في ظلال العثمانيين: فلاحو مصر والبيئة وكتابة التاريخ من الأسفل

القدس العربي :

محمد تركي الربيعو : كاتب سوري :

في السنوات الأخيرة، أتيح للقارئ العربي الاطلاع على عدد من الكتب التي تتناول تاريخ الفلاحين المصريين خلال فترة حكم محمد علي باشا وأولاده، وربما ما ميز هذه الكتب، وأشير هنا بالأخص إلى كتاب كينث كونو «فلاحو الباشا: الاقتصاد والمجتمع والأرض في الوجه البحري 1740ـ 1858» وكتاب المؤرخ المصري خالد فهمي «كل رجال الباشا» أنها غالبا ما ركزت على فهم تغير أحوال الفلاحين قبل فترة قدوم الضابط الألباني وبعدها، مع اختلاف الأجندة النظرية لكل مؤرخ. إذ لاحظ كونو أنّ فكرة الانقطاع بين نهاية القرن الثامن عشر والتاسع عشر لم تحدث بالضرورة، كما رفض الفكرة القائلة إنّ المجتمع الريفي قد تحول عميقا في القرن التاسع عشر، في ما يتعلق بزراعة محاصيل السوق وتحويل الأراضي إلى سلعة، وظهور مجتمع ريفي مقسم طبقيا، إذ بدت هذه التطورات له بمثابة ملامح قديمة للريف طوال قرون، كما أنّ المصادر الأرشيفية التي أتيحت له كانت محدودة، وتركزت في الوجه البحري لمصر. في حين نلاحظ أن فهمي بدأ يتعامل مع الموضوع بعينين، الأولى تنظر بشك للأرشيف الموجود في دار الوثائق القومية، فالدار ووثائقها بدت له وكأنها قد جمعت واختيرت أوراقها بعناية، لتروي قصة قريبة من رواية محمد علي وأحفاده عن دورهم في تقدم أم الدنيا.
أما العين الثانية، فقد ظلت تتوجه نحو عمل أستاذه تيموثي ميتشل، الذي لم يلاحظ في سياق اعتماده عدسات فوكو حول السلطة، وجود عناصر أخرى كانت تقاوم بأشكال مختلفة، ولذلك بدت مهمة فهمي النظرية في هذا الكتاب تتمثل في الكشف عن «أحفاد فوكو المنسيين» في ريف مصر، لكن رغم هذا الاختلاف، فإنّ ما يجمع الكتابين هو الدوران في زمن الباشا محمد علي، وهو أمر بقي مهيمنا على حقل الدراسات حول مصر (لاحظ مثلا كتاب باسكال غزالة الأخير حول شبكات التحول في هذه الفترة) ويمكن تبريره من منظور أنّ هذه الفترة شهدت تحولات كبيرة، وربما بقيت تأثيراتها مستمرة ليومنا هذا.
بالتوازي مع هذه الجهود المهمة، كانت هناك محاولات أخرى لدراسة عالم الفلاحين المصريين، لكن هذه المرة بزوايا مختلفة (التحليل البيئي) وأيضا من خلال الغوص أكثر في الماضي العثماني، خلال القرنين السادس والسابع عشر. ولعلنا نشير هنا إلى دراسات وجهود المؤرخ الأمريكي في جامعة ييل آلن ميخائيل، الذي أصدر عدة كتب تناولت تاريخ البيئة في مصر العثمانية، وتاريخ الحيوان خلال هذه الفترة، كما عرف من خلال كتابه المهم «في ظل عثمان: الامبراطورية العثمانية ومصر والتاريخ البيئي» الذي ترجم مؤخرا للعربية عن الدار العربية للعلوم، ترجمة عبد الرحمن عادل. وهو كتاب كان قد حصل على جائز فؤاد كوبريللي التركية للدراسات العثمانية، واستغرقت أبحاثه قرابة عقد من الزمن، حاول من خلاله المؤلف كتابة تاريخ بيئي لمصر العثمانية، عبر رصد علاقة الفلاحين بالمناخ والظروف البيئية التي أحاطت بهم، من حيوانات وطمي وبراغيث وطاعون وبراكين وتيارات مائية، ليتيح لنا عبر هذا التاريخ البيئي تكوين صورة أوسع وأدق عن طبيعة علاقة الفلاحين بالسلطات الحاكمة، بدلاً من اقتصارها على فترة 100 سنة المحيطة بمحمد علي، وهي علاقة كما تبدو لم تكن قائمة على الإذلال أو القهر، بل نرى علاقة احترام وتنافس وندية أحياناً بين الفلاحين والولاة العثمانيين. كما أن هناك ما هو جديد على صعيد المصادر، فخلافاً لملاحظات كينث وفهمي حول محدودية، أو عدم براءة وثائق الدار القومية، حاول ميخائيل السفر نحو الأرشيف العثماني الموجود في إسطنبول، وهو أرشيف ليس بالضرورة بريئاً، بل كتب أيضاً بمنطق «اليوميات الامبراطورية» وفق ما يراه المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة، مع ذلك، يبدو أنّ غنى هذا الأرشيف، فتح الباب أمامه لكتابة تواريخ محلية جديدة عن الريف المصري، مثل تاريخ الفيوم.

