ليصبح الحوار المصري مثمراً : ثلاثة ملفات في انتظار الحسم

القدس العربي :

أحدثت الدعوة التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لحوار بين القوى الحية في المجتمع حالة من «الحراك» السياسي، وصنعت الدعوة حالة جيدة من الجدل السياسي بين جميع القوى والتيارات الفاعلة، تنوعت حالة الجدال بين «شروط» وضوابط لجعل هذا الحوار منتجاً، وبين تحديد أولويات القضايا المطروحة للنقاش، وطبيعة من ستتم دعوتهم، ثم ضمان أن يكون الحوار بين السلطة القائمة وأحزاب الموالاة من جانب وبين الأحزاب المعارضة التي لم تكن شريكة للسلطة طوال السنوات الفائتة من الجانب الآخر.
جميع القوى السياسية اتفقت على أن يكون إطلاق سراح سجناء الرأي وكل من لم يمارس العنف هو المقدمة الجادة لهذا الحوار، واعتبرت هذه القوى أن تلك الخطوة ستكون مهمة في سبيل بناء أجواء إيجابية تساهم في نجاح الحوار وفي إرسال رسالة للمتشككين في جدوى الحوار أو في إمكانية الوصول لتوافقات مهمة تضمن مستقبلاً مختلفاً.
والمؤكد أن الإفراج عن سجناء الرأي هو الخطوة الأولى والمبدئية في سبيل خلق أجواء مواتية للحوار، والمؤكد أيضاً أن هذا الملف قد بات عبئا حقيقياً على البلد وحاضره ومستقبله، وأن تصفيته بالكامل أضحت خطوة لا مفر منها قبل الحديث عن مستقبل مختلف أو جمهورية جديدة.
وبعيداً عن قضية سجناء الرأي التي هي بديهية لا تحتاج إلى جدال كبير، وهي محل اتفاق بين جميع القوى السياسية، فإن هناك نتائج إذا وصل إليها الحوار فإننا نستطيع أن نصفه بالناجح والمثمر، وفي تقديري فإن هناك ثلاثة ملفات هامة يجب أن يتناولها الحوار المنتظر ليصل الجميع فيها لاتفاق عام يرسم خريطة طريق للحاضر والمستقبل القريب.

