مصر : أثر لا يُمحى.. سيرة ما بقي من الدولة الفاطمية في حياة المصريين

قبل ما يقارب 1100 عام بُنيَت القاهرة لتكون عاصمة الدولة الفاطمية في مصر، والعاصمة الرابعة لمصر الإسلامية بعد فسطاط عمرو بن العاص، وعسكر العباسيين، وقطائع أحمد بن طولون، ورغم الاختلاف الكبير كمًّا وكيفًا بين القاهرة الحديثة، وأصلِها القديم، فإن ما بقي من القاهرة الفاطمية يشهدُ بخصوصية تلك الفترة المهمة في تاريخ مصر الإسلامية، وتأثيراتها العميقة الضاربة في جذور الشخصية المصرية المعاصرة.

لكن لا شكَّ أن تباعدَ العصر الفاطمي عن زمننا (تسعة قرون) وتتابع عصورٍ مغايرة له عقائديًّا وسياسيًّا مثل: الأيوبي والمملوكي ثم العثماني فالحديث، والتي احتلّت زمنيا أضعاف الفترة الفاطمية، قد أسهم ذلك في تقليل مساحة الحضور الظاهر للبصمة الفاطمية في القاهرة التاريخية بالمقارنة على سبيل المثال بالمساجد والآثار المملوكية التي تحتل كل شبر في مناطق القاهرة الإسلامية، كما أن هناك ما يكاد لا يعد ولا يُحصى من الآثار الفاطمية التي محاها الزمن، مثل قصور الخلفاء الفاطميين.

«كان للخلفاء الفاطميين بالقاهرة وظواهرها قصور ومناظر، منها: القصر الكبير الشرقيِّ الذي وضعه القائد جوهر عندما أناخ في موضع القاهرة، ومنها: القصر الصغير الغربيّ، والقصر اليافعيّ، وقصر الذهب، وقصر الأقيال، وقصر الظفر، وقصر الشجرة، وقصر الشوك، وقصر الزمرّذ، وقصر النسيم، وقصر الحريم، وقصر البحر»*مؤرخ مصر الإسلامية الأشهر تقي الدين المقريزي في خططه

ويصف المؤرخ المملوكي الشهير ابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزاهرة» بعض الإنشاءات الكبرى في عهد العزيز بالله الفاطمي بن المعز، والتي لم يبقَ لها أثر في زمنه في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) فيقول: «وفي أيَّامه بنى قصر البحر بالقاهرة الذي لم يكن مثله لا في الشرق ولا في الغرب، وقصر الذهب ، وجامع القرافة، وقد محى آثار هؤلاء المبانى حتّى كأنها لم تكن».

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
جوهر الصقلي.. «الحلواني الذي بنى مصر» ثم ذاق من مرارتها

كذلك يشيد وول ديورانت في موسوعة «قصة الحضارة» بالمكتبة الفاطمية في عهد الحاكم بأمر الله، والتي حوت أكثر من مائة ألف مجلد، وكان يُتاح لطلاب العلم الاستعارة منها كما يحلو لهم، وبالطبع زالت تلك المكتبة بشكلٍ كامل، وهناك أمثلة أخرى على آثارٍ فاطمية مختفية اضمحلَّت، وحلَّت محلَّها آثارُ عصورٍ لاحقة، مثل جامع المقس الذي أنشأه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله على ضفة نهر النيل آنذاك، وأمر بإحاطته بحديقة غنَّاء يكثر فيها النخيل، ولاحقًا، ابتعد مسار النيل كثيرًا عن موضع جامع المقس، وقام مقامَه جامع الفتح الشهير في ميدان رمسيس في قلب القاهرة الحديثة.

في المقابل، صمدت بعض الآثار الفاطمية أمام عوادي الدهر، ولكن ظلَّ الحضور الفاطمي الأهم متمثلًا في بعض العادات الاجتماعية والمواسم الاحتفالية الدينية التي ما تزال لها شعبية جارفة لدى المصريين المعاصرين، وهذا ما سيتناوله هذا التقرير قبل المرور على الآثار المادية الباقية للفاطميين.