يلاحظ ميخائيل أن البيئة وظروفها، لعبت دورا لصالح الفلاحين كي يكون لهم دور ومشاركة في إدارة مناطقهم، فهو خلافا للصورة التي تعتقد أنّ الفلاحين لم يكن لهم أي دور فاعل، يبين من خلال دراسته لموضوع إصلاح الترع في إقليم المنوفية خلال النصف الأول من القرن السادس عشر دور المجتمعات المحلية في تشكيل سياسة إدارة المياه.

التاريخ البيئي والشرق الأوسط

يرى ميخائيل أنّ الشرق الأوسط كان بمثابة بوابة لانتشار منتجات زراعية وطبيعية، ونشر المعرفة بأساليب استغلال البيئة، وناقلا للمرض عبر مساحات شاسعة من أوراسيا والعالم، ولذلك فهو يدعو في هذا الكتاب إلى النظر للامبراطورية العثمانية، بوصفها نظاما أيكولوجيا (بيئيا) وهذا ما يعني ضرورة كتابة تاريخ بيئي لهذه المنطقة، خاصة أن هذا التاريخ يتقاطع مع أحداث سياسية واجتماعية عديدة، وقد يعيد النظر في بعض الفرضيات، كما في مثال آخر عقدين من القرن الثامن عشر، الذي شهد فترة تقلبات مناخية، ما أثر في أوروبا، من خلال ظهور مجاعات وجفاف ومرض ومعاناة، ونتجت عنه غزوات أوروبية كثيرة على الشرق الأوسط، التي أفضت إلى فترة الاصلاحات العثمانية، التي تعرف باسم التنظيمات.
وفي سياق قراءته لعلاقة الامبراطورية بالفلاحين المصريين، يلاحظ ميخائيل أن البيئة وظروفها، لعبت دورا لصالح الفلاحين كي يكون لهم دور ومشاركة في إدارة مناطقهم، فهو خلافا للصورة التي تعتقد أنّ الفلاحين لم يكن لهم أي دور فاعل، يبين من خلال دراسته لموضوع إصلاح الترع في إقليم المنوفية خلال النصف الأول من القرن السادس عشر دور المجتمعات المحلية في تشكيل سياسة إدارة المياه. إذ تظهر إحدى الوثائق أن السلطنة العثمانية كانت قد عهدت إلى كاشف المنوفية محمد بن بغداد، بجمع معلومات عن ترع الإقليم، ووضع نظام الري فيها، كما تحفل مصادر هذه الفترة بأصوات المحليين نظراً لخبرتهم ومعرفتهم، وكان الفلاحون هم من حددوا مشاريع الري التي تحتاج للإصلاح، وأصلحوها بأنفسهم. ففي عام 1771، شرعت جماعة من المزارعين المصريين في إقليم الدقهلية شمال شرق القاهرة في مجموعة من الإصلاحات لإحدى الترع، حينها ذهب فلاحو قرية المنزلة ومشايخها وفقراؤها إلى محكمة المنصورة، للإبلاغ عن حال ترعة البحر الصغير وقد غطتها الأوساخ والرمال والفضلات، فأعاقت مجرى المياه ومنعت مياه الري إلى القرى، وفي وثيقة أخرى، نعثر على التماس تقدمت به مجموعة من فلاحي مدينة منفلوط جنوب مصر في عام 1731 إلى قصر السلطان أحمد الثالث، ليعلموه بأنّ اندفاع المياه المتتابع، حطم جزءا من قنطرة إحدى الترع في قرية الوحشات في منفلوط حتى أصبحت بحاجة ماسة للإصلاح، وقد انشغل السلطان وحاشيته بهذا الخطر العظيم، وأدركوا مآلات وقوع هذه الخسائر الفادحة في الموارد الزراعية، ولعل هذه الأمثلة وغيرها تكشف مدى قدرة الفلاحين على توجيه البيروقراطية العثمانية في إدارة بيئة الري الريفية المعقدة دائمة التغير.

