أخبار عاجلة

كيف تقاطعت أزمتا إسبانيا مع المغرب والجزائر؟

القدس العربي :

نزار بولحية :

 من يكون المهندس الحقيقي للأزمتين الأخيرتين بين الإسبان وجيرانهم في الشمال الافريقي؟ هل هي بعض الأجهزة والدوائر الإسبانية؟ أم أن طرفا آخر هو من كان له الضلع الأكبر في ظهورهما على السطح؟ كل ما يقوله الإيبيريون الآن هو أن هناك دورا روسيا في تأجيج الخلاف الذي تصاعد منذ مطلع الربيع الماضي بينهم وبين الجزائريين، بعد اعترافهم ضمنيا بمغربية الصحراء. لكن كيف يفسرون ما حصل قبلها مع المغرب؟ وهل كانوا بالفعل وكما قد يتصور كثيرون ضحايا لسوء تقديرهم لمواقفهم؟

سنة فقط إلى الوراء كان الإحساس العام في الرباط هو أن المغاربة تلقوا طعنة في الظهر وتعرضوا إلى خيانة من واحد من أقرب أصدقائهم في أوروبا. واليوم لا يبدو أن الشعور السائد داخل الجزائر نحو الجارة الإيبيرية يختلف كثيرا عن ذلك. لكن الطريقة التي أسدل فيها الستار من هذه الجهة لتفتح من الأخرى، ومسار تحول الأزمة من إسبانية مغربية إلى إسبانية جزائرية، لايزال مبهما وغامضا بعض الشيء. فهل كان محتما للأزمة أن لا تنتهي أبداً، وأن تنتقل فقط من جانب إلى آخر؟ وهل كان بمقدور الطرف المشترك فيها، أي الإسباني أن يمنع حدوث مثل ذلك التبدل في المواقع، لو أن دبلوماسيته كانت أكثر نجاعة وقدرة على استباق واستشراف أبعاد الأزمة الأولى، ووعيا بطبيعة الخلافات والتوترات المغربية الجزائرية؟ أم أنه لم يكن هناك بد ومفر من ذلك، لأن الإسبان أنفسهم كانوا على عكس ما قد يظن البعض، واعين ومدركين تمام الإدراك لتلك الحقائق، بل مهيئين ومستعدين بالفعل لوصول الأزمة الثانية؟
ربما ينسى كثيرون في خضم التطورات التي حصلت وحالات الشد والجذب، كيف أن الازمتين وإن اختلفتا شكليا على الاقل، فإنهما ترجعان في الأصل إلى جذر واحد. فالرابط بين الخلاف المغربي الإسباني ربيع العام الماضي، والخلاف الجزائري الإسباني ربيع العام الجاري، هو أن شرارة الاثنتين بدأت حين اعتبر المغاربة ثم الجزائريون أن إسبانيا خرجت عن حيادها التقليدي وانحازت في مناسبة اولى للجزائر، ثم في الثانية للمغرب في مسألتين كانتا على علاقة بالملف الصحراوي. لكن الإسبان كانوا أكثر من يعلم دقة وحساسية ذلك الموضوع في الجارتين المغاربيتين، فكيف فاتهم أن الانحياز المطلق فيه لبلد سوف يعني آليا استعداء الآخر؟ وهل كانوا مدركين حقا لما كانوا يفعلونه؟ أم أنهم دفعوا ودون إرادتهم لارتكاب زلات وأخطاء كلفتهم غاليا، وتسببت في وقت قصير في إلحاق أضرار جسيمة بعلاقاتهم بأكبر جارين وشريكين أساسيين لهم في الشمال الافريقي؟ لعل فهم جزء كبير من ذلك سيتطلب مزيدا من الوقت، وحتى الآن لم يشرع الإيبيريون في القيام بنقد ذاتي واسع، ولم يجروا تقييما هادئا ورصينا وصادقا للأزمة التي نشبت العام الماضي بينهم وبين المغرب. غير أن اعترافهم بأن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمته الرباط لحل المعضلة الصحراوية هو «الأساس الواقعي والأكثر جدية ومصداقية من أجل تسوية النزاع مع البوليساريو» مثلما جاء في الرسالة التي بعثها رئيس وزرائهم منتصف مارس الماضي إلى العاهل المغربي، وسمحت بطي صفحة خلافهم مع المغرب، قد يكون إقرارا غير مباشر منهم بفشلهم في التحكم في مسار أزمة كانت تلوح في بدايتها قابلة للسيطرة والاحتواء السريع. لقد سمحوا في إبريل من ذلك العام بدخول زعيم البوليساريو إلى بلادهم بهوية مستعارة وبشكل سري، ومن دون إعلام المغرب. لقد كان ممكنا حتى ذلك الحد أن يتداركوا الموقف ويطوقوا الغضب المغربي ويقدموا للرباط بعض التوضيحات والتفسيرات التي طلبتها، ثم ينتهي عندها الخلاف بين العاصمتين، لكنهم وبطريقة غير مفهومة بالمرة فضلوا المضي قدما إلى الأمام والتصعيد بدلا من التهدئة، وكان ذلك يعني شيئا واحدا فقط بالنسبة للمغاربة وهو أن» الثقة انهارت بين الشريكين» وأنه جرى العبث بها بالاحترام المتبادل بين البلدين وتحطيمهما، وفقا لما جاء في بيانات الخارجية المغربية حينها. لكن هل كان قبول شخص ما وبغض النظر عن اسمه، أو صفته يستحق من إسبانيا أن تخاطر بعلاقتها ومصالحها مع المغرب؟

