ألمانيا – هل على الدولة التدخل ومنع انهيار شركات الطاقة؟

DW :

بعد زيادة اعتمادها على الغاز الروسي، طلبت شركة “يونيبر” الألمانية العملاقة للطاقة من الحكومة إنقاذها مع تفاقم الأزمة. لكن هل يجب على دافعي الضرائب تحمل عبء هذا النموذج الاقتصادي السيء وإنقاذ يونيبر وأخواتها؟

    بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي بشكل كبير طلبت شركة يونيبر العملاقة من الحكومة الألمانية إنقاذها

بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، طرح تساؤل مفاده: هل البنوك غير المسؤولة “أكبر من أن تفشل وتترك لتنهار؟” وعلى وقع الحرب الروسية في أوكرانيا وما تلا ذلك من أزمة الطاقة، يطرح التساؤل ذاته بشأن شركات الطاقة التي تعتمد على الوقود الأحفوري الروسي.

مختارات

كانت شركة “يونيبر” الألمانية للطاقة من أكثر الكيانات المطالبة باستيراد  الغاز الروسي منذ وقت طويل، فيما شهد يوم الجمعة الماضية (08 يوليو/ تموز 2022) تقديم الشركة طلبا للحكومة لإنقاذها جراء أزمة نقص إمدادات الغاز التي تعصف بالكثير من البلدان الأوروبية. حيث تسعى الحكومات في التكتل إلى تأمين إمدادات الطاقة قبل فصل الشتاء مع استمرار الحرب الروسية وما نتج عن ذلك من نقص في إمدادات الغاز والنفط إلى أوروبا.

وقالت الشركة التي تعد أكبر مستورد للغاز الطبيعي في ألمانيا، إن إمدادات الغاز الروسية انخفضت بنسبة 60 بالمائة عن المستويات العادية، ما أجبرها وغيرها من الشركات المنافسة على البحث عن سبل لسد هذه الفجوة من خلال عمليات شراء الغاز من مصادر أخرى من السوق الفورية بأسعار باهظة تتغير بمعدل يومي. والجدير بالذكر أن سعر الغاز الطبيعي قد ارتفع بنسبة بلغت 60 بالمائة مقارنة بالعام الماضي.

وقد وافقت الحكومة الألمانية يوم الجمعة الماضية على تشريع من شأنه أن يسهل تقديم تمويل طارئ لموردي الطاقة مثل شركة “يونيبر” في حالة تعرضها لأزمات. حيث قدمت الحكومة قرضا في يونيو/ حزيران الماضي بقيمة 10 مليارات يورو (10,1 مليار دولار) إلى شركة “غازبروم جيرمانيا” بهدف إنعاشها وتجنب إفلاسها ومساعدتها على توفير إمدادات بديلة للطاقة. وكانت الشركة بمثابة الذراع الألماني لشركة الغاز الروسية، غاز بروم، فيما يُرجح أن تحذو شركات ألمانية حذوها.

مصنع للكيماويات في مدينة لوفيغسهافن الألمانيةألمانيا في حاجة إلى إمدادات طاقة كبيرة لاستمرار عملية التصنيع خاصة في قطاع السيارات والآلات والكيماويات

نموذج تجاري سيء

وقال تيلمان آيششتيدت، أستاذ الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد في جامعة العلوم التطبيقية في برلين، إن هناك “عمليات إنقاذ لشركات ذات نموذج اقتصادي سيء.”

وفي مقابلة مع DW، أشار آيششتيدت إلى أن التقرير المالي الذي صدر عن شركة “يونيبر” أواخر فبراير/ شباط مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا قد صنف المخاطر المالية التي تواجه الشركة باعتبارها “معتدلة”. وجاء في تقرير الشركة أنه “في أسوأ الأحوال هناك احتمال بنسبة 1 بالمائة فقط من الخسارة الناجمة عن هذه الفئة ستكون أعلى من المتوسط بما يتراوح ما بين 20 إلى 100 مليون يورو سنويا”ن حسب ما ذكره آيششتيدت.

تزامن هذا مع استمرار النقاش بين السياسيين في ألمانيا حول تقديم حزمة مساعدات للشركة بقيمة 9 مليارات يورو. وقال آيششتيدت إن العديد من كبرى شركات الطاقة في ألمانيا أصدرت تقارير مماثلة حتى بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا رغم أن أسعار الطاقة قد ارتفعت بالفعل في ذاك الحين. وأضاف أنه “كانت هناك بوادر جيدة وإشارات قوية لدفع هذه الشركات إلى تغيير خططها، لكنها لم تفعل ذلك”.

على غرار بنك ليمان براذرز

يشار إلى أن واردات النفط والغاز الروسية الرخيصة السعر ظلت جزءا لا يتجزأ من النشاط التجاري والاقتصادي في ألمانيا. حيث شكلت واردات النفط الروسية قرابة 35 بالمائة في ألمانيا، فيما بلغت واردات الغاز الروسية نسبة 55 بالمائة العام الماضي .وتعد شركة يونيبر موردا رئيسيا لتلبية احتياجات المنازل الألمانية من مصادر الطاقة.

وفي ذلك، قال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك “إذا أصبح هذا النقص عبئا لدرجة أن الشركات لا تستطيع تحمله ما يعني انهيارها، فإن السوق بأسرها ستصبح مهددة بالانهيار في مرحلة ما على غرار أزمة ليمان براذرز”، في إشارة إلى الانهيار المالي عام 2008.

وكانت السلطات الأمريكية عام 2008 قد سمحت في النهاية بانهيار بنك “ليمان براذرز” عقب التأكد من صعوبة استمرار العمل. ويثير ذلك تساؤلات من قبيل: هل بمقدور منظومة وشركات الطاقة تحمل تبعات انهيار البنية التحتية الحيوية إذا كان سيؤدي إلى تحرير الاقتصاد من الشركات والكيانات التي تهدد المناخ والأمن القومي؟

الواح الطاقة الشمسية على الأسطح في مدينة فرايبورغ الألمانيةيحذر الخبراء من تكرار تجربة الاعتماد على الغاز الروسي بالاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية المستوردة من الصين في التحول إلى الطاقة النظيفة

من جانبه، أقر ميشائيل كوتر، الخبير الاقتصادي ورئيس الأسواق المالية في معهد هاله للأبحاث الاقتصادية، بأن السماح بفشل الشركات الكبيرة مثل “يونيبر” بما يشمل إطلاق تحول صعب لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري قد يسهم في تسريع التحول الأخضر.

الجدير بالذكر أن ألمانيا تهدف في الوقت الحالي إلى خفض انبعاثات الكربون بنسبة 65 بالمائة على الأقل بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 1990. فيما حذر كوتر من أن التداعيات السياسية من المرجح أن تلقي بظلالها على الأمر.

وقال في مقابلة مع DW “إذا لم نتمكن من الحفاظ على تدفئة المنازل والمصانع بشكل أساسي خلال العام المقبل، فسوف نفقد الدعم السياسي الذي نحظى به في الوقت الحالي. وهذا يعد أمرا ضروريا لمحاربة العدوان الروسي”.

تقاسم الخسائر

يقول خبراء: إن خطة الإنقاذ قد تؤثر سلبا على إدارة الشركات المعرضة للخطر؛ لكن في المقابل يرى آخرون أن امتلاك الحكومات حصصا في هذه الشركات قد يحمل في طياته نواح إيجابية على المدى الطويل.

وفي ذلك، يقول كوتر “طبعا يمكن للحكومة أن تحاول بشكل مباشر جدا تنفيذ سياستها الانتقالية في مجال الطاقة. لكن فيما إذا كانت ستفعل ذلك بكفاءة حاليا، فهذا سؤال آخر”

من جانبه، يقول آيششتيدت إنه “كلما حافظت على الأسعار منخفضة، فإنك ستمنع الناس من تغيير سلوكهم. وهذا ما نحتاج إليه، إحداث تغيير في سلوكهم، باتجاه تقليل استهلاك الغاز.”

تفادي تكرار التجربة الروسية مع الصين!

ويرى كوتر أنه من أجل تجنب الوقوع في فخ التبعية مرة أخرى فيما يتعلق بالطاقة الخضراء، يتعين إنشاء بيئة اقتصادية تسمح للشركات بالتنافس مع بعضها البعض. يضيف بأن هذا التحرك نحو الاعتماد على مجموعة من التقنيات المختلفة في مجال التحول الأخضر من شأنه أن يخفف من الاعتماد المفرط على مصدر رئيسي واحد مثل الصين التي تهيمن على تصنيع الألواح الشمسية حول العالم في تفادِ لتكرار تجربة الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي.

وفي هذا السياق، يقول كوتر “أشعر بقلق بالغ من أن الصين تراقب ذلك عن كثب، إذ أن اعتمادنا على الصين لا يقل أهمية عن اعتمادنا على الغاز الروسي”

كريستي بلادسون/ م ع

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم لا سيما المسلمين والتحذير من عدوهم و تثقيفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم ثم مستقبلهم في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

هل يخرق “حزب الله” الخطوط الحمر أم يستعجل الاتفاق بين بيروت وتل أبيب؟

هل يخرق “حزب الله” الخطوط الحمر أم يستعجل الاتفاق بين بيروت وتل أبيب؟ يخشى البعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.