التغيير السياسي المطلوب

أولاً: التغيير السياسي والديمقراطية واحترام الحقوق المدنية والسياسية: لا يمكن أن ينجح الحوار المقبل والمنتظر من دون الاتفاق على خطوات جادة في مسار التغيير السياسي المطلوب، هذا التغيير الذي يضمن فتح المجال العام المغلق منذ سبع سنوات، ووضع قواعد عادلة للمنافسة السياسية، وإطلاق حريات الرأي والتعبير والاعتقاد والصحافة والإعلام، وعودة المواقع الصحافية المحجوبة، واحترام روح ونصوص الدستور، وتعديل القوانين التي تساهم في دعم الاستبداد السياسي؛ مثل قوانين الصحافة والإعلام والتظاهر ومباشرة الحقوق السياسية ونصوص الحبس الاحتياطي «المطوّل» في قانون الإجراءات الجنائية فضلا عن قانون الانتخابات البرلمانية وغيرها من القوانين التي يتيح التخلص منها بناء حياة سياسية جادة وحرة بعيداً عن القيود والحصار، والتي ينتج عن تعديلها وجود جميع الأصوات الوطنية والسياسية مهما كانت درجة معارضتها أو اختلافها مع السلطة القائمة، فعلى أهمية الكثير من الملفات الساخنة والشائكة يبقى الملف السياسي بتعقيداته وتفاصيله هو الأهم، وهو القاطرة التي تخطو بالمجتمع إلى الأمام، وتضمن استقراراً يسمح بالتقدم على كل الأصعدة.
ثانيا: تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة: لا يمكن أن يتجاهل الحوار المنتظر الأزمة الاقتصادية الصعبة التي تتعرض لها مصر لا سيما خلال الفترة الأخيرة، وفي القلب من هذا النقاش يجب التوافق والاتفاق العام على وقف سياسة الاقتراض الخارجي التي ضاعفت من حجم الديون على مصر بدرجة خطيرة وغير مسبوقة، ثم الوقف- المؤقت على الأقل- للمشروعات الكبرى كالعاصمة الإدارية الجديدة وغيرها من المشروعات التي تنفق المليارات ولا تدر عائداً يسمح بالمساهمة في حل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، والاتفاق على أولوية المشروعات الإنتاجية فهي التي توفر العملة الصعبة التي تعاني مصر من ندرتها، ثم اعتبار التعليم والصحة هما الأولوية الحقيقية والجادة لأي مستقبل مختلف، وتغيير السياسات الاقتصادية ليصبح الانحياز الحقيقي لصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة عبر التوقف عن الاستجابة لشروط و«روشتة» صندوق النقد الدولي التي جعلت حياة هذه الطبقات أكثر صعوبة؛ بعد أن رفعت الدعم الاقتصادي عنهم وخفضت قيمة الجنيه بما زاد من الأعباء التي لم تعد تتحملها الأسر المصرية، وقبل كل هذا وبعده ضرورة التوافق على التوقف الفوري عن بيع أصول الدولة لا سيما لدول خارجية، بما يشكله هذا البيع من إهدار سافر للثروة الوطنية وتهديد جاد للأمن القومي المصري.
ثالثا: قضايا الأمن القومي ودور مصر العربي والدولي: في سبيل رسم خريطة طريق للمستقبل لا يمكن تجاهل الأخطار التي تواجه الأمن القومي المصري وتنتقص من دور مصر في محيطها العربي، وعليه فإن الحوار المنتظر عليه أن يضمن توافقاً بين جميع القوى على تحديد هذه الأخطار وطبيعتها وكيفية التعامل معها أولاً، وفي القلب منها قضية السد الإثيوبي بما يمثله من تهديد وجودي لمصر ومستقبلها، ثم قضية «الناتو» العربي الذي تسعى بعض الدول العربية لإقراره ليضمن سيطرة الاحتلال الصهيوني على المنطقة وقيادتها لها بدعم أمريكي، ثم قضية التطبيع الرسمي العربي مع دولة الاحتلال وكيفية «فرملة» هذا الاندفاع غير المبرر وغير المحسوب، ثم كيفية إعادة القوة والتأثير لدور مصر السياسي في الوطن العربي وأفريقيا والعالم، فضلا عن قضايا مواجهة الإرهاب والتطرف.

حد أدنى من التوافق

ثلاثة ملفات هي الأهم والأكثر تأثيرا في مستقبل مصر وقوتها وقدرتها على بناء مستقبل مختلف، فلا شك أن القطيعة التامة مع السنوات الفائتة، والوصول خلال الحوار السياسي المنتظر لحد أدنى من التوافق حول أولويات المرحلة المقبلة سيشكل نجاحاً حقيقياً لدعوة الحوار، وبداية جادة لطريق جديد يمكن السير فيه في سبيل بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، تلك الدولة التي رسم خطوطها العريضة الشعب المصري بنفسه في ثورة 25 يناير الخالدة، والتي ستخطو بمصر وشعبها خطوات مهمة إلى الأمام، فلا مستقبل مأمول يمكن الرهان عليه أمام حياة سياسية محاصرة، ومجال عام مغلق ومقيّد، وسياسات اقتصادية تفتقد للعدالة والرشد، وأمن قومي مستباح ومهدد بأخطار جادة لا يمكن التغافل عنها.
مصر تنتظر الحوار السياسي لتحكم عليه، فإما أن يكون سبيلاً للمستقبل، أو أن يتحول إلى «كرنفال» لا يقدم ولا يؤخر لنواصل السير في نفس الطريق المسدود الذي لا يفعل أكثر من إضاعة الوقت وسرقته من عمر هذا البلد وقدرته ورغبته في التقدم، وعلى أمل أن تكون النوايا حسنة بنفس درجة الانتظار الذي يسكن عيون الملايين من أبناء الشعب المصري الحالمين بوطن أرحب وأكثر عدلاً وحرية.

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم لا سيما المسلمين والتحذير من عدوهم و تثقيفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم ثم مستقبلهم في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

الخارجية الإيرانية : للشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة الحق القانوني بالرد على عدوان الكيان الصهيوني .. و أنصار الله تدين العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

المنار : دانت طهران بشدة “العدوان الوحشي لنظام الفصل العنصري الصهيوني على غزة واغتيال قادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.