الثابت أن الإسبان لم يكونوا ثوريين، كما أنهم ليسوا مثاليين بالدرجة التي قد تجعلهم يضحون بمصالحهم دفاعا عن مبدأ، أو عن فكرة

الثابت أن الإسبان لم يكونوا ثوريين، كما أنهم ليسوا مثاليين بالدرجة التي قد تجعلهم يضحون بمصالحهم دفاعا عن مبدأ، أو عن فكرة، بل إن براغماتيتهم وحدها هي التي قد تكون السبب الذي جعلهم يستقبلون رجلا رفض الألمان أن يعالج على أرضهم، لأنهم قدروا أن ذلك قد يسبب لهم حرجا مع المغاربة، لكن ما الذي خططت له مدريد بالضبط؟ وهل سقط جزء كبير من حساباتها في الماء؟ إن تأمل مسار الأزمة الإسبانية المغربية يدل على أن الإيبيريين لم يحرصوا في البداية على المس بثقة المغاربة بهم، بقدر ما إنهم سعوا إلى كسب ثقة الجزائريين فيهم. وكان واضحا أن التحول الكبير الذي عرفته القضية الصحراوية في ديسمبر 2020 حين اعترفت أمريكا بمغربية الصحراء، قد بعثر واحدة من أهم أوراقهم وجعلهم يشعرون بأن عنصرا مهما في علاقاتهم بالشمال الافريقي وهو تحكمهم في مجريات الملف الصحراوي، بات على وشك الخروج تماما من بين أيديهم. لقد عبروا عن قلقهم من تبعات الخطوة الأمريكية وكانوا أول المعترضين عليها. وحين سألت وزيرة خارجيتهم السابقة ارانتشا غونزاليس لايا في إحدى الاذاعات المحلية عن ذلك لم تتورع عن القول بأن «نزاع الصحراء لا يرتبط بإرادة أو بقرار أحادي لبلد مهما كان ذلك البلد كبيرا، بل إن مركز الثقل يوجد في الأمم المتحدة» على حد تعبيرها. وهذا ما أدخل العلاقات الإسبانية المغربية منذ ذلك الوقت في أزمة صامتة. والسؤال هنا هل أرادت مدريد صب الزيت على النار حين استضافت إبراهيم غالي، ولم تطوق بعدها تداعيات قرارها وتأثيره المباشر في علاقتها بالمغرب؟ لعل ذلك هو مربط الفرس في مسار الأزمتين معا، ومع إنه سيكون من الصعب جدا الجزم بحقيقة النوايا الإسبانية، إلا أن الثابت هو أن الإسبان ارادوا أن يفهموا الجزائريين بالدرجة الأولى أنهم مستعدون للتضحية بعلاقاتهم بالجارة المغربية، وأنهم سيضعون مستقبلا كل بيضهم في السلة الجزائرية، لكن ذلك سيكون بشروط لعل أقلها هو أن يحصلوا على ضمانات قوية بأن تزودهم بالغاز لن يتأثر لاحقا بأي موقف، وأنه لن يشهر بوجههم سلاح الطاقة وتحت أي ظرف. وهكذا فإنه وبمجرد أن حصلوا على مرادهم رموا الكرة في المرمى المقابل وأعلنوا ما وصفه الجزائريون بالتحول. لقد كانوا يعلمون انهم ينقلون الأزمة من مكان إلى آخر وكما فعلوا مع المغرب فقد حركوا الأوروبيين في خلافهم مع الجزائر. لكن هل كان اكبر هدف استراتيجي لهم هو أن تكون سياساتهم وقودا إضافيا لاستمرار القطيعة بين الجارتين المغاربيتين؟ الاحرى بالمغاربة والجزائريين اليوم أن يجيبوا على السؤال بانفسهم.

كاتب وصحافي من تونس

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم و تثقيفهم بحقائق دينهم المخفية عنهم و مستقبلهم و عرض (تفسير البينة) أول تفسير للقرآن الكريم في العالم على الكلمة للمجامع العلمية و الجامعات الإسلامية والمراكز والعلماء والباحثين في العالم .

شاهد أيضاً

منتدى الخليج الدولي: الإمارات تتجنب إغضاب الهند في نزاع كشمير.. وباكستان منزعجة

 الخليج الجديد : اعتبر تحليل نشره “منتدى الخليج الدولي” أن الإمارات لا تحاول البحث عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *