الجزائر : قاد مقاومة الجزائر ضد احتلال فرنسا للصحراء لربع قرن…من هو الشيخ بوعمامة؟

شفقنا :

تقرير- وصفه المؤرخون بـ”عبد القادر الجزائري الثاني”، بسبب قدرته على مجابهة القوات الفرنسية لمدة فاقت 23 سنة، حتى بلغت شهرته كل الأصقاع، حيث كادت مقاومته أن تعم الغرب الجزائري كله.

 

هو الشيخ بوعمامة، الذي لم يخش الجيش الفرنسي، بل كان في كل مرة يخدش من مهابته في معارك متتالية، عطلت التوسع الاستعماري في الجنوب الغربي الجزائري عدة سنوات.

 

يعد المجاهد الشيخ بوعمامة أحد أبرز وجوه المقاومة الجزائرية المبكرة ضد الاستعمار الفرنسي، كذلك يعد مثالاً على تآخي الشعبين المغربي والجزائري في الدفاع عن حرية وكرامة بعضهما البعض.

 

لوحة تاريخية عن كفاح الشيخ بوعمامة 1833-1908 كان الشيخ بوعمامة الرجل التاريخي, المجاهد المشهور والشخصية التقية المتزهذة لجنوب غرب الجزائر. ينتمي الشيخ بوعمامة إلى قبيلة أولاد سيد الشيخ وسمي “بوعمامة” لأنه يرتدي الشاش ككل العرب. فكان قائدا محنكا حيث استطاع أن يقود الصمود ضد الاستعمار من 1881 إلى 1908 وذلك بالمشاركة في عدة معارك على غرار الأمير عبد القادر والشيخ المقراني وغيرهم من اللذين كرسوا حياتهم للكفاح المسلح لكي تعيش الجزائر حرة مستقلة.

 

لعبت الطرق الصوفية في منطقة الجنوب الغربي الجزائري دورا هاما في المقاومة الشعبية المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي،ومن أهم الطرق الصوفية التي ساهمت في إعادة تجديد وتعميق الروح الإسلامية بين قبائل الجنوب الغربي الجزائري،وهي حميان والعمور والطرافي وأولاد زياد وقبائل القصور هي الطريق العمامية أو كما سماها الشيخ بوعمامة بالإيمانية والذي يهمنا في هذه المداخلة هو إبراز أثر دور الطريقة الصوفية العمامية في مجتمع المنطقة خلال فترة الاستعمار الفرنسي،حيث كانت تشكل مكانا للقوة،ووظفت لغرض التأكيد على القواعد والقيم الإسلامية لضمان الانسجام الاجتماعي،حيث أخذت الشكل المنظم والمؤسساتي ونمط للحفاظ على المعايير الاجتماعية والوعي الجمعي،وساهمت كظاهرة اجتماعية في إنتاج تغيرات اجتماعية ولعبت دورا تجديديا في إحداث أوضاع ومنظومات اجتماعية جديدة داخل مجتمع منطقة الجنوب الغربي الجزائري والذي كان يمر بمرحلة تفكك إجتماعي أملتها إخفاقات النظام السياسي التقليدي،وأجهزته المؤسسة على العصبية القبلية.

 

ليست المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، والتي انتهت بالانتصار عليه وتحرير الأرض في 5 يوليو/ تموز 1962، وليدة لحظة كتلك التي انفجرت فيها الثورة أو نضال كالذي خاضه رجالاتها فحسب. بل سيرورة تراكمية من الكفاح، دامت لعقود، وانطلقت منذ أول وطأة قدم غازية أراضي البلاد.

 

هذا ما تؤكده ملحمة كتلك التي قادها المقاوم محمد بن العربي بن الشيخ، الملقب بالشيخ بوعمامة، نهاية القرن الـ19 م. كما تؤكد تآخي الشعبين المغربي والجزائري، وانخارط المغاربة منذ ذلك الوقت في نجدة إخوانهم في الجزائر، من أجل رفع جور الاستعمار الذي طال بلادهم وقتها.

