر في اتساع ميدانين أو ثلاثة وطول كل سفينة منها خمسون ذراعاً وعرضها عشرون ذراعاً وكلها مزينة بالذهب والفضة والجواهر والديباج ولو وصفتها لسطرت أوراقاً كثيرة وهذه السفن كلها مربوطة في الحوض معظم الوقت كالبغال في الاصطبل.

وللسلطان حديقة تسمى حديقة عين شمس على فرسخين من القاهرة وهناك عين ماء عذبة سمي البستان بها ويقال إن هذه الحديقة كانت لفرعون. و قد رأيت قربها بناية قديمة بها أربع قطع من الحجارة الكبيرة كل قطعة مثل المنارة وطول كل منها ثلاثون ذراعاً كان الماء يقطر من رؤوسها ولا يدري أحد ما هي وفي الحديقة شجرة البلسان يقال إن آباء هذا السلطان أتوا ببذرتها من بلاد المغرب وزرعوها في الحديقة ولا يوجد غيرها في جميع الآفاق وهي غير معروفة في بلادالمغرب ومع إن لهذه الشجرة بذراً  إلا أنه لا ينبت حيثما زرع وإذا نبت فلا يخرج الزيت منه وهذه الشجرة مثل شجرة الآس يشذبون غصونها بالنصل حينما تكبر ويربطون زجاجة عند موضع كل قطع فيخرج منه الدهن كالصمغ وحين ينفذ ما فيها من دهن تجف ويحمل البستانيون غصونها إلى المدينة ويبيعونها ولحاؤها ثخين وطعمه كاللوز حين يقشر وينبت في جزعها أغصان في السنة التالية فيعملون بها كما فعلوا في السنة الغابرة .

ولمدينة القاهرة عشر محلات وهم يسمون المحلة حارة وهي حارات برجوان وزويله والجودرية والأمراء والديالمة والروم والباطلية وقصر الشوق وعبيد الشرا والمصامدة. –المصدر سفر نامة لناصر خسرو ص18- وما بعدها .( هامش)

 (7)

 

احتفالات عيد النيروز

 

[ …. ذكر القاضى الفاضل أحد كتاب الدولة الأيوبية تلك الاحتفالات باعتبارها من المظاهر البائدة المرتبطة بالدولة الفاطمية فقال: «يوم النيروز هو مستهل توت، وتوت أول سنتهم وقد كان بمصر فى الأيام الماضية والدولة الخالية، يركب فيه أمير موسوم بأمير النيروز، ومعه جمع كثير، ويتسلط على الناس فى طلب رسم رتبه على دور الأكابر بالجمل الكبار، ويكتب مناشير ويندب متمرسين، ويقنع بالميسور من الهبات، ويتراش الناس بالماء، فإن غلط مستور وخرج من داره، لقيه من يرشه ويفسد ثيابه، فإما فدى نفسه وإما فضح…» , وفى وصف آخر لأمير النيروز، إن الناس كانوا يختارون شخصا قوى الطباع يسمونه أمير النيروز، ويغيرون صورته وخلقته، ويجعلون على رأسه طرطورا طويلا من الخوص ويركبونه حمارا وهو شبه عريان، ويجعلون حوله الجريد الأخضر وشماريخ البلح، وبيده شيئ يشبه الدفتر كأنه يحاسب الناس… وكان الناس يقولون عن النيروز «ليس فيه حرج ولا أحكام تقع». 

وحقيقة الأمر أن احتفالات النيروز كانت من الاحتفالات الرسمية للدولة فى العصر الفاطمى فضلا عن كونها احتفالات شعبية بالأساس، فقد كان عيد النيروز عيدا قوميا لمصر كلها، عيدا يحمل معه الخير والنماء للبلاد، فالأول من توت ليس بداية للسنة الجديدة فحسب بل هو أيضا يوم اكتمال فيضان النيل ووصول مائه إلى العاصمة. 

ويرصد تقى الدين المقريزى مظاهر الاحتفال الرسمى بعيد النيروز فى عصر الدولة الفاطمية فيقول: «النوروز القبطى من جملة المواسم، فتتعطل فيه الأسواق ويقل فيه سعى الناس فى الطرقات، وتفرق فيه الكسوة لرجال أهل الدولة وأولادهم ونسائهم، وتفرق الرسوم من المال وحوائج النوروز…» 

الرابط :

 

http://blog-mpl.blogspot.com/2009/09/6251.html ] .(هامش)

 

والنوروز  هو رأس السنة القبطية والكردية والهجرية الشمسية الإيرانية  ودولاً أخرى تعتبر هذا اليوم هو رأس السنة الخاصة بها .

وهنا نكون قد بينا ثلاثة دعائم لنهضة الأمة ألا وهى العمل و(الصدق والأمانة ) والإيمان بالله تعالى  وهذا ما جعل الدولة الفاطمية تتسع في مظاهر الإحتفالات لسيادة الخلق الرفيع بين الشعب وارحمة من الحاكم بكل الرعية مسلمين مغايرين للفاطميين في المذهب أو يود أون صارى فسادت روح الوئام بين الناس وزاد الإنتاج وتم استبعاد الأعداء عن الدولة وبالتالي سادت روح البهجة بين الناس لذكاء الفاطميين القائم على خوف وهلع الأعداء إن شاهدوا قوة الجيش وبزخ العيش فكف الله أيدي أعدائهم عنهم بلا حروب لرؤيتهم العدة والعتاد الرجال الأقوياء الأشداء  .

 

رابعاً

القيم الفاطمية

بين ميزان الإسلام وكذب المنافقين

 

ماذكره المؤرخون في تعريف الدولة الفاطمية ووصفها :

 

يقول البلاذري في سير أعلام النبلاء :[ ” يدَّعون الشرف ، ونسبتهُم إلى مجوسي ، أو يهودي ، حتى اشتهر لهم ذلك ، وقيل : ” الدولة العلوية ” و ” الدولة الفاطمية ” ، وإنما هي ” الدولة اليهودية ” أو ” المجوسية ” الملحدة ، الباطنية ” انتهى . – سير أعلام النبلاء ” ( 15 / 213 ) ، و ” الروضتين في أخبار الدولتين ” ( 1 / 216 ) ] .

 

التلبيس على الأمة بأن الفاطميين منهم القرامطة الذين خلعوا الحجر الأسود :

 

نقل الذهبي الكذاب : [ أن الفقهاء والعبَّاد نصروا الخوارج في حربهم على الدولة العبيدية لما عندهم من كفر وزندقة ، فعندما أراد أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي حرب بني عبيد قال الذهبي رحمه الله :
تسارع الفقهاء والعبَّاد في أهبَّة كاملة بالطبول والبنود ، وخَطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد ، وحرَّضهم ، وقال : جاهدوا مَن كفر بالله ، وزعم أنه رب من دون الله ، … وقال : اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحدٌ لنعمتك ، كافر بربوبيتك ، طاعن على رسلك ، مكذب بمحمد نبيك ، سافك للدماء ، فالعنه لعناً وبيلاً ، وأخزه خزياً طويلاً ، واغضب عليه بكرةً وأصيلاً ، ثم نزل فصلى بهم الجمعة .
” سير أعلام النبلاء ” ( 15 / 155 ) ] . .(هامش)

 

وهنا أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وأمتهم واستهانوا بالدماء لأجل دنيا يصيبونها فضلوا وأضلوا كثيراً منهم وذلك لأن الكامل وكتب التاريخ تقريباً كلها اعترفت بأن الفاطميين كانوا من المحاربين للقرامطة :

 

[: الكامل أحداث سنة 363هـ و367هـ :

 

 إلقاء القبض على قائد معركة الرملة وتسليمه للخليفة الفاطمي :

معركة الرملة عام 367هـ والتي كان من المفترض أن الطائيين طرفا فيها ضد المصريين، أصبحت بعد إنسحاب الطائيين منها، وقبيل إندلاع معاركها بساعات، بقيادة رجل من أصل تركماني، المدعو الفتكين، أصبح واليا على دمشق الشام بناء على تزكية من أهلها نظرا لحسن سيرته وسريرته، وتحالف مع المفرج وإبنه حسان ضد المصريين ، واستعان الطرفان بالقرامطة ، للتخلص من المصريين، إلا أن المصريين دقوا إسفينا في هذا الحلف، فدفعوا مائة ألف دينار ذهب للمفرج، لقاء انسحابه من معسكر عدوهم، كونهم العدد الأكثر في التجمع ، فانسحب الطائيون ، ودارت المعارك بدونهم، فهربت جموع أهل الشام وجموع القرامطة، وهام الفتكين على وجهه ، فاعترضته سرية فيها المفرج ، نواحي قرية اللبن الغربي قضاء رام الله، وسلم عليه، وحياه تحية صادقة ، نظرا لما كان بينهما من مودة، وعلاقة وطيدة، وسلمه المفرج الى الخليفة الفاطمي الذي بدوره أكرمه ، وأسكنه في دياره. واستلم المفرج مكافأة تسليم الفتكين من الخليفة الفاطمي والتي كانت مائة ألف دينا. جاء في أخبار الأعيان في جبل لبنان، يوسف بن طنوس الشدياق، في احداث عام 367هجرية ما نصه ” فرّ الفتكين ومعه ثلاثة من غلمانه وبه جراح. وقد كدَّه العطش. فلقيته سرية من الخيل، فيها المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي، في قرية «اللّبن الغربي» فألقت القبض عليه، فأنزله ابن الجراح، وأكرمه، وقدَّم له الماء والفاكهة، ووكل به جماعة من أصحابه، حيث كان بينهما معرفة قديمة. سار المفرج إلى العزيز فأعلمه بأمر الفتكين، وطلب منه المائة الف دينار التي وعد باعطائها لمن أتاه به، فأعطاه ما وعد وتسلم الأسير. أحسن العزيز لافتكين فأكرمه وأسكنه داراً فسيحة وأغدق عليه من صلاته وعطاياه وظل متمتعاً بنعيم العزيز حتى مات سنة 372هـ.

واما الحسن القرمطي فقد انسحب مهزوماً إلى طبرية ومنها رحل وجماعته إلى لاحساء. وحضر هذه الموقعة مع الخليفة العزيز الأمير تميم أرسلان اللخمي وجماعته. عجب العزيز من شجاعته وكافأه على عمله هذا بأن أنعم عليه بامارة الغرب وبيروت.”

قال إبن خلدون عن أحداث هذه السنة :

 

“وبذل لمن جاء بالفتكين مائة ألف دينار، فلقيه المفرج بن دغفل الطائى، وقد جهده العطش فاستسقاه، فسقاه، وتركه بعرشه، مكرما ، وجاء إلى العزيز، فأخبره بمكانه، وأخذ المائة ألف التى بذلها فيه”. ويقول إبن خلدون في الجزء الثاني، في سرد حروب المعز مع القرامطة واستيلاؤه على دمشق ما نصه “وجاء حسان بن الجراح في جموع عظيمة من طيـىء، وبـث سرايـاه فـي البلاد، فعاثـوا فيهـا، واهـم المعـز شانه، فراسل إبن الجراح واستماله بمائة الف دينـار علـى ان ينهـزم عـن القرامطـة واستحلفـوه علـى ذلك‏.‏ وخرج المعز ليوم عينوه لذلك فانهزم إبن الجـراح بالعـرب‏.‏ وثبـت القرامطـة قليـلا ثـم انهزمـوا، واخـذ منهم نحو الف وخمسمائة اسير‏.‏ وساروا في اتباعهم، ولحق القرامطة باذرعات، وساروا منها الى الاحساء، وقتلوا صبراً ونهب معسكرهم‏.” ويتابع إبن خلدون قائلا ” ثم نزل في خيامه، وجيء بالاسرى، فخلع على من جاء بهم، وبذل لمن جاء بافتكين مائة الف دينار، فلقيه المفرج بن دغفل الطائي، وقد جهده العطش، فاستسقاه، وتركه بعرشه، مكرماً‏.‏ وجاء الى العزيز، ولما حضر عند العزيز، وهو لا يشك انه مقتول، اكرمه العزيز، ووصل، ونصب له الخيـام، واعـاد اليـه ما نهب له، ورجع به الى مصر، فجعله اخص خدمه وحجابه”. ويستطرد إبن خلدون حديثه قائلا ” وكان مفرج بن الجراح امير بني طيء، وسائر العرب بارض فلسطين، قد كثرت جموعه، وقويت شوكته، وعاث في البلاد وخربها، فجهز العزيز العساكر لحربه، مع قائده بلتكين التركي، فسار الى الرملة، واجتمع اليه العرب، من قيس وغيرهم ولقي إبن الجراح، وقد اكمن لهم بلتكين من ورائهم فانهزم، ومضى الى انطاكية، فاجاره صاحبها‏.‏ وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية الى بلاد الشام، فخاف إبن الجراح، وكاتب بكجور مولـى سيـف الدولـة وعاملـه، على حمص ولجا اليه فاجاره‏.‏”] .

وممن كان يدعي الربوبية والإلهية الحاكم العبيدي حيث قال عنه الذهبي : [ ” الإسماعيلي ، الزنديق ، المدعي الربوبية ” . ” السير ” ( 15 / 173 ) ] . .(هامش)

وهنا واضح أن هذه الفتاوى كانت كفتاوى ابن جبرين الذي حرم نصرة أولاد الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء (ع) قائلاً بأن حزب الله لا يجوز نصرته . يقل ابن تيمة المرجع الصهيوني الأصلي في هذه الفتاوى :

:[ وهؤلاء المدعون للباطن لا يوجبون هذه العبادات ولا يحرمون هذه المحرمات بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ونكاح الأمهات والبنات ، وغير ذلك من المنكرات ، ومعلوم أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ، فمن يكون هكذا كيف يكون معصوما – الفتاوى الكبرى 4/276 ] . (هامش)

.(هامش)

وردد تلميذه نفس الأكذوبة كما هو واضح الذهبي ثم ابن الأثير بالطبع نقلاً عنه في الكامل ج8 ص28 : [ أن الفاطميين يبيحون نكاح الأمهات والأخوات ] . (هامش)

 

وهنا السؤال لصالح من كذب السلف الطالح على الخلف الجاهل ومتى يتعلم الجهلاء:

 

يقول ابن الأثير في مواضع أخرى من كتابه عن المعز لدين الله الفاطمي : [ كان فاضلاً عالماً جواداً شجاعاً جارياً على منهاج أبيه من حسن السيرة وإنصاف الرعية وستر مايدعون إليه إلا عن الخاصة ثم أظهره وأمر الدعاة بإظهاره إلا أنه لم يخرج إلى حد يذم به – الكامل ج8 ص664-665] . .(هامش)

وهنا هل هذه صفات وأخلاق ناكحي الأمهات ؟!.

وهل هؤلاء أشهدوا المجتمع والرعية على هذا النكاح أم كان سراً ؟!!!.

ولو كان سراً كيف اطلعوا عليه هل باعتراف أحدهم أم بوقائع شاهدوها هم عليهم لعائن الله المتتالية إلى يوم الدين ؟؟ . لأننا وجدنا أن كتب التاريخ خاوية من مثل هذا الكلام فعلياً .

 

من كتبهم نعرفهم  :

 

الإسلام عند الفاطميين :

 

يروي الفاطميين بكتابهم الذي يماثل البخاري عند السنة وهو دعائم الإسلام للقاضي النعماني :[ عن الإمام الباقر ابن علي زين العابدين أنه قال بنى الإسلام على سبع الولاية وهى افضلها وبها وبالولي يوصل إلى معرفتها –الطهارة-الصلاة –الزكاة-الصوم الحج- الجهاد فهذه دعائم الإسلام نذكرها ولا يقبل الله تعالى عملاً إلا به – دعائم الإسلام ج1ص2]. (هامش)

والسؤال هنا هل هذا الكلام بدعة أم في كتب السنة ما يوافق ذلك وشاهد على صحته إليك أخي الكريم بالمفاجئة هنا:

روى المتقي الهندي بكتابه منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد [عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أتاني جبريل فقال يا محمد الإسلام عشرة أسهم وخاب من لاسهم له‏.‏ أولها شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني الصلاة وهي الطهرة، والثالث الزكاة وهي الفطرة، والرابع الصوم وهو الجنة، والخامس الحج وهو الشريعة، والسادس الجهاد وهو الغزوة ‏(‏ن – العروة‏)‏، والسابع الأمر بالمعروف وهو الوفاء، والثامن من‏؟‏‏؟‏ النهي عن المنكر وهو الحجة، والتاسع الجماعة وهي الألفة، والعاشر الطاعة وهي العصمة – أبو نعيم محمد بن أحمد العجلي في فوائده والرافعي في تاريخ قزوين من طريق إسحاق الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس‏.‏ – المنتخب هامش مسند أحمد ج1 ص36ط دار الفكر] . .(هامش)

وهنا السؤال لعلماء الخوارج رأس الحربة الصهيونية أليس هى نفس معاني الحديث الوارد في المذهب الإسماعيلي الفاطمي .

الإيمان عند الفاطميين من كتابهم دعائم الإسلام :

 

[ الإيمان عند الفاطميين : يقول القاضي النعماني روينا عن جعفر ابن محمد أنه قال: الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وهذا الذي لا يصح غيره – دعائم الإسلام ج1- ص3] . (هامش)

أليس هذا الحديث هو نفسه المروي عند السنة قال رسول الله صلى الله عليه وآله ” الإيمان والإسلام أخوان قرينان لاينفصلان ”  – منتخب كنز العمال هامش المسند ج1 فصل الإيمان] .(هامش)

وأليس هو أيضاً قول الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي ” الإيمان اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان والإقرار وحده لا يكون إيمانا –  كتاب الفقه الأكبر ونقله صاحب شرح العقيدة الطحاوية ص 306 ]  . .(هامش)

وهنا السؤال مادامت أصول الإيمان والإسلام والدين  بين الأمة واحدة فلم الطعن في أمة بأكملها لأنها تولت أهل بيت النبي عليهم السلام  في كل زمن أهو العداء المضمر الباطني لرسول الله صلى الله عليه وآله  وذريته وفي كل زمن  بحجة مختلفة حتى الآن .

 

فقد كانت فاطمة متأولة  تأولاً خاطئاً على أبي بكر في قضية فدك فصدقنا ذلك بكل بلاهة

وكان معاوية محقاً في حربه لعلي طالب المحارب من أجل الرآسة كما قال إمامهم ابن تيمية وهذه لم نصدقها

وكان يزيد محقاً في قتله الحسين عليه السلام لأنه خرج على خليفة الله في أرضه كما قال ابن تيميه لعنه الله وهنا جاء بها عريضة

والفاطميين أصولهم مجوس ويهود وهم بهذا الخلق الرفيع أتريدون أن تتهود الأمة لما تكتشف حسن خلق الفاطميين وحضارتهم التي ما بلغتها أمة حتى الآن .

وهل الإمام  الخميني أيضاً حاربتموه لنفس السبب  ولأن الله تعالى نصره على الصهيونية العالمية بأكملها ومعها دعم صهيونية الأغيار ( حمير بني إسرائيل الموطئة للركوب) .

 

وأخيراً عدائهم المفضوح ضد حزب الله  وهل هذا العداء لأن الله تعالى نصره على الصهاينة حرمتم الدعاء له أثناء قتل الصهاينة لأهل لبنان .

والله ماهذا إلا  عداءاً مبطناً لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وباسم الإسلام يهدم آل سعود المقدسات في العراق بالمفخخات وبالفتاوى الممتدة من داخل الحجاز لأتباعهم بالخارج وكذلك  يهدم الصهاينة بيوت الله وأولها بيت المقدس  ومساجد الله تعالى في فلسطين اليهود يقتلون الفلسطينيين والمصريين والعراقيين وهؤلاء يقتلون المسلمين  في البحرين .

 

أن عدائهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وذريته عداءاً محكماً متوارثاً منذ طرد رسول الله صلى الله عليه وآله اليهود وأجلاهم عن حصونهم  لما حاولوا قتله عدة مرات  إنه الحلف الصهيوني القرشي الذي نهض يوم الأحزاب للقضاء على هذا الدين من قريش الأولى والآن التاريخ يعيد نفسه ولكن باسم الدين يهدمون الدين وبواسطة رجال الدين المنافقين أي أننا أمام هجمة الدجال الأخير المدعوم من قريش الآخرة التي دعا عليها المصطفى صلى الله عليه وآله حينما قال ” اللهم كما أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرها نوالاً ….. الحديث فاللهم آمين يارب العالمين

 

(أولاً ) : الوفاء للأمة الإسلامية باختلاف مذاهبها عند الفاطميين :

 

رفض الفاطميين للعمالة والخيانة للأمة العربية والإسلامية:

[ الشدة المستنصرية كانت هناك علاقات حسنه  بين الفاطميين و الدولة البييزنطية فأرسل  المستنصر بالأمبراطور قسطنطين ليمده بالغلال فوافق على إمداده ب400ألف أردب – خطط المقريزي ج1 ولكنه توفى قبل تنفيذ المتفق عليه بينهما وخلفته الملكة تيودور والتي وافقت على الصفقة ولكن بشرط أن يمدها بالجند لمعاونتها على حرب السلاجقة فرفض بل وأرسل أساطيله  لمحاربتها في مياه الشام (طرابلس وصيدا) فانتصر المصريون أول المعارك ثمانهزم  الجيش ولم يستمر في الحرب – موسوعة السيد حسن الأمين ص408 – حرف الفاء( فاطميين) ] . .(هامش)

 

(1)استغاثة الأمويين بالروم ضد الفاطميين :

 

[ استعان الأمويون في الأندلس بالروم على الفاطميين في المغرب فسأل المعز لدين الله مستشاريه فقالوا نهادن الروم ونقاتل الأمويون فقال : معاذ الله! ما كنت بادئا إلا بمن بدأ الله عز وجل به، قال تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ فهم أقرب إلينا – المجالس والمسايرات، للقاضي النعمان، ص154، تحقيق محمد اليعلاوي ] . (هامش)

 

(2) استغاثة سيف الدولة الحمداني بالروم ضد الفاطميين خيانة للدين والأمة الإسلامية:

 

[ في زمن العزيز بالله يسير الجيوش لحلب فيستنجد أبو الفضائل سيف الدولة الحمداني بالروم وهى المرة الثانية التي يفعلون فيها هذا الفعل فينجدهم القائد بسيل ملك الروم بخمسين ألف فهجم عليهم القائد منجوتكين بنهر العاصي قبل أن يلتقوا بلؤلؤ قائد الجيش الحمداني ثم حصرها الجيش المصري ثلاثة شهور ثم عادوا مراسلة ملك الروم للمرة الثالثة وقالوا له حلب إذا وقعت أخذت أنطاكية – الكامل ج9 ص89-90 ] . .(هامش)

 

[ وخرج إليه أبو الفضائل الحمداني والقائد لؤلؤ ورحل بسيل قائد الروم إلى الشام ففتح حمص وشيراز ونهبهما وسار إلى طرابلس وكانت مصرية وقتئذٍ فنازلها فامتنعت عليه فأقام نيف وأربعين يوماً فلما أيس عاد إلى بلاد الروم ولما بلغ الخبر العزيز بالله الفاطمي عظم عليه الأمر فتادى بجهاد الروم وفي الطريق عند بلبيس فاجئته أمراض النقرس وغيره فأدركه الموت – الكامل ج9 ص 116 ] . .(هامش)

 

[ العزيز بالله يموت وهو في طريقه لغزو الروم ببلبيس – ] والأعمال بخواتيمها كما قال صلى الله عليه وآله فهل هذا يستوي ب :[ سعد الدولة الحمداني الذي مات وهو يجامع امرأة على صدرها – الكامل ج9 ص88] . .(هامش)

أم يستوي بأمير جرجان الذي مات وهو يجامع بعض حظاياه على صدرها – الكامل ج9 ص 29 ] .  .(هامش)

[ وقد استعان الحمدانيين بمنجوتكين قائد الروم للمرة الرابعة والخامسة لغزو مصر والفاطميين – الكامل ج 9 ص 118-120 ] . .(هامش)

 

وهنا قارن بين فعل الفاطميين الذن رفضوا العمالة وخيانة الأمة بهؤلاء وحتى أحداث نهر البارد بلبنان عام 2007 مروراً بخيانة آل سعود والوهابية وعمالة أكثر حكام العرب الخونة الذين أدخلوا الروم ببلادنا إلا من رحم ربي وقليل ماهم نسأل الله تعالى لهم النصرة والثبات .

 

(ثانياً) :العفو والتسامح عند الفاطميين أحد من أسباب زوال دولتهم كما سترى :

 

العفو عند الفاطميين من كتب أعدائهم  ( والفضل ماشهدت به الأعداء) :

 

  • يقول ابن الأثير عن المعز لدين الله الفاطمي رحمه الله : [” كان بمصر شاعر إسمه الحسن ابن بشر كثير الهجاء فهجا يعقوب ابن كلس وزير المعز فشكاه للعزيز وفي الشعر هجاء للعزيز بالله أيضاً فقال له هذا شيء اشتركنا فيه في الهجاء فشاركني في العفو عنه ثم هجا الفضل القائد فشكاه للعزيز أيضاً فامتعض وقال اعف عنه ثم هجا العزيز مرة أخرى فأمر بالقبض عليه وحبسه ثم أمر بإطلاق سراحه وإذا بالوزير يدبر للشاعر فقتله فوجد العزيز رأسه مقطوعاً فاغتم له – الكامل ج9 ص117-118- تاريخ مختصر الدول لابن العبري تسنة685هـ – ص178] . .(هامش)

 

ملحوظة هامة :

 

  • تجد الوزير يشتكي رجلاً من عامة الشعب كدليل على عدله بين الرعية حاكماً ومحكوماً وعدم إطلاقه العنان للولاة بالسرقة البطش كما هو الحال عند كل الدول من قبله .
  • عفوه عن الشاعر عدة مرات وهذا لا يحدث إلا نادراً ولا يكون إلا مع رجال أهل بيت النبوة فقط وهذا من آثار إذهاب الرجس عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وأبيهم علي وأمهم فاطمة سلام الله عليهم .

 

  • [ الدولة الحمدانية نشأت في حلب سنة 333هـ بقيادة سيف الولة الحمداني – الكامل ج8 ص445]. .(هامش)
  • [ وغزا هذا الرجل الروم سنة 339هـ – الكامل ج8 ص485] . [ وفي سنة 357هـ قتل أبو المعالي ابن أخته أبي فراس الحمداني – ج8 ص588] . صاحب البطولات في حربهم مع الروم [ وكان القدر ضد أبو المعالي لقتله ابن أخته فزالت دولتهم سنة 358هـ – الكامل ج8 ] . .(هامش)
  • ورفضوا الدخول في ولاية الدولة الفاطمية حباً للزعامة وفلما زالت دولتهم هربوا لمصر وكان من المفترض قتلهم كما في القانون الأموي أو القانون الدولي كمقاتلين للدولة وتصفيتهم ولكننا نجد أن الفاطميين عفوا عنهم بعد هروبهم لمصر ولكنهم فعلوا بها من الفتن مالا يصدقه عقل فقد طمعوا في شدةعفوهم وتسامحهم على الرغم مما فعلوه وقدومهم لمصر كلاجئين  إلا أن احدهم : [أن اقتطع أحدهم الإسكندرية ثم هزموا جيشاً كبيراً حاربوا به جنود  المستنصر فيما بعد راح ضحيتها الآلاف – الكامل ج10 ص82]  . .(هامش)

 

والواضح هنا أن المستنصر قد  عفا عنهم وذلك لأنهم ثاروا عليه مرةأخرة سنة 543هـ [ يقول ابن الأثير : أنهم في سنة 543هـ ثاروا عليه ثانية ( أي في عهد عهد المستنصر بالله) حتى انهزموا بالبحيرة وكان جيشهم عدة آلاف – الكامل ج9 ص578 ] . .(هامش)

وكان هذا سبباً من أسباب زوال دولتهم وضعفعها بالداخل أضف إلى ذلك [ ظهور دولة الخوارج سنة 333هـ واشتداد شوكتهم بواسطة أبو يزيد الخاري من زناته  وكان مذهبهم تكفير الدولة واستباحة أموالهم ودمائهم – الكامل ج8 – ص422-441] . .(هامش)

 

(3) [ بعد حرب زناتة وكتامة مع جيش الظاهر لإعزاز دين الله سنة411هـ صالحهم وواصلهم ثم انقلبوا عليه مرة أخرى فهجموا على القيروان وزناتة وباجة والمهدية – الكامل لابن الأثير ج9 ص319&340& 355 &568&569 ] . .(هامش)

وهنا أيضاً وفقاً للقوانين والأعراف بين الحكام  كان من المفترض كما نقرأ ونشاهد إبادة عامتهم وليس العفو ليثوروا على الدولة مرة أخرى .

