آيات البلاغ والولاية و إكمال الدين

خالد محيي الدين الحليبي 

أولاً

الأول من ذي الحجة بعث النبي للإمام علي بسورة براءة

[ في الأول من ذي الحجة في السنة التاسعة للهجرة بعث النبي سورة براءة حين نزلت عليه مع أبي بكر، ثم نزل على النبي عليه السلام أنه لايؤديها عنك إلا أنت أورجل منك فأنفذ النبي علي عليه السلام حتى لحق أبا بكر فأخذها منه ورده بالروحاء يوم الثالث منه ثم أديها الى الناس يوم عرفة، ويوم النحر قرأها في المواسم….  –   مصباح المتهجد – الشيخ الطوسي ص672 ]

ولنزول هذه السورة معاني كثيرة وكبيرة فمنذ اللحظة الأولى لنزولها أرسلت الأسس والقواعد لبعض القضايا في الإسلام، لأن [  إرسال الإمام علي عليه السلام خلف ابي بكر وأخذ السورة منه لكي يبلغها الإمام عليه السلام في موسم الحج وقول رسول الله (ص) (لا يبلغ عني إلا أنا أو علي بن ابي طالب)… –  تاريخ دمشق – بن عساكر ج 42 ص345]

ثانياً :

 

أية البلاغ في 18 ذو الحجة

 

ورد في تفسير العياشي :

[عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع باعلان أمر علي بن أبي طالب عليه السلام ” يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ” إلى آخر الآية، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وآله ثلثا حتى أتى الجحفة فلم يأخذ بيده فرقا من الناس، فلما نزل الجحفة يوم الغدير في مكان يقال له مهيعة، فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال النبي صلى الله عليه وآله: من أولى بكم من أنفسكم؟ قال: فجهروا فقالوا: الله ورسوله، ثم قال لهم الثانية، فقالوا: الله ورسوله، ثم قال لهم الثالثة، فقالوا: الله ورسوله، فأخذ بيد علي عليه السلام فقال: من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه و انصر من نصره واخذل من خذله، فإنه منى وانا منه، وهو منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي. – البحار ج ٩: ٢٠٧ – البرهان ج ١: ٤٨٩–  اثبات الهداة ج ٣: ٥٤٣  – تفسير العياشي ] .

[ عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام ابتداءا منه: العجب يا با حفص لما لقى علي بن أبي طالب، انه كان له عشرة ألف شاهد لم يقدر على أخذ حقه، والرجل يأخذ حقه بشاهدين، ان رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من المدينة حاجا ومعه خمسة آلاف، ورجع من مكة وقد شيعه خمسة آلاف من أهل مكة، فلما انتهى إلى الجحفة نزل جبرئيل بولاية على، وقد كانت نزلت ولايته بمنى وامتنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القيام بها لمكان الناس، فقال: ” يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ” مما كرهت بمنى فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فقمت السمرات (قم البيت – بتشديد الميم -: كنسه. وسمرات جمع سمرة: شجر ) فقال رجل من الناس: أما والله ليأتينكم بداهية، فقلت لعمر: من الرجل؟ فقال الحبشي. – البحار ج ٩: ٢٠٧- البرهان ج ١: ٤٨٩– الوسائل ج 3 أبواب كيفية الحكم باب 6 ونقله في اثبات الهداة ج 3: 544 مختصرا عن هذا الكتاب أيضا – تفسير العياشي ] .

[ ما الدليل على أن آية التبليغ و كذلك آية الإكمال نزلتا في إمامة أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه؟

السوال: للشيخ صالح الكرباسي :

 

{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } من قال ان ” ما انزل” يقصد بها امامة امير المؤمنين كرم الله وجهه ؟ و من قال ان” اليوم اكملت لكم دينكم ” يقصد بها الامامة حسب معاني اللغة فان ” ما ” اسم موصول للعموم و الشمول …. كما ان اكمال الدين كان باكمال الاركان الخمسة اي بالحج الركن الوحيد الذي لم يقم به الرسول صلى الله عليه وسلم . ارجو توضيحا بعيدا عن التأويلات .

الجواب

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ، و بعد : أما بالنسبة الى آية التبليغ و هي قول الله عزَّ و جلَّ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } ، ( سورة المائدة ، الآية :67 ) فقد صرّح الكثير من المفسرين بأن نزول آية التبليغ كان في يوم الغدير لدى رجوع النبي ( صلى الله عليه وآله ) من حجة الوداع في مكان يسمى بـ ” غدير خم ” ، و في ما يلي نشير إلى بعض من صرّح بذلك :

  1. أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي ، المتوفى سنة 1270 هجرية ، عن ابن عباس ، قال : نزلت الآية : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } في علي حيث أمر الله سبحانه أن يخبر الناس بولايته ، فتخوّف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يقولوا حابى ابن عمه و أن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله تعالى إليه ، فقام بولايته يوم غدير خم ، و أخذ بيده ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ” من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه ” ، ( روح المعاني : 4 / 282 ، طبعة : دار الفكر / بيروت ) .

  2. أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ، المتوفى سنة : 468 هجرية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : ” نزلت هذه الآية :{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } يوم غدير خم ، فيعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ” ، ( أسباب النزول : 115 ، طبعة : المكتبة الثقافية / بيروت ) .

  3. عبيد الله بن عبد الله بن أحمد ، المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامسالهجري: روى بإسناده عن ابن عباس في قوله عَزَّ و جَلَّ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } الآية ، قال : نزلت في علي ، أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يبلّغ فيه ، فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيد علي فقال : ” من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه ” ، ( شواهد التنزيل : 1 / 190 ، طبعة : منشورات الأعلمي / بيروت ) .

  4. فخر الدين الرازي ، المتوفى سنة : 604 هجرية : ذكر من جملة الوجوه الواردة في سبب نزول آية : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أنها نزلت في الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، و عَدَّه الوجه العاشر من الوجوه المذكورة ، قال : نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، و لمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده و قال : ” من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه ” ، فلقيه عمر فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة . و هو قول ابن عباس و البراء بن عازب و محمد بن علي ، ( التفسير الكبير : 12 / 42 ، طبعة : دار الكتب العلمية / بيروت ) .

  5. جلال الدين السيوطي ، المتوفى سنة : 911 هجرية : روى بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال : ” نزلت هذه الآية : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب ” ، ( الدر المنثور : 3 / 117 ، طبعة محمد أمين / بيروت ) . و أما بالنسبة الىآية الإكمال و هي قول الله جلَّ جلاله : { … الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ( سورة المائدة ، الآية : 3 )

و لمزيد من المعلومات يمكنك مراجعة المصادر التالية من خلال الوصلات التالية  :

http://www.alradhy.com/book/moragat/index.htm http://www.alradhy.com/book/fesol/index.htm

 الشيخ صالح الكرباسي مركز الإشعاع الإسلامي ]

ومن كتاب الغدير للأميني :

 

[ بلغ ما أنزل إليك من ربك   

[ سلف الايعاز منا إلى أن المولى سبحانه شاء أن يبقى حديث الغدير غضا طريا لا يبليه الملوان ، ولا يأتي على جدته مر الحقب والأعوام ، فأنزل حوله آيات ناصعة البيان، ترتله الأمة صباحا ومساءا، فكأنه سبحانه في كل ترتيلة لأي منها يلفت نظر القارئ، وينكت في قلبه، أو ينقر في أذنه ما يجب عليه أن يدين الله تعالى به في باب خلافته الكبرى، فمن الآيات الكريمة قوله تعالى في سورة المائدة

)  يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)

نزلت هذه الآية الشريفة يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة حجة الوداع (10 هـ) لما بلغ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم غدير خم فأتاه جبرئيل بها على خمس ساعات مضت من النهار، فقال: يا محمد؟ إن الله يقرءك السلام ويقول لك :

يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ” في علي ” وإن لم تفعل فما بلغت رسالته – الآية – وكان أوائل القوم – وهم مائة ألف أو يزيدون – قريبا من الجحفة فأمره أن يرد من تقدم منهم ، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، وأن يقيم عليا عليه السلام علما للناس ويبلغهم ما أنزل الله فيه، وأخبره بأن الله عز وجل قد عصمه من الناس.

المصادر التي ذكر فيها آية البلاغ من كتاب الغدير للأميني :

1 – الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى 310 (المترجم ص 100) أخرج بإسناده في – كتاب الولاية في طرق حديث الغدير – عن زيد بن أرقم قال لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بغدير خم في رجوعه من حجة الوداع وكان في وقت الضحى وحر شديد أمر بالدوحات فقمت ونادى الصلاة جامعة فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلي: بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود: إن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام بعدي، فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربي لعلمي بقلة المتقين وكثرة المؤذين لي واللائمين لكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه حتى سموني أذنا، فقال تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم. ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت ولكني بسترهم قد تكرمت، فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فاعلموا.

معاشر الناس؟ ذلك: فإن الله قد نصبه لكم وليا وإماما، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه، جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدقه، إسمعوا وأطيعوا، فإن الله مولاكم وعلي إمامكم، ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى القيامة لا حلال إلا ما أحله الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله وهم، فما من علم إلا وقد أحصاه الله في ونقلته إليه فلا تضلوا عنه ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له، حتما على الله أن يفعل ذلك أن يعذبه عذابا نكرا أبد الآبدين، فهو أفضل الناس بعدي ما نزل الرزق وبقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبرئيل عن الله، فلتنظر نفس ما قدمت لغد.

إفهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذ بيده وشائل بعضده ومعلمكم: إن من كنت مولاه فهذا فعلي مولاه، وموالاته من الله عز وجل أنزلها علي. ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره. ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

معاشر الناس؟ هذا أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى: تفسير كتاب ربي. وفي رواية. أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، والعن من أنكره، وأغضب على من جحد حقه، أللهم؟ إنك أنزلت عند تبيين ذلك في علي اليوم أكملت لكم دينكم. بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم ” عليه السلام ” من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، في علي نزلت سورة والعصر إن الانسان لفي خسر  .

معاشر الناس؟ آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت. النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي. معاشر الناس؟ سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وإن الله وأنا بريئان منهم إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكا اغتصابا فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان؟ ويرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران. الحديث. ” ضياء العالمين “.

2 – الحافظ ابن أبي حاتم أبو محمد الحنظلي الرازي المتوفى 327 ” المترجم ص 101 ” أخرج بإسناده عن أبي سعيد الخدري أن الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب  .

3 – الحافظ أبو عبد الله المحاملي المتوفى 330 ” المترجم ص 102 ” أخرج في أماليه بإسناده عن ابن عباس حديثا مر ص 51 وفيه: حتى إذا كان [رسول الله] بغدير خم أنزل الله عز وجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. الآية.

فقام مناد فنادى الصلوة جامعة. الحديث.

4 – الحافظ أبو بكر الفارسي الشيرازي المتوفى 407 / 11 ” المترجم ص 108 ” روى في كتابه ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين بالإسناد عن ابن عباس: أن الآية نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب.

5 – الحافظ ابن مردويه المولود 323 والمتوفى 416 ” المترجم ص 108 ” أخرج بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب. وبإسناد آخر عن ابن مسعود أنه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك – إن عليا مولى المؤمنين – وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس  .

وروى بإسناده عن ابن عباس قال: لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله أن يقوم بعلي فيقول له ما قال فقال: يا رب إن قومي حديث عهد بجاهلية ثم مضى بحجه فلما أقبل راجعا نزل بغدير خم أنزل الله عليه : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. الآية. فأخذ بعضد على ثم خرج إلى الناس فقال: أيها الناس؟ ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال: أللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأعن من أعانه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه. قال ابن عباس: فوجبت والله في رقاب القوم. وقال حسان بن ثابت:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا

يقول: فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

: إلهك مولانا وأنت ولينا * ولم تر منا في الولاية عاصيا

فقال له: قم يا علي؟ فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا

وروى عن زيد بن علي أنه قال: لما جاء جبرئيل بأمر الولاية ضاق النبي صلى الله عليه وآله بذلك ذرعا وقال: قومي حديثو عهد بالجاهلية فنزلت الآية. (كشف الغمة 94)  .

6 – أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري المتوفى 427 / 37 (المترجم 109) روى في تفسيره ” الكشف والبيان ” عن أبي جعفر محمد بن علي (الإمام الباقر) إن معناها:

بلغ ما أنزل إليك من ربك في فضل علي . فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

وقال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد القايني، نا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي، نا أبو بكر محمد بن الحسن السبيعي، نا علي بن محمد الدهان والحسين بن إبراهيم الجصاص، نا حسين بن حكم، نا حسن بن حسين، عن حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. الآية.

قال: نزلت في علي، أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يبلغ فيه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي فقال، من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه  .

7 – الحافظ أبو نعيم الاصبهاني المتوفى 430 (المترجم ص 109) روى في تأليفه ما نزل من القرآن في علي: عن أبي بكر بن خلاد عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن إبراهيم بن محمد بن ميمون عن علي بن عابس عن أبي الحجاف والأعمش عن عطية قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي يوم غدير خم (الخصايص 29)

8 – أبو الحسن الواحدي النيسابوري المتوفى 468 (المترجم 111) روى في ” أسباب النزول ” ص 150 عن أبي سعيد محمد بن علي الصفار عن الحسن بن أحمد المخلدي عن محمد بن حمدون بن خالد عن محمد بن إبراهيم الحلواني عن الحسن بن حماد سجادة عن علي بن عابس عن الأعمش وأبي الحجاف عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

9 – الحافظ أبو سعيد السجستاني المتوفى 477 (المترجم 112) في كتاب الولاية بإسناده من عدة طرق عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ بولاية علي فأنزل الله عز وجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. الآية. فلما كان يوم غدير خم قام فحمد الله وأثنى عليه وقال صلى الله عليه وسلم: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، وأعز من أعزه، وأعن عن أعانه (الطرائف).

10 – الحافظ الحاكم الحسكاني أبو القاسم (المترجم 112) روى في ” شواهد التنزيل لقواعد التفصيل والتأويل ” بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر الأنصاري قالا: أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليا للناس فيخبرهم بولاية فتخوف النبي أن يقولوا: حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. الآية. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بولايته يوم غدير خم [مجمع البيان 2 ص 223].

11 – الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الشافعي المتوفى 571 [المترجم 116] أخرج بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب .

12 – أبو الفتح النطنزي (المترجم ص 115) أخرج في الخصايص العلوية بإسناده عن الإمامين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق ” صلوات الله عليهم ” قالا: نزلت هذه الآية يوم غدير خم [ضياء العالمين]

13 – أبو عبد الله فخر الدين الرازي الشافعي المتوفى 606 [المترجم 118] قال في تفسيره الكبير 3 ص 636: العاشر  : نزلت الآية في فضل علي ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فلقيه عمر رضي الله عنه فقال. هنيئا لك يا بن أبي طالب؟ أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس، والبراء بن عازب، ومحمد ابن علي.

14 – أبو سالم النصيبي الشافعي المتوفى 652، تأتي ترجمته في شعراء القرن السابع قال في مطالب السئول ص 16: نقل الإمام أبو الحسن علي الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية يوم غدير خم في علي بن أبي طالب.

15 – الحافظ عز الدين الرسعني الموصلي الحنبلي المولود 589 والمتوفى 661 ” المترجم 121 ” روى في تفسيره [مر الثناء عليه عن الذهبي] عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية أخذ النبي بيد على فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه .

16 – شيخ الاسلام أبو إسحاق الحمويني المتوفى 722 ” المترجم ص 123 ” أخرج في فرايد السمطين عن مشايخه الثلاث: السيد برهان الدين إبراهيم بن عمر الحسيني المدني، والشيخ الإمام مجد الدين عبد الله بن محمود الموصلي، وبدر الدين محمد بن محمد ابن أسعد البخاري بإسنادهم عن أبي هريرة: أن الآية نزلت في علي.

17 – السيد علي الهمداني المتوفى 786 ” المترجم ص 127 ” قال في مودة القربى: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فلما كان بغدير خم نودي الصلاة جامعة فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة و أخذ بيد على وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله؟

فقال: ألا؟ من أنا مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئا لك يا علي بن أبي طالب؟ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وفيه نزلت: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. الآية.

18 – بدر الدين ابن العيني الحنفي المولود 762 والمتوفى 855 ” المترجم ص 131 ” ذكر في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 8 ص 584 في قوله تعالى:

يا أيها الرسول بلغ ما أنزل. عن الحافظ الواحدي ما مر عنه من حديث حسن بن حماد سجادة سندا ومتنا، ثم حكى عن مقاتل والزمخشري بعض الوجوه الأخرى المذكورة في سبب نزول الآية فقال: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين: معناه بلغ ما أنزل إليك من ربك في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فلما نزلت هذه الآية أخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

19 – نور الدين ابن الصباغ المالكي المكي المتوفى 855 ” المترجم ص 131 ” ذكر في ” الفصول المهمة ” ص 27 ما رواه الواحدي في أسباب النزول من حديث أبي سعيد.

20 – نظام الدين القمي النيسابوري قال في تفسيره الساير الداير ج 6 ص 170 عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فلقيه عمر وقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب؟ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي. ثم ذكر أقوالا آخر في سبب نزولها.

21 – كمال الدين الميبذي المتوفى بعد 908 ” المذكور ص 133 ” قال في شرح ديوان أمير المؤمنين عليه السلام ص 415: روى الثعلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما قال في غدير خم بعد ما نزل عليه قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. ولا يخفى على أهل التوفيق أن قوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم يلائم حديث الغدير. والله أعلم.

22 – جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفى 911 ” المترجم ص 133 ” قال في الدر المنثور 2 ص 298: أخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني فأنزل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت: بلغ ما أنزل إليك من ربك قال: يا رب؟ إنما أنا واحد كيف أصنع يجتمع علي الناس؟ فنزلت وإن لم تفعل فما بلغت رسالته. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك – إن عليا مولى المؤمنين – وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.

23 – السيد عبد الوهاب البخاري المولود 869 والمتوفى 932 (المترجم 134) في تفسيره عند قوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى. قال:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال في قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. أي بلغ من فضايل علي. نزلت في غدير خم فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. فقال عمر رضي الله عنه: بخ بخ يا علي؟

أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة: رواه أبو نعيم وذكره أيضا الثعالبي في كتابه.

24 – السيد جمال الدين الشيرازي المتوفى 1000 كما مر ص 137، روى في أربعينه نزول الآية في غدير خم عن ابن عباس بلفظ مر في ص 52.

25 – محمد محبوب العالم (المذكور ص 140) حكى في تفسيره الشهير به (تفسير شاهي): ما مر عن تفسير نظام الدين النيسابوري.

26 – ميرزا محمد البدخشاني [المذكور ص 143] قال في ” مفتاح النجا “: الآيات النازلة في شأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كثيرة جدا لا أستطيع استيعابها فأوردت في هذا الكتاب لبها ولبابها – إلى أن قال -: وأخرج ” ابن مردويه ” عن زر عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله. وذكر إلى آخر ما مر عن ابن مردويه ص 216 ثم روى من طريقه عن أبي سعيد الخدري وفي آخره فنزلت: اليوم أكملت لكم دينكم، وروى ما أخرجه الحافظ الرسعني بلفظه المذكور ص 221.

27 – القاضي الشوكاني المتوفى 1250 ” المترجم ص 146 ” في تفسيره ” فتح القدير ” ج 3 ص 57 قال: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك. على رسول الله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك – إن عليا مولى المؤمنين – وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.

28 – السيد شهاب الدين الآلوسي الشافعي البغدادي المتوفى 1270 (المترجم ص 147) قال في روح المعاني 2 ص 348: زعمت الشيعة  إن المراد من الآية بما أنزل الله إليك خلافة علي كرم الله وجهه، فقد رووا بأسانيدهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله عنهما: إن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستخلف عليا كرم الله تعالى وجهه فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعا له عليه السلام بما أمره بأدائه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في علي كرم الله وجهه حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولايته فتخوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.

وأخرج الجلال السيوطي في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر راوين عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال:

كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك – إن عليا ولي المؤمنين – وإن لم تفعل فما بلغت رسالته.

29 – الشيخ سليمان القندوزي الحنفي المتوفى 1293 [المترجم ص 147] قال في ينابيع المودة ص 120: أخرج الثعلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وعن محمد الباقر رضي الله عنهما قالا: نزلت هذه الآية في علي أيضا الحمويني في فرايد السمطين أخرجه عن أبي هريرة، أيضا المالكي أخرج في ” الفصول المهمة ” عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية في علي في غدير خم. هكذا ذكره الشيخ محيي الدين النووي.

30 – الشيخ محمد عبدة المصري المتوفى 1323 [المترجم ص 148] قال في تفسير المنار 6 ص 463: روى ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري:

أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب – موسوعة الغدير في الكتاب والسنة ]

ثالثاً

آية إكمال الدين

نزول آية إكمال الدين في 18 ذو الحجة

يوم الغدير.. إكمال الدين وإتمام النعمة

[  الثامن عشر من ذي الحجّة يوم البيعة والولاء لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ووصي نبي الرحمة والهدى، خاتم المرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يوم من أيام الإسلام الخالدة، يحتفل به المؤمنون، ويتبادلون فيه التهاني كعيدي الفطر والأضحى، وكذكرى المولد النبوي الشريف.

في هذا اليوم، وفي حجّة الوداع، جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين، وهو عائد من حجه، في بقعة تسمى بغدير خمّ، وفي حر الهاجرة تفيأ ظل إحدى السمرات، وهي الشجرة العظيمة، حيث وضع له منبر من أحداج الإبل، فاعتلاه مخاطباً جموع الحجيج:

((أيها المؤمنون ألست أولى بكم من أنفسكم؟)), قالوا: بلى يا رسول الله.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيفما دار))، آخذاً بيد علي ليقيم عليهم الحجّة.

وانطلق المسلمون يبايعون علياً (عليه السلام)، وكان أول المبايعين والمهنئين عمر بن الخطاب الذي قال له: (بخٍ بخٍ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ومسلمة)(1).