عادات ومناسبات واحتفالات

على مدار تاريخ الدولة الفاطمية في مصر، كانت هناك مفارقة بارزة، كانت محلَّ قلق وهمًّا شاغلًا للخلفاء الفاطميين وكبار سياسيِّي دولتهم، فقد كان الخلفاء والطبقة الحاكمة «أوليجاركية» أو نخبة عقائدية، تنتسب إلى المذهب الشيعي الإسماعيلي (وهو المذهب الشيعي الذي يعتقد في إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق بدلًا من ابنه الآخر موسى الكاظم الذي يعتقد بإمامته الشيعة الإثنى عشرية)، وسط طوفانٍ من الجماهير المصرية التي ظلَّ معظمها متمسِّكا بالمذهب السني الشافعي.

ورغم نشاط الدعاة الإسماعيليين في مصر الفاطمية لم يجر تحويل عقيدة المصريين، وساهم في تثبيت هذا الأمر الواقع تخوف الخلفاء الفاطميين من محاولة فرض مذهب الأقلية على الغالبية العظمى، فيتزعزع الاستقرار ويثور الشعب ثورةً عارمة.

في الفصل الأول من كتابه «الفاطمية .. دولة التفاريح والتباريح» يرى الكاتب جمال بدوي أن المفارقة السابقة دعت الخلفاء الفاطميين إلى محاولة تذويب الجليد بينهم وبين الجماهير المصرية عن طريق جمعهم حول مناسباتٍ دينية لا يختلف حولَها المسلمون في عمومهم، وصبغوا تلك المناسبات بأجواءٍ احتفالية وكرنفالية تناسب طبيعة المصريين البعيدة عن التعقيد، وميلهم الفطري إلى الدين.

ومن أبرز مناسبات الاحتفال الدينية، مولد الرسول عليه الصلاة والسلام، وذكرى الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وليالي رمضان، وكان الخلفاء وقادة الدولة يحرصون على حضور تلك الاحتفالات بأنفسهم في المساجد والساحات وسط الآلاف من عامة المصريين، وإلى اليوم، ما يزال الرئيس المصري وكبار وزرائه يحضرون الاحتفال بالمولد النبوي وغيره.

ولحب المصريين للحلوى، أصبح لكل من هذه الاحتفالات نوعٌ خاص من الحلوى، مثل القطايف والكنافة والخُشاف في رمضان، وحلوى مولد الرسول بشتى أنواعها، والتي ما يزال معظم المصريين حريصين على تناولها في ذكرى المولد، رغم ارتفاع أسعارها في الأعوام الأخيرة.

وعندما شجع الفاطميون الشعب المصري على ضم ذكرى استشهاد الحسين بن علي في عاشوراء من شهر المحرم، إلى جدول احتفالاتهم المزدحم، فإن تلك المناسبة الدافعة إلى الشجن واجترار آلام مأساة الحسين حظيت هي الأخرى بأطباق العاشورة المزودة بالسكر والزبيب والفانيليا والمكسرات، والتي لا تزال شعبيتُها جارفة إلى اليوم.

وكان الخلفاء يحرصون في تلك المناسبات على إغداق المنح والعطايا على أهل الولاء والشخصيات البارزة، وكذلك إقامة الولائم لعامة الناس، وذلك لاكتساب المزيد من الشعبية، ولكسر الحاجز النفسي بين جماهير المصريين و«المذهب الإسماعيلي» الذي يدين به الخلفاء الفاطميون، لكن لم تنجح تلك الجهود في تحويل قطاعٍ مؤثرٍ من المصريين من التسنن إلى التشيع الإسماعيلي، وإن كانت ضمنت مع قوة الدولة وسيفها، انتظام الجماهير في سلك الطاعة لخلفائهم على مدار قرنيْن كامليْن.

وإلى جانب مركزية الانتصار لمظلومية «آل البيت» في شرعية الخلافة الفاطمية التي نسب خلفاؤها أنفسَهم للسيدة فاطمة الزهراء، فإن ذلك الموضوع الحساس كان أيضًا منطقة وسطى توافقية في الشعور والاعتقاد بين الفاطميين الشيعة ورعيتهم المصريين السنة، والذين التفَّ أجدادهم قبل قرونٍ حول السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب، أخت الحسين المكلومة التي حضرت مصارع «آل البيت» في كربلاء، ثم انتقلت للعيش في مصر.