وكان على النقيض أصحاب المذهب الآخر كقصة القائد البساسيري الفاطمي ودخوله الكوفة سنة 450 هـ  يقول ابن الأثير : [ ودخل القائد البساسيري الكوفة سنة 450 هـ وخطب بجامع المنصور للمستنصر العلوي صاحب مصر فأذن بحي على خير العمل ويقول ابن الأثير أنه رفعت الرايات المصرية وأجزل العطاء للناس ولم يتعصب لمذهب بعينه- الكامل ج9 ص640- 641-643] ولكنه يقول أيضاً :

[ ولكن السلجوقيين أبوا ذلك منه فقاتلوه حتى قتلوه وصلبوه على فنارة وطيف به وصلب قبالة باب نوبي – ج9 ص648-649] . .(هامش)

 

وهنا السؤال ماذا فعل ليقتل هذه القتلة بعدأن أجزل لهم العطاء  إبحث ستجد أنها فتاوى ابن تيمية وزملائة وتلامذته و رجال الدين خوارج كل عصر رأس حربة الصهيونية العالمية بقلب الدولة الإسلامية الذين يتمسكون دائماً بأن حب  رسول الله وأهل بيته من الوثنية فإذا  راجعت فتاواهم ستجدهم  يفتون بهذه الإفتاءات وأن قتل شيعتهم وأنصارهم  من أعظم القربات ثواباُ عند الله ويمكن لأيب باحث لمواقعهم على شبكة الأنترنت أن يقرأ ذلك أو بالرجوع لكتبهم التي يزعمون أنها من سلف صالح وهل الصالح يكذب على الأمة ؟ .

 

  • يورد ابن الأثير قصة عن مخازي الفاطميين :

 

أعداء أهل البيت  أنهم طافوا برجل مغربي وشهروا به ونادوا عليه هذا جزاء من يحب أبي بكر وعمر – الكامل ج9 ص178]  .

وإن كان ذلك خطئ ولكن أنظر هنا في هذه الواقعة لتعلم  ماذا يفعل من يزعمون أنهم أهل سنة ويعملون بما يوافق الشرع الكريم  :

يورد ابن الأثير فيما فعله أنصار أبي بكر وعمر من كتابه الكامل : [ “أن القائد عز الدين ابن مسعود دخل الموصل فسئل عن أحوال الباطنية (الإسماعيلية) وعن أخبارهم فقيل إنهم يجالسون إسكافي بدرب إليا فأحضره ووعدوا بالإحسان إن اعترف فلم يفي فهدده بالقتل فقال إنهم وردوا إليه من سنين فلم يتمكنوا منة (أى من إدخاله في دعوتهم) فأمسكو فقطعوا يده ورجلة وزكره ورجموه بالحجارة- الكامل  لابن الأثير ج 10 ص634-635] . .(هامش)

أنظر إلى فعل الطرفين وضعهما على ميزان العقل إن كان لديك عقل أيها المسلم ؟.

 

  • التسامح والحرية الدينية :

 

وهنا سنذكر إن شاء الله شيء من تسامحهم وعدلهم لكل المذاهب والديانات، [ في عام 362هـ رأى السنيون في مصر أن الشيعة يحتفلون بعيد الغدير فأرادوا الاحتفال بعيد لهم نكاية في الشيعة فقالوا أن 26 من ذي الحجة هو يوم دخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غار ثور مع أبي بكر فاتخذوه عيداً وبالغوا في إظهار الزينات ونصب القباب فوجدوا متسع من الحرية خولتهم القيام بذلك ونفس الوضع بالنسبة للأقباط كانوا يحتفلون بكل أعيادهم كالنيروز وما سواه[8]  وتوج الحاكم بأمر الله الدعوة بحرية العبادة بسجل تضمن المبدأ الليبرالي الحر القائل : (لكل مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى ربه معاده، وعنده كتابه وعليه حسابه)   هانز هالم، الفاطميون وتقاليدهم في التعليم]. (هامش)

[ وجعل المالكية يدرسون مذهبهم بدار الحكمة، وعين في رئاسة القضاء بمصر وبلاد الخلافة سنياً، وهو أبن أبي العوام، الذي أستمر في القضاء من سنة 405هـ إلى سنة 411هـ. وحينما قال الناس: “أنه ليس على مذهبك”، قال : “هو ثقة مأمون مصري عارف بالقضاء وبأهل البلد، وما في المصريين من يصلح لهذا الأمر غيره” وكذلك اشتهر عصره بتولي القضاء من قبل مالكية وشافعية.   عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 86-87 ] . (هامش)

[ ومنع سب أعداء مذهبه ولم يعامل أعدائه بالمثل الذين كانوا يسبون علياً من على منابرهم، سيما العباسيون في العراق، والأمويون في الأندلس. فحينما جاء المعز لمصر، لم يلعن لأعنيه، وانما كتب على سائر الأماكن بمدن مصر ((خير الناس بعد رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام)) وأصدر الحاكم بأمر الله سجل في شهر رمضان سنة 398هـ، وها هو نصه: “بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ووليه أبي علي الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، إلى كل حاضر وباد. أما بعد فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم أية من كتاب الله المبين، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ مضى أمس بما فيه، وجاء اليوم بما يقتضيه. الصلاح والإصلاح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد بينهم مستقبح؛ إلا من شهد الشهادتين أحق أن تنفك له عروة، ولا توهن له قوة. بحي على خير العمل يؤذن المؤذنون ولا يؤذنون ويخمس المخمسون ويربع المربعون في الصلاة على الجنائز ولا يعترض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون، ويشتم السلف ولا يبغي الخلف. تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون. معشر المؤمنين، نحن الأئمة، وأنتم الأمة، عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم تعلمون. والحمد لله رب العالمين، وصلواته على رسوله سيدنا محمد وآله الأكرمين”  عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 87-88] . .(هامش)

 

(ثالثاً) : عدل المهدي الفاطمي :

 

يذكر ابن الأثير في تاريخه : [  أن أهل صقلية خرجوا على الخليفة المهدي الفاطمي وقتلوا حسن ابن حسين الذي أطلق عليه ابن الأثير ابن خنزير لتبغيض الناس فيه) فتمكن الخليفة المهدي من قاتل حسن ابن حسين وإسمه ابن مرهب فقتله على قبر القتيل – الكامل ج8 ص 71-72] . .(هامش)

 

  • وهنا لابد من المقارنة بين هذا العمل وفعل أياً من حكام أي عصر ففي حالة مقتل عامل الخليفة في أي بلد وفي أي عصر ومصر فلابد من التنكيل بكل أهلها وههذه سنة الظالمين فهل فعل الفاطميين ذلك ؟!.

 

(رابعاً) : زهد الخليفة المستنصر الفاطمي :

 

[ لما أرسل ناصر الدولة الحمداني رسوله للمستنصر العلوي وجده لايملك إلا 3 خدم وحصيرة فبكى رسوله على الخليفة العلوي الفاطمي  وعاد للقاهرة فحكم فيها وأذل السلطان العلوي وأصحابه والذي حمله على ذلك أنه كان يظهر التسنن للمغاربة فنصروه ومات كثير من أولاده جوعاً – الكامل ج10 ص86 ] .

ولهذا الظلم  ستجد أن الله تعالى قد سلط الترك عليه فقتلوه خوفاً منه يقول ابن الأثير : [ وسلط الله الترك على ناصر الدولة بعد ذلك فقتلوه خوفاً منه سنة 465هـ الكامل ج10 ص 86-87] .(هامش)

وذلك لأنه فعل مافعل بأبو فراس الحمداني وغدره بأخيه وقتله يقول ابن الأثير :[ وكان قد قتل أخيه كوكب الدولة الحمداني أيضاً فخافه الترك وقتلوه – الكامل 103-104] . .(هامش)

 

(خامساً) : غض المعز لدين الله  لبصره وشهامته :

 

[ يقول ابن الأثير في حادثة خروج أهل القيروان عن طاعة المعز فوجه إليهم ابراهيم ابن أغلب فلما نادى بالأمان لغيرالمحارب رجع كثيرمنهم وأمر أن يجمع ماكان للمحاربين من السلاح والاموال والنساء فاجتمع إليه جواري كثيرة لهن مقداو حظ من الجمال فسأل عمن كانت تكلفهن فذكر له امراة صالحة فاحضرها وأحسن إليها وأمربحفظها وأمرلهن بما يصلحهن ولم ينظر إلى واحدة  منهن – الكامل ج8 ص 45-47 ] . .(هامش)

وهنا السؤال :

– هل هذه أخلاق  ناكحي الأمهات ؟.

– هل يتساوو بما فعله الأمويون بنساء رسول الله  الذين أخذوهن سبايا حاسرات الرأس يطوفون بهم البلدان حتى وصلوا دمشق وهن حاسرات ؟ .

 

سقوط الدولة الفاطمية بين فتاوى العلماء وسيف الحكام :

 

على أهل البيت أن لا يستهينوا بفتاوى المنافقين لأن الأمة تظنها من عند الله وما هى من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون تماماً كما قال تعالى { وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وماهو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون – آل عمران} وهذا تمام ما فعلته أمة بني إسرائيل وتكرره أمتنا لأننا أشبه الأمم بهم كما قال صلى الله عليه وآله : ” أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل ” وهذه الفتاوى تقع بيد الحكام فيستخدمونها في بسط سلطانهم ولا شأن لهم بالقرآى ولا الدين  وهذا هو مربط الفرس في صراع البشرية منذ خلقت وإلى الآن مروراً بفترات بعثة الأنبياء والوصيين ومن رفض منهم قتلوه أو قاتلوه وهذا ما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وآل بيته عليهم السلام وحتى فتوى ابن جبرين ضد حزب الله وفتوى لجنة الفتوى التي ردوا بها على الرئيس القذافي بأن الدولة الفاطمية مؤسسها يهودي وإن وقعت هذه الفتاوى بيد جهلاء فسيفجرون أنفسهم وسط المساجد وبين جموع المصلين منذ أن قتلوا أمير المؤمنين علي( عليه السلام)  إلى أن فجروا مسجدي العسكريين بالعراق وهذه سنتهم  والبقية ستأت إن تركهم حكام المسلمون وعلماؤهم:

 

خيانة صلاح الدين وغدره بالفاطميين  :

 

وياليت العاضد ما استغاث به

 

أولاً – خيانته للخليفة الفاطمي العاضد :

 

يقول السيد حسن الأمين : [ (في عام 564هـ كان الصليبيون يهددون مصر (الفاطمية) ويتحفزون للوثوب عليها، بعد أن خبروا أحوالها قبل ذلك في أحداث ليس هنا مكان سرد تفاصيلها، فرأى الخليفة الفاطمي (العاضد)، أن لا قبل لمصر بمدافعة الصليبيين، لكثافة قواهم وتفوقها على القوى المصرية، فتجلّت وطنيته على أبرز صورها، فتناسى ما بينه وبين الآخرين من أوتار، وتجاهل ما يحملونه له من عداوة، وأغضى عما طالما بيتوه له ولأسرته من تآمر، وصمم على الاستنجاد بالقوى الإسلامية خارج مصر، مهما كان في هذا الاستنجاد من مخاطر عليه وعلى أسرته.

ورأى أن أقرب القوى إليه هي في الشام، وفيها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وكان الصليبيون زحفوا على عسقلان، حتى وصلوا إلى بلبيس فاحتلوها وفتكوا بأهلها، ثم مشوا إلى القاهرة وحاصروها، فتقرر إحراق مدينة الفسطاط المتصلة بالقاهرة، خوفاً عليها من الصليبيين، فأحرقت وظلت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوماً، ولعوامل عديدة، فك الصليبيون الحصار عن القاهرة وعادوا من حيث أتوا، ولكن الخطر مازال جاثماً، فكرر العاضد الاستنجاد بنور الدين، وأرسل في كتب الاستنجاد شعور النساء وقال له : (هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهنّ من الفرنج) صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين) للسيد حسن الأمين ص 184، ( انظر (الروضتين في أخبار الدولتين)، القسم الثاني من الجزء الأول ص 391 وما بعدها من طبعة 1962، لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بأبي شامة ] . .(هامش)

[ ولم يكتفِ، بل بذل له ثلث بلاد مصر، وأن يكون قائد النجدة مقيماً عنده في عسكره، وأن يقطعه خارجاً عن الثلث الذي لنور الدين . فقرر نور الدين تلبية الطلب، فأرسل حملة مؤلفة من ثمانية آلاف فارس، بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين، … وجاءت الحملة إلى مصر حيث لقيت ترحيباً وابتهاجاً، وفعل العاضد أكثر من الترحيب، فأناط الحكم بأسد الدين شيركوه وجعله وزيراً له، ولكنه لم يلبث في الوزارة إلاّ شهرين وخمسة أيام، ثم توفي فجأة، وتطلع إلى الوزارة بضعة رجال من قواد الجيش الذي قدم مع أسد الدين، وكان التزاحم بينهم شديداً، ولكن العاضد آثر عليهم جميعاً صلاح الدين.يقول أبو شامة في كتابه (الروضتين): (فأرسل الخليفة (العاضد) إلى صلاح الدين، فأمره بالحضور إلى قصره ليخلع عليه الوزارة ويوليه بعد عمّه) – السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 184- 185] . .(هامش)

وهكذا أمدّ الخليفة (العاضد) وزيره صلاح الدين بالقوة، ووضع في يده أسبابها، ومكّن له في الحكم، استعداداً للدفاع في وجه الصليبيين إذا حاولوا إعادة الكرّة على مصر، ثم للهجوم عليهم فيما احتلوه من بلاد، وقد صحّ ما توقعه (العاضد)، فقد وصل الصليبيون في ربيع الأول سنة 565هـ.

يقول المقريزي: [ (فخرجت العساكر من القاهرة، وقد بلغت النفقة عليها زيادة على 550 ألف دينار، فأقامت الحرب مدة خمسة وخمسين يوماً، وكانت صعبة شديدة …إلى أن رحل الصليبيون عن دمياط …، يضيف المقريزي: (وكان صلاح الدين يقول ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إليّ مدة إقامة الفرنج على دمياط ألف ألف دينار، سوى ما أرسله إليّ من الثياب وغيرها) – خطط المقريزي ج 1 ص 215]. .(هامش)

ويقول يحيى بن أبي طي الحلبي، في كتابه الذي ألفه في سيرة صلاح الدين، واصفاً المدى الذي بلغته محبة العاضد لصلاح الدين: [ (وبلغ من محبته له، أنه كان يدخل إلى القصر راكباً، فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة، لا يُعلَمُ أين مقرّه… وحكّمه في ماله وبلاده، فحسده من كان معه بالديار المصرية من الأمراء الشامية، ثم إنهم فارقوه وصاروا إلى الشام) – السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 167- 168] . .(هامش)

[ ويقول صاحب كتاب (الروضتين): (إن العاضد أحب صلاح الدين محبة عظيمة)، ويقول عنه في مكان آخر، أنه لما تولى صلاح الدين الوزارة، مال إليه العاضد وحكّمه في ماله وبلاده)- المصدر السابق ص 186]. [ ولم يترك (العاضد) وسيلة تشيد بصلاح الدين، وترفع من شأنه وتزيد في تكريمه إلاّ اتّبعها، من ذلك أنه لما ارتحل (نجم الدين أيوب) والد صلاح الدين إلى مصر بأهله وجماعته، وسار إلى القاهرة، ركب العاضد بنفسه لاستقباله والترحيب به، وخلع العاضد عليه ولقّبه (الملك الأفضل)، وحمل إليه من القصر الألطاف والتحف والهدايا، كما يقول ابن أبي طي في كتابه السابق الذكر – المصدر السابق ص 168]. .(هامش)

 

فكيف تُرى خلفه صلاح الدين في ماله وبلاده؟.. وكيف قابل نجم الدين كرمه وأريحيته وحسن استقباله؟!. لقد كان (العاضد) في وادٍ، وصلاح الدين وأبوه نجم الدين في واد آخر، ووطنية العاضد التي جعلته يستنجد بهم، ويضع سلطته وبلاده تحت تصرفهم، لم تمنعهم من التآمر عليه وعلى دولته.

كانت الخطة قد وضعت قديماً في الشام، بين نور الدين محمود وأسد الدين شيركوه، وصلاح الدين ونجم الدين عالمان بها، وذلك بأن تكون النجدة لا لإنقاذ البلاد مـن الصليبيين، بل للقضاء علـى العاضد ودولته، واستغلال الخطر الصليبي على مصر، وانشغال العاضد به لتنفيذها.

وهكذا يكون العاضد ودولته قد نكبا، وراحا ضحية مطامع نور الدين زنكي، وخيانات صلاح الدين وأبيه من طرف، ومن طرف آخر، إخلاص العاضد للإسلام، ووطنيته تجاه بلده مصر، وإيثاره الاستنجاد بإخوته المسلمين، بدلاً من التفاوض مع الصليبيين والرضوخ إلى ابتزازهم والنزول عند شروطهم، كما فعل صلاح الدين، وكثير غيره من الحكام والسلاطين المسلمين.

يقول المقريزي عن صلاح الدين: [ (واستبدّ بالأمور، ومنع العاضد من التصرف، ثم يقول: وصلاح الدين يوالي الطلب منه كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق، حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد، فطلبه منه وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت، وصار لا يخرج من القصر البتة)- خطط المقريزي ج 1 ص 358- 359 ] . .(هامش)

 

والأنكى من ذلك، أن صلاح الدين الذي كان يتحدث عن كرم العاضد وحسن رفادته وضيافته، قد قابل كرم العاضد وحبه الشديد له بالجحود والنكران، فيقول المقريزي: [ وعاد فكثر القول عن صلاح الدين وأصحابه في ذم العاضد – المصدر السابق ] . .(هامش)

يقول أبو شامة في الروضتين: [إن صلاح الدين يوسف بن أيوب، لما ثبت قدمه في مصر، وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد – وهو الخليفة بها -، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك الفاضل نور الدين محمود، يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً… واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة لـه، فاستشار الأمراء، كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم مـن أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك، إلاّ أنه لم يمكنه إلاّ امتثال أمر نور الدين، وكان قد دخل مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، وقد رأيناه بالموصل كثيراً، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا ابتدئ به – السيد الأمين (مصدر سابق) ص 187- 188]. .(هامش)

وهكذا، فبعد انقضاء سنتين فقط على وصول شيركوه وصلاح الدين إلى مصر، كافأوا العاضد بالقضاء عليه وعلى دولته، ولم تدخل سنة 567هـ حتى (استفتحها صلاح الدين بإقامة الخطبة في مصر لبني العباس)، كما يقول صاحب كتاب (الروضتين)، والخليفة العاضد لا يزال حياً – المصدر السابق ص 168]. .(هامش)

 

ثانياً: خيانته للخليفة الناصر العباسي:

 

كان الخليفة العباسي الناصر، قد تخلص في بغداد من سيطرة السلاجقة، واستقلّ عنهم برقعة كبيرة من الأرض الإسلامية، وكما يقول ابن كثير : [  استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمذان وخوزستان وغيرها من البلاد، وقوي جانب الخلافة والخليفة على الملوك والممالك –  (البداية والنهاية) ج 13 ص 11] ، ولقد بنى فيها جيشاً قوياً، وعزم على أن يرسل جيشه هذا إلى فلسطين، للتعاون مع جيش صلاح الدين على تحرير ما لم يتحرر من الأرض الإسلامية من الصليبيين، فأرسل يستأذن صلاح الدين، فرفض قدوم جيش الخلافة، لأنه اعتقد أنه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له.

ويصف العماد الموقف بعد ذلك بقوله: [ (ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقاً، وطلبوا لشمل استسعاده بالخدمة تفريقاً، واختلقوا أضاليل ولفقوا أباطيل، وقالوا : هذا – أي صلاح الدين – يزعم أنه يقلب الدولة ويغلب الصولة، وأنه يُنعَت بالملك الناصر، نعتَ الإمام الناصر، و يُدِلُّ بماله من القوة العسكرية) ” – العماد الأصفهاني في (الفتح القسي في الفتح القدسي) ص 183 وما بعدها ( انظر الأمين ( مصدر سابق ) ص 116- 117]. .(هامش)

ويبدو أن تلك السعايات لم تنبت من فراغ، فقد كان صلاح الدين يمنّ في مجالسه الخاصة على الخليفة العباسي بقضائه على الدولة الفاطمية، وربما كان يلوّح بالقوة والغلبة، وما إلى ذلك مما نقله السعاة لإثارة حفيظة الخليفة على صلاح الدين .

[ ولما بلغ الخليفة هذا الرفض، مع كل ما نقل إليه عن صلاح الدين، أرسل مبعوثاً وصل في شهر شوال من سنة 583هـ – أي بعد فتح القدس بثلاثة أشهر فقط – مع رسالة شديدة اللهجة ، مملوءة بالتعنيف لصلاح الدين – (تفصيل المراسلات والمفاوضات بين الخليفة وصلاح الدين، مبسوطة في كتاب عماد الدين الأصفهاني: (الفتح القسي في الفتح القدسي)، وأخبار الرسالة العنيفة المنوه عنها تجدها على ص 183 وما بعدها، ويذكر العماد أن صلاح الدين قد وصف تلك الرسالة بأنها (ألفاظ فظاظ وأسجاع غلاظ…قد كان أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظاً وأرفق) ] .

 

فتظاهر هذا بالسكوت، ولكنه راح يعرض الرسالة على من سماهم (أكابر القوم)، ونجح أسلوب صلاح الدين كما يقول العماد، في دفع أولئك الأكابر إلى نقد تلك الرسالة بعنف مماثل، وإلى تحريض صلاح الدين على التمرد على الخليفة، وهذا هو عين ما كان يبيته صلاح الدين في نفسه ويمهد له، ليكون هؤلاء مستعدين بل متحمسين لقتال جيش الخليفة إذا جاء إلى فلسطين.

ورأى صلاح الدين أن من الحكمة أن يؤخر الصدام بالخليفة، وأن لا يعجّل باستفزازه قبل أن يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وبادر على الفور إلى التفاوض سراً مع الصليبيين  لعقد هدنة تنهي الحروب بينهما، وتتيح له التحالف معهم لقتال العدو المشترك (خليفة المسلمين) الذي لم تكن يومئذ خلافة شرعية لسواه.

وغني عن البيان أن هذه الخيانات الثلاث: للخليفة الفاطمي (العاضد)، والخليفة العباسي ( الناصر)، والسلطان الأيوبي (نور الدين زنكي)، تعتبر خيانة عظمى للإسلام والمسلمين في ذلك الحين، عدا عن أن مجرد وقف الحرب ضد الصليبيين قبل إخراجهم من بلاد المسلمين، وتحريرها من نير سلطانهم واحتلالهم الغاشم، يعتبر بحد ذاته خيانة عظمى لا جزاء لها إلاّ القتل، فكيف بالتحالف معهم ضد المسلمين وخليفتهم الشرعي؟!.

 

عنف صلاح الدين وبطشه :

 

[ ما أن قويت سلطة صلاح الدين على الخليفة الفاطمي العاضد، واستتبّ له الأمر في مصر بعد التآمر عليه وقطع الخطبة له وإقامتها لبني العباس، حتى أقدم صلاح الدين على جريمة لم يسبق لحاكم أن أقدم على مثلها أبداً، حتى في أشد العصور طغياناً وهمجيةً وظلماً – السيد الأمين (مصدر سابق) ص 169] . .(هامش)

[ (فقد احتجز جميع رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائها في مكان آخر، ومنع الفريقين من الزواج لئلا يتناسلوا…) يقول العماد: (وهم إلى الآن محصورون محسّرون لم يظهروا) –  ويحدّد المقريزي في خططه عددهم بعشرة آلاف شريف وشريفة ( ج 1 ص 497 )، وقال ابن عبد الظاهر أن حبسهم على هذا الشكل استمرّ حتى انقرضت الدولة الأيوبية ومُلكُ الأتراك إلى أن تسلطن الظاهر ركن الدين بيبرس.. البندقداري، فلما كان في سنة 660هـ أشهد على من بقي منهم بطردهم، بعد أن أصبحوا كما يقول المقريزي (كهولاً مرضى لا أمل منهم ولا بشفائهم) ] .

ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم، وقد تبجح بهذه الأعمال شعراء صلاح الدين، ومن ذلك ما قاله العماد الأصفهاني في قصيدة بذيئة طويلة:

[ عاد حريم الأعداء منتهك الحمى                وفيء الطغــاة مقتَسَمـــا

ثم عمد صلاح الدين إلى المذهب الجعفري فأبطله وحرّم تدريسه ومنع الناس من العمل به، ومال على أشياعه وأتباعه فأوقع فيهم القتل والحرق والتشريد، وقد وصف عبد الرحيم بن علي البيساني قاضي صلاح الدين، الملقب بالقاضي الفاضل، ولم يكن في الواقع فاضلاً، بل كان من الوصوليين الانتهازيين المنافقين، عبيد كل سلطة، وعملاء كل حكومة، وصف وضع الشيعة بعد العاضد بقوله: (… والمَذَلَّة في شيع الضلال شائعة، ومُزِّقوا كل ممزَّق، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً) –  السيد الأمين مصدر سابق ص 68 ] . .(هامش)

ومن الذين قتلهم صلاح الدين، وحفظ لنا التاريخ أسماءهم رغم كل محاولات الطمس والإخفاء، الشاعر عمارة اليمني، الذي عاش في مصر وأدرك أواخر الدولة الفاطمية، ورغم أنه لم يكن على مذهب الفاطميين، ولكنه كان منصفاً مخلصاً للحق، معترفاً بالفضل لأهله، وحيث أنه رأى بأم عينيه فضائل الفاطميين ومحاسنهم، ولمس بنفسه مخازي الأيوبيين ومساوئهم، وما ارتكبوه فيهم من جرائم، فرثى الدولة الفاطمية أشجى رثاء في قصيدته اللامية التي مطلعها : [

رميتَ يا دهرُ كفَّ المجدِ بالشللِ                وجيدَه بعد حسن الحَلْيِ ِ بالعطَلِ

وختمها بقوله:

والله مازِلتُ عن حبي لهم أبـداً                ما أخّرَ اللهُ لي في مدة الأجـــلِ –  السيد الأمين (مصدر سابق) ص  66] .