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل غدير خمّ يتحرج من مسألة إعلان الولاية لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) حتى لا يتهم بالتحيّز، مع أن الأمر إلهي.. حتى نزلت الآية الكريمة التي ترفع عنه الحرج، قال تعالى:

(يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة / 67.

وبعد البيعة والولاء لأمير المؤمنين (عليه السلام) نزلت الآية بقوله تعالى:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً) المائدة /3.

ومعنى ذلك أن الدين اكتمل والنعمة تمت بهذه البيعة والولاية، وما حدث بعد ذلك لا ندخل في تفاصيله، ولكن يكفي أن نفسره كما فسّره عمر بن الخطاب لابن عباس (رضوان الله عليه)، حيث قال:

(إن قريشاً كرهت أن تجتمع النبوة والإمامة في بني هاشم) .

ولا ندري كيف يكره القوم أمراً اختاره الله ورسوله، وقد قال في كتابه العزيز:

(وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) الحشر / 7.

(وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ فَإِن تَوَلّيْتُمْ فَإِنّمَا عَلَى‏ رسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) التغابن /12.

بعض الفقهاء المسلمين يفسرون آية إكمال الدين وإتمام النعمة بغير هذا التفسير، وفي ذلك أقوال:

أحدها: أن معناه أكملتُ لكم فرائضي وحدودي وحلالي وحرامي بتنزيل ما أنزلت وبيان ما بيّنت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم، وكان ذلك يوم عرفة عام حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة.

ثانيها: أن معناه اليوم أكملتُ لكم حجكم وأفردتكم بالبلد الحرام، تحجونه دون المشركين، ولا يخالطكم مشرك.

ثالثها: أن معناه اليوم كفيتكم الأعداء وأظهرتكم عليهم، والمروي عن الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنه لما أنزل، بعد أن نصب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) للأنام يوم غدير خمّ، منصرف من حجّة الوداع، قالا: ((وهو آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ثم لم ينزل بعدها فريضة)) .

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً) المائدة 3

اختلف في تفسير هذه الآية، ونحن نعرض لهذه الأقوال المختلفة من الطرفين كناقلين، لا مؤيدين، ولا مفندين، ونترك القارىء يستفتي عقله وحده.

قال فريق من علماء المسلمين: المراد بالآية، أن الله سبحانه أكمل للمسلمين دينهم بتغليبه وإظهاره على كل الأديان، رغم محاربة أهلها ومقاومتهم له وللمسلمين، وأتمّ نعمته عليهم بالنص على عقيدته وشريعته أصولاً وفروعاً، وأبان جميع ما يحتاجون إليه في أمر دينهم ودنياهم.

وقال فريق آخر من العلماء: يصح تفسير الآية بهذا المعنى إذا لم تقترن بحادثة تفسرها، وتبين المراد منها، فإن كثيراً من الآيات تفسرها الحادثة التي اقترنت بزمن نزولها.

ثم أضافوا: وهذه الآية اقترنت بحادثة خاصة تفسرها وتبين المراد منها، واستدلوا على ذلك بما يلي:

أولاً: اتفق علماء المسلمين على مختلف مذاهبهم، المفسرون منهم والمؤرخون، على أن سورة المائدة بجميع آياتها مدنية، ما عدا هذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فإنها نزلت في مكة، وفي السنة العاشرة للهجرة، وهي السنة التي حجّ فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجة الوداع، لأنه انتقل إلى جنان ربّه في شهر صفر سنة إحدى عشرة.

ثانياً: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن قضى مناسكه في هذه السنة توجه إلى المدينة، ولما بلغ غدير خمّ، أمر مناديه أن ينادي بالصلاة، فاجتمع الناس قبل أن يتفرقوا، ويذهب كل في طريقه إلى بلاده، فخطبهم وقال فيما قال:

((إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فعلي مولاه)).

يقولها ثلاثاً، وفي رواية أربعاً، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم):

((اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب)).

والفريق الآخر لا ينكر هذا الحديث بعد أن تجاوز حد التواتر 130 صحابياً، و84 تابعياً، و360 إماماً وحافظاً للحديث، وفيهم الحنفي والشافعي وغيرهما…

ولكن الكثير منهم فسّروا الولاية بالحبّ والمودة، وأن المراد من قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):

((من كنت مولاه)) من أحبني فليحب عليا, وقد رُدّ التفسير بأن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه)) يدل صراحة على أن نفس الولاية التي ثبتت لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على المؤمنين فهي ثابتة لعلي (عليه السلام)، دون زيادة أو نقصان، وهذه الولاية هي السلطة الدينية والزمنية، حتى ولو كان للفظ الولاية ألف معنى ومعنى.

