دراسة : ثمن الكتمان.. هكذا تنتقم المشاعر المكبوتة لنفسها مِنّا

نختلف في عالمنا العربيّ على العديد من الأمور والتوجهات، لكننّا نتفق على أننَا كأفرادٍ في مجتمعات جمعيّة سُلبنا من شعور الغضب. نحنُ نمتنعُ عن الغضب نفسيًا كأبناء بارّين، ونمتنع عن الغضب كمواطنين صالحين، ونمتنع عن الغضب كعاملين في مؤسسات هرميّة، ونمتنع عن الغضب كنساء تحت سلطات ذكوريّة. لكن الشعور الذي يُسلب حقّه في التواجد والتعبير لا يفنى، بل يجد موطنًا مخادعًا يحتويه بعيدًا عن مستوى الوعي الخاضع للقوانين والتوقعات المجتمعيّة.

طيف مشاعر مبتور.. كيف تنتزع العواطف المكبوتة حقّها؟ 

في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل علينا ربّما أن نعود للبداية. ففي الطفولة المبكّرة لا تجري «غربلة» المشاعر في طريقها من داخلنا إلى الخارج، بل يُعبِّر الطفل بعفويّة بالغة عما يخالجه من شعور، دون ضبط أحيانًا، ومع مراحل تطوّر الطفل يضيق «غربال» المشاعر فيعدّل نوع الشعور الذي يمرّ عبره وشكله وحدّته.

فيبدأ الطفل بضبط عفويّته الشعوريّة بما يتلاءم مع البيئة والثقافة التي يكبر بها، أي أن الطفل يبدأ بالاستيعاب أنّه جزء من مجتمع له عاداته وخصائصه، ومثل أي فردٍ في أي مجتمع، يريدُ هو أيضًا أن يكون متناغمًا مع معاييره.

هذه المعايير المجتمعيّة، والتي تتشكل ضمن منظومة ثقافيّة، لا تؤثر فقط على طيف المشاعر الظاهر، بل تؤثر أيضًا في طبيعة تجربة الطفل العاطفيّة وطبيعة تعبيره عمّا يشعر به وتؤثر أيضًا في فهمه لشعوره؛ إذ تشير بعض الأبحاث إلى أن تطوّر القدرة على التعبير عن المشاعر وضبطها مرتبط بعوامل داخليّة، مثل الطبائع التي يولد بها الطفل، وعوامل خارجيّة، أي السياق الاجتماعي الذي ينشأ عليه الطفل.

ومع الوقت تملي المعايير المجتمعيّة نوع، وشكل، وكيفيّة التعبير عن الشعور، ويمتثل لها الفردُ تلقائيًا، فالمعايير التي تضعها المجتمعات الفرديّة تتيح للفرد مساحة واسعة للتعبير الحرّ عن شعوره.
إلا أنّ معايير المجتمعات الجمعيّة قبضتها مُحكَمة ويتحول الغربال فيها إلى مقصلة؛ إذ تسعى هذه المجتمعات للحفاظ على الترابط بين أفرادها، وفي هذا السعي اختزال لمساحة التعبير الحرّ الذي قد يهدد ظاهريًا هذا الترابط.

فشعور الغضب مثلًا يُنظر إليه باعتباره شعورًا حادٍّا يُهدد المنظومة الاجتماعي الهرميّة المفروضة، التي تجعل الرجل أعلى من المرأة، والوالدين أعلى من الأبناء، والحكومة أعلى من المواطن، فكل منْ هو في مستوى أقل في الهرمية لا يمكن أن يعبر عن سخطه من الأعلى منها، وبالتالي نُربّي أطفالًا، ثمّ كِبارًا، بشعورٍ مبتور، فإما يتقنون كتمه، وإمّا ينكرون وجوده ببراعةٍ تُفقدهم الإحساس به، أو حتى إدراكه.

المجتمعات الجمعيّة  Vs  المجتمعات الفرديّة

بالتزامن مع تطوّر «الفردانيّة» في أوروبا وأمريكا الشمالية تطوّرَ العلاج النفسي الحديث في أواخر القرن التاسع عشر، وهكذا أصبحت الذات المستقلّة فكرة جوهريّة تقوم عليها الثقافة وأصبح «تحقيق الذات» هدفًا ساميًا، فخلال النموّ الشخصيّ الطبيعي ينفصل الأفراد نفسيًا واجتماعيًا عن والديهم في مسارٍ لصياغة هوية فريدة ومستقلّة، وفي المقابل لم تحدث تنميّة فرديّة موازيّة في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا الجنوبيّة، بل ظلت الهويّة الجمعيّة للعائلة محوريّة في هذه المجتمعات الجمعيّة، وظلّ الفرد جزءًا غير منفرد من هذه الهويّة.

وكذلك الأمر في ثقافتنا العربيّة، وعلى الرغم من ريح التغيير الذي نشهده في السنوات الأخيرة، يميلُ الوالدين للجمعيّة والسلطويّة ولنمط تربية يحثّ على الطاعة، ولأسلوب حياة هرميّ وأبويّ متّسق مع معايير المجتمع، وبالتالي، فإنّ الضبط، المفرط أحيانًا، للمشاعر يُنظر إليه باعتباره قيمة أخلاقيّة مرغوبة.

تسلسل ماسلو الهرميّ للاحتياجات

وبحسب تسلسل ماسلو الهرميّ للاحتياجات، فإن العائلة العربيّة توفّر  للفرد احتياجاته الأساسيّة الأربعة: الاحتياجات البيولوجيّة، الحاجة للأمان، الشعور بالانتماء واحترام الذات، وفي المقابل يتطلب توفير العائلة لهذه الاحتياجات، من الفرد التخلي عن أعلى احتياجات وفقًا لتسلسل ماسلو الهرمي، أي الحاجة إلى تحقيق الذات، والتي لو سعى إليها الفرد فيما يراه هو مناسبًا ووفقًا لرغبته الشخصيّة قد يُنظر إليه على أنه متمرد أو منسلخ عن المجتمع، وبالتالي قد يدفع رباط العائلة ثمنًا لفردانيّته.

وفي دراسة أُجريت عام 2006 لبحث تأثير المجتمعات على تعبير الأطفال الحرّ، وُجِدَ أنّ الأطفال الذين يكبرون في مجتمع فردانيّ أكثر مهارة في حشد المشاعر والتعبير عن الغضب والسعادة البالغة والمبادرة في أفعال معينة، بينما وُجِدَ أنّ الأطفال الذين يكبرون في مجتمع جمعيّ أكثر مهارة على الكبت والانصياع وفي تعبيرهم عن الحزن.

فهذا الحثّ الدائم اللاواعي في كثير من الأحيان للحفاظ على مركزيّة الهويّة الجمعيّة وعلى العلاقات الهرميّة، يشذب شعور الفرد طواعيةً ويجعله، منذ طفولته، يتجنّب التعبير عن المشاعر السلبيّة ويسعى لإظهار المشاعر والتصرفات التي تتوافق مع الأعراف المجتمعيّة.

وقد يصل الحال الى تجنب المشاعر التي يُشعرنا وجودها – الطبيعيّ – بالذنب، ويتعدى الأمر إلى كبتها حتى لا نُدرك وجودها، لكنّ كتمان الشعور لا يعني اختفائه، بل يعني تجبّره حتى يجد وسيلة أخرى للخروج مجددًا إلى السطح، وفي أغلب الأحيان يكون الجسد هو الوسيلة.

الجسد مرساة المشاعر: الأعراض «السايكوسوماتيك»

تعد الدول العربية ودول وشرق آسيا، بما فيها الصين واليابان، مجتمعات جمعية، وفي هذه المجتمعات تختلف مظاهر الاضطرابات النفسية عمّا نراه في كتب التشخيصات النفسيّة المنبثقة عن المجتمعات الفردانيّة متمثلة في الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية.

فالتعبير غير المباشر، أو حتى المبتور، عن المشاعر يجعل العلاقة بين النفس والجسد في المجتمعات الجمعيّة متمازجة أكثر، ويجعل من المشاعر السلبيّة التي لا تخرج بعفويّة تتجلى كألمٍ جسديّ عوضًا عن الألم النفسيّ، وبالتالي لا يواجه الفرد بلبلة في فهم شعوره وحسْب، بل يواجه من أخطاء كثيرة في التشخيص.

ونجد في مجتمعاتنا العربيّة، وخلافًا للمجتمعات الغربيّة، أن التعبير عن الضيق يأتي على هيئة «أعراض جسديّة (سايكوسوماتيك)» بدلًا عن تغيير في المزاج أو الضيق النفسيّ، وهذه الأعراض الجسديّة، التي لا نجد لها تفسيرًا بيولوجيًا، هي تجسيد لتمرّد المشاعر السلبيّة المكبوتة على مستويات الوعيّ الشخصيّ، وذلك حين لا يكتسب الفرد آليّة التمييز بين المشاعر السلبيّة، لمهارته في إنكارها، فهو لا يعي مثلًا أنّ ما يمرّ به حاليًا هو «اكتئاب»؛ فهو لا يفكّر في الانتحار، بل يمارس واجباته الاجتماعيّة والمهنيّة على أكمل وجه، لكنّه يشعر بوجع حادٍّ في الرأس أو بغثيان غير مبرر.

وبتعبير أبسط لا يكون الفرد على صلة مع شعوره السلبي غير المتسق مع معايير المجتمع، فبدلًا من التعبير عنه بحالة نفسيّة سيئة، يعالجه الجسد في إطار ألم بيولوجي، وهكذا يكون الفرد قد سُلِب حقّه في فهم ذاته والتعبير عنها، ومن توافر منظومة تشخيصيّة علاجيّة ملائمة لاحتياجاته وثقافته.

وقد يُشكّل التنقيب عن ماهيّة هذه الأعراض وأسبابها تهديدًا نفسيًا عظيمًا، فالاعتراف الواعي بالغضب مثلًا، قد يزعزع المنظومة الأخلاقيّة المزروعة فينا، وهنا نفضل التعامل مع اضطراب في المعدّة عوضًا عن توجيه أصابع الاتهام إلى الأسباب الحقيقيّة للغضب، بيد أنّ الانكشاف للحقيقة كفيل بأن يحرر جسدنا من الألم وبأن يحررنا من شعور الذنب.

وفي النهاية هذه ليست دعوة للتخلي عن القيم المجتمعيّة التي ورثناها واعتناق قيم جديدة، بل هي دعوة للتفكّر فيما مُنحنا وما سُلب منا دون حول لنا، وما سنقدّمه للجيل القادم، وبالتالي فهي دعوة للوقوف والتساؤل حول أسباب الأعراض «السايكوسوماتيك» عند النساء، والأبناء والقاطنين في أسفل الهرم الاجتماعي في مجتمعنا بدلًا عن لومهم.

فنُحن نكبر دون حقّنا في ممارسة شعورنا بأكمله، ودون التعرّف على مكنونات أنفسنا بكليّتها، ودون التعبير الكامل عمّا نشعر به، وبالتالي سُلبت منا لغة فطريّة تصل بين الداخل والخارج، لكن الشعور المكتوم لا يندثر، بل يجد دائمًا مخرجًا للنور.

صحة

منذ سنة واحدة
يبالغون في لفت الانتباه وإظهار المشاعر.. تعرف إلى اضطراب الشخصية التمثيلي

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم لا سيما المسلمين والتحذير من عدوهم و تثقيفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم ثم مستقبلهم في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

ولاية بورنو في نيجيريا تدق ناقوس الخطر بسبب المجاعة

أبوجا (أخبار الآن) : زاغازولا ماكاما هروب الناس من منازلهم في نيجريا بسبب الأمطار (أ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.