 

ما قبل مقاومة الشيخ بوعمامة

 

بعد احتلال الفرنسيين الجزائر سنة 1830، انطلقوا لبسط نفوذهم الاستعماري على أراضي البلاد كلها، بما فيها منطقة الجنوب الغربي حيث يعيش الفرع الشرقي من قبائل ولاد سيدي الشيخ، التي تمتد أراضيها من شرق المغرب إلى غرب الجزائر. فشنوا ضد تلك المنطقة حملات عسكرية عديدة، أبرزها التي قادها العقيد جيري سنة 1845، وحملة الجنرال كافينياك سنة 1847، وحملة الجنرال بيلسيي سنة 1849.

 

ومنذ أول موطئ قدم لهم في المنطقة، عمد الاستعمار الفرنسي إلى استمالة زعامة قبائل ولاد سيدي الشيخ الشراقة (الشرقيين)، ونصب زعيمها جعفر بن بوبكر خليفة على الجنوب الجزائري وصولاً إلى مدينة ورقلة. وخلفه بعدها في المنصب أخوه حمزة بن بوبكر، ثم بوبكر بن حمزة، فسليمان بن حمزة الذي أعلن عصيان القبيلة للحكم الفرنسي، واستقال من منصبه لقيادة الجهاد ضده.

 

استشهد سليمان بن حمزة في أول معركة له ضد الفرنسيين سنة 1864، لكنه نجح في قتل قائد القوات الفرنسية فيها الجنرال بوبريتر. وحمل لواء المقاومة بعده ابنه محمد بن سليمان، الدي استمر وصولاً إلى سنة 1867.

 

في هذا الوقت كان الشيخ بوعمامة الذي تعددت المصادر التاريخية حول أصول قبيلته وامتدادها بين المغرب والجزائري، يراقب أبناء عمومته يذبحون على يد الاستعمار، وستمثل له هذه القوة الحاشدة لخوض غمار الجهاد ورفع ذلك الكرب عنهم. غير أنه “لم تقم مقاومة الشيخ بوعمامة من عدم دون تحضير ورغبة، بل كانت تلك المسألة في ذهن الشيخ قبل اندلاعها بسنوات” يقول الدكتور عبد القادر خليفي، في مقاله “خصائص مقاومة الشيخ بوعمامة”.

 

الملحمة

 

في إطار تخطيطه المحكم لثورته، خصوصاً وأنه ومع اشتداد عوده أخذ يكتسب ثقلاً دينياً أكبر، بتفقه في الدين وتقواه وورعه، وتأكد ذلك بتوليه شيخاً للزاوية البوشيخية وزعيم طريقتها الصوفية. ولعب مقدمو الزاوية دوراً كبيراً في حشد القبائل إلى الجهاد، ودعوتهم للانضمام إلى حركة الشيخ بوعمامة المقاومة.

 

وحسب مقال الدكتور عبد القادر خليفي، يذكر أحد الضباط الفرنسيين الذين عاصروا الشيخ، بأنه “منذ سنة 1878، نفذ مقدمو الشيخ بوعمامة أعمالاً مشتبهاً فيها لدى القبائل البدوية جنوبي إقليم وهران، يبشرون بالجهاد ويسجلون الإخوان وينظمون جهودهم من أجل حركة عامة”.

 

إلى حين حدوث أول مواجهة بين الشيخ والقوات الاستعمارية بمعركة صفيصفة في أبريل/نيسان 1881، حيث نجحت المقاومة في دحر العدو الفرنسي، والانتصار عليه. ولم يفقد بوعمامة خلال تلك المعركة سوى عدد قليل من المجاهدين، وزاد ذلك الانتصار في انضمام متطوعين جدد في حملته.

 

وأمام خطورة الوضع سارعت السلطات الاستعمارية إلى إرسال قوات إضافية إلى المنطقة، من أجل قمع الثورة والقضاء عليها، وتمثل هذا المدد الذي في فرقتين من المتعاونين الجزائريين، وقافلة عسكرية من 2500 جندي فرنسي و600 جزائري. غير أن هذه القوات كلها فشلت في الانتصار على الشيخ في معركة ثانية قرب منطقة قصر الشلال، في مايو/أيار 1881.

 

بعد هذين الانتصارين انسحب الشيخ بوعمامة تكتيكياً نحو مدينة البيض، حيث اعتمد على حرب العصابات ضد الاستعمار الفرنسي، ومهاجمة مصالحه الاقتصادية في المنطقة، والعمل على خلق جو من التهديد الدائم لإرباك صفوف العدو.

 

وبين سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول عام 1881 تعرضت القوات الفرنسية بقيادة كل من الجنرال كولونيو والجنرال لويس إلى هجمات المجاهدين قرب منطقة العين الصفراء، قام على إثرها الجنرال لويس بتحطيم القصرين اللذين كان يمتلكهما الشيخ بوعمامة وهما قصر مغرار الفوقاني وقصر مغرار التحتاني، كما دمرت زاوية الشيخ بوعمامة أيضاً.

 

وفي سنة 1882، لاحقت قوات الاحتلال الشيخ بوعمامة في الأراضي المغربية لكنه رد عليها بهجوم عنيف في منطقة شط تيغري كبد العدو خسائر فادحة في الأرواح وأجبره على الانسحاب. وعاد المجاهد المغربي إلى الاستقرار مرة أخرى في فكيك، من أجل تنظيم خطوطه، ومنها قاد حملاته لإرباك خطوط الاستعمار.

 

ولم تنجح السلطات الفرنسية في كسر شوكة الشيخ بوعمامة، هكذا عملت على استمالته، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل. لتنتهي بمنحه الأمان دون قيد أو شرط، سنة 1899، بنية أن تسلم من مقاومته.

 

مقام الشيخ الأخير

 

ومن فكيك في الجنوب، عاد الشيخ بوعمامة ليستقر في مدينة وجدة أقصى الشرق المغربي، حيث أعاد تأسيس الزاوية الشيخية بها، وعاش آخر أيامه قائماً على تلك الزاوية. وتوفي سنة 1908بمدينة العيون الشرقية المغربية، وما زال إلى اليوم قبره مزاراً لأهالي المنطقة من أجل التبرك به.

 

وعاش الشيخ بوعمامة حوالي 70 سنة، حيث ولد سنة 1838 بمدينة فكيك، ينتمي إلى قبيلة أولاد سيدي الشيخ من سلالة عائلة أولاد الحرمة التي تنحدر من أولاد سيدي التاج الابن الثالث عشر للجلد الأول سيدي الشيخ، وقد حصر هذا الفرع في المغرب الأقصى وما حددته معاهدة لالة مغنية. ويعود نسب قبيلة أولاد سيدي الشيخ إلى عبد الرحمن ابن الصحابي الجليل أبو بكر الصديق.

 

نشأته

 

لم تتفق الروايات على مولد الشيخ بوعمامة، لكن معظمها حصرتها ما بين (1838 و1840) في قصر الحمام الفوقاني بفكيك المغربية.

 

يتصل نسبه بمؤسس الطريقة الشيخية، الشيخ عبد القادر بن محمد، المعروف محليا باسم “سيد الشيخ”، وهو سليل عائلة أولاد الحرمة، التي تنحدر من أولاد سيد التاج، وكان والده يبيع البرانيس والحلي.

 

اسمه الحقيقي محمد بن العربي بن الشيخ بن الحرمة، المشهور بـ”الشيخ بوعمامة”، وهي تسمية لازمته طول حياته كونه يضع عمامة على رأسه.

 

ولما بلغ 37 سنة، غادر مسقط رأسه متجها إلى مغرار التحتاني الجزائرية سنة 1875، أين أسس زاوية لتعليم القرآن، ومنها تكوّنت شعبيته وسط قبائل المنطقة.

 

المقاومة

 

لا تختلف أسباب اندلاع مقاومة الشيخ بوعمامة عن باقي الثورات الشعبية، التي انتفضت ضد الجيوش الفرنسية في الجزائر.

 

لكن وجه الاختلاف بينها وبين المقاومات التي سبقتها يكمن في أنها مرت بمراحل، فكانت البداية عسكرية ثم أعقبتها المرحلة السياسية لتنتهي إلى الفشل والاستسلام.

 

سمعة الشيخ بوعمامة، مكنته من التأثير في القبائل المعمّرة لمنطقة الجنوب الغربي الجزائري، وتوحيدها على كلمة واحدة بشأن مقاومة الاستعمار الفرنسي.

 

ففي الوقت الذي كانت فيه السلطات الاستعمارية تعلن الحماية على تونس، اغتنم الشيخ بوعمامة الفرصة ليعلن المقاومة الشعبية ضدها في سنة 1881.

 

ودامت مقاومة الشيخ بوعمامة 23 سنة، شهدت مواجهتين كبيرتين مع الجيوش الفرنسية، الأولى بمنطقة صفيصيفة والثانية في الشلالة.

 

​​لماذا فشلت مقاومته؟

 

رغم المقاومة الشرسة إلا أن ثورة الشيخ بوعمامة انهارت وفشلت، عزاها المؤرخ عبد الباسط شرقي إلى أسباب “مُركّبة”.

 

وطرح شرقي في تصريح لـ”أصوات مغاربية”، روايتين لهذا الفشل، الأولى تفيد بوجود ضعف في التجهيزات العسكرية لدى بوعمامة مقارنة بالجيش الفرنسي، فضلا عن مشاكل قبلية بين مناوئ ومناصر لثورته.

 

أما الرواية الثانية، التي تستند على مصادر مغربية، فتفيد، بحسب شرقي، بأن السبب الرئيسي هو “أدوار بوعمامة المتقلبة، فتارة يتحالف مع المخزن وأحيانا يثور عليه، ناهيك عن تقلص مجال تحركه”.

 

وتبقى الأسطوغرافيا الجزائرية في جل مصادرها تمجد مقاومة بوعمامة، وفق منظور شرقي، بخلاف الأسطوغرافيا المغربية، التي تصفه بـ”الخائن الخارج عن سلطة المخزن”.

 

هل استسلم؟

 

مهما كانت التحفظات على الشيخ بوعمامة وعدم تحقيقه لأهداف المقاومة ضد القوات الفرنسية، إلا أنه، حسب المؤرخ عكروت خميلي “أثبتت قدرته على المقاومة وطول النفس وعرقلة التوسع في المنطقة”.

 

وفي معرض حديثه عن فرضية استسلام الشيخ بوعمامة، يرجح عكروت أن تكون هذه الفرضية “عارية من الصحة لعدم توفر أي وثائق تاريخية تثبت ذلك”.

 

ويقدّر المؤرخ أن يكون الشيخ بوعمامة طلب الأمان بوساطة من ملك المغرب، وتفاوض على ذلك، لكن لا توجد شواهد على هذا الكلام.

 

ويجزم عكروت بأن “الحقيقة المتفق عليها أنه كان محاصرا من فرنسا وأعوانها، لذلك لم يكن يمتلك أوراقا كافية لحماية أي شيء، عدا نفسِه، إلى أن وافته المنية سنة 1908 في واد بورديم بالمغرب”.

 

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم لا سيما المسلمين والتحذير من عدوهم و تثقيفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم ثم مستقبلهم في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

الخارجية الإيرانية : للشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة الحق القانوني بالرد على عدوان الكيان الصهيوني .. و أنصار الله تدين العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

المنار : دانت طهران بشدة “العدوان الوحشي لنظام الفصل العنصري الصهيوني على غزة واغتيال قادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.