وعلى هذا يكون معنى الآية، أن الله سبحانه أكمل الدين في هذا اليوم بالنص على علي بالخلافة!

ويتساءل البعض، أن إكمال الدين بإظهاره على الأديان، وبيان أحكامه كاملة وافية, واضح لا يحتاج إلى تفسير، أما إكمال الدين بالنص على خلافة علي، فلا بد له من التفسير والإيضاح.

وبيان ذلك: أن الإكمال حقاً لا يتم إلاّ بوجود السلطة التشريعية والتنفيذية معاً، والأولى وحدها ليست بشيء ما لم تدعمها الثانية، وقد كان التنفيذ بيد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فظن أعداء الإسلام أن السلطة التنفيذية ستذهب بذهاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذهابها يذهب الإسلام… فأقام النبي علياً ليحفظ الشريعة من بعده، ويقيم الدين كما أقامه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبهذا لم يبق للكفار أي أمل في ذهاب الإسلام أو ضعفه .

وقد أورد الزرقاني أن معنى إكمال الدين هو إنجاحه وإقراره، لأن الإسلام كان قد علت وظهرت شوكته، وفي مقابل هذا التفسير رأي السيد الطباطبائي في معنى الإكمال: إعزاز الدين، وإظهار شوكته وتمام النعمة، وفي تأكيدنا على إدراج هذه الآية في بحثنا، إنما يعود لسبب ارتباطها بها.

بقي أن ندحض شبهة أثيرت حول تعيين آخر ما نزل من القرآن.

قالوا: لماذا لا تكون آية المائدة آخر ما نزل من القرآن؟ وهي قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً ) المائدة / 3، ومع أنها صريحة في أنها إعلام بإكمال الله لدينه في ذلك اليوم المشهود الذي نزلت فيه، وهو يوم عرفة في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، والظاهر أن إكمال الدين لا يكون إلا بإكمال نزول القرآن، وإتمام جميع الفرائض والأحكام.

والجواب: أن هناك قرآناً نزل بعد هذه الآية بأكثر من شهرين، ولعلك لم تنس أن آية: (وَاتّقُوْا يَوْمَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّى‏ كُلّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) البقرة / 318, كانت آخر الآيات نزولاً على الإطلاق، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاش بعدها تسع ليالٍ فقط، وتلك قرينة تمنعنا أن نفهم إكمال نزول القرآن من إكمال الدين في آية المائدة المذكورة.

والأقرب أن يكون معنى إكمال الدين فيها يومئذٍ هو إنجاحه وإقراره، وإظهاره على الدين كله ولو كره الكافرون، ولا ريب أن الإسلام في حجة الوداع كان قد قويت شوكته، حتى لقد أجلِيَ المشركون عن البلد الحرام! ولم يخالطوا المسلمين في الحج والإحرام.

قال ابن جرير في تفسير الآية المذكورة: (الأولى أن يُتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، فلا يخالطوا المسلمين أثناء حجهم…) .

وبناء عليه، يكون معنى إكمال الدين في (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) يفيد أن المراد به هو مجموع المعارف والأحكام المشرّعة وقد أضيف إلى عددها اليوم شيء، وأن النعمة أياً ما كانت أمر معنوي واحد، كأنه كان ناقصاً غير ذي أثر، فتمم وترتب عليه الأثر المتوقع منه، فالإسلام وهو مجموع ما نزل من عند الله سبحانه ليعبده به عباده، دين وهو من جهة اشتماله – من حيث العمل به – على ولاية الله وولاية رسوله وأولياء الأمر بعده، نعمة.

فمثل معنى الآية: الْيَوْمَ ـ وهو اليوم الذي يئس فيه الذين كفروا من دينكم ـ أكملت لكم مجموع المعارف الدينية التي أنزلتها إليكم بفرض الولاية، وأتممت عليكم نعمتي وهي الولاية، التي هي إدارة أمور الدين وتدبيرها تدبيراً إلهياً، فإنها كانت إلى اليوم ولاية الله ورسوله، وهي إنما تكفي ما دام الوحي ينزل، ولا تكفي لما بعد ذلك من زمان انقطاع الوحي، ولا رسول بين الناس يحمي دين الله ويذب عنه، بل من الواجب أن ينصّب من يقوم بذلك، وهو ولي الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم), القيّم على أمور الدين والأمّة، فالآية تنبئ عن أن المؤمنين اليوم في أمن بعد خوفهم، وأن الله رضي لهم أن يتدينوا بالإسلام الذي هو دين التوحيد، فعليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.

