وقفات مع ضربة أمير المؤمنين عليه السلام في محرابه

بقلم : وجدي المبارك

القطيف

الجزء الرابع والأخير

◼️أول كلمة نطق بها أمير المؤمنين عليه السلام في تلك اللحظة العصيبة هي كلمة فزت ، وهو فعل مأخوذ من كلمة فائز ، ولعلها أبلغ كلمة أراد إيصالها لأذهان البشر على مر العصور أنه كان في حالة ترقب لهذه اللحظة منذ عشرات السنين حتى حان حينها .

◼️لعل أول الدلالات على بلاغة كلمة فزت هي قدرة أمير المؤمنين عليه السلام المتناهية على إضفاء حالة الاستبشار على محيطه ومحيط من حوله بدل إضفاء حالة الهلع والجزع الذي تصيب عادة بني البشر في مثل هذه المواقف العصيبة ، فنادى بأعلى صوته : فزت ورب الكعبة.

◼️مثلت كلمة فزت منهجاً لتشجيع بني البشر على تحمل مواقف الظلم والمصائب التي تصيبهم في الدنيا في محاولة للتأقلم معها ، والتمتع بالنفس المتفائلة خاصة تلك المواقف التي تكون في سبيل الله وإعلاء لكلمته.

◼️أراد أمير المؤمنين عليه السلام من كلمة فزت لفت انتباه بني البشر أن مصير حياتهم يتأرجح بين كفتي الخسارة والربح ، وهذا مناط بطلبهم للدنيا فيعرضهم للخسارة أو بطلبهم للآخرة ليفوزوا بالجنة .

◼️أراد أمير المؤمنين عليه السلام من خلال كلمة فزت أن يبين أن الفائز الحقيقي من المؤمنين هو من يوفق في ترجيح دفة الآخرة على دفة حب الدنيا.

◼️ كان البشر بحاجة إلى أنموذج إنساني فريد كأمير المؤمنين عليه السلام ليسيروا على منواله ، ويقتفوا أثره في إيثار الآخرة والسعي إليها على حب الدنيا وغرورها ، ليجتهدوا في طلب رجحان الآخرة وإيثارها على حب الدنيا وملذاتها .

◼️إن كلمة فزت تدل على صفة الفائز ومن يتتبع مفردتها في القرآن الكريم يجدها تطلق على المؤمن المهاجر والمجاهد في سبيل بالمال والنفس .

◼️لن تجد إنساناً حفل تاريخيه البطولي بالصفات النوعية للإيمان والجهاد والهجرة ، وسعى إلى تطبيقها بحذافيرها كما انطبقت على تاريخ وشخصية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث يقول الله تعالى : {الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } .

◼️ في مورد قرآني آخر وصف الله الفائزين بصفة الامتثال لأوامر الله ونبيه صلى الله عليه وآله ، يقول الله تعالى : {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } ، ولن تجد شخصاً في تاريخ المسلمين بأجمعهم يتمتع بصفات الانصياع والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ، وصفات التقوى والخشية من الله كأمير المؤمنين عليه السلام .

◼️حينما نتتبع القرآن الكريم نجد أن بعض آياته أشارت إلى عدم المساواة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة ، فيقول الله تعالى : {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ }.

◼️ أشار القرآن الكريم إلى أن أهل الجنة هم الفائزين ، فلا شك ولا ريب أن أمير المؤمنين عليه السلام هو من أعظم الفائزين بدلالة الآيات السابقة ، بل هو مصداق أعظم للفائزين سواء على مستوى التطبيق والنتيجة التي أوصلته للجنة.

◼️بالرجوع للقرآن الكريم نجد أن الآيات القرآنية فرقت بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ، وهذا معناه أن هناك من يميز أو يكون مفصلاً يفرق أصحاب الجنة عن أصحاب النار.

◼️ حينما نربط معاني الآيات القرآنية بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله: علي قسيم الجنة والنار ، نجد تطابق المعنى القرآني مع دلالة النص الروائي .

◼️ نخلص من تطابق المعنى القرآني مع النص الروائي إلى إضاءة جميلة مفادها : أن كل من كان مع أمير المؤمنين عليه السلام سواء على مستوى التطبيق والاقتداء والولاء سيكون من صنف أصحاب أهل الجنة التي وصفهم الله بالفائزين .

◼️إذا ربطنا الاستنتاج الأخير بدلالة الرواية النبوية يكون أمير المؤمنين عليه السلام الفيصل الحقيقي بين أهل الجنة والنار ، وهذا ليس بغلو لأنه هو الفيصل للحق ، وأتباعه يمثلون الحق ، لذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: علي مع الحق ، والحق مع علي .

◼️هناك من الروايات الشريفة التي تتحدث عن الفائزين ، فعن ابن عساكر : عن جابر بن عبد الله ، قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي عليه السلام ، فقال : أي النبي ـ : و الذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة!! .

◼️أخرج الطبري في تفسيره ، وروى السيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ عن أبي الجارود عن محمد بن علي: أولئك هم خير البرية ، فقال النبي صلى الله عليه وآله أنت يا علي وشيعتك .

◼️بالفعل كان أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة التاسع عشر من رمضان الفائز بالفوز العظيم لأنه صبر على الظلم الذي لحق به طوال حياته حتى وقت استشهاده ، وخسر كل المتآمرين على قتله ، فلم ينالوا الدنيا ، وخسروا الآخرة ذلك هو الخسران المبين .

◼️ إذاً لا نبالغ بقولنا : إن الخاسر الحقيقي في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان سنة 40 للهجرة هي أمة محمد صلى الله عليه وآله ، بل العالم بأسره ، بينما فاز أمير المؤمنين عليه السلام في نهاية المطاف برضا الله وجنته ، حيث يقول جل شأنه : {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } .

◼️ ستظل عبارة و قسم أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان طلسماً حاوياً من الأسرار والغايات التي قد لا نستوعبها أو ندركها ، لعلمنا أن كل حركة ولفظ لإمام المتقين عليه السلام دلالات وغايات لا يتحملها أي عقل وفكر ، ولعل هذا القسم هو من تلك الأسرار التي لم يفك طلاسيمه حتى يومنا هذا والله العالم .

✋ملحوظة : كل هذه القراءات هي تحليلات يمكن إبداء الملاحظات والتساؤلات عليها
_____
? وجدي المبارك
القطيف – اﻷوجام
يوم 21 من شهر رمضان 1442هـ

منقول

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين في العالم لا سيما المسلمين والتحذير من أعداء البشرية والإنسانية و تثقيف المسلمين وتعريفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم وماهم مقبلون عليه في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها .

شاهد أيضاً

ولادة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

 الکوثر: ولادة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام نهنئ الامام صاحب العصر والزمان (عجل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.