[ وبسبب هذه القصيدة الصادقة، قُتِلَ هذا الشاعر الفاضل الوفي يرحمه الله، الذي طبع على النبل والوفاء، وتُمُحلت له الذنوب – (خطط المقريزي) ج 22 ص 496 ناقلاً قول ابن سعد الذي يضيف قائلاً عن القصيدة: (لم يُسمعْ فيما يُكتب في دولة بعد انقراضها أحسن منها) ] . .(هامش)

 

وفي موقف آخر، اتفق أن اجتمع هذا الشاعر الوفي،عند نجم الدين أيوب – والد صلاح الدين – مع شاعر آخر، هو أبو سالم يحيى الأحدب بن أبي حصيبة، في قصر اللؤلؤة الذي كان يقيم فيه، وكان من أحسن قصور الفاطميين، فأنشد ابن أبي حصيبة نجم الدين قصيدة منها:

[ يا مالك الأرض لا أرضى لها طرفاً                منها وما كان منها لم يكن طرفــــا

قـد عجّل الله هذي الدار تسكنهــــا                وقـد أُعدّت لك الجنات والغرفـــــا

تشرفت بـك عمـن كان يسكنهــــــا                فالبس بها العز ولتلبس بك الشرفا

كانوا بها صَـدفاً والـدار لؤلـــــــؤةٌ                وأنت لؤلؤةٌ صـارت لها صـَدفــــــا

فعزّ على عمارة هذا الغمز بالفاطميين، ولم يسكت على هذا الغمط لحقهم، والغض من مكانتهم، فقام يرد عليه بكل جرأة وشجاعة قائلاً:

أثمتَ يا من هجا السادات والخُلَفا                وقلـتَ ماقلتَه فـي ثلبهم سـخَـفا

جعلتَهم صـدفاً حَلّوا بلـؤلـؤةٍ                والعُرفُ مازال سُكنى اللؤلؤ الصدفـا

وإنما هـي دارٌ حـلّ جوهرهم                فيها وشـفّ فأسـناها الـذي وصفـــــا

إلى آخر هذه القصيدة الارتجالية الرائعة، التي علّق عليها المقريزي بقوله: (فلله دَرُّ عمارةَ، لقد قام بحق الوفاء، ووفّى بحسن الحفاظ كما هي عادته، لا جرم أنه قُتل في واجب من يهوى، كما هي سنّة المحبين، فالله يرحمه ويتجاوز عنه) –  الخطط ج 21 ص 469 ] .

 

[ على أن أفجع الفواجع ما لحق خزانة الكتب، التي (كانت من الضخامة بحيث أنها ضمّت (600) ألف كتاب مخطوط، ثم ما لبثت أن أُنشئت دار الحكمة القاهرية، وهي لم تكن أرففاً لاحتواء الكتب فقط، ولكنها كانت تضم جيوشاً من المترجمين والعلماء والنسّاخين، وكانت بذلك جامعة متخصصة لإنتاج الكتب) – الدكتور محمد الرميحي، مجلة العربي، العدد 426، أيار 1994م ص  22].

هذه الكنوز العلمية من نفائس الكتب التي تعب الفاطميون في جمعها، وأنفقوا من الأموال ما أنفقوا في الحفاظ عليها، أصابها من صلاح الدين ما أصاب الفاطميين أنفسهم، ومثلما شهد العصر الفاطمي ازدهار المكتبات القاهرية، شهدت بداية عصر صلاح الدين انهيارها بفعل النهب والحرق واللامبالاة –  المقريزي ج 2 ص 255، ينقل ذلك عن ابن طي ] . .(هامش)

[ يصف الدكتور محمد كامل حسين كيف أُحرق ورقُ كتب هذه المكتبات، وأخذ العبيد والإماء جلودها لعمل ما يلبسونه في أرجلهم، والذي بقي فيها مما لم يحرق، سفت عليه الرياحُ الترابَ، فصارت تلالاً باقية تعرف بتلال الكتب – المصدر السابق ] . .(هامش)

ثم يقول: [ (وكذلك ضاعت كنوز الفاطميين بيد التعصب الممقوت)، ويختم كلامه بالقول: (ولكن هذه الموجة الفنية التي طغت على مصر، سرعان ما أبادها الأيوبيون فيما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية، فضاع الشعر ولم يبق منه إلاّ اسم الشاعر أحياناً إن قُدِّر لاسمه البقاء، ونحن لا نتردد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري، لتعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة، فقد أحرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر) – المصدر السابق ] . فإذا كان هذا فعلُهم في الشعر، فما بالك بما فعلوا في الفكر؟!.

ويقول ابن أبي طي في وصف ما حلّ بهذه المكتبة الكبرى: [  (ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا)-السيد الأمين (مصدر سابق) ص 26- 27]. .(هامش)

[ لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، ويقال أنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة – السيد الأمين (مصدر سابق) ص  169]. .(هامش)

[ ويقول العماد الأصفهاني في ذلك: (وفيها من الخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتطعه التعدي، وكانت كالميراث مع أمناء الأيتام، يتصرف بها بشرَه الانتهاب والالتهام) – المصدر السابق ] . .(هامش)

وهكذا شتتوا هذه الكتب وأضاعوها فغدت هباء منثوراً، وأتلفوا هذه الكنوز العلمية التي لم يجتمع مثلها لا قبلها ولا بعدها في مكتبة قط، وهل فعل التتار والمغول في مكتبات بغداد أكثر مما فعله صلاح الدين هذا بخزانة كتب القاهرة ومكتباتها؟.

ورغم أن نور الدين كان ولي نعمته، وهو الذي رشحه للوزارة لدى العاضد بعد وفاة أسد الدين شيركوه، إلاّ أنه لم يسلم من تنكّر صلاح الدين له والتنمر عليه في حياته، والاحتماء منه بالصليبيين، ثم القضاء على مملكته وضمها إليه بعد وفاته، لكنّ الأشد انتقاماً من نور الدين ما فعله مع ابنه (الملك الصالح).

لقد كان ابن نور الدين هذا مقيماً في حلب، وكان على صغر سنه محاطاً برعاية الحلبيين باعتباره ملكهم المقبل بعد أبيه، فكان أول ما فعله صلاح الدين بعد استيلائه على الشام، أن قصد إلى حلب للقضاء عليه.

يقول ابن الأثير: (لما ملك صلاح الدين حماة، سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح – وهو صبي وعمره اثنتا عشرة سنة – وجمعَ أهل حلب وقال لهم: [ قد عرفتم إحسانَ أبي إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم وقد جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والدي إليه، يأخذ بلدي ولا يراقب الله تعالى ولا الخلق … وبكى وأبكى الناس، فبذلوا له الأموال والأنفس، واتفقوا على القتال دونه والمنع عن بلده)- كتاب (الروضتين) ج 2 ص 676]. .(هامش)

[ لقد شفت الليلة غيظه، وانتقم من نور الدين انتقام الأنذال – السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 203]. .(هامش)

[ ولكن صلاح الدين تمكّن منه واعتقله وعاد به إلى دمشق، ولزيادة التشفي بنور الدين وولده، تزوج زوجة نور الدين، ودخل بها وبات عندها ليلة واحدة، وخرج بعد يومين إلى مصر – ابن العديم في الجزء الثالث من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب) ص 667] . .(هامش)

ولا تسل بعد ذلك عن المجازر التي أوقعها صلاح الدين بأهل حلب، ولا عن الحرائق التي استهدفت منابر العلم ودور الكتب، ولا عن الإعدامات التي كانت تنتظر العلماء والحكماء، مما ملأ بطون كتب التاريخ، وكان على رأسهم جميعاً، الفيلسوف الإشراقي العظيم، [ شهاب الدين بن يحيى السهروردي- ياقوت الحموي في: (معجم الأدباء). (انظر السيد الأمين – مصدر سابق- ص 148-149]. .(هامش)

 

[ الذي قُتل عام 1191م خنقاً بوتر، وقيل بالسيف، وقيل سوى ذلك، وكان الفيلسوف السهروردي من أكبر علماء عصره – وفيات الأعيان لابن خلكان] . .(هامش)

ولا تسل كذلك عن الضرائب الباهظة والمقتطعات التي أثقلت كاهل جميع المسلمين من أهل حلب في تلك الحقبة السوداء. وحسبك للوقوف على طريقة معاملته للشعب الذي كان يحكمه صلاح الدين، ما كتبه عنه الدكتور حسين مؤنس، وهو من أشد المتحمسين للدفاع عن صلاح الدين الأيوبي، قال: [ (كانت مشاريعه ومطالبه متعددة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عماله من أقسى خلق الله على الناس، ما مرّ ببلده تاجر إلاّ قصم الجُباة ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار، إلاّ أُنذِر بعذاب من رجال السلطان، وكان الفلاحون والضعفاء معه في جهد، ما أينعت في حقولهم ثمرة إلاّ تلقّفها الجباة، ولا سنبلة قمح إلاّ استقرت في خزائن السلطان، حتى أملق الناس في أيامه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً) – مجلة الثقافة العدد 462 السيد الأمين – مصدر سابق – ص 164]. .(هامش)

ولا غرابة بعد هذا كله أن تعلم أن ولاته وعماله هم جميعاً من أمثال (قراقوش)، الذي خلّفه والياً على مصر، ليتفرغ هو لاحتلال الشام، والقضاء على ملك نور الدين زنكي، والتشفي منه .

 

وبانهيار الخلافة الفاطمية تبدأ حكومة بني ايوب والذين بدأوا خلافتهم بالقضاء على البنية العسكرية للبلاد والمقاومة الشعبية كما سنبين كبداية لسلك نموزج القضاء على الجبش المصري وتحويل المواطن لعبد ومواطن من الدرجة الثانية أمام الفاتحين في العصر الأموي والعباسي وهو الأنموزج الأمثل الذي يريدة الأخوان والتيار الديني الآن في خلافتهم الأمريكية للعالم الإسلامي ويبدأ هذا النموزج بالقضاء على كل مؤسسات الدولة بالسيف أو الدهاء وآخرها مؤسسة الجيش ثم المقاومة وهذا هو الأنموزج الذي يريده هؤلاء بإشراف صهيوني أمريكي على ينتحل مذهب الخوارج وعقائدهم في تكفير المسلمين كبداية لاستحلال دمائهم كما فعلوا بعدة مناطق من العالم في ألإغانستان وباكستان والصومال والسودان والعراق وليبيا وسوريا والآن يريدون من نفس المشروع في مصر وبالتالي نحن في حالة مخاض سيحددة العسكر ومدى قوة  مقاومة الثوار وثقافتهم وعود على بدأ :

 

  وبدأت الخلافة الأيوبية :

 

(5) الدولة الأيوبية ( السلجوقية) والانفصال الرابع عن دولة الخلافة :

يقول المقريزي في كتابه عجائب الآثار عن الفاطميين ونهاية دولتهم :

[فملكوا نيفا ومائتين من السنين إلى أن ضعف أمرهم في أيام العاضد وسوء سياسة وزيره شاور فتملكت الإفرنج بلاد السواحل الشامية وظهر بالشام نور الدين محمود بن زنكي فاجتهد في قتال الإفرنج واستخلص ما استولوا عليه من بلاد المسلمين وجهز أسد الدين شيركوه بعساكر لأخذ مصر فحاصرها نحو شهرين فاستنجد العاضد بالإفرنج فحضروا من دمياط فرحل أسد الدين إلى الصعيد فجبى خراجه ورجع إلى الشام‏.‏

وقصد الإفرنج الديار المصرية في جيش عظيم وملكوا بلبيس وكانت إذ ذاك مدينة حصينة ووقعت حروب بين الفريقين فكانت الغلبة فيها على المصريين وأحاطوا بالإقليم برًا وبحرًا وضربوا على أهله الضرائب‏.‏

ثم أن الوزير شاور أشار بحرق الفسطاط فأمر الناس بالجلاء عنها وأرسل عبيده بالشعل والنفوط فأوقدوا فيها النار فاحترقت عن آخرها واستمرت النار بها أربعة وخمسين يوما وأرسل الخليفة العاضد يستنجد نور الدين وبعث إليه بشعور نسائه فأرسل إليه جندًا كثيفًا وعليهم أسد الدين شيركوه وأبن أخيه صلاح الدين يوسف فارتحل الإفرنج عن البلاد وقبض أسد الدين على الوزير شاور الذي أشار بحرق المدينة وصلبه وخلع العاضد على أسد الدين الوزارة فلم يلبث أن مات بعد خمسة وستين يوما فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين وقلده الأمور ولقبه الملك الناصر فبذل لله همته وأعمل حيلته وأخذ في إظهار السنة وإخفاء البدعة‏.‏

فثقل أمره على الخليفة العاضد فابطن له فتنة أثارها في جنده ليتوصل بها إلى هزيمة الأكراد وإخراجهم من بلاده فتفاقم الأمر وانشقت العصا ووقعت حروب بين الفريقين أبلى فيها الناصر يوسف وأخوه شمس الدولة بلاء حسنا وانجلت الحروب عن نصرتهما فعند ذلك ملك الناصر القصر وضيق على الخليفة وحبس أقاربه وقتل أعيان دولته واحتوى على ما في القصور من الذخائر والأموال والنفائس بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه‏.‏

وخطب للمستضيئ العباسي بمصر وسير البشارة بذلك إلى بغداد ومات العاضد قهرًا – عجائب الآثار في التراجم والآثار للمقريزي  ج1].

وعلى ذلك كان دخول ملوك بني أيوب السلجوق أصلاً في صورة قادة جيوش لإنقاذ المسلمين الشيعة في مصر ومن المفروض أن يغيثوهم كأهل ملة واحدة ولكنهم أبادوهم وفتكوا بهم ودمروا حضارتهم كما سنبين:

 

نشأة الدولة:

 

المنطقه التى جاء منها الأتراك السلوجوقيين الآن هى دولة أوزبكستان وتقع هذه الدولة بين نهرين كبيرين هما نهر سير داريا وآمو داريا (سايجون وجايحون)  وعلى ضفاف هذين النهرين نشأ الأتراك السلاجقة وبدأوا منه فى غزو الأراضى  الإسلامية.

وسلجوق بن دقاق هو رئيس القبائل التركية كانت تقطن فيما وراء النهرين (سيحون وجيحون) فى المنطقة السابقة . وفي عام 429هـ آلت زعامة هذه القبيلة إلى (طغرلبك) حفيد (سلجوق) فاجتاز بقبيلته المدربة على القتال منطقة ما بين النهرين متوجها نحو المشرق وانتهز انشغال الغزنويين بحروب أنهكتهم, فاحتل خراسان والري وهمذان وأزال الحكم قبائل  الغزنوي عنها وبدأ حكم السلاجقة يظهر فى هذه المنطقة .

 

الدولة الأيوبـية(567-648هـ/ 1172-250م)

 

صلاح الدين الأيوبي بملامحه المغولية كما وردت في بعض الموسوعات

 

[قال صلى الله عليه وآله أول من يسلب ملك أمتي الترك] أي الجنس الماغولي ومعنى الأول أي ستتبعه دولاً أخرى ثانية تركية عثمانية ثم دولاً أخرى إلى حكم الأتراك العثمانيين.

 

[وَقَالَ أيضاً َ صلى الله عليه وآله وسلم « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزَ وَكِرْمَانَ قَوْماً مِنَ الأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الأُنُوفِ صِغَارَ الأَعْيُنِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ». المسند8463] .

وهذه المناطق هى منشأ السلاجقة الأتراك الذين حاربوا في سبيل حكمهم مسلمين فخاضوا في كثير من البلدان وسفكوا في سبيلها دماءاً كثيرة سلباً لملك أهل بيت النبي عليهم السلام فقتلوا باسم المذهب الحنفي فقتلوا أهل بيت النبي والعرب وكل من وقف في طريقهم تماماً كما قال صلى الله عليه وآله مبيناً أنهم أول العجم الذين يسلبون العرب سلطانهم وملكهم والقتال هنا وقع عليهم من أهل البيت الفاطمي العلوي وكل من ناوئهم من المسلمين فمالوا بالسيف على أهل القبلة قتلاً مذهبياً فأبادوا الفاطميين ومن تولاهم عن آخرهم كما سنبينه في حينه إن شاء الله .

 

ويعتبر صلاح الدين يوسف بن أيوب هو المؤسس الحقيقي للدولة الأيوبية، وذلك بعد أن عُيِّن وزيرًا للخليفة الفاطمي ونائبًا عن السلطان نور الدين محمود عامل الخليفة العباسي فعمل صلاح الدين على أن تكون كل السلطات في مصر تحت يده، وأصبح هو المتصرف في الأمور، وأعاد لمصر التبعية للدولة العباسية، فمنع الدعاء للخليفة الفاطمي ودعا للخليفة العباسي، وأغلق مراكز الشيعة الفاطمية، ونشر المذهب السني.


التوجه إلى النوبة:

 

ومما يذكر أن نور الدين محمود -الذي بعث أسد الدين شيركوه وصلاح الدين إلى مصر- ما زال حيّا، وكان صلاح الدين خائفًا أن يحاربه نور الدين، ففكر لأجل ذلك أن ينظر مكانًا آخر يقيم عليه دولة له، فبدأ صلاح الدين مبكرًا في إرسال بعض خاصته يستطلعون الأحوال في بلاد النوبة واليمن وبرقة.

أما النوبة فكان يحكمها قبيلة الكنوز التابعة للفاطميين فأرسل صلاح الدين أخاه تورانشاه، وعينَّه على “قوص” و”أسوان” و”عذاب” و”النوبة”، ولما استدعى صلاح الدين أخاه إلى القاهرة أناب تورانشاه عنه رجلا من نوابه وزوده بقوة عسكرية.


وفاة نور الدين:

 

أما برقة، فإن الفرصة لم تدع لأولئك -الذين بعثهم صلاح الدين لاستكشاف الأمر- أن يصنعوا شيئًا ذا بال؛ لأن نور الدين محمود قد توفي في شوال سنة 569هـ، وبدأ الأمر يستقر لصلاح الدين، وبدأ يعمل على توحيد الدولة الأيوبية وحماية أركانها في مصر والشام.

 

امتداد الدولة:


بالفعل، بدأ صلاح الدين التوجه إلى بلاد الشام بعد وفاة نور الدين، فدخل دمشق، ثم استولى منها على حمص، ثم حلب، وبذا أصبح صلاح الدين سلطانًا على مصر والشام. ثم عاد إلى مصر وبدأ الإصلاحات الداخلية، وخاصة في القاهرة والإسكندرية، ثم سافر إلى الشام؛ ليبدأ ما كان قد بدأه من قبل، وهو جهاده المشرق ضد الصليبيين.

وكانت دولة الأيوبيين قد امتدت إلى بلاد الحجاز؛ حيث قام صلاح الدين بتحصين جنوب فلسطين، والاستعداد لأي أمر يقوم به أرناط صاحب قلعة الكرك، والذي كان يدبر للهجوم على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وكان صلاح الدين قد اعتني بميناء القلزم وميناء جدة، لأن أرناط كان قد عمَّر أسطولا في ميناء أَيْلَة أو العقبة، وأرسل سفنًا بلغت عِيذاب، فاستولى صلاح الدين على أيلة، وأخذ منها أسرى من الصليبيين، وكذلك قبض رجاله على بعض الصليبيين الذين وصلوا إلى عيذاب، وأرسلوا جميعًا مصفَّدين بالأغلال، حيث ذُبحوا مع الهدي الذي أهداه الحجاج لله سبحانه في ذي الحجة سنة 578هـ ، واستولى صلاح الدين على بيت المقدس، وقد وقع في الأسر ملك بيت المقدس، ونفر من الفرسان الصليبيين ومن بينهم أرناط الذي لم تكد عين صلاح الدين تقع عليه حتى أمر بقتله.

وعقب استيلاء صلاح الدين على بيت المقدس سقطت في يده كل موانئ الشام، فيما عدا موانئ إمارة طرابلس، وأنطاكية، وانتهت الحروب الصليبية بصلح الرملة بين صلاح الدين والصليبيين.

وظل صلاح الدين رافعًا راية الجهاد حتى صعدت روحه إلى بارئها عام 589هـ بعد أن قسم دولته بين أولاده وأخيه العادل، ولكنهم تناحروا فيما بينهم، وظل بعضهم يقاتل بعضًا في ظروف كانت الدولة تحتاج فيها إلى تجميع القوى ضد الصليبيين ممن يكيدون للإسلام، ولم يمنع ذلك أن كانت لهم وقفات ضد الصليبيين، ففي الحملة الصليبية التي تعرضت لها دمياط، والتي كان يقودها لويس التاسع، الذي وقع أسيرًا، وحبس في دار ابن لقمان في عهد الملك توران شاه ابن نجم الدين أيوب، وبوفاة توران شاه انتهت دولة الأيوبيين.

توســيع الدولة:

والدولة الأيوبية هى إحدى الدول القوية التى واجهت الصليبيين، وهى امتداد لدولة آل زنكى، بل إنها تتشابه معها فى كثير من الأحداث والإنجازات وكذلك  تتشابه مع دولة السلاجقة، وبذلك يمكن القول إن الدول الثلاث كانت بمثابة دولة واحدة مرت بثلاث مراحل.


أسباب سرعة إنهيار هذه الدولة وأفول نجمها سريعاً:

 

  • الإنشغال بالحروب الداخلية للقضاء على مذهب أهل البيت بمصر ومن ثم بنى سور مجرى العيون ليحيط بالفسطاط وقلعته من هجوم المصريين والسودانيين عليه لإخراجه من مصر.

 

  • اختلاف خلفاء صلاح الدين على الحكم وهم أولاده وأقربائه ، وتوزيع أملاك الدولة الإسلامية كتركة بينهم فأعطى كل ولد من أولاده بلداً يحكمه .

 

  • التقاتل والتنافس بين الورثة على الملك الذي انتهبوه وقد ظهر ذلك بجلاء في قتل توران شاه صلاح الدين بواسطة زوجة أبيه شجرة الدر بمساعدة المماليك الذين آل إليهم حكم مصر والشام بعد سقوط الدولة الأيوبية عام (648هـ).

 

ماذا فعل الأيوبيون السنة بمصر وأهل البيت؟

 

(1) التفكير بإقصاء الخليفة الفاطمي والغدر به  :

 

[ يقول السيد حسن الأمين: (في عام 564هـ كان الصليبيون يهددون مصر (الفاطمية) ويتحفزون للوثوب عليها، بعد أن خبروا أحوالها قبل ذلك في أحداث ليس هنا مكان سرد تفاصيلها، فرأى الخليفة الفاطمي (العاضد)، أن لا قبل لمصر بمدافعة الصليبيين، لكثافة قواهم وتفوقها على القوى المصرية، فتجلّت وطنيته على أبرز صورها، فتناسى ما بينه وبين الآخرين من أوتار، وتجاهل ما يحملونه له من عداوة، وأغضى عما طالما بيتوه له ولأسرته من تآمر، وصمم على الاستنجاد بالقوى الإسلامية خارج مصر، مهما كان في هذا الاستنجاد من مخاطر عليه وعلى أسرته.

ورأى أن أقرب القوى إليه هي في الشام، وفيها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وكان الصليبيون زحفوا على عسقلان، حتى وصلوا إلى بلبيس فاحتلوها وفتكوا بأهلها، ثم مشوا إلى القاهرة وحاصروها، فتقرر إحراق مدينة الفسطاط المتصلة بالقاهرة، خوفاً عليها من الصليبيين، فأحرقت وظلت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوماً، ولعوامل عديدة، فك الصليبيون الحصار عن القاهرة وعادوا من حيث أتوا، ولكن الخطر مازال جاثماً، فكرر العاضد الاستنجاد بنور الدين، وأرسل في كتب الاستنجاد شعور النساء وقال له: (هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهنّ من الفرنج). – (صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين(للسيد حسن الأمين ص 184 ) ، انظر (الروضتين في أخبار الدولتين)، القسم الثاني من الجزء الأول ص 391 وما بعدها من طبعة 1962، لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بأبي شامة].

 

[ولم يكتفِ، بل بذل له ثلث بلاد مصر، وأن يكون قائد النجدة مقيماً عنده في عسكره، وأن يقطعه خارجاً عن الثلث الذي لنور الدين.فقرر نور الدين تلبية الطلب، فأرسل حملة مؤلفة من ثمانية آلاف فارس، بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين، … وجاءت الحملة إلى مصر حيث لقيت ترحيباً وابتهاجاً، وفعل العاضد أكثر من الترحيب، فأناط الحكم بأسد الدين شيركوه وجعله وزيراً له، ولكنه لم يلبث في الوزارة إلاّ شهرين وخمسة أيام، ثم توفي فجأة، وتطلع إلى الوزارة بضعة رجال من قواد الجيش الذي قدم مع أسد الدين، وكان التزاحم بينهم شديداً، ولكن العاضد آثر عليهم جميعاً صلاح الدين.

يقول أبو شامة في كتابه (الروضتين): (فأرسل الخليفة (العاضد) إلى صلاح الدين، فأمره بالحضور إلى قصره ليخلع عليه الوزارة ويوليه بعد عمّه). السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 184].

[وهكذا أمدّ الخليفة (العاضد) وزيره صلاح الدين بالقوة، ووضع في يده أسبابها، ومكّن له في الحكم، استعداداً للدفاع في وجه الصليبيين إذا حاولوا إعادة الكرّة على مصر، ثم للهجوم عليهم فيما احتلوه من بلاد، وقد صحّ ما توقعه (العاضد)، فقد وصل الصليبيون في ربيع الأول سنة 565هـ.

يقول المقريزي: (فخرجت العساكر من القاهرة، وقد بلغت النفقة عليها زيادة على 550 ألف دينار، فأقامت الحرب مدة خمسة وخمسين يوماً، وكانت صعبة شديدة …إلى أن رحل الصليبيون عن دمياط …، يضيف المقريزي: (وكان صلاح الدين يقول ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إليّ مدة إقامة الفرنج على دمياط ألف ألف دينار، سوى ما أرسله إليّ من الثياب وغيرها)- خطط المقريزي ج 1 ص 215].

[ويقول يحيى بن أبي طي الحلبي، في كتابه الذي ألفه في سيرة صلاح الدين، واصفاً المدى الذي بلغته محبة العاضد لصلاح الدين: (وبلغ من محبته له، أنه كان يدخل إلى القصر راكباً، فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة، لا يُعلَمُ أين مقرّه… وحكّمه في ماله وبلاده، فحسده من كان معه بالديار المصرية من الأمراء الشامية، ثم إنهم فارقوه وصاروا إلى الشام) السيد الأمين (مصدر سابق) ص 167- 168].

[ويقول صاحب كتاب (الروضتين): (إن العاضد أحب صلاح الدين محبة عظيمة)، ويقول عنه في مكان آخر، أنه لما تولى صلاح الدين الوزارة، مال إليه العاضد وحكّمه في ماله وبلاده)- المصدر السابق ص 186].

[ولم يترك (العاضد) وسيلة تشيد بصلاح الدين، وترفع من شأنه وتزيد في تكريمه إلاّ اتّبعها، من ذلك أنه لما ارتحل (نجم الدين أيوب) والد صلاح الدين إلى مصر بأهله وجماعته، وسار إلى القاهرة، ركب العاضد بنفسه لاستقباله والترحيب به، وخلع العاضد عليه ولقّبه (الملك الأفضل)، وحمل إليه من القصر الألطاف والتحف والهدايا، كما يقول ابن أبي طي في كتابه السابق الذكر المصدر السابق ص 168.].