وأصبح مشهدها والمسجد الذي يحمل اسمَها من أبرز مشاهد القاهرة، وما يزال حب «آل البيت» راسخًا في قلوب عموم المصريين، ولا شكَّ أن الفترة الفاطمية أسهمت في تعزيز هذا الحب في جينات وعي هذا الشعب.

أبرز الآثار الفاطمية في القاهرة المعاصرة

إلى جانب ما سبق ذكره من الأثر الفاطمي الباقي في الشخصية المصرية المعاصرة وأفكارها واحتفالاتها وقائمة أطعمتها المفضلة، هناك أيضًا الآثار الفاطمية المادية التي ما تزال تناطح معاول الزمن وتقلباته، والغالبية العظمى من تلك الآثار المهمة الباقية من العصر الفاطمي إلى يومنا هذا هي مساجد تاريخية.

شارع المعز لدين الله الفاطمي

يحتل شارع المعز في قلب القاهرة التاريخية مكانةً بارزة، فهو يعد من أشهر المناطق المفتوحة لتجمع الآثار الإسلامية في العالم، وهو من مناطق التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو من عام 1979، وليس من المستغرب أن يُطلق اسم المعز الفاطمي على الشارع الرئيس للعاصمة التي أُنشِئت للمعز، وحملت اسم «قاهرة المعز».

ورغم أن من يتجول في هذا الشارع التاريخي الآن سيجد أن الهيمنة فيه أصبحت للآثار المملوكية الضخمة مثل «مجمع قلاوون» ومدرستيْ الظاهر برقوق، والأشرف برسباي، فإن الشارع ما يزال يصل بين أبرز المساجد التي بُنيَت في العصر الفاطمي وما تزال قائمة إلى اليوم وهي «الأنور» (مسجد الحاكم) و«الأقمر» و«الأزهر».

وقد حملتْ إحدى روائع الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ اسم «بين القصريْن» وهو الاسم الآخر لشارع المعز، حيث كان هذا الشارع في العصر الفاطمي يمر بين القصريْن الفاطمييْن الأشهر، الشرقي والغربي. وكان يُسمَّى أيضًا شارع النحاسين، لكثرة ورش المصنوعات النحاسية، وما يزال بعضها قائمًا إلى اليوم.

مسجد الحاكم بأمر الله (الأنور)

بدأ بناء مسجد «الأنور» في عهد العزيز بالله الفاطمي، واكتمل في عهد ابنه الحاكم بأمر الله عام 403هـ(1013م) فحمل اسم الحاكم، وهو رابع أقدم المساجد الجامعة في مصر، وثاني أكبر المساجد التاريخية مساحةً بعد جامع أحمد بن طولون.

البناء الحاليْ لهذا الجامع الضخم في معظمه بناء حديث، فقد انمحى معظم البناء القديم الذي شُيِّد في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي قبل أكثر من ألف عام، لكنه ما يزال يحمل روح مصر الفاطمية الإسماعيلية، فقد أسهم في تجديده إلى ما هو عليه الآن  فرقة «الإسماعيلية البهرة» في القرن العشرين، ولا يزالون يحجون إليه من كافة أنحاء العالم.

وقد خصص الأديب الشهير جمال الغيطاني ابتداء من صفحة 70، فصلًا كاملًا في كتابه «ملامح القاهرة في ألف عام» بعنوان مسجد الحاكم بأمر الله، انطلق فيه من الحديث عن المسجد إلى جولةٍ في تاريخ الشخص المنسوب إليه المسجد، وهو الحاكم بأمر الله الذي أثار الجدل ولا يزال إلى يومنا هذا.

