فابريزيو باجاتي في «رسائل لورنس العرب السرية»: من الولع بالآثار إلى خدمة المشاريع الاستعمارية

القدس العربي :

الكولونيل البريطاني توماس إدوارد لورنس (1888-1935) سوف يُعرف بعدئذ باللقب الشهير «لورنس العرب»، بالنظر إلى الأدوار التي لعبها خلال الثورة العربية الكبرى 1916-1919 ضدّ السلطنة العثمانية. وكانت علاقة لورنس بمنطقة الشرق الأوسط قد بدأت حين سافر إلى منطقة قرقميش في سوريا للعمل في استكشاف الآثار لصالح المتحف البريطاني، ثم تطوع في الجيش البريطاني مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتولى عدداً من المهام الاستخبارية في العراق والجزيرة العربية، فانتهت به ميادين العمل إلى الانخراط مباشرة في الثورة العربية الكبرى، وتعاون بشكل وثيق مع الأمير فيصل ابن الشريف حسين، حتى أنه شارك في بعض المعارك ضد الجيش العثماني، خاصة بعد الدخول إلى دمشق في خريف 1918. وتلك الفترة شهدت مراسلات مكثفة وعلاقات وطيدة مع «المكتب العربي» التابع للجيش البريطاني، ومقرّه القاهرة، لكنه اعتزل العمل السياسي في سنة 1922 وعاد إلى بريطانيا حيث أصدر سنة 1926 كتابه الشهير «أعمدة الحكمة السبعة»، الذي جمع بين السيرة الذاتية وخلاصة مشاهداته عن العرب. وشاءت الأقدار أن يقضي لورنس نحبه في سنّ مبكرة، إثر حادث وقع له وهو يقود دراجته النارية.
العنوان الكامل للكتاب موضوع هذه السطور هو «رسائل لورنس العرب السرية خلال الثورة العربية الكبرى، 1915-1919»، وقد صدر بتحرير فابريزيو باغاتي، ويُعتبر النسخة الأكمل التي توضع في متناول العموم حتى هذه الساعة. فقد نُشرت من قبل بعض التقارير والمراسلات والإخباريات التي بعث بها لورنس، ولكن جرى تداولها على نطاق محدود في أوساط الجيش البريطاني، أو ظهر بعضها في «النشرة العربية» التي كانت وزارة الدفاع البريطانية تشرف على إصدارها لتغطية شؤون الشرق الأوسط ومناطق السيطرة العثمانية. ولهذا يعترف محرر الكتاب أنّ المواد التي يحتويها ليست كامل ما أرسل لورنس على مدى السنوات التي عمل خلالها مع المخابرات البريطانية والجيش البريطاني والأمير فيصل في الحجاز وصحراء الأردن وسوريا والعراق ومصر، ولكن هذه الطبعة هي الأولى الأوسع حتى الساعة. هنالك قسط غير قليل من المراسلات المختلفة ما يزال طيّ أدراج مغلقة، أو في حوزة اشخاص هنا وهناك، أو يحتاج إلى تدقيق وتحرير وتهيئة وتنسيق.

يضم الكتاب 118 وثيقة، بين مراسلة وإخبار وتقرير وإشعار، تبدأ أولها في شهر آب (أغسطس) 1914 وتنتهي آخرها بتاريخ 24 أيار (مايو) 1919، والمرسل إليهم يتراوحون بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع البريطانيتين، والشريف فيصل، وعشرات الضباط والمسؤولين في الجيش البريطاني واستخباراته، ومن الطبيعي أن تشمل مواضيعها اهتمامات لورنس الموزعة بين الجزيرة العربية وسوريا والعراق وفلسطين ومصر والأردن. وفي نهاية الكتاب وضع باغاتي مسرد مراجع بالغ التنوع يشمل موضوعات السياسة والحرب والجغرافيا والاقتصاد والثقافة، كما أعاد نشر عدد من الصور الفوتوغرافية النادرة التي تلتقط مختلف مراحل عمل لورنس والشخصيات التي تعرف إليها أو تعاون معها (د. ج. هوغارت، عودة أبو تايه، نوري باشا، الأمير فيصل، لويل توماس، و. ج. ستافورد، وسواهم).

وهذه المواد، كما يشير الناشر محقاً، تزودنا برؤية داخلية عن تعاملات لورنس مع الزعماء العرب، وتُظهر لنا كيف قدّمهم إلى رؤسائه في القاهرة. ومراسلات فترة الحرب والثورة العربية الكبرى هذه تكشف انطباعات هذا الرجل الذي لعب سلسلة أدوار محورية في حياة المنطقة خلال فترة حساسة ومتفجرة، كما توفّر للقارئ فرصة التعرّف على استنتاجات ضابط مال في البدء إلى علم آثار الشرق الأوسط قبل أن ينخرط بعمق في دوامة العمل السياسي والاستخباراتي، فلا تشتمل الوظائف التي قام بها على خدمة الجيش البريطاني ومشاريع التاج الاستعمارية فقط، بل انشغلت بشؤون ثقافية واجتماعية وتاريخية وجغرافية وأنثروبولوجية كانت وراء الحصيلة المركبة التي استجمعها لورنس في كتابه الشهير «أعمدة الحكمة السبعة». ومن الطبيعي أن تفضح موادّ لورنس مقدار الغدر، أو بالأحرى الخيانة الصريحة، التي مارستها القوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية بحقّ طموحات العرب في التحرر، والتي تجسدت من دون أدنى حرج في معاهدة سايكس – بيكو السرية بين لندن وباريس سنة 1916.

ويرى محرر الكتاب أنه من بين عشرات المصادر ذات الصلة بالتاريخ العسكري للحرب العالمية الأولى، فإن تقارير ورسائل لورنس العرب تمثل ذخراً فريداً من المعلومات ذات الأهمية الاستثنائية. والمحتويات التي حررها باغاتي في هذا الكتاب، خاصة تلك التي تُنشر هنا للمرة الأولى، تنفرد بتوفير خدمة استثنائية للباحثين في ذلك التاريخ، وفي المشاريع الاستعمارية الأوروبية عموماً والبريطانية والفرنسية خصوصاً. وهي حصيلة متعددة الوظائف، تكشف النقاب عن الأدوار المزدوجة التي لعبتها لندن وجيشها واستخباراتها في تحريض العرب على الثورة ضد السلطنة العثمانية من جهة أولى، ولكن خيانة الآمال والطعن في الظهر وتنفيذ مخططات مناقضة تماماً لأهداف تلك الثورة من جهة ثانية. وثمة خدمة أخرى ذات خصوصية معرفية وتأريخية هي تقويض الطابع الأسطوري الذي اكتنف شخصية ت إ. لورنس (ولعلّ الفيلم الشهير «لورنس العرب»، الذي أخرجه دافيد لين سنة 1964، هو المثال الأوضح على ذلك التكريس الخرافي)؛ خاصة بعد السيرة الاستعراضية التي كتبها المؤلف والإذاعي الأمريكي لويل توماس بعنوان «مع لورنس في بلاد العرب»، وصدرت سنة 1924.

وبهذا المعنى فإن المفتاح الأبرز على سبيل الإدراك الصحيح والمنصف لأدوار لورنس العرب، خاصة حين يحتدم السجال بين أنصاره وخصومه والمعجبين به والناقدين لسلوكياته، هو العودة إلى تلك المواد التي يضمها كتاب باغاتي. فمن جانب أول، هذه وثائق رسمية أو شبه رسمية، وليست كتابات منعتقة من الواجب العسكري أو الاستخباري تجاه التاج البريطاني، وبالتالي يتوجب أن تُعامل في مستوى الوثيقة بما لها وما عليها، وأن توضع أيضاً في السياقات التاريخية والسياسية والعسكرية والاستخبارية التي كانت وراء صدورها. وأما من جانب ثان، فإن هذه الوثائق تعرضت بالضرورة إلى هذا الشكل أو ذاك من «الرقابة» التي مارستها السلطات المختصة، سواء انطوى ذلك على الحذف أو التحوير أو التعديل، وبالتالي فإن الاطلاع على مصادر الوثيقة الأصلية لا ينصفها وحدها كمادّة ذات أصل وتاريخ وسياق فقط، بل ينصف كاتبها ودوافعه ونواهيه ومحاذيره أيضاً.

ومن هنا سجال البعض بأن لورنس كان متعاطفاً مع الثورة العربية الكبرى ولكن مقتضيات الخدمة وسياسات التاج العليا حتمت عليه الغدر بها أو خيانتها، مقابل سجال نقيض يقول إنه على العكس ماطل وخدع وكذب طويلاً لإجهاض الثورة بعد النجاح في إشعالها وإرباك السلطنة العثمانية، والدليل على ذلك مواقف لورنس في فلسطين وكيف أنفق الكثير من المال لشراء ذمم المتمردين على إسطنبول وفي الوقت نفسه مراعاة مطالب الحركة الصهيونية.

ولا تفوت المحرر إشارة هامة، ذات طابع أدبي وفكري هذه المرة، إلى حقيقة أن لورنس ضمّن كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» الكثير من النصوص المقتطفة من تقاريره ومراسلاته الرسمية أو شبه الرسمية، خاصة حين يتصل الأمر بالتعليق على شؤون تخص الشخصية العربية وطبائعها وعاداتها وميولها، أو هذه وسواها كما استجمعها لورنس نفسه خلال تجواله في المنطقة. ويكتب باغاتي: «يستعير لورنس صفحات كاملة من تقاريره ويستخدمها في صناعة «هيكل عظمي» صلب للحقائق – أي التاريخ – يُطعّم عليه «لحم» – أي أدب – تأملاته الشخصية».  ولعلّ هذا الخيار يتجلى أيضاً في مجموعة المراسلات التي جمعها أرنولد، شقيق لورنس، وأصدرها في سنة 1939 بإذن من وزارة الخارجية البريطانية؛ على الرغم أنّ الطبعة تلك اعتمدت كثيراً على ما نُشر في «النشرة العربية»، الأمر الذي يعني أنها قد تكون خضعت للرقابة والتحرير والتهذيب.

ويبقى أنّ المواد التي جمعها باغاتي في كتابه هذا تسلط الكثير من الأضواء على جوانب هامة في شخصية الرجل الذي اعتُبر ذات يوم أحد أبرز أبطال بريطانيا في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى، ولكنه الشخص ذاته الذي لا يتردد البعض في اعتباره أحد كبار خدم الإمبراطورية البريطانية ومشروعها الاستعماري.
Fabrizio Bagatti (editor): “Lawrence of Arabia’s Secret Dispatches”
Pen & Sword, West Yorkshire 2021
296 pages.

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين بالعالم لا سيما المسلمين والتحذير من عدوهم و تثقيفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم ثم مستقبلهم في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

ماذا قال الإمام علي (ع) في الخوارج

الحيدرية : حديث قيس بن سعد مع  الخوارج إنّ قيس بن سعد بن عبادة قال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.