[فكيف تُرى خلفه صلاح الدين في ماله وبلاده؟.. وكيف قابل نجم الدين كرمه وأريحيته وحسن استقباله؟!. لقد كان (العاضد) في وادٍ، وصلاح الدين وأبوه نجم الدين في واد آخر، ووطنية العاضد التي جعلته يستنجد بهم، ويضع سلطته وبلاده تحت تصرفهم، لم تمنعهم من التآمر عليه وعلى دولته.كانت الخطة قد وضعت قديماً في الشام، بين نور الدين محمود وأسد الدين شيركوه، وصلاح الدين ونجم الدين عالمان بها، وذلك بأن تكون النجدة لا لإنقاذ البلاد مـن الصليبيين، بل للقضاء علـى العاضد ودولته، واستغلال الخطر الصليبي على مصر، وانشغال العاضد به لتنفيذها.وهكذا يكون العاضد ودولته قد نكبا، وراحا ضحية مطامع نور الدين زنكي، وخيانات صلاح الدين وأبيه من طرف، ومن طرف آخر، إخلاص العاضد للإسلام، ووطنيته تجاه بلده مصر، وإيثاره الاستنجاد بإخوته المسلمين، بدلاً من التفاوض مع الصليبيين والرضوخ إلى ابتزازهم والنزول عند شروطهم، كما فعل صلاح الدين، وكثير غيره من الحكام والسلاطين المسلمين.يقول المقريزي عن صلاح الدين: (واستبدّ بالأمور، ومنع العاضد من التصرف، ثم يقول: وصلاح الدين يوالي الطلب منه كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق، حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد، فطلبه منه وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت، وصار لا يخرج من القصر البتة)- خطط المقريزي ج 1 ص 358- 359] .

[والأنكى من ذلك، أن صلاح الدين الذي كان يتحدث عن كرم العاضد وحسن رفادته وضيافته، قد قابل كرم العاضد وحبه الشديد له بالجحود والنكران، فيقول المقريزي: وعاد فكثر القول عن صلاح الدين وأصحابه في ذم العاضد- المصدر السابق].

[يقول أبو شامة في الروضتين: (إن صلاح الدين يوسف بن أيوب، لما ثبت قدمه في مصر، وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد – وهو الخليفة بها -، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك الفاضل نور الدين محمود، يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً… واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة لـه، فاستشار الأمراء، كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم مـن أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك، إلاّ أنه لم يمكنه إلاّ امتثال أمر نور الدين، وكان قد دخل مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، وقد رأيناه بالموصل كثيراً، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا ابتدئ به- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 187- 188.].

[وهكذا، فبعد انقضاء سنتين فقط على وصول شيركوه وصلاح الدين إلى مصر، كافأوا العاضد بالقضاء عليه وعلى دولته، ولم تدخل سنة 567هـ حتى (استفتحها صلاح الدين بإقامة الخطبة في مصر لبني العباس)، كما يقول صاحب كتاب (الروضتين)، والخليفة العاضد لا يزال حياً- المصدر السابق ص 168 ].

 

ثالثاً – خيانته لولي نعمته نور الدين:

[كان نور الدين زنكي قد عزم على التخلص من الصليبيين والقضاء عليهم، وبنى خطته على أن يزحف هو من الشام، ويزحف صلاح الدين من مصر، ويحصرا الصليبيين بين الجيشين، وسار صلاح الدين كما يقول ابن العديم في الجزء الثاني من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب): (فنازل حصن الشوبك وحصره… فلما سمع نور الدين بذلك، سار من دمشق ليدخل بلاد الإفرنج من الجهة الأخرى، فقيل للملك الناصر صلاح الدين، إن دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب، ملك بلاد الإفرنج، فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام، وإن جاء وأنت هاهنا، فلا بد من الاجتماع به، ويبقى هو المتحكم فيك يما يشاء، والمصلحة الرجوع إلى مصر، فرحل عن الشوبك إلى مصر) المصدر السابق ص 191].

[ولزيادة البيان، ورفع بعض اللبس في النص المتقدم، فقد كرر ابن العديم الرواية في مكان آخر قائلاً: (واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل منهما من جهة، وتواعدا على يوم معلوم أن يتفقا على قتال الإفرنج، وأيهما سبق أقام للآخر منتظراً أن يقدم عليه، فسبق صلاح الدين ووصل الكرك فحصره، وسار نور الدين فوصل الرقيم، وبينه وبين الكرك مرحلتان، فخاف صلاح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر) المصدر السابق].

[ويبدو جلياً أن صلاح الدين لم يتوقع النصر السريع على الصليبيين، لذلك زحف متجهاً إلى الكرك، فلما بدت طلائع النصر نكص على عقبيه، مؤثراً الاحتماء من نور الدين بالصليبيين، على معاضدة نور الدين عليهم، فاضطر نور الدين إلى الرجوع غاضباً على صلاح الدين، لإخلاله بخطة نور الدين التي كانا قد اتفقا عليها.

ولم يكن نور الدين بالذي يفوته قصد صلاح الدين من نكوصه عن تنفيذ ذلك الاتفاق، فعزم على القدوم بنفسه إلى مصر ليؤدبه، كما نص على ذلك ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وغيرهم، ونكتفي هنا بنص أبي شامة إذ يقول: (وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر، لأخذها من صلاح الدين، لأنه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر، فإنه- صلاح الدين – كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، ولا يؤثر استئصالهم) (الروضتين في أخبار الدولتين)، القسم الثاني من الجزء الأول ص 58 وما يليها، ابن الأثير في الكامل ج 11 ص 371.].

[ويتابع أبو شامة كلامه قائلاً: وكان نور الدين لا يرى إلاّ الجدّ في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه، تجهز بالسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يُرَد المصدر السابق.]

ولولا الموت الذي وافى نور الدين قبل تنفيذ عزمه، لكان تم تأديب صلاح الدين على يديه، وأقل ما كان يناله منه هو القتل، لأنه هو وحده جزاء من يحتمي بأعداء الأمة.

ثالثاً- خيانته للخليفة الناصر العباسي:

[كان الخليفة العباسي الناصر، قد تخلص في بغداد من سيطرة السلاجقة، واستقلّ عنهم برقعة كبيرة من الأرض الإسلامية، وكما يقول ابن كثير (استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمذان وخوزستان وغيرها من البلاد، وقوي جانب الخلافة والخليفة على الملوك والممالك) (البداية والنهاية) ج 13 ص 11]

، ولقد بنى فيها جيشاً قوياً، وعزم على أن يرسل جيشه هذا إلى فلسطين، للتعاون مع جيش صلاح الدين على تحرير ما لم يتحرر من الأرض الإسلامية من الصليبيين، فأرسل يستأذن صلاح الدين، فرفض قدوم جيش الخلافة، لأنه اعتقد أنه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له.

ويصف العماد الموقف بعد ذلك بقوله: [(ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقاً، وطلبوا لشمل استسعاده بالخدمة تفريقاً، واختلقوا أضاليل ولفقوا أباطيل، وقالوا: هذا – أي صلاح الدين – يزعم أنه يقلب الدولة ويغلب الصولة، وأنه يُنعَت بالملك الناصر، نعتَ الإمام الناصر، و يُدِلُّ بماله من القوة العسكرية) العماد الأصفهاني في (الفتح القسي في الفتح القدسي) ص 183 وما بعدها ( انظر الأمين ) مصدر سابق ) ص 116- 117″] . ، ويبدو أن تلك السعايات لم تنبت من فراغ، فقد كان صلاح الدين يمنّ في مجالسه الخاصة على الخليفة العباسي بقضائه على الدولة الفاطمية، وربما كان يلوّح بالقوة والغلبة، وما إلى ذلك مما نقله السعاة لإثارة حفيظة الخليفة على صلاح الدين.

[ولما بلغ الخليفة هذا الرفض، مع كل ما نقل إليه عن صلاح الدين، أرسل مبعوثاً وصل في شهر شوال من سنة 583هـ – أي بعد فتح القدس بثلاثة أشهر فقط – مع رسالة شديدة اللهجة، مملوءة بالتعنيف لصلاح الدين تفصيل المراسلات والمفاوضات بين الخليفة وصلاح الدين، مبسوطة في كتاب عماد الدين الأصفهاني: (الفتح القسي في الفتح القدسي)، وأخبار الرسالة العنيفة المنوه عنها تجدها على ص 183 وما بعدها، ويذكر العماد أن صلاح الدين قد وصف تلك الرسالة بأنها (ألفاظ فظاظ وأسجاع غلاظ…قد كان أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظاً وأرفق)].

فتظاهر هذا بالسكوت، ولكنه راح يعرض الرسالة على من سماهم (أكابر القوم)، ونجح أسلوب صلاح الدين كما يقول العماد، في دفع أولئك الأكابر إلى نقد تلك الرسالة بعنف مماثل، وإلى تحريض صلاح الدين على التمرد على الخليفة، وهذا هو عين ما كان يبيته صلاح الدين في نفسه ويمهد له، ليكون هؤلاء مستعدين بل متحمسين لقتال جيش الخليفة إذا جاء إلى فلسطين.

ورأى صلاح الدين أن من الحكمة أن يؤخر الصدام بالخليفة، وأن لا يعجّل باستفزازه قبل أن يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وبادر على الفور إلى التفاوض سراً مع الصليبيين

لعقد هدنة تنهي الحروب بينهما، وتتيح له التحالف معهم لقتال العدو المشترك (خليفة المسلمين) الذي لم تكن يومئذ خلافة شرعية لسواه.

وغني عن البيان أن هذه الخيانات الثلاث: للخليفة الفاطمي (العاضد)، والخليفة العباسي ( الناصر)، والسلطان الأيوبي (نور الدين زنكي)، تعتبر خيانة عظمى للإسلام والمسلمين في ذلك الحين، عدا عن أن مجرد وقف الحرب ضد الصليبيين قبل إخراجهم من بلاد المسلمين، وتحريرها من نير سلطانهم واحتلالهم الغاشم، يعتبر بحد ذاته خيانة عظمى لا جزاء لها إلاّ القتل، فكيف بالتحالف معهم ضد المسلمين وخليفتهم الشرعي؟!.

 

عنف صلاح الدين وبطشه

 

[ما أن قويت سلطة صلاح الدين على الخليفة الفاطمي العاضد، واستتبّ له الأمر في مصر بعد التآمر عليه وقطع الخطبة له وإقامتها لبني العباس، حتى أقدم صلاح الدين على جريمة لم يسبق لحاكم أن أقدم على مثلها أبداً، حتى في أشد العصور طغياناً وهمجيةً وظلماً 18- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 169. ]

،[ (فقد احتجز جميع رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائها في مكان آخر، ومنع الفريقين من الزواج لئلا يتناسلوا…) يقول العماد: (وهم إلى الآن محصورون محسّرون لم يظهروا) ويحدّد المقريزي في خططه عددهم بعشرة آلاف شريف وشريفة ( ج 1 ص 497 )، وقال ابن عبد الظاهر أن حبسهم على هذا الشكل استمرّ حتى انقرضت الدولة الأيوبية ومُلكُ الأتراك إلى أن تسلطن الظاهر ركن الدين بيبرس.. البندقداري، فلما كان في سنة 660هـ أشهد على من بقي منهم بطردهم، بعد أن أصبحوا كما يقول المقريزي (كهولاً مرضى لا أمل منهم ولا بشفائهم)]،

[ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم، وقد تبجح بهذه الأعمال شعراء صلاح الدين، ومن ذلك ما قاله العماد الأصفهاني في قصيدة بذيئة طويلة:

عاد حريم الأعداء منتهك الحمى                وفيء الطغــاة مقتَسَمـــا

 

ثم عمد صلاح الدين إلى المذهب الجعفري فأبطله وحرّم تدريسه ومنع الناس من العمل به، ومال على أشياعه وأتباعه فأوقع فيهم القتل والحرق والتشريد، وقد وصف عبد الرحيم بن علي البيساني قاضي صلاح الدين، الملقب بالقاضي الفاضل، ولم يكن في الواقع فاضلاً، بل كان من الوصوليين الانتهازيين المنافقين، عبيد كل سلطة، وعملاء كل حكومة، وصف وضع الشيعة بعد العاضد بقوله: (… والمَذَلَّة في شيع الضلال شائعة، ومُزِّقوا كل ممزَّق، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً)- السيد الأمين ( مصدر سابق) ص 68] .

ومن الذين قتلهم صلاح الدين، وحفظ لنا التاريخ أسماءهم رغم كل محاولات الطمس والإخفاء، الشاعر عمارة اليمني، الذي عاش في مصر وأدرك أواخر الدولة الفاطمية، ورغم أنه لم يكن على مذهب الفاطميين، ولكنه كان منصفاً مخلصاً للحق، معترفاً بالفضل لأهله، وحيث أنه رأى بأم عينيه فضائل الفاطميين ومحاسنهم، ولمس بنفسه مخازي الأيوبيين ومساوئهم، وما ارتكبوه فيهم من جرائم، فرثى الدولة الفاطمية أشجى رثاء في قصيدته اللامية التي مطلعها:

رميتَ يا دهرُ كفَّ المجدِ بالشللِ                وجيدَه بعد حسن الحَلْيِ ِ بالعطَلِ

وختمها بقوله:

والله مازِلتُ عن حبي لهم أبـداً              ما أخّرَ اللهُ لي في مدة الأجـــلِ-

السيد الأمين (مصدر سابق) ص 66.] [وبسبب هذه القصيدة الصادقة، قُتِلَ هذا الشاعر الفاضل الوفي يرحمه الله، الذي طبع على النبل والوفاء، وتُمُحلت له الذنوب-  (خطط المقريزي) ج 22 ص 496 ناقلاً قول ابن سعد الذي يضيف قائلاً عن القصيدة: (لم يُسمعْ فيما يُكتب في دولة بعد انقراضها أحسن منها)].

[وفي موقف آخر، اتفق أن اجتمع هذا الشاعر الوفي،عند نجم الدين أيوب – والد صلاح الدين – مع شاعر آخر، هو أبو سالم يحيى الأحدب بن أبي حصيبة، في قصر اللؤلؤة الذي كان يقيم فيه، وكان من أحسن قصور الفاطميين، فأنشد ابن أبي حصيبة نجم الدين قصيدة منها:

يا مالك الأرض لا أرضى لها طرفاً       منها وما كان منها لم يكن طرفــــا

قـد عجّل الله هذي الدار تسكنهــــا وقـد أُعدّت لك الجنات الغرفـــــا

تشرفت بـك عمـن كان يسكنهــــــا   فالبس بها العز ولتلبس بك الشرفا

كانوا بها صَـدفاً والـدار لؤلـــــــؤةٌ  وأنت لؤلؤةٌ صـارت لها صـَدفــــــا

فعزّ على عمارة هذا الغمز بالفاطميين، ولم يسكت على هذا الغمط لحقهم، والغض من مكانتهم، فقام يرد عليه بكل جرأة وشجاعة قائلاً:

أثمتَ يا من هجا السادات والخُلَفا                وقلـتَ ماقلتَه فـي ثلبهم سـخَـفا

جعلتَهم صـدفاً حَلّوا بلـؤلـؤةٍ                والعُرفُ مازال سُكنى اللؤلؤ الصدفـا

وإنما هـي دارٌ حـلّ جوهرهم                فيها وشـفّ فأسـناها الـذي وصفـــــا

إلى آخر هذه القصيدة الارتجالية الرائعة، التي علّق عليها المقريزي بقوله: (فلله دَرُّ عمارةَ، لقد قام بحق الوفاء، ووفّى بحسن الحفاظ كما هي عادته، لا جرم أنه قُتل في واجب من يهوى، كما هي سنّة المحبين، فالله يرحمه ويتجاوز عنه) الخطط ج 21 ص 469].

على أن أفجع الفواجع ما لحق خزانة الكتب، التي (كانت من الضخامة بحيث أنها ضمّت (600) ألف كتاب مخطوط، ثم ما لبثت أن أُنشئت دار الحكمة القاهرية، وهي لم تكن أرففاً لاحتواء الكتب فقط، ولكنها كانت تضم جيوشاً من المترجمين والعلماء والنسّاخين، وكانت بذلك جامعة متخصصة لإنتاج الكتب) الدكتور محمد الرميحي، مجلة العربي، العدد 426، أيار 1994م ص 22.]،

[ هذه الكنوز العلمية من نفائس الكتب التي تعب الفاطميون في جمعها، وأنفقوا من الأموال ما أنفقوا في الحفاظ عليها، أصابها من صلاح الدين ما أصاب الفاطميين أنفسهم، ومثلما شهد العصر الفاطمي ازدهار المكتبات القاهرية، شهدت بداية عصر صلاح الدين انهيارها بفعل النهب والحرق واللامبالاة المقريزي ج 2 ص 255، ينقل ذلك عن ابن طي.].

[يصف الدكتور محمد كامل حسين كيف أُحرق ورقُ كتب هذه المكتبات، وأخذ العبيد والإماء جلودها لعمل ما يلبسونه في أرجلهم، والذي بقي فيها مما لم يحرق، سفت عليه الرياحُ الترابَ، فصارت تلالاً باقية تعرف بتلال الكتبالمصدر السابق] ،

[ثم يقول: (وكذلك ضاعت كنوز الفاطميين بيد التعصب الممقوت)، ويختم كلامه بالقول: (ولكن هذه الموجة الفنية التي طغت على مصر، سرعان ما أبادها الأيوبيون فيما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية، فضاع الشعر ولم يبق منه إلاّ اسم الشاعر أحياناً إن قُدِّر لاسمه البقاء، ونحن لا نتردد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري، لتعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة، فقد أحرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر)- المصدر السابق].

فإذا كان هذا فعلُهم في الشعر، فما بالك بما فعلوا في الفكر؟!.

[ويقول ابن أبي طي في وصف ما حلّ بهذه المكتبة الكبرى: (ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا) السيد الأمين (مصدر سابق) ص 26- 27]،

[لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، ويقال أنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة السيد الأمين (مصدر سابق) ص 169.].

ويقول العماد الأصفهاني في ذلك: (وفيها من الخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتطعه التعدي، وكانت كالميراث مع أمناء الأيتام، يتصرف بها بشرَه الانتهاب والالتهام) المصدر السابق]،

وهكذا شتتوا هذه الكتب وأضاعوها فغدت هباء منثوراً، وأتلفوا هذه الكنوز العلمية التي لم يجتمع مثلها لا قبلها ولا بعدها في مكتبة قط، وهل فعل التتار والمغول في مكتبات بغداد أكثر مما فعله صلاح الدين هذا بخزانة كتب القاهرة ومكتباتها؟.

ورغم أن نور الدين كان ولي نعمته، وهو الذي رشحه للوزارة لدى العاضد بعد وفاة أسد الدين شيركوه، إلاّ أنه لم يسلم من تنكّر صلاح الدين له والتنمر عليه في حياته، والاحتماء منه بالصليبيين، ثم القضاء على مملكته وضمها إليه بعد وفاته، لكنّ الأشد انتقاماً من نور الدين ما فعله مع ابنه (الملك الصالح).

لقد كان ابن نور الدين هذا مقيماً في حلب، وكان على صغر سنه محاطاً برعاية الحلبيين باعتباره ملكهم المقبل بعد أبيه، فكان أول ما فعله صلاح الدين بعد استيلائه على الشام، أن قصد إلى حلب للقضاء عليه.

يقول ابن الأثير: (لما ملك صلاح الدين حماة، سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح – وهو صبي وعمره اثنتا عشرة سنة – وجمعَ أهل حلب وقال لهم: قد عرفتم إحسانَ أبي إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم وقد جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والدي إليه، يأخذ بلدي ولا يراقب الله تعالى ولا الخلق … وبكى وأبكى الناس، فبذلوا له الأموال والأنفس، واتفقوا على القتال دونه والمنع عن بلده)- كتاب (الروضتين) ج 2 ص 676].

[ولكن صلاح الدين تمكّن منه واعتقله وعاد به إلى دمشق، ولزيادة التشفي بنور الدين وولده، تزوج زوجة نور الدين، ودخل بها وبات عندها ليلة واحدة، وخرج بعد يومين إلى مصر ،ابن العديم في الجزء الثالث من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب) ص 667].

[ لقد شفت الليلة غيظه، وانتقم من نور الدين انتقام الأنذال السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 203].

ولا تسل بعد ذلك عن المجازر التي أوقعها صلاح الدين بأهل حلب، ولا عن الحرائق التي استهدفت منابر العلم ودور الكتب، ولا عن الإعدامات التي كانت تنتظر العلماء والحكماء، مما ملأ بطون كتب التاريخ، وكان على رأسهم جميعاً، الفيلسوف الإشراقي العظيم، شهاب الدين بن يحيى السهروردي – ياقوت الحموي في: (معجم الأدباء). (انظر السيد الأمين – مصدر سابق- ص 148-149).] ،

[الذي قُتل عام 1191م خنقاً بوتر، وقيل بالسيف، وقيل سوى ذلك، وكان الفيلسوف السهروردي من أكبر علماء عصره- (وفيات الأعيان) لابن خلكان].

ولا تسل كذلك عن الضرائب الباهظة والمقتطعات التي أثقلت كاهل جميع المسلمين من أهل حلب في تلك الحقبة السوداء.

وحسبك للوقوف على طريقة معاملته للشعب الذي كان يحكمه صلاح الدين، ما كتبه عنه الدكتور حسين مؤنس، وهو من أشد المتحمسين للدفاع عن صلاح الدين الأيوبي، قال: (كانت مشاريعه ومطالبه متعددة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عماله من أقسى خلق الله على الناس، ما مرّ ببلده تاجر إلاّ قصم الجُباة ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار، إلاّ أُنذِر بعذاب من رجال السلطان، وكان الفلاحون والضعفاء معه في جهد، ما أينعت في حقولهم ثمرة إلاّ تلقّفها الجباة، ولا سنبلة قمح إلاّ استقرت في خزائن السلطان، حتى أملق الناس في أيامه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً) مجلة (الثقافة) العدد 462 (السيد الأمين – مصدر سابق – ص 164)].

ولا غرابة بعد هذا كله أن تعلم أن ولاته وعماله هم جميعاً من أمثال (قراقوش)، الذي خلّفه والياً على مصر، ليتفرغ هو لاحتلال الشام، والقضاء على ملك نور الدين زنكي، والتشفي منه. ].

  محاولة أهل مصر والسودانيين إرجاع الخلافة الفاطمية :

[وفى سنة 560 يقول المقريزى : أنه كانت هناك محاولة أخرى لإرجاع الخلافة الفاطمية فقال : ” وفيها جمع كنز الدولة والي أسوان العرب والسودان وقصد القاهرة يريد إعادة الدولة الفاطمية وأنفق في جموعه أموالا جزيلة وانضم إليه جماعة ممن يهوى هواهم فقتل عدة من أمراء صلاح الدين‏.‏ وخرج في قرية طود رجل يعرف بعباس بن شادي وأخذ بلاد قوص وانتهب أموالها‏.‏

فجهز السلطان صلاح الدين أخاه الملك العادل في جيش كثيف ومعه الخطير مهذب بن مماتي فسار وأوقع بشادي وبدد جموعه وقتله ثم سار فلقيه كنز الدولة بناحية طود وكانت بينهما حروب فر منها كنز الدولة بعدما قتل أكثر عسكره‏.‏ ثم قتل كنز الدولة في سابع صفر وقدم العادل إلى القاهرة في ثامن عشريه‏ وحاول أهل مصر وبعض من الشيعة إرجاع الخلافة الفاطمية ولكن تمكن منهم الأيوبين قبل الإستيلاء على الحكم – كتاب السلوك فى معرفة دول الملوك تأليف سيدنا الشيخ الإمام علامة الأنام تقى الدين أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزى السنة 560 ج1]

وهنا يبني صلاح الدين سور مجرى العيون وقلعة الجبل ليحتمي منها لكثرة ثورات المصريين والسودانيين عليه يقول المقريزي في عجائب الآثارعنه [وهو الذي أنشأ قلعة الجبل وسور القاهرة العظيم‏. عجائب الآثار ج1].

السلطان الملك العادل يريد نصيبه من كنوز الفاطمين :

 

ويقول المقريزى: [أن السلطان الملك العادل عندما سمع أن صلاح الدين أستولى على كنوز الخلفاء الفاطميين أرسل ليأخذ نصيبه منه فقال : ” فيها وصل إلى القاهرة موفق الدين أبو البقاء خالد بن محمد ين نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني من عند السلطان الملك العادل نور الدين مطالبا لصلاح الدين بالحساب عن جميع ما أخذ من قصور الخلفاء وحصل من الارتفاع‏.‏

فشق ذلك عليه وقال‏:‏ ‏”‏ إلى هذا الحد وصلنا ‏”‏ وأوقفه على ما تحصل له وعرض عليه الأجناد وعرفه مبالغ إقطاعاتهم وجامكياتهم ورواتب نفقاتهم ثم قال‏:‏ ‏”‏ وما يضبط هذا الإقليم العظيم إلا بالمال الكبير وأنت تعرف أكابر الدولة وعظماءها وأنهم معتادون بالنعمة والسعة وقد تصرفوا في أماكن لا يمكن انتزاعها منهم ولا يسمحون بأن ينقص من ارتفاعها ‏”‏ وأخذ يجمع المال‏.‏وفيها سار الأمير شمس الدولة تورانشاه أخو السلطان صلاح الدين إلى اليمن وذلك لشدة خوف صلاح الدين وأهله من الملك العادل نور الدين أن يدخل إلى مصر وينتزعهم منها فأحبوا أن يكون لهم مملكة يصيرون إليها‏ ” – كتاب السلوك فى معرفة دول الملوك لتقي الدين المقريزى ج1 أحداث سنة 569].

 

أعظم قبائح هذه الدولة :

 

  • إستخدامها للعنف والبطش في تحويل مصر عن مذهبها وولايتها لأهل البيت عليهم السلام وخيانتهم للخليفة المصري الفاطمي العاضد.
  • خيانته للخليفة العباسي أيضاً بانفصاله عنه واستقلاله بمصر وهذا خطئ يقع فيه كل صاحب فكر مذهبي والمستعمر الصهيوني ينفذ من هذه الثغرات ويأخذ كل دولة على حدة بتفرق أمة الإسلام مذهبياً وكأن كل مذهب عين نفسه قاضي وجلاد للمذهب الآخر.
  • أول مشروع استيطاني صهيوني حقيقي لليهود كان في عصر صلاح الدين اليوبي وبواسطة وزيره موسى ابن ميمون والذي استخلفه على مصر أثناء رحلته للشام وذلك بإقرار الموسوعة اليهودية كما يلي :

 

أثرت اليهودية على سلوك صلاح الدين بواسطة طبيبه موسى بن ميمون فلقد كان  موسى بن ميمون واحد من أعظم الشخصيات اليهودية على الإطلاق، كما تقول الموسوعة اليهودية، وهو أشهر شخصية يهودية في الحقبة المابعد تلمودية،[ وقد احتفلت مدينة تل أبيب في إسرائيل بمرور 800 سنة على وفاة ابن ميمون، فأنشأت مكتبة خاصة به، وقد عاش في بلاط صلاح الدين طبيب يهودي آخر، هو هبة الله بن جميع . ( انظر مجلة الرسالة العدد 110)] .وهذا الإحتفال لأنه مؤسس الصهيونية العالمية الآن كما قال الباحثين في الصهيونية وأصولها وتوطين اليهود في القدس بدعوى وحدة الأديان بدأمن عصر صلاح الدين كما نبين هنا وقد كان لموسى ابن ميمون  نفوذ غير محدود، على صلاح الدين وحاشيته وأمرائه،[ ولقد (اختير طبيباً لنور الدين علي، أكبر أبناء صلاح الدين، والقاضي الفاضل البيساني وزير صلاح الدين- وول ديورانت (قصة الحضارة) ج 14 ص 121.]

لذي لم يكن له من صفات الفضل شيء على الإطلاق، والذي أصبح بنفاقه وتملقه الحاكم الفعلي لمصر بعد مغادرة صلاح الدين لها عام 1174م.