ولئن خلا المجتمع من المشركين، فما خلا من المنافقين المفسدين، وفيهم من هو أشد من المشركين إضرارا وإفسادا، وهم المنافقون على ما كانوا عليه من المجتمعات السرية والتسرب في داخل المسلمين، وإفساد الحال، وتقليب الأمور، والدس في الدين، وإلقاء الشبهات، فقد كان لهم نبأ عظيم، تعرّضت لذلك آيات جمّة من القرآن كسورة (المنافقون) وما في سورة البقرة والنساء والمائدة والأنفال وبراءة والأحزاب وغيرها.

فليت شعري أين صار جمعهم؟

وكيف خمدت أنفاسهم؟

وعلى أي طريق بطل كيدهم وزهق باطلهم؟

وكيف يصح مع المنافقين أن يمتن الله يومئذ على المسلمين بإكمال ظاهر دينهم، وإتمام ظاهر النعمة عليهم، والرضا بظاهر الإسلام، بمجرد أن دفع عن مكة أعداءهم من المشركين، والمنافقون أعدى منهم وأعظم خطراً وأمرّ أثراً!

وتصديق ذلك قوله تعالى يخاطب نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنّهُمْ خُشُبٌ مُسَنّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى‏ يُؤْفَكُونَ) المنافقون / 4.

وكيف يمتن الله سبحانه ويصف بالكمال ظاهر دين هذا باطنه، أو يذكر نعمه بالتمام وهي مشوبة بالنقمة، أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه! – مجيب جواد هادي

رابط  :

https://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/14/book_57/yaowm-ghadir-akmal.htm

رابعاً

 

نزول آية الولاية في  24 من ذي الحجة

 

تاريخ وقوعها بالشهر واليوم

1- يقول  ابن إدريس الحلي في كتابه ( السرائر ) ( 1 / 418 ) :[ وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة ، باهل رسول الله صلى الله عليه وآله ، بأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام ، نصارى نجران ، وفيه تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه   .

2- يقول شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي في كتابه ( مصباح المتهجد ) ص 758 :[ يوم الرابع والعشرين منه : في هذا اليوم تصدق أمير المؤمنين صلوات الله عليه بخاتمه وهو راكع الصلاة فيه  .

3- يقول العلامة ابن المطهر الحلي في كتابه ( منتهى المطلب ) ( 6 / 155 ) :[ مسألة : وروى الشيخ أنّه يستحبّ أن تصلَّى صلاة يوم الغدير في الرابع والعشرين من ذي الحجّة أيضا مع صلاتها في ذلك اليوم ، وهو اليوم الذي تصدّق فيه أمير المؤمنين عليه السّلام بخاتمه وهو راكع في الصّلاة ونزلت فيه قوله تعالى ( إنما وليكم الله ورسولهالآية . وذلك ، لأنّ فيه اعترافا بنعمة الله تعالى ، وشكرا على ما منّ به من إكمال الدين وثبوت الولاية لأهلها    [

4- يقول الشهيد الأول في كتابه ( البيان ) ص 217 : [ وسابعها : صلاة اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة ، وقت تصدق علي عليه السّلام بخاتمه ، تصلَّى قبل الزوال بنصف ساعة بصفة صلاة الغدير  [

5- يقول علامتهم الملقب بالشهيد الثاني في كتابه ( الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ) ( 2 / 135 ) : [ وهو اليوم الرابع والعشرون من ذي الحجة الحرام ، أراد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يباهل ( نصارى نجران ) ، فخرج مع أهل بيته : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام . وفي ذلك اليوم أيضا تصدق علي عليه السلام بخاتمه في حالة الركوع فنزلت الآية الكريمة : ” إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ” [
فإعراضهم عن ذكر السنة التي وقعت فيها القصة مع ذكرهم لليوم والشهر يزيد من وهن القصة وبطلانها لأنه بخلاف ما جرت عليه عادة المؤرخين إزاء الحوادث والوقائع.

 

هذا وبالله التوفيق وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

جمع وترتيب

خالد محيي الدين الحليبي

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم لا سيما المسلمين والتحذير من عدوهم و تثقيفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم ثم مستقبلهم في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

کمال الإحسان من منظور القرآن الکریم

طهران – إکنا : عرض القرآن الکریم معاییر الإحسان لیعلّم المسلمین أصول السلوک والعقیدة الإسلامیین. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.