يصف الغيطاني البناء القديم لهذا المسجد بعد استكماله في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم، وكان لا يزال خارج أسوار القاهرة، متزيِّنًا بمئذنتيْن رائعتيْن على نمط بناء منارة الإسكندرية، والتي كانت لم تنهدمْ بعد، وكان يؤذن فيه فيما يشبه الكورال، أكثر من 50 مؤذنًا في آنٍ، لكي يدويَ صوت الآذان في أرجاء القاهرة.

ويروي الغيطاني قصة تطور هذا المسجد تاريخيًّا، ففي عصر الوزير الفاطمي الشهير بدر الجمالي، جُدِّدَت أسوار القاهرة، فأُدخل المسجد داخلها، وأصبح أحد جدرانه ملاصقًا لسور القاهرة من الداخل بين بابي النصر والفتوح، وهذا هو  موضعه الحالي تمامًا، لكن في العصر المملوكي عام 703هـ، (1303م) تهدَّمت أجزاءٌ كبيرة منه في زلزالٍ قوي فأمر الناصر محمد بن قلاوون بتجديده.

ثم جُدِّد ثانية بعد نصف قرن في عهد السلطان حسن بن الناصر محمد، صاحب المدرسة الشهيرة المقابلة لقلعة الجبل. ثم بعد قرون، اتخذت الحملة الفرنسية على مصر منه مقرًّا لإحدى حامياتها بالقاهرة، ثم تحول عام 1880 إلى متحف للآثار العربية الإسلامية، ثم اتخذ تجار الشارع منه مخزنًا، ثم عاد مسجدًا وجُدد في القرن الماضي، وأصبح من أهم مزارات القاهرة التاريخية حاليًا.

والمئذنتان الباقيتان في المسجد إلى اليوم، يبدو شكلهما نشازًا بالمقارنة برونق الجامع البهي بعد تجديده، وكذلك بالمآذن المملوكية الأخرى الأروع التي يزدان بها مساجد الشارع مثل مئذنة الظاهر برقوق القريبة، وقد بُنيَت على يد الأمير المملوكي بيبرس الجاشنكير على أطلال مآذنه الأصلية التي تهدَّمت بفعل زلزال عام 703هـ (1303م)، وفي تلك الواقعة رمزيةً شديدة لا تخفى تعبر بجلاء عن طبقات الزمن التي تطمس كلٌّ منها أختها في مجرى نهر تاريخ القاهرة المضطرم.

وهناك مسجدٌ تاريخي آخر أنشأه الحاكم بأمر الله عام 406هـ (1016م) واسمه مسجد اللؤلؤة، وما زال جزء منه قائمًا إلى اليوم في منطقة الإباجية بالقاهرة القديمة، على مقربةٍ من جامع عمرو بن العاص أول المساجد في مصر الإسلامية.

الجامع الأقمر

في قلب شارع المعز يوجد هذا المسجد الصغير نسبيًّا حجمًا، الكبير تاريخًا، والذي يبعد أقل من خمس دقائق مشيًا عن مسجد الحاكم. ويعد الأقدم بين الجوامع التاريخية الصغيرة في مصر، إذ أنشيءَ منذ أكثر من تسعة قرون، وأبعاده الداخلية 17.28 مترًا.

وبُنيَ الجامع الأقمر عام 519هـ (1125م)، تحت إشراف الوزير مأمون البطائحي، في عهد الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله بن المستعلي، وجُدِّدَ للمرة الأولى بعد بنائه بأكثر من قرنيْن ونصف، وكان ذلك في عهد السلطان المملوكي الظاهر برقوق، والمسجد مستطيل الشكل، ويحتوي في منتصفه على صحنٍ صغير مفتوح للسماء ومحاطٌ بأربعة أروقة (أجنحة).

وكان المسجد الأول في مصر الذي يلتزم بانوه بخط التنظيم في الشارع المُطلِّ عليه المسجد، ولذا فواجهته تبعد بضعة أمتار عن الحد الجانبي لشارع المعز، وهي أقدم واجهة حجرية في مصر، وتمتلئ بالكثير من النقوش والزخارف، لا سيما تكرار اسم النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وعلي كرم الله وجهه.