[كان لشهرة ابن ميمون الطبية، الدور الأبرز في لفت أنظار البلاط الأيوبي إليه، والتي (أتاحت له أن يجمع بين رعاية السلطان صلاح الدين، ورعاية نخبة المجتمع القاهري)- جورج طرابيشي (معجم الفلاسفة) ص 31.] [ ولقد استطاع ابن ميمون في ظل هذه الرعاية أن يحظى بمكانة رفيعة جداً عند صلاح الدين وحاشيته، لدرجة أنه تزوج من شقيقة (ابن المالي)، أحد مستشاري السلطان، وزوّج شقيقته لابن المالي، ولدرجة أن صلاح الدين رفض طلب أحد القضاة عام 1187م، إنزال عقوبة القتل به باعتباره مرتداً عن الإسلام، ركوناً إلى حجة وزيره الذي كان صديقاً حميماً لابن ميمون، وقوله أن الرجل الذي أُرغم على اعتناق الإسلام، لا يمكن أن يعتبر مرتداً بحق Islam Arnold preaching of, , 421.].

[والذي يلفت النظر ويشد الانتباه حقاً، أن صلاح الدين الذي أصر على إعدام الفيلسوف (شيخ الإشراق) والإمام الشافعي المذهب، شهاب الدين بن يحيى السهروردي، متهماً إياه بالخروج عن الدين، غض الطرْف تماماً عن موسى بن ميمون، الذي نشر في الشهر ذاته مقالة في بعث الموتى، وعبّر فيها عن تشككه في عقيدة الخلود الجسمي، كما أصمّ أذنيه أيضاً عن تسفيه عبد اللطيف البغدادي لابن ميمون بعد صدور كتابه (دليل الحائرين)، واتهامه له بأنه (يهدم أركان جميع الأديان، بالوسائل نفسها التي يخيل إلى الناس أنه يدعمها بها) وول ديورانت (قصة الحضارة) ج 14 ص 121.].

 

موسى بن ميمون    :

 

[(استخدم نفوذه في بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر)- الموسوعة اليهودية ج 14 ص 669].

[(ولما فتح صلاح الدين فلسطين، أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد، وابتناء كُنُس ومدارس) المصدر السابق، وقد ذكر ذلك الدكتور الطرابيشي في (معجم الفلاسفة) ص 32، قال: بعد أن فتح صلاح الدين القدس، استحصل ابن ميمون لأبناء ملّته على إذن في التوطن فيها وفي فلسطين بصورة عامة.].

3-[كان الحكم الشيعي في اليمن، يخير اليهود بين القتل أو الإسلام، فلما علموا بالنفوذ الذي يتمتع به موسى بن ميمون عند صلاح الدين، لجأوا إليه عام 1172م، فاستجاب لمطلبهم، وكتب لهم ما سمي (بالرسالة اليمنية)، وطلب من الحاخام (نتانئيل الفيومي) إرسال نسخة عن هذه الرسالة إلى كل الجماعات في اليمن.

ورغم أن الموسوعة اليهودية، لم تكشف النقاب عن كل محتويات الرسالة، فلقد كانت هذه الرسالة بمثابة رسالة الأمل بالنسبة إلى يهود اليمن، لدرجة أنهم أدخلوا في القوديش صلاة (لأجل نفس معلمنا موسى بن ميمون).

وما أسرع ما تحقق هذا الأمل على يدي ابن ميمون، عندما اجتاح الأيوبيون اليمن عام 1173م، أي بعد وصول رسالة ابن ميمون هذه بأشهر معدودة، حيث رفع السيف عن رقاب اليهود في اليمن، ووضع في رقاب المسلمين، وتم تخفيف الضرائب عن كاهل اليهود، وأُثقل بها كاهل المسلمين لمعرفة المزيد عن ابن ميمون وعلاقته بصلاح الدين، يراجع كتاب (صلاح الدين الأيوبي) للسيد حسن الأمين ص132- 140.].

وبدأت الدولة المملوكية كأفضل نمووزج ‘سلامي بعد الدولة الفاطمية  ولقد أخلصوا لهذا البلد أيما إخلاص فقووا اقتصاده وعسكره وكانوا صوفيون شافعية المذهب  وكان لهم الفضل في إقامة أقوى جيش ‘سلامي عرفه التاريخ كان له الفضل في القضاء على الغزو التتاري المغولي  وبدأت الدولة المملوكية كما يلي :

 

(6) الدولة المملوكية والانفصال السادس :

 

دولة المماليك(648-923هـ/1250-1517م)

من المماليك؟ وما موطنهم الأصلي؟ وكيف وصلوا إلى الحكم؟ وما دورهم في حماية العالم الإسلامي ؟

 

فضل المماليك:

(1) إنقاذ دين الإسلام من الزوال على يد التتار بموقعة عين جالوت :

 

مازال العالم كله يذكر فضل المماليك في أول هزيمة أصابت المغول من مصر المقدسة التي حمت العالم الإسلامي ومن هؤلاء المماليك ثبت صحة حديث رسول الله صلى الله عليه وآله مصر كنانة الله في أرضة وكان سهم الله تعالى هنا بموقعة عين جالوت كما كان سهم الله في العصر الحديث في حرب أكتوبر عام 1973م وعبور قناة السويس.

 

إن المؤرخين جميعًا يعتبرون انتصار المماليك انتصارًا عالميّا؛ فقد عجزت الدولة الخُوارزمية، والدولة العباسية عن مقاومة المغول أو مدافعتهم، وبعد أن انهارت القوى المسيحية أمام الزحف المغولي على أجزاء من “روسيا” و”بولندا” و”المجر” الحالية! (أرثوزوكس المذهب) لقد كانت “موقعة عين جالوت” أول صدمة في الشرق لجيوش المغول ورؤسائهم الذين خُيّل لمعاصريهم أنهم قوم لا يُغلَبون، فجاءت هذه الواقعة لتقول للدنيا لا غالب إلا الله، وأن فوق كل قوي من هو أقوى منه، وأن النصر من عند الله ينصر من يشاء.

وهذا الغزو المغولي وصده من علامات الساعة وهم الترك الذين قال فيهم صلى الله عليه وآله: ( إنكم تقولون لا عدو ، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يأتي يأجوج ومأجوج : عراض الوجوه ، صغار العيون ، شهب الشعاف ( الشعور) ، من كل حدب ينسلون ، كأن وجوههم المجان المطرقة. رواه أحمد ) .

وسكان هذه المنطقة وما حولها لهم خرجة ثانية بعد القضاء على الدجال مع نهاية دولتهم وهذه الخارجة سماها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بخارجة يأجوج ومأجوج وفيها سيبيدون كل الأرض إلا مجموعة مؤمنة في طور سيناء بمصر المقدسة وتكون نجاة الجنس البشري المؤمن أيضاً من مصر كما قال صلى الله عليه وآله :

 

[عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله  ( ….إذ أوحى الله على عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم ، فحرز عبادي إلى الطور ، ويبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ، فيمر أولئك على بحيرة طبرية ، فيشربون ما فيها ، ويمر آخرهم فيقولون : لقد كان بهذه مرة ماء ، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مئة دينار لأحدكم اليوم ، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابه ، فيرسل الله عليهم النغف( دود يكون في أنوف الإبل والغنم ) في رقابهم فيصبحون فرسى ( أي قتلى ) كموت نفس واحدة ، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت ، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ) رواه مسلم ]. وهنا يبين تعالى أن نجاة بني آدم في الأرض والطائفة المؤمنة سيكون من مصر إن شاء الله كما كان في القضاء عليهم بأول خارجة لهم فهزمهم بإذن الله سيف الدين قطز المملوكي المصري.

 

(2) تطوير المماليك  للأزهر الشريف بعد أن شهد انتكاسة في العصر الأيوبي:

في عهد الناصر محمد قلاوون قام الأمير “علاء الدين طيبرس” نقيب الجيوش بإنشاء المدرسة الطيبرسية سنة (709 هـ = 1309م)، وألحقها بالجامع الأزهر، وقرر بها دروسًا للعلم، وقد عني هذا الأمير بمدرسته فجاءت غاية في الروعة والإبداع المعماري.

ولم تكد تمضي ثلاثون سنة على هذه العمارة حتى أنشأ الأمير علاء الدين آقبغا سنة (740 هـ = 1340م) –وهو من أمراء السلطان الناصر محمد بن قلاوون – المدرسة الأقبغاوية، وهي على يسار الداخل من باب المزينين، وأنفق عليها أموالا طائلة حتى جاءت آية في الجمال والإبداع، وبخاصة محرابها البديع، وجعل لها منارة رشيقة.

ثم أنشأ الأمير جوهر القنقبائي خازندار السلطان الأشرف برسباي مدرسة ثالثة عُرفت باسم المدرسة الجوهرية، وتقع في الطرف الشرقي من المسجد، وتشتمل على أربعة إيوانات على الرغم من صغر مساحتها، أكبرها الإيوان الشرقي، وبه محراب دقيق الصنع، وتعلو المدرسة قبة جميلة.

ولم تتوقف العمارة في الجامع الأزهر في عهد المماليك الجراكسة، حيث قامالسلطان قايتباي المحمودي سنة (873 هـ = 1468م) بهدم الباب الواقع في الجهة الشمالية الغربية للجامع، وشيده من جديد على ما هو عليه الآن، وأقام على يمينه مئذنة رشيقة من أجمل مآذن القاهرة، ثم قام السلطان قانصوه الغوري ببناء المئذنة ذات الرأسين، وهي أعلى مآذن الأزهر، وهي طراز فريد من المآذن يندر وجوده في العالم الإسلامي.

  • غير أن أكبر عمارة أجريت للجامع الأزهر هي ما قام بها “عبد الرحمن بن كتخدا” سنة (1167 هـ = 1753م) وكان مولعًا بالبناء والتشييد، فأضاف إلى رواق القبلة مقصورة جديدة للصلاة يفصل بينها وبين المقصورة الأصلية دعائم من الحجر، وترتفع عنها ثلاث درجات، وبها ثلاثة محاريب، وأنشأ من الناحية الشمالية الغربية المطلة حاليًا على ميدان الأزهر بابًا كبيرًا، يتكون من بابين متجاورين، عُرف باسم باب المزينين، كما استحدث باباً جديدًا يسمى باب الصعايدة وأنشأ بجواره مئذنة لا تزال قائمة حتى الآن، ويؤدي هذا الباب إلى رواق الصعايدة أشهر أروقة الأزهر- عبد العزيز محمد الشناوي: الأزهر جامعًا وجامعة– مكتبة الأنجلو المصرية– القاهرة– 1913م & عبد الرحمن زكي– الأزهر وما حوله من الآثار– الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر– القاهرة – 1970م ].

 

أصل المماليك؟

 

الواضح بأن صلاح الدين الأيوبي السلجوقي كان من القاعدة التي اتخذها العباسيين حماية لهم من أهل خراسان بإيران الذين يتولون أهل البيت العلوي عليهم السلام  ومن هذا الجند كان صلاح الدين الأيوبي وأبيه أسد الدين شيركوه إذ كان يعهد إليهم وإلى غيرهم إمارة الجند فلما كثر عددهم وتكلموا لغتنا ودانوا بديننا وذابوا في المجتمعات العربية وكان العرب وقتئذٍ قبيليين كل عربي يعرف قبيلته ولذلك أطلقوا على هؤلاء الأجانب موالي ومماليك أي عبيد وهى ومن كلمة عبد ملوك قال تعالى { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لايقدر على شيء وهو كل على مولاه – الزمر} . ولما دخلوا في دين الله تولوا العباسيين واكتشفوا أن ولاية أهل البيت تعني بالولاية لغير مواليهم فاختاروا مذهب السنة وكانت البداية مع الدولة العباسية المؤسسة لدينونة الأيوبيين واللماليك بهذا الممذهب وهم أصلا كانوا مماليك في دولة المسلمين وخليط من الأتراك والروم والأوربيين والشراكسة، جلبهم الحكام ليستعينوا بهم في القرن السادس الهجري وحتى منتصف القرن السابع.كان كل حاكم يتخذ منهم قوة تسانده، وتدعم الأمن والاستقرار في إمارته أو مملكته، وممن عمل على جلبهم والاستعانة بهم الأيوبيون، وبخاصة في عصورهم المتأخرة لما أصابهم الضعف واحتاجوا إلى الرجال. لقد كانوا يُباعون للملوك والأمراء، ثم يُدَرَّبون على الطاعة والإخلاص والولاء.

 

المماليك في مصر:

وعرفت مصر نوعين من هؤلاء المماليك:

1- المماليك البحرية وهم الذين أسكنهم الملك الصالح الأيوبي قلعة في جزيرة الروضة، ونسبوا إلى بحر النيل، أو سمّوا بذلك لأنهم قدموا من وراء البحار، وهؤلاء حكموا مصر من سنة (648-784هـ/ 1250-1382م) وتداول عرش مصر في عهدهم أربعة وعشرون سلطانًا .

2- أما النوع الثاني فهم المماليك البرُجية أو الجراكسة، وسُمّوا بذلك لأن السلطان قلاوون أسكنهم أبراح قلعة الجبل، ولأن الجراكسة كانوا أكثر عددًا، وهؤلاء حكموا مصر من سنة (784-923هـ/ 1382-1517م) وهم ثلاثة وعشرون سلطانًا.

لقد عرفت البداية لدولة المماليك، ولقد كانت النهاية على يد العثمانيين عند مرج دابق والريدانية (حي العباسية) سنة 923هـ، وكانت الغلبة للعثمانيين الذين آلت إليهم ممتلكات المماليك ليبدءوا عهدًا جديدًا.

ولم يأخذ المماليك بمبدأ وراثة العرش، وإنما كان الطريق مفتوحًا أمام من أبدي شجاعة وإقدامًا ومقدرة. هذه هي المؤهلات في دولة المماليك التي قامت على أنقاض دولة الأيوبيين، وبعد مقتل توران شاه آخر سلاطين الأيوبيين بمصر.

التصدي للمغول:

 

إن المغول يزحفون..وإن الخطر قادم فلتتوقف الخلافات بين المسلمين، ولتتوحد القوى في مواجهة هذا العدو!

لقد استولى المغول على الأراضي الإسلامية التابعة لخوارزم شاه، ثم واصلوا سيرهم -كما عرفت من قبل- مهددين العراق حتى أسقطوا الخلافة العباسية.

كانت مصر في ذاك الوقت يحكمها علي بن أيبك الذي كان في الخامسة عشرة، والذي تولى مصر بعد وفاة أبيه المعز أيبك، وكان ضعيفًا لا حول له في هذه الظروف الصعبة. وراحت مصر تتطلع إلى مملوك قوي يحمي حماها، ويصون أرضها. لقد سقطت الخلافة العباسية، واستولى التتار على بغداد وبقية مدن العراق، ثم اتجهوا نحو بلاد الشام التي كانت مقسَّمة إلى إمارات يحكمها أمراء أيوبيون، وتمكن التتار من الاستيلاء على حلب سنة 657هـ/1277م.

سيف الدين قطز:

وفي هذه اللحظات التاريخية ظهر “سيف الدين قطز” وقد تولى حكم مصر، وقال قولته المشهورة : لابد من سلطان قاهر يقاتل عن المسلمين عدوهم.

ووصلت إلى مصر صرخات أهل الشام، واستغاثات أمرائهم من الأيوبيين: أن تحركوا واعملوا على إنقاذنا، لقد قتلوا العباد، وخربوا البلاد، وأسروا النساء والأطفال، وأصبحت مصر هي الأمل بعدما ضاع الأمل في الخلافة، وفي أمراء الشام. خرج “سيف الدين قطز” في عساكره، حتى انتهي إلى الشام.

 

مصر جعلها الله تعالى سبباً في إنقاذ العالم الإسلامي في موقعة عين جالوت :

 

وكان اللقاء عظيمًا عند “عين جالوت” في الخامس والعشرين من رمضان الذي وافق يوم جمعة. ولأول مرة يلقى المغول من يصدهم ويهزمهم هزيمة ساحقة، وكان النصر لراية الإسلام. وكانت صيحة واحدة صدق بها المسلمون ربهم “وا إسلاماه”، وفي يوم واحد، انقلبت الأوضاع، وأذن الله بنصره بعد عصر طويل من الذل والمهانة، وبعد جبال الأشلاء وأنهار الدماء التي غرق فيها المسلمون .

عزة بعد ذل:

ولكي تدرك مدى الضعف الذي كان عليه المسلمون قبل أن يعودوا إلى ربهم، فاعلم أن التتري كان يلقى المسلم في بغداد وليس معه سيف، فيقول للمسلم: قف مكانك حتى أحضر السيف لأقتلك. فيبقى المسلم جامدًا ذليلا في مكانه حتى يأتيه التتري بالسيف فيقتله به!

لقد قاتل سيف الدين قطز قتالا عظيمًا، وقاتل معه الأمراء المماليك حتى النصر .
ووقف قطز يوم “عين جالوت” على رجليه تاركًا جواده، وهو يقول لمن راح يلومه على ذلك خائفًا عليه: إنني كنت أفكر في الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه! لقد قام قطز بنفس الدور الذي قام به صلاح الدين.. عرف الحقيقة، وأعلنها على الناس:لقد انهزمتم أمام التتار لتهاونكم في أمر دينكم، فاستمسكوا بهذا الدين، والله منفذ وعده الذي وعد:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) [النور:55].

 

الظاهر بيبرس:

 

ولكنه لقي مصرعه وهو في طريق العودة بعد النصر! ويتولى الأمر من بعده “الظاهر بيبرس البندقداري”، يتولى سلطنة مصر، والشام، ويبعث بإحضار أحد العباسيين إلى مصر ويعينه خليفة للمسلمين، وهو المستنصر بالله، وقد تولى بعد مقتله الحاكم بأمر الله الخلافة بمصر، وأُطلق عليه أمير المؤمنين، وكان يدعي له على المنابر، أما الأمر والنهي فهو للمماليك حتى سقطت الخلافة، وانتقلت من العباسيين إلى العثمانيين.

 

قتال الصليبيين:

 

وإذا كان التاريخ قد سجل للمماليك في حرب المغول بطولة رائعة، فقد سجل لهم قبل سنة 648هـ/ 1250م بسالتهم وإقدامهم في قتال الصليبيين عند “المنصورة” وعند “فارسكور” بقيادة الظاهر بيبرس.

إن الظاهر بيبرس لم يترك سنة في فترة ولايته دون أن يغزو الصليبيين ويحقق انتصارات عليهم. لقد استرد “الكرك” سنة 661هـ/ 1263م، و”قَيْسَارِيَّة” سنة 663هـ/ 1265م، وكثيرًا من البلاد التي استولى عليها الصليبيون مثل “صفد”، و”يافا”، و”أنطاكية” سنة 666هـ/ 1268م. لقد وقف بيبرس للتتار وللصليبيين معًا بعد أن تحالفت قوى التتار والصليبيين ضد المسلمين. وكان لهما بالمرصاد، وأسس دولة المماليك تأسيسًا قويّا، وعندما لقي ربه سنة 676هـ/ 1278م، استمر الملْك في ذريته حتى سنة 678هـ/ 1279م .

 

الملك الأشرف خليل:

ومرت سنوات قبل أن يتولى الملك “الأشرف خليل” أمر البلاد بعد وفاة والده قلاوون سنة 690هـ/ 1281م، وفيها أسدل الستار على الصراع الصليبي مع المسلمين في العصور الوسطى .

لقد فتحت “عكا” وبقية مدن الساحل في هذه السنة، وهرب الصليبيون إلى “قبرص” التي أصبحت ملجأ لهم في الشرق، وهكذا قطع الله دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين .

لقد حُلّت العقدة التي سادت الناس جميعًا كما سادتهم قديمًا عن عدم إمكان هزيمة الجيوش المغولية مهما كانت أعدادها، وكسبت سلطنة المماليك مركز الصدارة بين سلاطين المسلمين، كما استقامت لمصر زعامة جديدة في العالم الإسلامي .

غزو الصليبيين:

ويستمر عهد المماليك البحرية حتى سنة 784هـ/1382م، وكان عهد استقرار ورخاء، ولكن بوفاة الناصر محمد بن قلاوون سنة 741هـ/ 1341م، اضطربت البلاد المملوكية مما شجع الصليبيين على غزو مصر سنة 767هـ/ 1366م، من جزيرة “قبرص” حتى سقطت الإسكندرية في أيديهم بعد أن ساءت أحوال البلاد لعدم وجود رجل قوي على رأس المماليك بعد الناصر قلاوون، وسقط كثير من الشهداء على أيدي الصليبيين الذين اعتدوا على البنات والنساء.

بداية عهد المماليك البرجية:

ولكن يشاء الله أن يبدأ عهد جديد على “المماليك البرجية” يعيد للمسلمين مجدهم، ويرفع راية الإسلام من جديد على ربوع الوادي .

لقد بدأ عهد المماليك البرجية بالظاهر برقوق سنة 784هـ/ 1382م، وانتهى بالأشرف قنصوه الغوري الذي قتل في مرج دابق على يد العثمانيين سنة 922هـ/ 1516م.

ولا ننسى للمماليك بصفة عامة دفاعهم عن الإسلام وأهله ودياره ضد التتار، فلقد أبلوا بلاء حسنًا، وكانوا خير عَونْ للإسلام والمسلمين في كل فترة من فترات تاريخهم .

حضارة المماليك:

ولقد اهتم المماليك رحمهم الله بالأوضاع الحضارية من بناء للمدارس والمساجد والعمائر، حتى يعد عصرهم من أزهى العصور في العمارة، فقد كان للمماليك إسهام رائع في مجال العمارة، فقد أصبح فن العمارة على أيديهم إسلاميًا يستقي قواعده من مبادئ الإسلام وأصوله، ففن بناء البيوت مثلا على عهدهم انطلق من مبدأ منع الاختلاط والغيرة على النساء، فتبني البيوت الطابق الأول للرجال ويسمى”السلاملك” والسفلي للنساء ويسمى “الحرملك” ومدخل البيت ينحرف غربًا نحو دهليز ومنه إلى حجرة الضيوف، حتى لا يرى الدَّاخِل مَنْ في وسط البيت، وكانت هناك مداخل خاصة بالنساء فقط، وكانت شبابيك البيوت مرتفعة بحيث لا يرى السائر في الطريق ولو كان راكبًا من بداخل البيت، وكانت هذه الشبابيك عبارة عن خشب مثقوب يسمح بدخول الضوء والهواء، ويسمح لمن بداخل البيت برؤية من بالخارج بحيث لا يري من بالخارج من بداخل الحجرات .

كما كانوا يجعلون أماكن خاصة في الدور السفلي للدواب والمواشي، وحجرات خاصة للمطابخ، وهم الذين ابتكروا نظام دولاب الحائط الذي يوضع فيه الأطباق الخزفية، وعنهم أخذ هذا النظام.

وكان لهم اهتمامهم بالزراعة والصناعة، إلى جانب تأليف الموسوعات العلمية والأدبية، ومن هذه الموسوعات التي ازدهرت في عهدهم “صبح الأعشى في صناعة الإنشا” للقلقشندي، و”نهاية الأرب في فنون الأدب” للنويري .

كما ازدهرت في عهدهم التآليف التاريخية، مثل –  المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي، وكافة مؤلفاته ، ومؤلفات ابن تغري بردي وغيرهما .

ثم تحتل مصر بخلفاء بني عثمان الأتراك ويسلكوا نهج الأمويين ويبدأون ذلك بشنق قنصوة الغوري على باب زويلة  ويتحول المواطن للدرجة الثانية و يتم إضعغف الجيش المصري كما هو الحال الآن إلى  أن يثور عليهم الشعب ويولي محمد كريم نقيب الأشراف محمد علي باشا باسم الشعب فيقيم أقوى جيشاً في المنطقة وربما العالم في ذلك الوقت إلى أن يقضى عليه في موقعة أبي قير حيث تجمعت علية تركيا وانجلترا  وروسيا في تلك الموقعة وهنا بعدما جاء الإنفصال المصري السابع عن  الخلافة المزعومة  نبينه كما يلي :

أعلى النموذج

 

(7)   الإنفصال المصري السابع على الدولة العثمانية التركية بواسطة محمد علي باشا :

يبدأ العصر الحديث فى مصر بتولى محمد على الحكم بإرادة الشعب المصرى عام 1805 متحدين بذلك سلطة الدولة العثمانية .

وقد ولد محمد على باشا بمدينة قولة إحدى مدن اليونان سنة 1769 م وعندما أغار نابليون بونابرت على مصر وشرع الباب العالي ( تركيا) فى تعبئة جيوشها انضم محمد على إلى كتيبة للدفاع عن مصر وقد ظل محمد على بمصر وشهد انتهاء الحملة الفرنسية على مصر.

وبدأ محمد على يدبر لنفسه خطة لم يسبقه إليها أحد وهي التودد إلى الشعب المصري واستمالة زعمائه للوصول إلى قمة السلطة وخاصة بعد ثورة الشعب ضد المماليك فى مارس سنة 1804 م من كثرة وقوع المظالم وزيادة الضرائب على الشعب المصرى وهنا اغتنم محمد على تطور أحداث هذه الحركة ليؤيدها .

تولى محمد على حكم مصر تحقيقاً لرغبة الشعب المصري وزعمائه وعلمائه والذين أصدروا حكمهم بعزل الوالي العثماني خورشيد باشا وتعيين محمد على واليا على مصر بدلا منه فى 13 مايو سنة 1805م وهكذا تولي محمد على باشا حكم مصر نزولا على رغبة أبنائها لتبدأ مصر مرحلة جديدة من النهضة أثرت على تاريخها السياسي والحربي والاقتصادي والاجتماعي ,ورغم الاختلافات في الرأي حول اصلاحات محمد علي الا ان ثمة اجماعا ان محمد علي هو بان مصر الحديثة واذا كانت اصلاحاته تصب كلها في تقوية الجيش وانه سخر قدرات الشعب ومقدراته لخدمة غرض واحد هو صنع مجد شخصي وتكوين امبراطورية مترامية الاطراف يحكمها هو وابناءؤه الا ان اثر هذه الاصلاحات كان عظيما وفما أن بدأ محمد على باشا حكم مصر إلا وكان قد عزم بل وصمم على أن يجعل من مصر دولة لها سيادة بعد غياب قرون طويلة لهذه السيادة وتسير على نفس خطي التقدم والرقي الذى تشهده دول العالم الكبري فى ذلك الوقت وبخاصة إنجلترا وفرنسا بعد أن ظلت مصر ولاية تابعة للدولة العثمانية لمدة ثلاثة قرون متعاقبة تتنازعها قوى عديدة

بعد أن استتب لمحمد على باشا الحكم تخلص اولا من الزعامة الشعبية المتمثلة بكبيرها عمر مكرم فعزله ونفاه الي دمياط وقضي على أعدائه من المماليك فى مذبحة المماليك الشهيرة سنة 1811م كما قام بإلغاء فرق الإنكشارية أو فرق الجنود العثمانية وكان قد تخلص من تهديد الانجليز له بانتصاره عليهم في الحملة التي سيروها الي فريزر 1807 .

النهوض بمصر : بدأ محمد على فى إرساء دعائم جديدة للنهوض بمصر الحديثه علي النحو التالي :

الجيش
قام محمد علي بتشكيل جيش حديث جنوده من المصريين للدفاع عن بلادهم ولكي يحصل علي المال لتجهيز الجيش والاسطول شدد من سيطرته علي تجارة الواردات والصادرات واسس نظام الاحتكار ، وبذلك استطاع محمد على تثبيت أركان حكمه ،وأنشئت أول مدرسة حربية للمشاه سنة 1820 م. وفى سنة 1823م كان التشكيل الأول للجيش المصري وكان مكونا من ست كتائب ثم ارتفع عدد هذه الكتائب فيما بعد وأصبح الجيش المصري يواكب أحدث النظم العسكرية فى العالم فى ذلك الوقت ،وقد ساعده هذا الجيش في تنفيذ سياسته الطموحة قي تكوين امبراطورية واسعة في البلاد التي تتكلم اللغة العربية وتتألف من مصر والسودان والشام والعراق وشبه جزيرة العرب لتكون ضمانا قويا للمحافظة سلامة المنطقة من الاطماع الاوروبية وخطر التقسيم .

التعليم
أيضا قام محمد على بوضع أولي لبنات التعليم الحديث فى مصر على الرغم مما لاقاه من صعوبات بالغة ومن هنا انشأ نظام التعليم الحديث في مراحله الابتدائية والتجهيزية والخصوصية كما نشر المدارس المختلفة لتعليم أبناء الشعب المصرى ومنها المدارس الحربية و مدارس الموسيقي العسكرية وغيرها من المدارس ، أيضا كان هناك العديد من المدارس الأخري مثل مدرسة الألسن ومدرسة الولادة ومدرسة الطب أو مدرسة القصر العيني ومدرسة الطب البيطري ومدرسة الزراعة وغيرهم من المدارس ، كما عمد الي ايفاد البعثات التعليمية الي الخارج لعجز الازهر علي توفير موظفين اكفاء في التجارة والصناعة والزراعة .

الصناعة والزراعة

اهتم أيضا بالصناعة التى تطورت تطورا كبيرا فى عهده والتى أصبحت ثاني عماد للدولة بعد التعليم بكافة أشكالها وبخاصة الحربية لمواكبة الأنظمة التى كانت موجودة بأوروبا وحتي لا تعتمد مصر على جلب كافة احتياجاتها من الخارج ، وهكذا تم إنشاء العديد من المصانع وكان أول مصنع حكومي بمصر هو مصنع الخرنفش للنسيج وكان ذلك فى سنة 1816 م ، ثم بدأت تتوالي المصانع سواء الحربية أو غيرها الأمر الذى أدي بمحمد على إلى اتباع سياسة خاصة للنهوض بهذه المصانع بدأها أولا باستخدام الخبراء والصناع المهرة من الدول الأوروبية لتخريج كوادر مصرية من رؤساء وعمال وصناع وفنيين وإحلالهم محل الأجانب بالتدريج .
كذلك أولى محمد على الزراعة اهتماماً كبيراً فأقام مشروعات كبرى لتنظيم الرى والمياه كالقناطر الخيرية وترعة المحمودية التي امدت الاسكندرية بمياه النيل .. وأدخل المحاصيل النقدية إلى مصر خاصة محصول القطن , وكذلك بعض المنتجات الأخرى المستخدمة فى الصناعة .

العمارة والهندسة

اهتم بالنهوض بمصر فى كافة المجالات الأخرى وبخاصة فى العمارة التى تميزت بطرز جديدة وافدة على مصر كان أغلبها أوروبى نظرا لاستقدام محمد على للعديد من المهندسين والعمال الأجانب لبناء العديد من العمائر سواء الدينية أو المدنية أو الحربية.

تميز عصر محمد على باشا بالنهضة فى التنظيم والهندسة فى العمارة ممثلة فى أنه أصبح يوجد لائحة للتنظيم حيث فتحت الحارات والدروب وسهل المرور بها , وأصبح الناس بمصر يتبعون فى مبانيهم الطرز المعمارية الحديثة .

معاهدة لندن

بعد إغراق أسطول محمد على بموقعة نفارين ( أبي قير البحرية) (1827م)  وضربه بواسطة جيوش إنجلترا وفرنسا وروسيا وتركيا أعلن محمد علي 1838 عزمه الانفصال عن الدولة العثمانية فأعلنت الدول الاوروبية معارضتها بحجة المحافظة علي سياسة التوازن الدولي وفي عام 1839 هزم المصريون الاتراك واستسلم الاسطول العثماني الي محمد علي فباتت الدولة العثمانية بدون جيش او اسطول فتدخلت الدول الاوروبية خصوصا بريطانيا وهددت محمدعلي بتحالف عسكري دولي ضده وفرضت عليه معاهدة لندن عام 1840 وتنص علي اعطاء محمد علي حكم مصر وراثيا مع بقاء مصر جزء من ممتلكات السلطنة العثمانية وكانت الوصاية الدولية التي افرزتها تلك المعاهدة ادت الي سيطرة مالية ثم سياسية اجنبية ماجعل مصر مستعمرة من دون الحاجة الي معارك عسكرية او وجود عسكري اجنبي مباشر – من موقع الهيئة العامة للإستعلامات المصرية- http://www.sis.gov.eg/Ar/History].

وهنا السؤال :

لما كانت هذه البقاع من الشام والعراق والجزيرة وشمال ووسط افريقيا وجنوب أوروبا  تخضع لمصر على فعلى ماذا كان يحارب آل سعود والشريف حسين في الأردن إلا التآمر على الدولة العثمانية والمصرية على السواء فخدعهم البريطانيون وضربوا الكل بالكل لغباوتهم وعمالتهم وتآمرهم على بعضهم البعض دون الرجوع للعمل بكتاب ربهم فأوقعوا الفتن بينهم جميعاً  من جهة وبينهما وبين محمد علي ومن جهة أخرى وبينهم جميعاً وبين الدولة التركية والكل خسر ولم يكسب شيء بخروجهم على كتاب ربهم حيث قال تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } أي لاتتفرقوا على ولاية أهل بيت نبيكم .

والآن كل العالم العربي والإسلامي يجني مافعله هؤلاء بالعالم الإسلامي فإذا ماوقعوا في ما يتهدد كيانهم كانت مصر ملجأهم ملاذهم كما كانت ملاذاً لكل الأنبياء تقريبا والمستضعفين كما بينا من قبل وإنقاذ مصر من بين براثن الملعون صدام حسين ليست ببعيدة.

الملحوظ الهامة هنا بعد بيان قوة مصر وإباء نزولها تحت أي لواء في التاريخ ومع ذلك:

 

  • قناعة حكام مصر بقوتها ومركزيتها وحاجة من حولها لها بأخوة الدين عملاً بقوله  تعالى { إنما المؤمنون أخوة} جعل هذه الأخوة تظهر بأجلى صورها حين :

 

)أ) تخلت مصر عن لغتها الأصلية وتكلمت العربية بلا إكراه أومذابح مليونية كالتي ارتكبها الصليبيين الفرنسيين ( الكاثوليك المتصهينين في ذلك الوقت )بالجزائر وشمال أفريقيا أو البريطانيين الأنجليكان المتصهينين أيضاً وقتها فالمصريين لم يفعلوا ذلك أبداً ولم تتملكهم العصبية إلا في إحقاق الحق وهذا الإحساس المرهف للمصريين من أشد وأعتى الأسلحة التي تخيف كل حكام مصر على مدارالتاريخ فهذا نابليون يتودد إليهم بالزواج مهنم ليسترضيهم ولما حاربهم صلاح الدين الأيوبي لذلك كان سقوطه في مصر بقتل توران شاه فيها وتصارع الورثة على مصر والشام لذلك هى أقصر الدول حكماً.

(ب) لم تتعصب مصر يوماً لحاكم حكمها سواء أكان كافور الأخشيد أو أحمد ابن طولون من اسيا أو الفاطميين العلويين أو  محمد علي الألباني وذلك لأنهم علموا بأن المسلمون أخوة ومن لا يصدقني فليأت إلى مصر إذا وجد رجلاً واحداً يهاجمه أو يضربه أويقول له لقد أتيت لتأخذ المصاري منا كما تفعل بعض البلدان العربية وأوروبا وغيرهم لن يجد ذلك بمصر وهذا مصدر قوتها لتنوع خبرات الشعوب النازلة بها واختلاف قدراتهم وهو مجتمع شبيه إلى حد ما بالمجتمع الأمريكي إلا أن الكل عندنا اندمج  في وحدة الدين واللغة والعكس بأمريكا لم تذوب دياناتهم بل وثقافاتهم فهى عبارة عن مقاطعات كل مقاطعة بها مجموعة من أهل دولة يعيشون بكل عاداتهم وتقاليدهم حتى بأشكال مساكنهم كما في الأحياء الصينية أو الهندية أوالعربية مثلاً وهنا تأت بذور الزوال والضعف وهم أعلم بذلك ولذا فهم ميالون للعدوان حتى لا يصل عدواً لتفتيت لحمتهم كما هم يفعلون معنا ونحن أصحاب دين واحد ولغة واحدة بل وأب واحد قال فيه تعالى { ملة أبيكم إبراهم هو سماكم المسلمين -} والفصل هنا أليس من السفاهة ألا يتوحد أبناء الأب الواحد وليعلموا أن الرافضين لهذه الوحدة المفتتين لها هم ليسوا من العرب ولو حملوا أسماء إسلامية؟.

(ج)  وحديثاً ومن أهم ما أنجزته مصر في عصرالرئيس مبارك على صعيد الدور المصري الفاعل في الدفاع عن الإسلام والعروبة كان قراره الحاسم في دخول جيش مصر في معركة الكويت مع سوريا لإرجاع الكويت والذين تحولوا إلى لاجئين في عدة ساعات فرجعت إلى أهلها بعد احتلال الملعون صدام حسين لها ولولا هذا التدخل لأصبحت قضية الكويت مازالت تبحث في أروقة الأمم المتحدة خاصة إذا قدم صدام تنازلات أخرى كضرب الجزيرة العربية أو أي دولة أخرى.فهل حفظ العرب لمصر مكانتها؟!!.

(د) تشبث مصر بالدفاع عن القضية الفلسطينية ولو صوريا واعتبارها قضية تمس الأمن القومي المصري مباشرة لهو خير دليل على أن مصر وشعبها  لن تتركا القدس ولو مرت بها أسوأ الظروف وأحلكها وما تمر به مصر الآن ماهو إلا كبوة يمر بها كل العالم الإسلامي وليس مصر وحدها نسأل الله تعالى السلامة لمصر والعروبة وكل ديار الإسلام والمسلمين .

 

(2) أن كل دولة إسلامية هزمت أخرى سواء أكانت سنية أم شيعية

 

(أ) لم تتطرق كتب التاريخ لحاكم واحد أو قائد روج لانفصال دولة عن بقية مجموع الدول العربية والإسلامية فكل قائد دائماً كان يطمح في السيطرة على الكل كوحدة واحدة غير قابلة للتقسيم لأنهم بلدان واحدة  دينها واحد ولا موانع مائية بينهم كما أن العرب لالغتهم واحدة وبالتالي نحن نتكلم عن عملاق يتجاذبه المتصارعون من الأمة نفسها وهدمها جاء من داخلها وأيضاً من خارجها ,وبالتالي فكرة تقسيم العالم العربي بدويلاته والإسلامي كما هى الآن فكرة تخضع للإشراف الصهيوني العالمي من عصر الحروب الصليبية وتطور هذه الحرب إلى حروب إستعمارية ضروس نشبت بعد سقوط الدولة العثمانية بتركيا وتحول أكثر بلدان العالم العربي والإسلامي لمستعمرات والتهديد الآن يمس الوجود والبقاء بالفعل لهذا الدين وهذه الشعوب .

وإذا أراد المسلمون البقاء والنصر على أعداء هذه الأمة فلا سبيل أمامهم إلا باعتراف الجميع بالجميع فلا ينبغي لسني الطعن في شيعي ولا صوفي سلفي في حنفي وليؤمن الجميع أن علاقة كل مسلم ببلده ومجتمعه وربه وعباداته لا سبيل لأحد عليها إلا  الله تعالى مادام لم يكفر بالله عز وجل أي أن المذاهب لله يحاسب عليها سبحانه وتعالى والوطن للجميع فنجتمع عليه وليتوحد العرب والمسلمون عليه على ألا ينصب أحدنا نفسه قاضياً وجلاداً على من حوله ويعتبر نفسه الوصي  من الله تعالى  ورسوله على هذا الدين وعلى الخلق .

 

(ب) وليعلم الجميع أن كل أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله والتي روجت في مدائح البلدان والأشخاص كلها مكذوبة كما قال علماء مصطلح الحديث فلا مدح إلا من مدحه القرآن والقرآن لم يمدح إلا  الحجاز ومصر بأمنها وأمانها وبركتها وقدسيتها  والشام قالتعالى في المسجد الأقصى { الذي باركنا حوله – الإسراء} وهل ححوله إلا الحجاز والشام وسيناء بمصر وكذلك شعب إيران المسلم والذي مدحه القرآن في أسباب نزول قوله تعالى فيهم { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم – الجمعة} وقوله تعالى { وإن تتولو يستبدل قواماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}  بعد ذلك لا مدائح ولا مناقب والكل سواسيةأمام الله تعالى .

 

(ج) التاريخ يثبت أن أنجح دول المسلمين وأقواها وأعظمها حضارة بل والتي أنقذتهم من الزوال هى التي تقام من مصر فلا سبيل إلى نجاح العالم الإسلامي إلا بمصر ودورها الريادي الذي قدره الله تعالى .

 

(د) إذا أراد المسلمون الثبات أمام الهجمة الصهيونية الشرسة على العالم الإسلامي فليفعلوا دور منظمة العالم الإسلامي وجامعة الدول العربية وليقلعوا عن عادة التمثيل بأنهم يجتمعون لحل قضايا الأمة وهى من سيء إلى أسوأ وليفعلوا أدوار هذه المنظمات تفعيلاً حقيقياً وليس تمثيلياً يتم من خلاله تنسيق الأدوار ووحدة القوانين وتكامل التجارة والصناعة البينية وتوحيد مجالس الشورى والشعب بينهم جميعاً وليكن اجتماعهم ليس على حلال أو حرام ليختلفوا فقهياً بل على منافع ومصالح دنيوية يصلح بها حال المسلمون في الدنيا ومن ثم دينهم فالآخرة لا سبيل لها إلا الدنيا قال تعالى { فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف- قريش } فإذا انتشر الجوع والخوف والمرض بين المسلمين أنى لهم عبادة الله تعالى .

 

الفصل 7 :

 

 حسد دولة الخلافة لمصر  والطعن فيها وفي شعبها وأرضها وماؤها وهوائها :

أولاً : الطعن في مصر  عند  أهل السنة :

من أعظم الأراجيف التي روجت ضد مصر وشعبها الدياثة  وعدم الغيرة على النساء وسيطرة نسائهم عليهم من أخلاق أهل مصر :

[ قال ابن عبد الحكم‏ :‏ وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبروا عن الرجال فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه‏.‏ وتتزوّج الأخرى أجيرها وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئًا إلا بإذنهنّ فأجابوهنّ إلى ذلك‏.‏ فكان أمر النساء على الرجال‏.‏

فحدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب‏:‏ أن نساء القبط على ذلك إلى اليوم إتباعًا لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال‏:‏ استأمر امرأتي‏.‏ وقال‏:‏ إن فرعون لما غرق ومعه أشراف مصر لم يبق من الرجال من يصلح للمملكة فعدّ الناس في مراتبهم بنت الملك ملكةً وبنت الوزير وزيرةً وبنت الوالي وبنت الحاكم على هذا الحكم وكذلك بنات القوّاد والأجناد فاستولت النساء على المملكة مدة سنين وتزوّجن بالعبيد واشترطن عليهم أن الحكم والتصرف لهنّ‏.‏ فاستمرّ ذلك مدة من الزمان ولهذا صارت ألوان أهل مصر سمرًا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق واستولدوهنّ‏.‏ وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكري رحمه اللّه تعالى‏:‏ أنه مذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه وترخصًا لأهله ولينًا ورقةً طبع من قلة الغيرة ومما لم نزل نسمعه دائمًا بين الناس إن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه‏.‏

ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدّخرون عندهم زادًا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان بل يتناولون أغذية كل يوم من الأسواق بكرةً وعشيًا‏.‏ ومن أخلاقهم‏:‏ الانهماك في الشهوات والإمعان من الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى‏:‏ أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب‏.‏ وقد روي عن عمر بن الخطاب ‏:‏ أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان وأخلاق سكانها فقال‏:‏ إن اللّه تعالى لما خلق الأشياء – جعل كل شيء لشيء فقال العقل‏:‏ أنا لاحق بالشام فقالت الفتنة‏:‏ وأنا معك وقال الخصب‏:‏ أنا لاحق بمصر فقال الذل‏:‏ وأنا معك وقال الشقاء‏:‏ أنا لاحق بالبادية فقالت الصحة‏:‏ وأنا معك‏.‏ويقال‏:‏ لما خلق اللّه الخلق خلق معهم عشرة أخلاق‏:‏ الإيمان والحياء والنجدة والفتنة والكبر والنفاق والغنى والفقر والذل والشقاء فقال الإيمان‏:‏ أنا لاحق باليمن فقال الحياء‏:‏ وأنا معك‏.‏

وقالت النجدة‏:‏ أنا لاحقة بالشام فقالت الفتنة ‏:‏ وأنا معك‏.‏ وقال الكبر‏:‏ أنا لاحق بالعراق فقال النفاق‏:‏ وأنا معك‏.‏ وقال الغنى‏:‏ أنا لاحق وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ المكر عشرة أجزاء‏.‏ تسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس‏.‏ ويقال‏:‏ أربعة لا تعرف في أربعة‏:‏ السخاء في الروم والوفاء في الترك والشجاعة في القبط ( المصريين)  والعمر في الزنج‏.‏ووصف ابن العربية أهل مصر فقال‏:‏ عبيد لمن كلب‏.‏  أكيس الناس صغارًا وأجلهم كبارًا‏.‏ – المواعظ والإعتبار للمقريزي ج1

وقال عمر بن شبه‏:‏ ذكر ابن عبيدة في كتاب أخبار البصرة عن كعب الأحبار‏:‏ خير نساء على وجه الأرض‏:‏ نساء أهل البصرة إلا ما ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم من نساء قريش وشرّ نساء على وجه الأرض ‏:‏ نساء أهل مصر‏.‏

وقال عبد اللّه بن عمرو‏:‏ لما أهبط إبليس وضع قدمه بالبصرة وفرخ بمصر‏ .‏

وقال كعب الأحبار‏:‏ ومصر أرض نجسة كالمرأة العاذل يطهرها النيل كل عام‏.‏

وقال معاوية بن أبي سفيان‏:‏ وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف‏:‏ فثلث ناس وثلث يشبه الناس وثلث لا ناس‏.‏

فأما الثلث الذين هم الناس‏:‏ فالعرب والثلث الذين يشبهون الناس‏:‏ فالموالي والثلث الذين لا ناس‏:‏ المسالمة يعني القبط‏ ] .‏

وعن افتراءات العرب وحقدهم عليها ومحاولة صرف أنظار الحاسدين لعمرو ابن العاص عنها حتى لا يوليهم الخليفة عمر تلك الخلافة ويعزله عن تلك الجنة الأرضية وذلك المنجم :

[ يقول  المسعودي‏ :‏ لما فتح عمر بن الخطاب البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر وغير ذلك كتب إلى حكيم من حكماء العصر‏:‏ إنا لَناس عرب قد فتح اللّه علينا البلاد ونريد أن نتبوأ الأرض ونسكن البلاد والأمصار فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها وما تؤثره الترب والأهوية في سكانها‏.‏

فكتب إليه‏:‏ وأما أرض مصر فأرض قوراء غوراء ديار الفراعنة ومساكن الجبابرة ذمّها أكثر من مدحها هواؤها كدر وحرّها زائد وشرّها مائد تكدر الألوان والفطن وتركب الأتن وهي معدن الذهب والجوهر ومغارس الغلات‏.‏ غير أنها تسمن الأبدان وتسودّ الإنسان وتنمو فيها الأعمار وفي أهلها مكر ورياء وخبث ودهاء وخديعة‏.‏ وهي بلدة مكسب ليست بلدة مسكن لترادف فتنها واتصال شرورها‏ .‏ – خطط المقريزي ج 1] .

وهنا هذا الكلام مردود على قائله إذ أن عمرو ابن العاص ليس شعره أصهب ينسدل على كتفيه ولا كان وجهه أحمر أو أبيض كالغرب  فسودته له مصر بل عاش فيها على كدرها وحرها إلى أن مات فيها فلماذا هذا الكلام المقلوب والذي هو ضد الحقيقة التي وصفا مصر بالجنان كما قال تعالى عن فرعون ووصف الله تعالى لأرض مصر {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وزروع ومقام كريم – الدخان25-26} فهل الله صدق الله تعالى  أم عمرو ابن العاص؟ .الذي استخدم  تلك الحيلة لئلا يولي عمر عليها أحد غيره فيستأثر بها وبنعمها فكل ما سأل أحد عنها ذمها وعابها لئلا يتطلع إليها غيره هذا هو الأرجح عندي .

والواقع على غير ذلك فإذا نظرت لمصر في جنوب المنيا وأسيوط ستجد لون النيل بزرقته يخترق الأرض بخضرتها ويطل عليها من بعيد الجبال الصفراء ثم زرقة السماء في مناظر بديعة كأنك في الجنة فلا تحتاج فيها لمدفئة أو مبرد للهواء بكل فصول السنة تقريباً .

[وقال عمر بن شبه‏:‏ ذكر ابن عبيدة في كتاب أخبار البصرة عن كعب الأحبار‏:‏ خير نساء على وجه الأرض‏:‏ نساء أهل البصرة إلا ما ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم من نساء قريش وشرّ نساء على وجه الأرض‏:‏ نساء أهل مصر‏.‏-  الخطط للمقريزي ج1] .

وهذا أعجب ما سمعنا وعلى ذلك زوجات نبي الله إبراهيم ويوسف ومحمد عليهم الصلاة والسلام أخابث بل وزوجة الإمام الجواد السيدة سبيكة النوبية كذلك وهذا القول مردود بقول حكماء السنة [ من لم يتزوج مصرية مات أعزباً ] وذهبنا لبلدان العرب وجدناهم محبين للزواج من مصريات ووجدناهن  محبين للزواج من مصريين فإذا اجتمعوا مع بعضهم لعنوا المصريين وسبوهم خاصة في أكثر بقاع جزيرة العرب .

[وقال ابن وهب‏:‏ أخبرني يحيى بن أيوب وابن لهيعة عن عقيل عن الزهريّ عن يعقوب بن عبد اللّه بن المغيرة بن الأخفش عن ابن عمر‏:‏ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏ دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها ثم دخل الشام فطردوه حتى دخل جبل شاق ثم دخل مصر فباض فيها وفرّخ وبسط عبقريه ‏”‏  حديث صحيح غريب وقد عاب بعضهم مصر فقال ‏:‏ محاسنها مجلوبة إليها حتى العناصر الأربعة الماء وهو في النيل مجلوب من الجنوب والتراب مجلوب في حمل الماء وإلا فهي رمل محض لا تنبت الزرع والنار لا يوجد بها شجرها والهواء لا يهب بها إلا من أحد البحرين إما من الرومي وإما من القلزم وقد زاد هذا في تحامله‏ .‏

وقال كعب الأحبار‏:‏ الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة والكوفة آمنة من الخراب حتى تكون الملحمة‏.‏ – المواعظ والإعتبار ج1 من ص6-167].

وهنا أنظر حتى الهواء قالوا فيه أنه يأت لمصر من الخارج فابالله أي دولة فيها الهواء مكيفاً يأتي من داخلها ولا يطوف ببلاد الدنيا  ؟ !!!.

كما أن  أرض مصر نجسة ونزل بها إبليس وباض وفرخ وهنا لماذ إذا هرب إليها كل نبي مظلوم وكل شعب مقهور ألا تعلم أن أكثر المهاجرين لمصر في القرون الماضية كانوا هاربين من اضطهاد كنبي الله إبراهيم ولوط عليهما السلام وهاجر إليها بمنطقة الحبشة الصحابة الأوائل  وحكمها يوسف وموسى عليهما السلام كما بينا فهل هؤلاء هم الذين باضوا وفرخوا فيها ؟ !! . نعم أنهم باضوا وفرخوا فيها رجالاً لا يقبلون باطلاً فلما طغى العباسيون خرج عليهم كافور الأخشيد وفعل نفس الفعلة أحمد ابن طالون فهجا هؤلاء مصر وازداد حنقهم بإقامة خلافة فاطمية عاصمتها قاهرة المعز وازداد حنقهم أكثر وأكثر وبلغ ذروته بخروج محمد على على الخلافة التركية وحربه مع البريطانيين والوهابية في الجزيرة العربية لما هدموا مقدسات المسلمين ومقابر البقيع ودار ابن لقمان على أنها أوثان فحكم شمال أفريقيا ووسطها إلى الشام وبلغ حكمه اليونان فلعنوا مصر وشعب مصر الثائر على كل شعوب الدنيا وبالتالي هى دولة  خرجت على كل حكومات الباطل لشدة تقديسها للحكام ورفض الخروج عليهم في كل زمن فاستخدمهم الحكام لمل عظائم الأمور كالإهرام وقناة السويس والسد العالي وليس في ذلك عيب لأنه شعب يحب حكامه ويفعل المعجزات إذاأحب حاكمه ولذلك قيل في مصر ما قاله مالك في الخمر .

وبالتالي هى  الحرب على مصر وأهلها لمواقفهم الدائمة من الظلم و الظالمين ولا رتياح كثير من الخلفاء عند سماعهم ذلك تشفياً منها ومن أهلها  كماذ كرنا لانفصالها الدائم بحكم ضخامتها وسعتها وفضلها واحتياج غيرها إليها في الشدائد وبالتالي روج هؤلاء الظالمين في البلد الوحيد الذي امتحه القرآن وكذلك التوراة والإنجيل من قبل أنه بهذه الوضاعة وهذه الخسة والنذالة والسفالة لعنهم اللع تعالى وأصمهم فلا فضل حتى في هوائنا الذي نتنفسه الذي يأتيها من الخارج  وقد قال  زاد هذا الظالم في تحامله واختراعه الإفتراءات على مصر التي امتدحها القرآن واختص بها التجلي والخطاب إلى نبي الله موسى عليه السلام وكفاها منقبة وفضيلة وكفى .

وإذا باض إبليس وفرخ فيها فلن يكون إلا بدخول أنبياء الله فيها وإغاثتها للعالم وقت المحن والشدائد وتجلي ربنا ع زوجل فهل هذا يقوله عاقل ؟ حسبنا الله ونعم الوكيل

والرد هنا :

كان أول العصبية ظهوراً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وتوزيع عمر ابن الخطاب الأعطيات على قدر قبيلة الرجل وهذا معروف وألغى سهم المؤلفة قلوبهم  [قال معاوية بن أبي سفيان‏:‏ وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف‏:‏ فثلث ناس وثلث يشبه الناس وثلث لا ناس‏.‏فأما الثلث الذين هم الناس‏:‏ فالعرب والثلث الذين يشبهون الناس‏:‏ فالموالي والثلث الذين لا ناس‏:‏ المسالمة يعني القبط‏.- المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار  الجزء الأول]فانظر هنا للتقسيم العنصري للخلق وأنه ليسعى تقوى الله تعالى كما قال { إن أكرمكم عند الله أتقاكم},وكان مما حدث في هذه الفترة من الحكومة الغالبة أن محت كل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله والواردة عن طريق هؤلاء:

  • السيدة خديجة وعاصرت رسول الله صلى الله عليه وآله مدة تقارب من الخمس وعشرون عاماً .
  • أحاديث السيد فاطمة يخلوا منها البخاري تماماً.
  • أحاديث الإمام الحسن والحسين.
  • أحاديث كثيرة من أحاديث أمير المؤمنين على اختفت أو وزعوها على الآخرين لشدة علمها كما ذكر أحمد ابن حنبل قائلاً:[ إعلم يابني أن علياً كان كثير الأعداء ففتش له أعدائه عن نقيصة فعجزوا فلما عجزوا عمدوا إلى رجل عاداه فأطروه ووزعوا مناقبه عليهم – فتح الباري لبن حجر باب مناقب معاوية] ولذلك تجد في مسند أحمد ابن حنبل أحاديث أمير المؤمنين على كرم الله مجهه وهو ربيب النبي وعاصره وناصره حتى الممات عدد صفخات أحاديثه لا تتخطى العشرون صفحة وأما مسند أبي هريرة والذي يقال أنه عاصر الرسول صلى الله عليه وآله على أبعد الظروف سنتين وصف تتخطة المائتين صفحة وهذا يثبت أن شيئاً ما قد حدث وعصراً جديداً قد بدأ.

(5) وأخيراً هؤلاء الزوجات لسيد الخلق صلى الله عليه وآله كانوا بكم عمي لم يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله أي رواية  وأعظمهم كالسيدة أم سلمة قد لا يروى لها إلا أحاديث لا تتعدى أصابع اليد الواحدة وهؤلاء هم :

(6)السيدة زينب بنت جحش.

  • جويرية بنت الحارث.
  • سودة بنت زمعة.
  • ثم السيدة مارية القبطية أم ولده إبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعاً ليس لها أحاديث ولا يعلم عنها إلا القليل جداً وسنفصل أمرها وحربهم القبلية معها فيما بعد .

فلما دخلت مصر في دين الإسلام فعلوا معها نفس ما فعلوه مع السيدة مارية القبطية فقالوا في مصر مالا يصدقه عقل وفي المذهبين عند الشيعة والسنة على السواء كالآتي:

في مذهب أهل السنة قالوا عن مصر أنهم دواويث كما أسلفنا : ونعتقد أن هذه المرويات انتشرت في فترة الصراع المصري العراقي في عصر الدولة الطولونية والإخشيدية ثم الفاطمية والأيوبية ففي كل هذه العصور إستقل بها حكاماً عن دولة الخلافة الأصلية مما جعل مصر عرضة للذم والتقبيح منهم كما سنبين هنا :

يقول المقريزي وغيره من المؤرخين بل والمفسرين كإبن كثير في تفسير آيات غرق فرعون لعنه الله فقالوا الآتي:

[ ومن أخلاق أهل مصر: قلة الغيرة وكفاك ما قصه الله سبحانه وتعالى من خبر يوسف عليه السلام ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه وشهادة شاهد من أهلها عليها بما بيّن لزوجها منها السوء فلم يعاقبها على ذلك بسوى قوله‏:‏ ‏”‏ استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ‏”‏ يوسف 29‏-  المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار  ج1- للمقريزي ].

‏‏و الرد هنا على ذلك :

  • هذا سلوك حاكم يقدر عواقب الأمور ويقرأ استطلاعات ما الدولة مشرفة عليه  وليس أحمق فتصرف بحكمة حتى يتجنب الإضرار بسمعته وأهله كما أنه لم يتركه بل دبرت له  امرأة العزيز (رئيس الوزراء) مكيدة لقتله أو سجنه ونفذها زوجها وبغير علم من الحاكم .
  • ثانياً الذي استنبط هذا الحكم بفراسته  كان حاكماً وثنياً فردا يتصرف على مستوى شخصي لحماية نفسه وأهله من الشائعات فكيف يدخل كل شعب مصر  في ذلك السلوك المشين .

(3) ثالثًا وهذا هو الأهم إن جرائم الثأر والعرض بمصر أشهر من أن يتكلم عنها أحد فلا مدعاة لهذا الكلام وكل مجتمع بالفعل فيه الخير والشر مجتمعان ولكن منن شدة بغضهم لمصر  يعممون بأن أغلب أهلها دواويث فهذا محض افتراء وعليه من الله مايستحق فقد رمى وقذف شعباً بأكمله وعليه بكل فرد آذاه حد القذف بعد أن جعل شعوباً كثيرة بالعالم تحتقر هذا الشعب العظيم وتحط من مكانته وقدره .

[قال ابن عبد الحكم‏:‏ وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبروا عن الرجال فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه‏.‏ وتتزوّج الأخرى أجيرها وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئًا إلا بإذنهنّ فأجابوهنّ إلى ذلك‏.‏ فكان أمر النساء على الرجال‏.‏

فحدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب‏:‏ أن نساء القبط على ذلك إلى اليوم إتباعًا لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال‏:‏ استأمر امرأتي‏.‏ وقال‏:‏ إن فرعون لما غرق ومعه أشراف مصر لم يبق من الرجال من يصلح للمملكة فعدّ الناس في مراتبهم بنت الملك ملكةً وبنت الوزير وزيرةً وبنت الوالي وبنت الحاكم على هذا الحكم وكذلك بنات القوّاد والأجناد فاستولت النساء على المملكة مدة سنين وتزوّجن بالعبيد واشترطن عليهم أن الحكم والتصرف لهنّ‏.‏ فاستمرّ ذلك مدة من الزمان ولهذا صارت ألوان أهل مصر سمرًا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق واستولدوهنّ‏.‏ وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكري رحمه اللّه تعالى‏:‏ أنه مذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه وترخصًا لأهله ولينًا ورقةً طبع من قلة الغيرة ومما لم نزل نسمعه دائمًا بين الناس إن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه‏-المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار  ج1- للمقريزي].

ويقول المقريزي أيضاً بموضع آخر من كتابه الخطط [حين غرق فرعون وقومه ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال‏.‏ فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه وتتزوّج الأخرى أجيرها وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئًا إلا بإذنهنّ فأجابوهنّ في ذلك فكان أمر النساء على الرجال‏.‏ قال يزيد بن حبيب‏:‏ إنّ نساء القبط على ذلك إلى اليوم اتباعًا لمن مضى منهم‏  فلا يبيع أحد منهم ولا يشتري إلا قال‏:‏ استأمر امرأتي فملكتهم دلوكة بنت زبا عشرين سنة‏.‏المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار  الجزء الأول ].

ولابد لقائل هذه الرواية أنه كما قال ربنا عزوجل { كمثل الحمار يحمل أسفار- الجمعة} وذلك لأنه خبر يتنافى مع العقل والنقل فالعقل يقول أن جند البلد ليسوا هم كل الرجال فموه الحاقد على هذا البلد أن فرعون قد عزل كل الرجال عن الإناث والأطفال ثم خرج بكل ذكور مصر لتخلوا البلد منهم وهذا محال ممتنع إذ كيف لمصالح الدولة المدنية أن تدار , وهذا عقلاً وأما نقلاً فقد حدد الله تبارك وتعالى المسؤلية في نشر الكفر والفسوق والعصيان على ثلاث جهات هم فرعون وهامان وجنودهما قال تعالى { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ – القصص8}.

وهؤلاء أغرقهم الله جميعاً كما قال تعالى {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً -الإسراء103} وهؤلاء جميعاً كانوا جنوده وملئه وقومه المقربين الذين داهنوه ونافقوه على دنيا يصيبونها كما قال تعالى{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ َاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ – الزخرف 51- 56}.أي أن هؤلاء  أسرة فرعونية أبادها الله تعالى بجيوشها وليس معنى ذلك أن النساء فجأة أصبحوا لم يجدوا رجالاً ينكحوهن فتحولت مصر كلها لدواويث ؟!!!.

ويقول المقريزي أيضاً :[ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدّخرون عندهم زادًا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان بل يتناولون أغذية كل يوم من الأسواق بكرةً وعشيًا‏.‏ ومن أخلاقهم‏:‏ الانهماك في الشهوات والإمعان من الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى‏:‏ أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب‏.‏-  المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار  ج1] .

وارد هنا على ذلك قلنا إن مصر ملاذ لكل هارب ومظلوم هى بلد غني بمعنى الكلمة ولذلك كان شعبها لا يعبئ بلقمة العيش وكاذ ذلك حتى نكسة عام 1967م  ففي وقت النكسة كان هناك  إكتفاء ذاتي في الإنتاج الزراعي وهذا دائماً يكون حال أكثر المترفين كأهل الجزيرة العربية والخليج الآن نفس الصفات واقعين فيها لغنى بلدانهم ولكن لهم دوراً آخر مادي في الدفاع عن الدين وليس معنى ذلك أنهم ليس لهم دور دفاعي وأنهم دوواويث ولا يفكرون في غد … ألخ هذا الكلام السطحي في تحليل سوسولوجيا الشعوب.

[وقد روي عن عمر بن الخطاب ‏:‏ أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان وأخلاق سكانها فقال‏:‏ إن اللّه تعالى لما خلق الأشياء – جعل كل شيء لشيء فقال العقل‏:‏ أنا لاحق بالشام فقالت الفتنة‏:‏ وأنا معك وقال الخصب‏:‏ أنا لاحق بمصر فقال الذل‏:‏ وأنا معك وقال الشقاء‏:‏ أنا لاحق بالبادية فقالت الصحة‏:‏ وأنا معك‏.‏ ويقال‏:‏ لما خلق اللّه الخلق خلق معهم عشرة أخلاق‏:‏ الإيمان والحياء والنجدة والفتنة والكبر والنفاق والغنى والفقر والذل والشقاء فقال الإيمان‏:‏ أنا لاحق باليمن فقال الحياء‏:‏ وأنا معك‏.‏ وقالت النجدة‏:‏ أنا لاحقة بالشام فقالت الفتنة ‏:‏ وأنا معك‏.‏ وقال الكبر‏:‏ أنا لاحق بالعراق فقال النفاق‏:‏ وأنا معك‏.‏ وقال الغنى‏:‏ أنا لاحق وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ المكر عشرة أجزاء‏.‏ تسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس‏.‏

ويقال‏:‏ أربعة لا تعرف في أربعة‏:‏ السخاء في الروم والوفاء في الترك والشجاعة في القبط ( المصريين)  والعمر في الزنج‏.‏.‏‏ووصف ابن العربية أهل مصر فقال‏:‏ عبيد لمن كلب‏ أكيس الناس صغارًا وأجلهم كبارًا‏.‏ –  المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار  ج1].

وهنا وصف أهل مصر بالذل والعبودية فأين الدليل على ذلك ومصر أكثر البلدان ثورات على الحكام بل وهى التي حررت العالم العربي بعد ثورة 23 يوليوا وقبلها مصر مابين ثورة وأخرى بل القرآن يثبت أن سلوكيات الحاكم والشعب على السواء تدبير المؤامرات إذا رفض أحد الحكام ولذلك بطش الحاكم المصري شديد ومن المستحيل إظهار بطشه بخصومه لعاطفة هذا الشعب ونؤكد أن الأحمق صدام لو كان بمصر لقتلوه بفعاله المذابح العلنية مع الناس ومن هنا حاكم مصر يتسم بكثير من التعقل والحنكة الموروثة والشعب نفسه قوى العاطفة والحكام دائماً يراعوا هذه النقطة حتى الآن تمنع بمصر إظهار صور مذابح الفلسطينيين ألم يسأل أحد نفسه لماذا وفي برنامج بقناة المنار عن المقاومة المصرية واللبنانية ألم  يروا المصريين وهم يبكون على صفحات التلفاز من شدة حزنهم ومنع حكامهم من مقاتلة هؤلاء الصهاينة والله تماماً كما قال تعالى في  مجموعة مخلصة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله حال القدر دون خروجهم للجهاد في سبيل الله {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ – التوبة92} هذا هو شعب مصر رقيق القلب منقذ الأمة العربية والإسلامية إن شاء الله .

ثانياً : السيدة مارية القبطية تستبعد من ديوان زوجاته حسداً لمصريتها وحب النبي لها .

[ التشكيك القبلي في أنها من أمهات المؤمنين :

كان من مبادئ الخليفة عمر التمييز القبلي والعطاء للقبائل على حسب قوتها  لذلك منع سهم المؤلفة قلوبهم والمنصوص عليها في كتاب الله بحجة أننا اليوم أقوياء وإنما كان ذلك على عهد رسول الله ثم ابتدع طريقة لتوزيع الغنائم والأنفال على حسب قوة القبيلة

ولقد ظهر هذا التمييز القبلي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وتوريث أبي بكر لابنته عائشة ومنع توريث السيدة فاطمة بحجة حديث الآحاد [ نحن معاشر الأنبياء لا نورث ماتركناه صدقة ,, الحديث المكذوب على النبي صلى الله عليه وآله  وهنا قاطعته السيدة فاطمة حتى ماتت وقالت والله لا أكلمك أبداً ثم خطبت فيه قائلة :

[ (يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا!! أفعلى عمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وورث سليمان داوود) وقال: وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال:
هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب
وقال: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله
وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين وقال: (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين وزعمتم أن لا حظوة لي، ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟
أم تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟

أو لست أنا وأبي من ملة واحدة؟

أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة.

يخسر المبطلون ولا ينفعكم إذ تندمون (ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) – خطبة الزهراء ] .

 

وبالتالي تحت وظأة هذا التوجه القبلي والعنف القرشي الثأري مع النبي وأهل بيته حدث مايلي :

 

  • اختفت أحاديث رواها النبي لأزواجه فأين أحاديث السيدة خديجة أو جويورية بنت الحارث أو أم سلمة أو سودة بنت زمعه أو غيرها ومنهم السيدة مارية القبطية سلام الله عليها وهل روى عن النبي قائلاً لا تروي إحداكن أحاديث عني إلا عائشة وحفصة فقط .
  • أين أحاديث السيدة فاطمة والإمام الحسن والحسين .
  • ماسر الرواية عن الإمام علي ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وزوج ابنته فيما لا يزيد عن عشر صفحات بمسند أحمد ورواية أبي هريرة للأحاديث بالمسند أكثر من مائتي صفحة وهو الذي عاصر النبي سنة ونصف أو سنتين ونصف على أبعد الروايات من موت النبي صلى الله عليه وآله .

 

ومن هنا يتبين التوجه القبلي كان وراء استبعاد زوجاته من الرواية والسيدة مارية القبطية لأنها مصرية وكتابيه تم استبعادها عن عمد من ديوان زوجاته صلى الله عليه وآله والتي خرجت على رأس جيش لقتال الإمام علي في معركة قتل فيها أكثر من سبعين ألف مسلم أحب زوجاته في تناقض عجيب تسبب في لغط فقهي تعاني منه الأمة حتى الآن .

والدليل على حبه صلى الله عليه وآله لها غيرة السيدة عائشة من قضاء أكثر يومه ليله ونهاره عندها وليس ذلك فحسب بل أوصى بها وبقومها وبلدها مصر

 

[ أوصى الرسول – صلى الله عليه وسلم – بأهل مصر قوم مارية القبطية خيرا وقال : ” إن لي فيهم ذمة ورحما ” يعني هاجر ومارية .

وعند فتح مصر زار الصحابي الجليل بلد السيدة مارية و بنى فيها مسجد سمى باسمه وهو مسجد الصحابي عبادة بن الصامت  في قرية مارية وتسمى ( حفْن أَنْصِنا ) ثم صارت تسمى قرية الشيخ عبادة وموقعها في مركز ملوى جنوب محافظة المنيا شرق النيل من صعيد مصر وقريب من منطقة تونا الجبل الدينة الأثرية الفرعونية الشهيرة ] .

 

قولة متوراثة ممن من قالوا أنها سرية أوأمة وليست زوجه :

 

[ جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية : النبي صلى الله عليه وسلم كانت له سرار : قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك } قال: أي وأباح لك التسري مما أخذت من الغنائم، وقد ملك صفية وجويرية رضي الله عنهما، فأعتقهما وتزوجهما، وملك ريحانة بنت شمعون النصرانية ومارية القبطية رضي الله عنهما، وكانتا من السراري . أي فكان يطؤهما بملك اليمين. أهـ فكان استمتاع الرسول صلى الله عليه وسلم بمارية على وجه التسري لا على وجه النكاح، ولذلك لا يطلق عليها أنها من((أمهات المؤمنين)) لأن ضابط أمهات المؤمنين أن يكون المرأة عقد عليها رسول صلى الله عليه وسلم ودخل بها على وجه النكاح وإن طلقها بعد ذلك لقوله تعالى في سورة الأحزاب: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم ).

 

ما المقصود بأمهات المؤمنين :

 

[ اختلفت المصادر التراثية فيما بينها، حول عدد وأسماء أمهات المسلمين، فعدهن الإمام الطبرى باثني عشر زوجة ، وهن على حسب الترتيب «السيدة خديجة بنت خويلد وسودة بنت قيس وعائشة بنت أبى بكر وحفصة بنت عمر، وزينب بنت زمعة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث وأم حبيبة بنت أبى سفيان، وصفية بنت حيى بن الأخطب، وميمونة بنت الحارث، وريحانة بنت زيد النضرية»، وأسقط السيدة «مارية» من زوجات الرسول، وهو ما تكرر فى «البداية والنهاية» و«زاد المعاد» وفى أغلب كتب التراث فكلها يسقط أم المؤمنين «مارية» من مدونة أسماء زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم. ] [ جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: يريد الفقهاء بـ ” أمهات المؤمنين ” كل امرأة عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها، وإن طلقها بعد ذلك على الراجح . هل يطلق أمهات المؤمنين على كل من عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى هذا فإن من عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها فإنها لا يطلق عليها لفظ ” أم المؤمنين ” . ومن دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التسري، لا على وجه النكاح، لا يطلق عليها ” أم المؤمنين ” كمارية القبطية .

ويؤخذ ذلك من قوله تعالى في سورة الأحزاب { وأزواجه أمهاتهم } .

زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم: النساء اللاتي عقد عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بهن  وهن أمهات المؤمنين – اثنتا عشرة امرأة، هن على ترتيب دخوله بهن كما يلي :

( 1 ) خديجة بنت خويلد .

( 2 ) سودة بنت زمعة، وقيل: إنه دخل بها بعد عائشة .

( 3 ) عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية .

( 4 ) حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية .

( 5 ) زينب بنت خزيمة الهلالية .

( 6 ) أم سلمة، واسمها: هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية .

( 7 ) زينب بنت جحش الأسدية .

( 8 ) جويرية بنت الحارث الخزاعية .

( 9 ) ريحانة بنت زيد بن عمرو القرظية .

( 10 ) أم حبيبة، واسمها: رملة بنت أبي سفيان الأموية .

( 11 ) صفية بنت حيي بن أخطب النضيرية .

( 12 ) ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية .

 

وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسع منهن، وهن : سودة – وعائشة – وحفصة – وأم سلمة – وزينب بنت جحش – وأم حبيبة – وجويرية – وصفية – وميمونة .أهـ ]

 

إماء الرسول صلى الله عليه وسلم:

 

أما إماؤه صلى الله عليه وسلم فقد ذكرهن ابن القيم في زاد المعاد فقال: قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم ، وريحانة ، وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي ، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش .أهـ وعاشت مـارية ما يقارب الخمس سنوات في ظلال الخلافة الراشدة، وتوفيت في السنة السادسة عشر من الهجرة. وقد دعا الفاروق عمر الناس وجمعهم للصلاة عليها . فاجتمع عدد كبير من الصحابة من المهاجرين والأنصار ليشهدوا جنازة مـارية القبطية، وصلى عليها سيدنا عمر رضي الله عنه في البقيع.

https://fiqh.islamonline.net  ] .

 

و [ من موقع سؤال وجواب الذي يشرف عليه الشيخ محمد صالح المنجد:

 

جاء هذا السؤال القائل : هل «مارية القبطية» من أمهات المؤمنين؟ فإنه مما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم بنى بمارية القبطية والتي كانت ملك يمينه، وأنجبت له ولده إبراهيم، فهل يطلق على مارية القبطية لقب «أم المؤمنين» أم لا؟

 

وكانت الإجابة كالتالي : «لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية، بل كانت أمة له، وكان قد أهداها له المقوقس صاحب مصر، وذلك بعد صلح الحديبية، وقد كانت مارية القبطية نصرانية ثم أسلمت رضي الله عنها، قال ابن سعد: فأنزلها ـ يعني مارية القبطية ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأختها على أم سليم بنت ملحان فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا فوطئ مارية بالملك وحولها إلى مال له بالعالية، وكانت حسنة الدين. «الطبقات الكبرى» (1/ 134 – 135).

وقال ابن عبد البر «وتوفيت مارية في خلافة عمر بن الخطاب، وذلك في المحرم من سنة ست عشرة، وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهود جنازتها، وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع» انظر الاستيعاب (4/ 1912)، ومارية رضي الله عنها من إمائه صلى الله عليه وسلم، لا من أزواجه، وأمهات المؤمنين هن أزوج النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم). وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع إماء، منهم مارية، قال ابن القيم «قال أبوعبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة، وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش، «زاد المعاد» (1/ 114)، وانظر في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ـ أمهات المؤمنين رضي الله عنهن – اعداد: ضاري المطيري ] .

 

[… وكان للسيدة مارية القبطية كان لها منزل مستقل ونفقة مستقلة كسائر أمهات المؤمنين ، ولم تمكث ابداً فى بيت احد زوجات الرسول كجارية أو ملك يمين .

رغم هذا لا زالت الكتب التى دونت ايام السلطة الأموية تصر اصرار الموتور على نعتها بالأمة أو ملك اليمين تحقيراً كما فعل كتبة التوراة مع هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام والتى يتناقضون فى مواضع نعتها بالسريرة تارة وبالزوجة تارة أخرى .

فى يقينى ان الثورة التى حدثت على الخليفة الثالث عثمان بن عفان والتى كان قوامها المصريين الذين تفشت فيهم مظالم أخيه فى الرضاع عبد الله بن ابى السرح .

وان الحرب الأهلية التى أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان و المسماة بالفتنة الكبرى والتى كان المصريون فيها موالين للإمام على (عليه السلام)  بقيادة محمد بن ابى بكر الذى احرقه الامويون فى جسد حمار أجوف هو السبب الأكبر فى فقه التمايز والإستعلاء والطبقية المستهجنة التى أحياها الأمويون فكان التحقير لأم المؤمنين مارية القبطية حقداً على المصريين الذين ثاروا ودعموا الإمام على .رحم الله أم المؤمنين مارية القبطية التى اوصى الرسول بأهلها خيراً ، فقد روى مسلم في ” صحيحه ” عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم )) إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ((   وفى رواية أخرى صهرا وهى تؤكد أن المصاهرة تمت بمارية أم المؤمنين الزوجة الشرعية كسائر أمهات المؤمنين .- بحث لأحمد دبيان – على باب مصر ] .

 

والسؤال الذي سيقطع الشك بالقين هنا الأمة أم الولد هل تستعبد أم تحرر ويعقد عليها ؟ ولذلك يعدها الشيعة أماً للمؤمنين وهو الصواب .

 

[روى عِكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيُّما امرأة ولدت من سيدها فهي حُرَّة عن دُبُرٍ منه)- رواه ابن ماجه (2515)  وأخرجه أيضاً أحمد 1/ 303و 317و 320، وعبد الرزاق 7/ 290 (13219)، وابن أبي شيبة 6/ 436 (1630)، والدارقطني 4/ 130 – 131، والحاكم 2/ 19، والبيهقي 10/ 346 وابن حزم في «المحلى ».  ]

 

[ ومما اعتمده الجمهور في هذا الباب من الأثر: ما رُوي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قال في مارية سُرِّيتِه لما ولدت إبراهيم: (أعتقها ولدها)

وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أيُّما امرأة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات) – أخرجه ابن ماجه (2516)، وابن سعد 8/ 215، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 5/ 450 (3132)  وابن حبان في المجروحين 1/ 293، والدارقطني 4/ 131، والحاكم 2/ 19، والبيهقي 10/ 346 ] .

 

والسؤال هنا لكل ذي مسكة من عقل أو نفحة من إيمان :

 

يقول تعالى { إن الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم }

ومن الأذى الذي آذوه به صلى الله عليه وآله هنا الطعن على أحد زوجاته بأنها سرية والسؤال هنا :

هل تركها رسول الله سرية (عبدة) ليكون ولده إبراهيم عبداً مملوكاً من بعده أم أعتقها وأصبحت زوجة لأن أم الولد تحرر شرعاً أي ليست سرية كما ادعى المدعون

وهل ترك رسول الله أم ولده سرية ليعاير ولده بذلك ؟!

ولوعاش من بعده لأصبح نبياً فهل مملوك يمكن أن يكون نبياً ؟ أسئلة محيرة

 

و الصواب فيها أنها زوجة وأماً من أمهات المؤمنين عليهم السلام و أم ابنه إبراهيم الذي اصفاه الله تعالى دوناً عن كل زوجاته فقد اصطفزوجته وأماً للمؤمنين ى الله تعالى ذريته من خديجة ومارية فقط سلام الله عليهم جميعاً وفي ذلك حكمة إلهية أهم أسبابها أنها خاتم النبيين ولا نبوة من بعده صلى الله عليه وآله .

 

 

من هى السيدة مارية القبطية في مذهب أهل البيت عليهم السلام :

 

[ الشيعة يؤكدون أنها من أمهات المؤمنين

 

[ هى مارية بنت شمعون القبطية في ذوو النبي وأهل بيته / قرابتها بالمعصوم زوجة رسول الله(صلى الله عليه وآله).

 

 اسمها وكنيتها ونسبها

 

أُمّ إبراهيم مارية بنت شمعون القبطية. ولادتها لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادتها ومكانها، إلّا أنّها كانت من أعلام القرن الأوّل الهجري.

زواجها بعث المقوقس القبطي ملك مصر في سنة سبع من الهجرة إلى النبي(صلى الله عليه وآله)بهدايا كان منها السيّدة مارية، وأختها سِيرين، وخصيّ يُقال له جريح، فأسلمت وأسلمت أختها، وكانت بيضاء جعدة الشعر جميلة، فتزوّجها رسول الله(صلى الله عليه وآله)حملها بإبراهيم قال عبد الرحمن بن زياد: [ «لمّا حبل لرسول الله(صلى الله عليه وآله)بإبراهيم أتى جبرئيل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، إنّ الله وهب لك غلاماً من أُمّ ولدك مارية، وأمرك أن تُسمّيه إبراهيم، فبارك الله لك في إبراهيم، وجعله قرّة عين لك في الدنيا والآخرة، وأشبههم به» –  تاريخ مدينة دمشق 3/ 133 ] .

 

ولدت ولدها الوحيد إبراهيم في ذي الحجّة 8ﻫ بالمدينة المنوّرة، ولكن شاءت الإرادة الإلهية أن تفقده في 18 رجب 10ﻫ، وقيل : 10 ربيع الأوّل 10ﻫ ، وهو رضيع لم يُفطم بعد. حبّ النبي(صلى الله عليه وآله)لها كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يُحبّها حبّاً كثيراً، ممّا أدّى إلى غيرة وحسد بعض نساء النبي(صلى الله عليه وآله)لها، قالت عائشة: [ «ما غرت على امرأة إلّا دون ما غرت على مارية، وذلك أنّها كانت جميلة من النساء جعدة، وأعجب بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان أنزلها أوّل ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا، فكان رسول الله عامّة الليل والنهار عندها، حتّى فرغنا لها، فجزعت، فحوّلها إلى العالية، فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا، ثمّ رزق الله منها الولد وحرمنا منه»-  الطبقات الكبرى 8/ 213] .