الفيوم العثمانية… عن المحلي والامبراطورية

من الفصول المهمة في الكتاب هو الفصل المتعلق بفيوم العثمانية، فخلافا لتركيز كينيث على الوجه البحري، يحاول ميخائيل المضي قدماً لدراسة الوجه القبلي، من خلال مدينة الفيوم، التي لم تحظ باهتمام كبير من مؤرخي الحقبة العثمانية، لغياب سجلات المحكمة عن هذه المنطقة، ولذلك قرر هنا الاستعانة بالأرشيف العثماني في إسطنبول للكشف عن التاريخ البيئي في هذه المدينة خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر. وخلافا لنموذج المركز ـ الهامش، الذي ينطلق من فكرة أن العاصمة كانت تستنزف كل أرجاء الامبراطورية، يبين ميخائيل من خلال هذا التأريخ أن مدينة الفيوم كانت عالماً حيوياً، وأن علاقتها مع اسطنبول لم تكن مجرد علاقة ذات اتجاه واحد يمضي في سبيل استخراج الموارد لتنقل إلى العاصمة الامبراطورية، بل كان سكانها من فلاحين وأعيان، في علاقة جدلية مستمرة مع إسطنبول قوامها التدافع، وإن كانت غير متكافئة بالطبع. ومما يلاحظ أنّ علاقة المحلي بالامبراطورية كانت علاقة ذات اتجاهين، بحيث عملت العاصمة الامبراطورية على مؤازرة الفلاحين المصريين، وعلى الجانب الآخر، زود الفلاحون المصريون الإدارة العثمانية بالخبرة المحلية اللازمة، ودفعها أحيانا في اتجاه مغاير لمصالح المسؤولين الامبراطوريين في الدولة، وهنا نرى أن ميخائيل تمكن من خلال هذه القراءة تصحيح السردية التي تقول إن الفلاحين المصريين قد هُمشوا على امتداد فترة العثمانيين، بينما نرى أن فلاحي الفيوم مثلا كانوا الركن الأهم لتنفيذ إصلاحات الامبراطورية على صعيد شبكات الري. لكنه يؤكد من ناحية أخرى، أن هذه العلاقة شهدت تبدلات لاحقة فعلاً، وليس بالضرورة في فترة محمد علي، وإنما منذ عام 1750 مع سيطرة مجموعة صغيرة من النخب الريفية على الفلاحة ومصر العثمانية (علي بك الكبير ومحمد أبو الذهب) ولعله في ذلك يتفق مع النتائج التي جاء بها كينيث كونو، الذي وجد أن انهيار عالم الفلاحين، جرى قبل قدوم محمد علي بعقود، ويلاحظ ميخائيل في إحدى دراساته المعنونة بـ»عضلات مفتولة» أن عمل الفلاحين بدأ يتغير مطلع القرن التاسع عشر، مع توسع العمل الريفي، ونقل كثير من الفلاحين قسرا لأماكن نائية من أجل إصلاح أشغال الري وغيرها من مشاريع البنية التحتية. كما تبين العديد من الوثائق خلال الفترة الممتدة بين 1500 ـ 1750 أن طعام الفلاحين العاملين في إصلاح شبكات الري كان يقوم إما على عاتق أهل القرية، أو على الفلاحين أنفسهم، وأنهم في الغالب كانوا يعملون دون أجر، أو لنقل إنهم كانوا يهبون عملهم إن استخدمنا مفهوم مارسيل موس عن الهبة، في سياق علاقات تضامنية وخدمات متبادلة بين القرى المتجاورة، في حين نلاحظ أن العلاقة تغيرت، وأنه جرى نقل جهود الفلاحين هذه إلى أماكن بعيدة عن فضائهم المحلي.

وفي الكتاب هناك فصل غني حول الطاعون، الذي ضرب مصر في القرن الثامن عشر، وما نكتشفه هنا أن الفلاحين المصريين، وفي ظل تكرر موجاته، باتوا يتعاملون معه بوصفه قوة بيئية حاله حال المجاعة والفيضان والجفاف.

كما تظهر لنا إحدى الوثائق التي تعود لإصلاح مخزن حبوب في عام 1746 من مخصصات أوقاف رجل يدعى إبراهيم أغا، أنها تتكون من يوميات تمتد على مدار أربعة وثمانين يوما، وفي مفتتح كل يوم يدون التاريخ أولاً، ثم تدون كل أنواع العمالة المستعملة في هذا اليوم، يلي ذلك إيراد التكلفة الإجمالية من أجور ومواد بناء، بما فيها مقدار القهوة المستهلكة في يوم عمل واحد، فقد كانت القهوة والمياه هي النوع الوحيد من التغذية التي يتلقاها هؤلاء الرجال، وهنا نرى أن الفلاحين قد تحولوا إلى مجرد أرقام صماء وأنفار. وفي عام 1812 أصدر محمد علي فرمانا جعله بصفته الشخصية المالك الشرعي لكل أراضي الملتزمين، وقد استبشر الفلاحون بذلك وعدوه أفول نجم الملتزمين، وتحت وقع هذا الانطباع ردت مجموعة من الفلاحين في شهر مايو/أيار 1814 على ملتزم حين طالبهم بالعمل قائلين «روح انظر غيري أنا مشغول في شغلي، أنتم ايش بقالكم في البلاد.. إحنا صرنا فلاحي الباشا».

الجاموسة… أغلى الأشياء

ولأن ميخائيل مهتم بتاريخ الحيوان في الريف المصري، فقد خصص في هذا الكتاب بحثا لقراءة بعض التركات التي تركها الفلاحون، وما أهم ما تضمنته. ومما يلاحظه هنا أن الجاموس كان يأتي في قمة التراتبيات الاقتصادية، ففي حالة تركة مصطفى عبد ربه، قدرت جاموسته بأكثر من ثلاث أضعاف ونصف قيمة حمار، وحين توفي رجل يدعى الحاج حسن بن المرحوم السيد علي الشريف من قرية بويط في البحيرة عام 1794، كادت كل تركته أن تقتصر على الحيوانات فحسب (ثوران وجاموستان وبقرة وجمل وثمانية خرفان) وفي حالات نادرة كانت الخيل جزءا من تركة المتوفى، سواء كان فلاحا أو أحد ساكني المدن، كما نكتشف أن النوق كانت لها مكانة كبيرة في حياة فلاحي مصر، فعلى سبيل المثال، بدا أن أغلى ما تركه شخص يدعى عبد القادر الحمداني هي ناقة. كما أنّ ذبح الحيوانات يبدو أمرا نادرا في الريف، وتكاد تنعدم أي أخبار في هذا الشأن، فأكل اللحوم رفاهية لم ينلها إلا قلة، ولذلك ارتبط أكل لحوم الحيوانات بالثراء.
وفي الكتاب هناك فصل غني حول الطاعون، الذي ضرب مصر في القرن الثامن عشر، وما نكتشفه هنا أن الفلاحين المصريين، وفي ظل تكرر موجاته، باتوا يتعاملون معه بوصفه قوة بيئية حاله حال المجاعة والفيضان والجفاف. كما أن هناك فصولاً عن الخشب وأخرى عن الحبوب وعن براكين آيسلندا في القرن الثامن عشر، وكيف تأثرت بها البيئة المصرية. ومما يثير الاستغراب والدهشة في الكتاب أيضا أن 40% من أوراق الطبعة العربية للكتاب عبارة عن مراجع، وهذا ما يظهر حجم الجهد الذي بذله ميخائيل بين الأراشيف والمصادر المحلية، لإعادة كتابة تاريخ الفلاحين في مصر وحيواناتهم وأفكارهم حول البيئة.

كاتب سوري

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين في العالم لا سيما المسلمين والتحذير من أعداء البشرية والإنسانية و تثقيف المسلمين وتعريفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم وماهم مقبلون عليه في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها .

شاهد أيضاً

السعودية.. العثور على نقش أثري من زمن الخلفاء الراشدين (صور)

  RT : أعلنت هيئة التراث السعودية العثور عن نقش أثري إسلامي مرتبط بثالث الخلفاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.