زخارف إسلامية على واجهة الجامع الأقمر

وقد شهد الجامع حدثًا سياسيًّا كبيرًا في العصر الفاطمي، عندما فرَّ الوزير المعزول رضوان بن ولخشي، من سجنه داخل القصر الفاطمي عام 542 هـ (1147م)، بعد أن حفر نفقًا على مدى أشهر طويلة على طريقة الأسرى الفلسطينيين مؤخرًا، ثمَّ ثار بالقاهرة ضد سجَّانه الخليفة الحافظ، وتحصَّن بالجامع الأقمر بعد اقتحامه القاهرة، لقرب هذا الجامع من قصور الخليفة، لكن قتلهُ بعض أنصار الحافظ، فانتهت قصته.

الجامع الأزهر 

بني الجامع الأزهر على يد القائد جوهر الصقلي ابتداء من عام 359هـ (970م) إلى 361هـ (972م) ليكون مثل جامعة لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي في مصر، ورغم التحول الكبير الذي شهده المسجد بناءً ووظيفةً منذ العهديْن الأيوبي والمملوكي، عندما أُغلق لعقود، ثم أعيد افتتاحه في عهد الظاهر ركن الدين بيبرس ليصبح، ولا يزال، جامعة كبرى لتدريس المذاهب السنية الأربعة، ويؤمه عشرات الآلاف من طلاب العلم الشرعي من كافة أنحاء العالم.

الجامع الأزهر
المصدر: https://islamic.cultnat.org/

وكان البناء الأصلي للجامع ضخمًا أبعاده 7085 مترًا، واستُلهم فيه تصميمه أفكار من الجامع الأموي الكبير بدمشق، وجامعيْ القيروان، وسوسة الكبير بتونس، وقام الخليفة الفاطمي الحافظ بالله بإضافة بعض الأجزاء إلى الأزهر، منها قبة تاريخية تُعد أقدم قبة منقوشة تاريخية في مصر. وفي منتصف المسجد صحنٌ واسع مكشوف، تحته يوجد أربعة صهاريج كبرى لتخزين المياه العذبة من أجل الوضوء.

ثم خضع الجامع للعديد من التوسعات والترميمات في العصور التالية للفاطميين، حتى وصلت أبعاده حاليًا إلى 130120 مترًا، ولكن ما تزال توجدُ بعض الأجزاء الأصلية في المسجد، ومنها محراب القبلة الفاطمي، والذي تعلوه قبة مملوكية حلَّت محلَّ القبة الفاطمية التي تداعت، والبوابة الحالية للمسجد بُنيَت منذ أقل من ثلاثة قرون على يد الأمير المملوكي عبد الرحمن كتخدا.

حارة برجوان

«إن برجوان عبدي، استخدمته فنصح إلي، فأحسنتُ إليه، ثم أساء في أشياءٍ عملها، فقتلته»*الخليفة الشاب الحاكم بأمر الله يُعلن لكبار رجال دولته خبر أمره بقتل خادمه والوصي على عرشه برجوان.

من منتصف شارع المعز لدين الله الفاطمي، تتفرع تلك الحارة التي لا يتعدى طولها عشرات الأمتار، وتمتاز بالبيوت القديمة والأثرية على جانبيْها، ومن نهايتها يمكن الوصول بسهولة إلى مسجد الحسيْن عبر بضعة دروب قصيرة، وقد نشأ في تلك الحارة مؤرخ مصر الإسلامية الأبرز تقي الدين المقريزي، والذي اشتُهر بتقديره الكبير لتاريخ الدولة الفاطمية، وقد خصَّص لسيَر الخلفاء الفاطميين موسوعة تاريخية شهيرة هي «اتِّعاظ الحُنَفا بذكر الأئمة الفاطميين الخُلَفا».

وفي العصر الفاطمي كانت الحارة قريبة للغاية من القصر الخليفي الغربي الصغير، وكان بها دارٌ جميلة يملكها واحد من أشهر وزراء الدولة الفاطمية، والذي تمثل نهايته واحدة من أبرز مآسي السياسة في ذلك العهد، وهو الأستاذ أبو الفتوح برجوان، والذي نشأ عبدًا أبيض مخصيًّا، ثم ترقى في مراتب الخدمة لدى الفاطميين حتى أصبحَ الوصيَّ على الخليفة الصغير الحاكم بأمر الله بعد وفاة أبيه العزيز الفاطمي.

وفي صفحة 198 من الجزء الأول من كتاب «بدائع الزهور» يذكر المؤرخ ابن إياس أن برجوان كان يعد صاحب السلطة الأوحد في مصر، أما الحاكم الذي تولى الخلافة عام 386هـ وهو في عمر الثانية عشرة، فلم يكن يملكْ من أمره شيئًا في تلك السنوات الأولى من عهده، ولذا فما إن كبر قليلًا حتى قرَّر الإعلان عن وجوده وسطوته بقتل برجوان، والانفراد بالسلطة المطلقة في مصر، وقد تنقَّلت ملكية تلك الدار من بعد برجوان، فسكنها الوزير الشهير بدر الجمالي، ثم ابناه جعفر والأفضل، ولم يبقَ منها سوى أثر بسيط يُعرف بزاوية جعفر.

وقدم ضمت تلك الحارة لعشرات السنين من بقيَ من نسل الأسرة الفاطمية بعد سقوط دولتهم، إذ احتجزهم السلطان صلاح الدين الأيوبي في دار برجوان، والتي كانت تُعرَف آنذاك بدار المظفر، قبل أن ينقلهم ابن أخيه السلطان الكامل الأيوبي تحت الحراسة إلى قلعة الجبل.

ومن أبرز الآثار الموجودة الآن في الحارة، مدرسة القاضي أبو بكر مزهر المبنية عام 1480م (885هـ)، وهي من الآثار المملوكية المتأخرة. وما تزال البوابة التاريخية للحارة قائمة إلى اليوم، وقد جُدِّدَت في العصر العثماني على يد الأمير سليمان أغا السلحدار عام 1839م، وهناك فيلم مصري يحمل اسم تلك الحارة، أُنتج عام 1989م من بطولة الفنانة المصرية نبيلة عبيد، ومعها الفنانان الراحلان حمدي غيث ويوسف شعبان.

جامع الجيوشي

على عادة شخصيات تاريخ مصر الإسلامية البارزة في ذلك الزمن، لكي يضمن الشخص خلودَ اسمه في التاريخ، لا بد أن يقترن هذا الاسم بمسجدٍ في القاهرة، ولذا فليسَ مستغرَبًا أن يحرصَ أبرز وزراء مصر الفاطمية بدر الجمالي على بناء جامعٍ يخلد ذكره، فكان هذا جامع الجيوشي، واسمه مشتق من أمير الجيوش، أبرز ألقاب بدر الجمالي، وقد بُنيَ هذا الجامع عام 478هـ (1085م) أعلى الحافة الغربية لجبل المقطم المُشرف على القاهرة من علٍ.

جامع الجيوشي بالمقطم

وهو أول المساجد المبنية بالكامل بالحجارة في تاريخ مصر الإسلامية، وكفلَ له الموقع الحيوي المرتفع أن يقومَ أيضًا بوظيفةٍ أمنية، حيث كان يُستخدم كبرج مراقبة للإنذار المبكر لاقتراب أية جيوشٍ غازية، ومئذنة المسجد القصيرة من أقدم المآذن الفاطمية الباقية في مصر، وهو يطل من أعلى على طريق صلاح سالم الحيوي بالقاهرة.

وقد ثارت ضجة في مصر منذ عدة سنوات بعد تقديم طائفة الإسماعيلية البهرة (امتداد الإسماعيليين الفاطميين) عرضًا لترميم المسجد على نفقتهم، كما فعلوا في مسجد الحاكم، نتيجة اعتراض بعض الأكاديميين المصريين لأنَّ الترميم يؤثر في تاريخية الأثر.

«وفوق جبل المقطم، بالقرب من مركز السماء تقوم مئذنة الجيوشي، في الشتاء تبدو من خلال الضباب معلَّقةً في فراغ الكون.. تبدو المئذنة كأنها دعاءٌ تجمَّد في طريقه إلى أعلى، أو ابتهالٌ غامضٌ خفي، أو رغبةٌ من المعبود في الوصول إلى الخالق»*جمال الغيطاني في كتابه «ملامح القاهرة في ألف عام» عن مئذنة جامع الجيوشي

مسجد الصالح طلائع

صورة من أعلى لمسجد الصالح طلائع بن رزيْك، الدرب الأحمر القاهرة

المصدر: ويكيبيديا

عندما تخرج من باب زويلة المُرَصَّع رغمَ أنفِه بمئذنتيْ جامع السلطان المملوكي المؤيد شيخ، فإنك تصبح في شارع الدرب الأحمر، في الحي الذي يحمل نفس الاسم في القاهرة المعاصرة. في الجهة المقابلة من الشارع ستجد مسجدًا تاريخيًّا بُنيَ قبل ما يقارب 900 عام، ويحمل اسم آخر وزراء الدولة الفاطمية الأقوياء، الصالح طلائع بن رُزيْك، الملقَّب بأبي الغارات، وكان شيعيًّا إثنا عشريًّا متعصبًا، وأراد أن يدفن رأس الشهيد الحسين بن علي في مسجده هذا، لكن رفض الخليفة الفاطمي هذا.

أرى مقامًا عظيم الشأن أوهمني … في يقظتي أنها من جملة الحلم !

يومٌ من العمر لم يخطر على أملى … ولا ترقّت إليه رغبة الهمم

ترى الوزارة فيه وهي باذلةٌ … عند الخلافة نصحًا غير متَّهم

الشاعر عمارة اليمني مادًحا الوزير طلائع بن رُزيْك

بُنيَ المسجد عام 555هـ (1160م) وهو من أوائل المساجد المُعلَّقة في مصر، إذ تحتل المحال التجارية ثلاث واجهات للمسجد عدا الشرقية، وكان الهدف من ذلك عند إنشائه أن توقَف أرباح تلك المحلات على الإنفاق على المسجد وصيانته.

وقد طبَّق المماليك لاحقًا هذا النظام نفسه في الوقف في العديد من إنشاءاتهم، مثل مسجد السلطان الأشرف برسباي في شارع المعز، والذي بُني في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي). وتبلغ أبعاده 2753 مترًا، ومن ثم فهو أضخم بفارق من الجامع الأقمر، ويتوسَّطه على عادة المساجد الإسلامية التاريخية صحن كبير، ويُقال إن تصميمَه مُقتَبس من مسجد بو فطاطة الذي بُني قبله بثلاثة قرون في مدينة سوسة التونسية.

ومسجد الصالح طلائع هو آخر الجوامع الكبرى التي بنِيَت في العصر الفاطمي، إذ بعد فترةٍ وجيزة من تأسيسه، قُتل الصالح طلائع بمؤامرة دبرتها عمة الخليفة العاضد آخر خلفاء الفاطميين، ثم ما لبثت أن وقعت الفتنة الشهيرة بين وزيريْ مصر شاور وضرغام، والتي أشعلت صراعًا محمومًا بين الدولة الزنكية في الشام ومملكة بيت المقدس الصليبية على الاستيلاء على مصر، انتهى بسيطرة الزنكيين، ووصول صلاح الدين الأيوبي إلى سُدَّة الوزارة في مصر، لينجح بعد سنواتٍ قليلة في إنهاء الدولة الفاطمية رسميًّا.

أسوار القاهرة وأبوابها

عند زيارة القاهرة التاريخية الإسلامية، لا سيما منطقة شارع المعز، فإن أسوار القاهرة التاريخية الباقية تخطف نظرَ الرائي، لا سيما عند الدخول والخروج من أبوابها التاريخية الثلاثة، بابيْ النصر والفتوح المتجاوريْن من جهة مسجد الحاكم، وباب زويلة الشهير الأبعد، والكائن في الجهة الأخرى بعد منطقة الغورية، جوار مسجد السلطان المملوكي المؤيد شيخ.

يا صاح لو أبصرت باب زويلة … لعلمت قدرَ محلِّه بنيانا

لو أنّ فرعونا بناهُ لم يُرِدْ … صرحًا، ولا أوصى بهِ هامانا

الشاعر علي بن محمد النيلي يُمجِّد باب زويلة

والتصميم الحالي لهذا السور وأبوابه يعود الفضل فيه إلى الوزير الفاطمي بدر الجَمالي، والذي أنشأه عام 480هـ (1087م) تطويرًا للسور القديم الأقل امتدادًا الذي أنشأه جوهر الصقلي مع بناء القاهرة، فكان السور من الطوب اللبن، بينما البوابات من الحجارة الصلبة. لكن مرَّ السور والأبواب بعملية تطوير كبرى في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي على يد وزيره الشهير قراقوش، والذي جعله كله من الحجارة لزيادة مناعة المدينة ضد هجمات الصليبيين وسواهم، وكان ذلك جزءًا من مشروع ضخم لتسوير القاهرة ومصر – العاصمة الشعبية – معًا بسورٍ كبير واحد، وبقايا هذا السور الحجري هي القائمة إلى اليوم.

اقرأ: حُكم قراقوش .. قصة المملوك الخصيّ الذي خلَّدتْهُ ذاكرة المصريين.

وقد بُنيَ باب زويلة بشكله الحالي عام 485هـ (1092م) على يد بدر الدين الجمالي، وكان في وقت بنائه صرحًا فريدًا في زمنه، حتى إن تقي الدين المقريزي في خططه يقول:

.. وقد أخبرني من طاف البلاد، ورأى مدن الشرق، أنه لم يشاهد في مدينة من المدائن عظم باب زويلة، ولا يرى مثل بدنتيه اللتين عن جانبيه ..

وبعد بنائه بأكثر من ثلاثة قرون، بنى السلطان المملوكي المؤيد شيخ مسجده الكبير ملاصقًا للباب، ووضع مئذنتيْ المسجد فوق جسم الباب، وما زال هذا قائمًا إلى اليوم.

اقرأ: مساجد القاهرة الحرام .. قصص من تاريخ المماليك الغائب الحاضر.

آثار فاطمية عامة في حياة الإنسانية 

إذا كانت مصر حظيت بمعظم الثقل التاريخي والحضاري للفاطميين، فإن إمبراطورية كبرى مثل الإمبراطورية الفاطمية عاشت ما يقارب ثلاثة قرونٍ، وبُنيت على عقيدةٍ دينية وفكرية شديدة الخصوصية، لا تقتصر آثارُها على مصر فحسب، فعلى سبيل المثال يرى المؤرخ وول ديورانت في موسوعة «قصة الحضارة» أن الفاطميين كان لهم تأثيرٌ غير مباشر في تغيير تاريخ أوروبا الحديث برمَّته، إذ أن تجربة الدعوة الباطنية السرية الفاطمية التي ظلت لعقود تحت الأرض، ثم تمدَّدت حتى أصبحت إمبراطورية كبرى، قد استلهمتها الجماعات السرية التي نشأت في أوروبا في العصور الوسطى وما تلاها، والتي لعبت أدوارًا كبرى في تحويل مجرى الحياة الفكرية والسياسة في أوروبا، ومواجهة سلطة الكنيسة الكاثوليكية، ويُنسَب إليها الكثير من الانقلابات الجذرية في القارة العجوز.

وفي ذلك يقول ديورانت:

«… وأيد الفاطميون سلطانهم بجمع طائفة الإسماعيلية في جماعة كبرى ذات مراسم وطقوس ودرجات متفاوتة، واستخدموا أعضاءها في التجسس والدسائس السياسية. وانتقلت طقوس هذه الجماعة إلى بيت المقدس وأوربا، وكان لها أكبر الأثر في أنظمة فرسان المعبد والشيعة المستنيرة Illuminate وغيرها من الجماعات السرية التي قامت في العالم الغربي».

المصادر

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم لا سيما المسلمين والتحذير من عدوهم و تثقيفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم ثم مستقبلهم في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

بعثة مصرية ألمانية تكتشف كتل حجرية من عهد الملك خوفو

DW : نجحت بعثة الأثار المصرية الألمانية العاملة بمنطقة المطرية بشرق القاهرة في الكشف عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.