 

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): [ «إنَّ رسولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) حجبَ ماريةً، وكانت قد ثقلت على نساءِ النبي(صلى الله عليه وآله)، وغرن عليها، ولا مثل عائشة» – الطبقات الكبرى 1/ 135]

 

رميها بالفحش [ قال زرارة بن أعين : «سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عليه السلام)يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)حَزِنَ عَلَيْهِ حُزْناً شَدِيداً، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا الَّذِي يَحْزُنُكَ عَلَيْهِ! فَمَا هُوَ إِلَّا ابْنَ جَرِيحٍ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله)عَلِيّاً وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَذَهَبَ عَلِيٌّ(عليه السلام)إِلَيْهِ وَمَعَهُ السَّيْفُ، وَكَانَ جَرِيحٌ الْقِبْطِيُّ فِي حَائِطٍ، وَضَرَبَ عَلِيٌّ(عليه السلام)بَابَ الْبُسْتَانِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ جَرِيحٌ لِيَفْتَحَ لَهُ الْبَابَ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيّاً(عليه السلام)عَرَفَ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَأَدْبَرَ رَاجِعاً وَلَمْ يَفْتَحِ الْبَابَ، فَوَثَبَ عَلِيٌّ(عليه السلام)عَلَى الْحَائِطِ وَنَزَلَ إِلَى الْبُسْتَانِ وَاتَّبَعَهُ، وَوَلَّى جَرِيحٌ مُدْبِراً، فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يُرْهِقَهُ صَعِدَ فِي نَخْلَةٍ، وَصَعِدَ عَلِيٌّ(عليه السلام)فِي أَثَرِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ رَمَى بِنَفْسِهِ مِنْ فَوْقِ النَّخْلَةِ، فَبَدَتْ عَوْرَتُهُ، فَإِذَا لَيْسَ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَلَا مَا لِلنِّسَاءِ، فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ(عليه السلام)إِلَى النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله) فَقَالَ‏: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا بَعَثْتَنِي فِي الْأَمْرِ أَكُونُ فِيهِ كَالْمِسْمَارِ المُحْمَى فِي الوتر أَمْ أَثَّبَّتُ ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا، بَلِ اثَّبِّتْ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَلَا مَا لِلنِّسَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) : الحَمْدُ للهِ الَّذِي يَصْرِفُ عَنَّا السُّوءَ أَهْلَ الْبَيْت ‏» – تفسير القمّي 2/ 100 ]

 

وكتب في ذلك الأستاذ عبد الحكيم عثمان بحثاً مهماً في موقع الحوار المتمدن :

[ مارية القبطية,التي نعرفها نحن المسلمون سنة وشيعة,هي أم المؤمين,زوج الرسول(صلى الله عليه وسلم)


السلام عليكم ورحمة الله

في اكثر من مداخلة على ما اكتب طرحوا موضوع عن مارية القبطية زوج الرسول صلى الله عليه وسلم

فقالوا ان رسولكم زنى بها ولم يتزوجها,فاجبتهم بعدم معرفتي لها وهذه حقيقة وليست نوع من التهرب, فانا لم اعرف غير أن مارية القبطية هي هدية اهداها مقوقس مصر وا ختها للرسول صلى الله عليه وسلم,ردا على رسالة ,ارسلها له رسولنا اشرف الخلق يدعوه فيها الى الاسلام, فتزوجها الرسول عليه ا فضل الصلاة والتسليم وزوج اختها لااحد صحابته الكرام رضوان الله عليهم اجمعين

وهذه القصة:

أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى المقوقس حاكم الإسكندرية والنائب العام للدولة البيزنطية في مصر، أرسلها مع السفيرحاطب بن أبي بلتعة، وكان معروفاً بحكمته وبلاغته وفصاحته. فأخذ حاطب كتاب الرسول إلى مصر وبعد أن دخل على المقوقس الذي رحب به. واخذ يستمع إلى كلمات حاطب، فقال له ” يا هذا، إن لنا ديناً لن ندعه إلا لما هو خير منه”.

اُعجب المقوقس بمقالة حاطب، فقال لحاطب: ” إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بزهودٍ فيه، ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجدهُ بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والأخبار بالنجوى وسأنظر”

وهذا رد المقوقس كتاب النبي محمد بن عبد الله وختم عليه، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم:

«بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه سيخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديتُ إليك بغلة لتركبها والسلام عليك»
والجاريتين هما:

مارية بنت شمعون القبطية وأختها سيرين بنت شمعون، وألف مثقال ذهبًا وعشرين ثوبًا وبغلته “دلدل” وشيخ كبير يسمى “مابور”. وفي المدينة، أختار الرسول مارية لنفسه زوجة، وزوج أختها سيرين لشاعرهِ حسان بن ثابت الأنصاري.
يسألني احدهم كيف تثبت لنا أن الرسول تزوج من مارية القبطية ولم تك جارته ملك يمينه الاية القرآنية الكريمة التي تثبت أن مارية القبطية هي زوجة الرسول(صلى الله عليه وسلو) وليست جاريته ملك يمينه:

بسم الله الرحمن الرحيم:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ-;- ذَٰ-;-لِكَ أَدْنَىٰ-;- أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ-;- وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

/33سورة الاحزاب

فلم يرد في الاية الكريمة

قل لاازواجك وما ملكت يمينك وبناتك

وبما انه لم يرد في الاية الكريمة اشارة الى ملكات يمين النبي او جواريه
فان مارية القبطية زوجته وليست ملك يمينه, وهي ام المؤمنين بنص الاية
النَّبِيُّ أَوْلَىٰ-;- بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ-;- وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ/33 سورة الاحزاب
وكل المسلمين سنة وشيعة يطلقون على مارية القبطية لقب أم المؤمنين,فهي زوجته ولم يرد في الاية اعلاه

النبي اولى من المؤمنين بأنفسهم وازواجه وملكات يمينه أمهاتكم
فلقب أم المؤمنين لايطلقه المسلمون بسنتهم وشيعتهم ومختلف مذاهبهم الا على زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم)

و (سورة النور) فيها تخريجان بأسباب النزول, (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ /11سورة النور)

فالسنة والجماعة يقول نزلت لتبرئ أم المؤمنين عائشة مما نسب أليها(السنة يصفون مارية القبطية ,ويلقبونها بأم المؤمنين وهذا اللقب لايطلق الا على من تزوجهن الرسول بنص الاية الكريمة( وازواجه أمهاتكم)

والشيعة يقولون نزلت في تبرءة أم المؤمنين مارية القبطية مما نسب أليها( الشيعة يصفون مارية القبطية, ويلقبونها بأم المؤمنين وهذا اللقب لاتحظى به ملكة اليمين ولا الجارية ,فقط من تحظى به هن ازواج الرسول(صلى الله عليه وسلم)

والاثبات الاخر أن مارية القبطية زوجة الرسول(صلى الله عليه وسلم) وليست ملك يمينه وليست جاريته وهو عدم زواجها بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم) وشمولها بالتحريم لزوجات الرسول للزواج من بعده, ولشمولها بلقب أم المؤمنين

هذه ادلتي عن مارية القبطية التي اعرفها انها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم وليست جاريته.
اما من ادعى انها جاريته اوما ورد عنها فهي مارية اخرى لااعرفها وربما انه نوع من تشابه الاسماء واختلط على الرواة الذين كتبوا السيرة المحمدية بعد مئة عام من وفاته عليه افضل الصلاة والتسليم

الادلة بتلخيص على أن مارية القبطية زوج النبي الاكرم

  • شمولها بأية الحجاب( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ-;- ذَٰ-;-لِكَ أَدْنَىٰ-;- أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ-;- وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا-33سورة الاحزاب)

2-شمولها بآية الافك سورة النور( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ-;- ذَٰ-;-لِكَ أَدْنَىٰ-;- أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ-;- وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا – 33سورة الاحزاب )

3- شمولها بلقب أمهات المؤمنين(النَّبِيُّ أَوْلَىٰ-;- بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ-;- وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ/33 سورة الاحزاب)

4-شمولها بعدم الزواج بعد وفاة النبي الاكرم( وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا – 53 سورة الاحزاب )

وكل ماتقدم لايشمل ملكات اليمين ولاجواري الرسول الاكرم, وبما أن في ماتقدم في اعلاة شمول ,مارية القبطية, فهي زوج الرسول الاكرم, وام المؤمنين رضوان الله عليها. فصدقا لااعلم من مارية القبطية التي عنها تتحدثون, هذه مارية القبطية التي اعرف انها زوج الرسول الاكرم وأم المؤمنين, ولااعرف غيرها ولاتعنيني اي واحدة سواها   – عبد الحكيم عثمانالحوار المتمدن- العدد  4644 – 2014 / 11 / 26   ]

 

 

  • السيدة مارية القبطية ومنزلها بالشخ عبادة :

 

 

من هى السيدة مارية عليها السلام :

[ هي مارية بنت شمعون القبطية، وهي من قرية حفن بمحافظة المنيا بصعيد مصر، أهداها للرسول الملك المقوقس حاكم مصر سنة 7 هـ، وكان أبوها عظيم من عظماء القبط، كما ورد على لسان المقوقس في حديثه لحاطب ابن أبي بلتعه حامل رسالة الرسول إليه  .

 

البلدة التي ولدت بها السيدة مارية القبطية :

[  ابن بطوطة.. رحلة إلى «الشيخ عبادة» أرض الحضارة على ضفاف النيل

أرض تشرق فوقها شمس الحضارة بريقها يلمع على مرمى البصر يفوح منها رائحة التاريخ وروحانيات الماضي وتسمع فيها أصوات الفراعنة والإغريق والرومان والأقباط والحضارة الإسلامية وتجلجل فيها أصوات خيول صلاح الدين الأيوبى وتفوح فيها بركات منزل السيدة مارية القبطية زوجة النبي محمد عليه الصلاة والسلام وتندهش فيها منها سحر الطبيعة الذى يمتد على نهر النيل الساحر بأكثر من ٤ كيلو مترات.

وإذا حاولت أن تصل إلى منزل مارية القبطية، وتصلي في مسجد الصحابي “عبادة بن صامت”، فعليك أن تستقل “معدية”، عند قرية الروضة بـ”ملوي”، جنوب المنيا، لتصل بها إلى هذه الأرض وتتأمل المنظر، فتجد نفسك وصلت للشيخ عبادة هذه القرية التي يسكنها نحو ٦٠ ألف نسمة والذين يشتهرون بكرم الضيافة، والشهامة، ولا تفارق الابتسامة وجوههم هي مدينة انتنيو بوليس أو “الشيخ عبادة حاليا”.

“انتنيو بوليس أو الشيخ عبادة حاليا”، المدينة الأثرية وأشهر القرى القديمة ذات التاريخ العريق مع عصور مصر المختلفة، حيث تقع المدينة على النيل من ناحية الشرق، وتبعد عن ملوى ٨ كم وعن المنيا ٤٦ كم، وهى مدينة أثرية عريقة وعتيقة بناها الإمبراطور هادريان على أنقاض المدينة القديمة بيسا، وتعتبر من أعظم مناطق مصر الأثرية بعد الأقصر.

تضم بين بنايتها آثارا فرعونية ورومانية وقبطية وإسلامية، وأصل المنطقة قرية تسمى “بسا’”، ثم أُقيمت عليها مدينة “هيبنو آتي” الفرعونية، والتي سُميت باسم الطبيب الخاص لرمسيس الثاني ويوجد بالبلدة معبد فرعوني على طراز معبد الأقصر ومعبد للملك رمسيس الثاني وقد أقامه تكريمًا للإله تحوت الممثل على شكل قرد ومعبد قبطي ومعالم أثرية كبيرة ترجع لجميع العصور.

ثم أصبحت “أنطيوبولس” باسم غلام الإمبراطور هارديان، وكانت من أكبر المدن الرومانية في الصعيد كما اعتبرت مركزًا لنشر الحضارة الإغريقية بالصعيد في العهد الروماني وتشتهر بأنها بلدة مارية القبطية زوجة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ويقال إن لها ممرا تحت الأرض يربط بينها وقرية الأشمونين ويمر تحت نهر النيل بطول نحو ٧ كيلو مترات وهى بالقرب من أطلال المدينة القديمة انتينوى.

الإمبراطور هادريان

 

بدأت قصة إنشاء المدينة عندما كان الإمبراطور هادريان إمبراطور روما في رحله نيلية، لزيارة آثار مصر وفى هذا المكان وبجوار هذه المنطقة تنبأ العرافون، بحدوث حدث جلل سيحدث وهناك خسارة كبرى للإمبراطور، ولابد من فداء أو تضحية تجنبا لهذا المكروه وحتى لا يحدث فقام غلامه ويدعى (انتنيوي) بإلقاء نفسه في النيل فداء للإمبراطور وأطلق عليها الإمبراطور اسم (أنطيوبولس ) مما دفع الإمبراطور إلى دفن غلامه في هذه المنطقة، وبنى له قبرا كبيرا ونحت له تماثيل، وأصدر أمرا بأن يكون انتينيو إله يعبد، وخاصة أنه مات في أحضان النيل وكان المصريون والإغريق لديهم اعتقاد بأن من يموت غرقا يرفع إلى درجة القديسين كما أن وجهاء وأغنياء تلك المدينة العريقة أيضا جاءوا إلى الشيخ عبادة وقاموا ببناء بيوتهم بجوار قبر انتنيوى وأصبحت مدينة كبيرة وجميلة وبها حدائق وشوارع منظمة منتشره فيها تماثيل انتنيو.

وقام هادريان في ذلك الوقت بعمل على توسعة لتلك المدينة التي ازدهرت فترة الرومان وأقيمت على طراز المدن في روما، وجلب لها هادريان السكان ومنح الإمبراطور حقوق المواطنة وامتيازات لم تحصل عليها المدن الإغريقية الأخرى ومنها الإسكندرية نفسها ومن ثم أصبحت مركزًا لنشر الحضارة الإغريقية بالصعيد وازدهرت بها الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية الروحية فكانت المدينة مركزا تجاريًا كبيرًا طيلة العصر البيزنطى بعد الإسكندرية.

منزل السيدة مارية القبطية

 

“الشيخ عبادة” هي مسقط السيدة مارية القبطية زوجة الرسول، والتي أهداها له المقوقس حاكم مصر في العام السابع للهجرة ووصفها بأن لها ولأختها “سيرين” لامكانًا عظيمًا بالقبط وكان من بين الهدايا التي أهداها المقوقس حاكم مصر للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، و٢٠ ثوبًا من المنسوجات التي اشتهر بصناعتها إقليم المنيا وهى الثياب المعروفة باسم ” القباطي” وهى ثياب من الكتان الأبيض بها زخارف. على مسافة ما يقرب من ٢ كيلومتر، يوجد منزل السيدة مارية القبطية، ومن خلال جولاتنا لاحظنا إهمالا كبيرا من مسئولي الآثار، حتى أصبح محاصرا بمقابر القرية، كما أن هذا المنزل يعد مقصدا للمنقبين عن الآثار طوال العام، باستثناء يوم واحد يقصده آلاف المحبين للاحتفال بالمولد السنوي للسيدة مارية القبطية. وقال محمد إبراهيم أحد أبناء القرية، رغم بركة منزل السيدة مارية إلا أنه لا يوجد زائرون للمكان، بسبب بعدها عن المدينة، بالإضافة إلى أنها إحدى قرى شرق النيل، إلى بجانب افتقادها الإعلان السياحي عن المكان.

الصحابي الجليل عبادة ابن الصامت

وعبادة ابن الصامت شهد بيعة العقبة الأولى والثانية وأحد الصحابة الخمسة الذين جمعوا القرآن الكريم، ووصفه عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقوله “رجل يعد في الرجال بألف رجل شهد بيعة العقبة الأولى والثانية، وكان نقيبًا على قوافل بني عوف بن الخزرج، وآخى رسول الله بينه وبين أبي مرثد الغنوي.

وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، واستعمله النبي على بعض الصدقات وعقب وصول عمرو بن العاص إلى مصر وفتحها، كان ضمن الجيش الصحابي عبادة بن الصامت وبعد موقعة البهنسا، انطلقت الجيوش بقيادة عبادة للصعيد من أجل إكمال الفتح الإسلامي، حيث وصل إلى القرية، وعلم من الأهالي أنها المنطقة التي جاءت منها زوجة الرسول مارية القبطية، فقرر البقاء هناك، وبنى مسجدا في المكان الذي كان يوجد به منزل أسرة مارية، وكان هذا هو أول مسجد في ملوي وأعفى أهل البلد من الخراج وأكرمهم إكراما للسيدة مارية وهنا تغير أيضا اسم البلد ليصبح الشيخ عبادة.

مسجد الـ١٠٠ متر

بناه الصحابي عبادة بن الصامت ويقع مسجد الشيخ عبادة على مسافة لا تزيد على ١٠٠ متر من النيل، فمساحة المسجد ضيقه وبوابته خشبية من الطراز الأيوبي، وهي الواجهة الغربية الرئيسية للمسجد المطلة على النيل، أعلاها مستطيل عليه زخارف نباتية وهندسية ويتوسطه لوحة رخامية قديمة وعلى جانب المسجد تجد زخارف تؤدي إلى ميضة الوضوء، وهي غرفة مربعة يتوسطها عمودان أثريان من الرخام، على أطرافها حمامات بلدية، أمامها حنفيات المياه وخلفها مساحة للصلاة، وفي نهايتها بئر قديمة للوضوء صالحة للاستخدام، وعلى اليسار باب جانبي للمسجد، والمسجد مربع الشكل بمساحة ٢٠٠ متر مربع مبني بالطوب القديم والمسجد جدده إسماعيل باشا بن إبراهيم باشا حفيد محمد على في عام ١٢٧٧هـ مائة وستون عامًا تقريبًا وجعل له مائذنة أخرى أعلى من الأولى ووضِعَ أعلى باب المسجد لوحة حجرية منقوشة نقش بارز تحمل اسمه وتاريخ التجديد. – البوابة – أسماء منتصر

الأحد 11/أبريل/2021 ] .

[ قصة إرسالها إلى النبي صلى الله عليه وآله :

[ قدمت مارية إلى المدينة المنورة بعد صلح الحديبية سنة 7 هـ . وذكر الرواة أن اسمها «مارية بنت شمعون القبطية»، بعد أن تم صلح الحديبية بين الرسول والمشركين في مكة ، وبدأ الرسول في الدعوة إلى الإسلام، وكتب الرسول كتبا إلى ملوك العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، واهتم بذلك اهتماما كبيرا، فاختار من أصحابه من لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، ومن بين هؤلاء الملوك هرقل ملك الروم، كسرى أبرويز ملك فارس، المقوقس ملك مصر التابع للدولة البيزنطية والنجاشي ملك الحبشة. وتلقى هؤلاء الملوك الرسائل وردوها ردا جميلا، ما عدا كسرى ملك فارس، الذي مزق الكتاب.

لما أرسل الرسول كتابا إلى المقوقس حاكم الإسكندرية والنائب العام للدولة البيزنطية في مصر، أرسله مع حاطب بن أبي بلتعة، وكان معروفا بحكمته وبلاغته وفصاحته. فأخذ حاطب كتاب الرسول إلى مصر وبعد أن دخل على المقوقس الذي رحب به، واخذ يستمع إلى كلمات حاطب، فقال له «يا هذا، إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه»، اعجب المقوقس بمقالة حاطب، فقال لحاطب: «إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بزهود فيه، ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والأخبار بالنجوى وسأنظر».أخذ المقوقس كتاب النبي محمد بن عبدالله وختم عليه، وكتب إلى النبي «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد بن عبدالله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا بقي، وكنت أظن أنه سيخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام عليك».كانت الهدية جاريتين هما: مارية بنت شمعون القبطية وأختها سيرين بنت شمعون، وألف مثقال ذهب وعشرين ثوبا وبغلته «دلدل» وشيخ كبير يسمى «مابور». وفي المدينة، اختار الرسول مارية لنفسه، ووهب أختها سيرين لشاعره حسان بن ثابت الأنصاري، وكانت مارية بيضاء جميلة الطلعة، وقد أثار قدومها الغيرة في نفس عائشة ، فكانت تراقب مظاهر اهتمام رسول الإسلام بها. وقالت عائشة: «ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة ـ أو دعجة ـ فأعجب بها رسول الله وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان عامة الليل والنهار عندها، حتى فرغنا لها، فجزعت فحولها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا». ]

مكانة مارية عند النبي محمد (ص) :

[ لمارية شأن كبير عند النبي محمد وفي صحيح الامام مسلم بن الحجاج قال : «قال رسول الله ﷺ: إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحماً، أو ذمة وصهراً». –    حديث صحيح متفق عليه  [ وفي رواية : [  “استوصوا بأهل مصر خيراً، فإن لهم نسباً وصهراً”.[ صحيح مسلم – فتوح البلدان، ص 220  ] .    والنسب من جهة هاجر أم إسماعيل، والصهر من جهة مارية القبطية.

مكانة مارية في القرآن :

[ لمارية شأن كبير في الآيات وفي أحداث السيرة النبوية.

أنزل الله صدر سورة التحريم بسبب مارية القبطية، وقد أوردها العلماء والفقهاء والمحدثون والمفسرون في أحاديثهم وتصانيفهم”. وقد توفي الرسول وهو راض عن مارية، وكانت مارية شديدة الحرص على اكتساب مرضاة الرسول.]

ولادة مارية لإبراهيم :

بعد مرور عام على قدوم مارية إلى المدينة، حملت مارية، وفرح النبي لسماع هذا الخبر فقد كان قد قارب الستين من عمرهِ وفقد أولاده ما عدا فاطمة الزهراء. وولدت مـارية في “شهر ذي الحجة من السنة الثامنة للهجرة النبوية” طفلاً جميلاً يشبه الرسول، وقد سماه إبراهيم، تيمناً بأبيه إبراهيم خليل الرحمن.

عاش إبراهيم ابن الرسول سنة وبضع شهور يحظى برعاية النبي ولكنه مرض قبل أن يكمل عامه الثاني، وذات يوم اشتد مرضه، فرفعه الرسول وهو يقهقه (ينازع) ومات إبراهيم وهو بين يدي الرسول فبكى عليه ودمعت عيناه وكان معه عبد الرحمن بن عوف فقال له: «أتبكي يارسول الله؟ فرد عليه الرسول ﷺ: إنها رحمة، إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا مايرضي ربنا، وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون». أنساب الأشراف، تأليف: البلاذري، ص (1/448 – 450) تاريخ الطبري، ص(2/416) ، المحبر ص 76 ، أسد الغابة ص 543 والإصابة: كتاب النساء ، ذيل المذيل ص 9و ص 80 ]

وكان ابن ثمانية عشر شهراً. وكانت وفاته يوم الثلاثاء لعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر من الهجرة النبوية المباركة” ، وحزنت مارية رضي الله عنها حزناً شديداً على موت إبراهيم.]

 [ وفاة مارية (عليها السلام)

[ تُوفّيت في محرّم 16ﻫ، وصلّى على جثمانها عمر بن الخطّاب أيّام حكومته، ودُفنت بمقبرة البقيع في المدينة المنوّرة – اُنظر: المستدرك على الصحيحين 4/ 29، الاستيعاب 4/ 1912 رقم4091 ] .

[ عاشت مارية ما يقارب الخمس سنوات في ظلال الخلافة الراشدة ، وتوفيت في المحرم من السنة السادسة عشر. ودعا عمر بن الخطاب الناس وجمعهم للصلاة عليها. فاجتمع عدد كبير من الصحابة من المهاجرين والأنصار ليشهدوا جنازة مـارية القبطية، ودفنت إلى جانب نساء أهل البيت النبوي، وإلى جانب ابنها إبراهيم ] .

 

ثالثاً :

 

مصر في مذهب أهل البيت عليهم السلام :

 

  • دخول مصر بسخط من الله والخروج منها بطاعة :

 

مصر في مذهب أهل البيت (الشيعة) لايقل عن أهل السنة تماماً بتمام فكما كذب المنافقون على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال تعالى في ذلك  {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً – النساء81} وهنا هكذا فعل المنافقون مع أهل البيت عليهم السلام فتقولوا عليهم مالم يقولوه هنا في أمر مصر وشعبها ودورها الريادي , ورد في تفسير قوله تعالى{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ – المائدة21} هنا يقول السيد هاشم البحراني في تفسير هذه الآية [قالوا هى الشام ومصر لايدخلها رجل إلا بمعصية ولا يخرج منها إلا بطاعة روى علي ابن أسباط عن الإمام الرضا عليه السلام سأله إن أهل مصر يزعمون أن بلادهم مقدسة . قال كيف ذلك ؟ وما غضب الله على بني إسرائيل إلا أدخلهم مصر ولا رضى عنهم إلا أخرجهم منها إلى غيرها – البرهان للسيد هاشم البحراني ج1 ص456 & بحار الأنوار / باب 36 : الممدوح من البلدان والمذموم منها وغرائبهابحار الأنوار: 60/ 208-209 &قرب الإسناد: ص 220، تفسير العياشي: 1/304 البرهان: 1/456  ].

[ بالاسناد إلى الصدوق ، بإسناده عن ابن محبوب ، عن داود الرقي ، عن أبي الله عليه السلام قال : كان أبوجعفر – صلوات الله عليهما – يقول : نعم الارض الشام وبئس القوم أهلها اليوم ، وبئس البلاد مصر ، أماإنها سجن من سخط الله عليه من بني إسرائيل ، ولم يكن دخل بنو إسرائيل مصر إلا من سخطة ومعصية منهم لله ، لان الله عزوجل قال ” ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” يعني الشام ، فأبوا أن يدخلوها وعصوا فتاهوا في الارض أربعين سنة قال : وما كان خروجهم من مصر ودخولهم الشام إلا من توبتهم ورضا الله عنهم – بحار الأنوار /باب 36 : الممدوح من البلدان والمذموم منها وغرائبها ].

[ انتحوا مصر لا تطلبوا المكث فيها لأنه يورث الدياثة -بحار الأنوارج60 ص211] يعني حتى من ذهب لمصر للسياحة وأقام فيها فترة فعلى غيرته السلام ! وهو سيكتسب هذه الصفة من أهل مصر. [ بئس البلاد مصر -بحار الأنوار:60/210& تفسير العياشي: 1/ 305 &
البرهان: 1/457].

 

[ وقد عقَّبَ المجلسي (قدس سره)  على هذه النصوص بقوله : بأن مصر صارت من شر البلاد في تلك الأزمنة، لأن أهلها صاروا من أشقى الناس وأكفرهم  ].

وهنا لعدم رجوع المجلسي للقرآن حتى يراجع هذه الأحاديث صحيحة أم لا وتتوافق مع كتاب الله ام تتعارض ذكرها على أنها صحيحة وماهى إلا من وضع الكذابون المحاربون لمصر وأهل البيت فيها  لأن ذلك من موروثات دول كانت تحارب الفاطميين بمصر منذ قيام الدولة الفاطمية على أنقاض العباسية واستقلال الدولة الأخشيدية والطولونية وصلاح الدين الأيوبي ومحمد على فنظراً لقوة مصر وعدم وجود مركزية الخلافة بها تتحطم لأنها أقوى من دولة الخلافة العراقية وقد تكون على أقل تقدير مساوية لها في القوة مما يحفز الحكام على الإستقلال بها وهذا سبب الحنق على مصر من كلا المذهبين السنة والشيعة على السواء وعلى ذلك من أراد حكم العالم فليحكم قاهرة العالم وجزيرة العالم كما قال السياسيون في أمريكا في هذا الزمان.

ولنا هنا تعقيب آخر:

مادام دخولها بمعصية فبما نفسر خروج كل أنبياء الله تعالى وعدم إقامتهم في العراق وبما نفسر قتل كل عترة رسول الله صلى الله عليه وآله بها هل هى البركة في أرضها كما قالوا تفاخرت الكعبة على كربلاء فقال تعالى إن كربلاء أفضل من الكعبة وهذه التراهات التي لا يصدقها مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر. وبالتالي ضاعت حقائق كثيرة وأحداث عن الإمام المهدي عليه السلام وأحداث كبرى تاهت لا يعلمها كثير من الناس أي أن هؤلاء الكذبة من أهل السنة وفي مذهب أهل البيت هم المسؤل الأول عن ضرب التيه على هذه الأمة بأكثر مما ضرب على بني إسرائيل كما قال أمير المؤمنين عليه السلام .

  • وهذا كلام مردود لتعارضه مع نصوص القرآن التي قدست مصر وحكمت ببركتها قال تعالى فيها {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى – طه12} وقال تعالى أيضاً {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ – القصص30}. وقال تعالى أيضاً في مصر والجزيرة العربية والشام {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِي