ماذا قال العلماء في إشكاليات متون و أسانيد بعض الأحاديث المشهوره

جمع  المادة العلمية : خالد محيي الدين الحليبي  

1- حديث : كتاب الله وسنتي

روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه) [موطأ مالك: ج 2 ص 899].
إن هذا الحديث مشهور وقد جعله البعض أساساً وعمادً لهم، وقد كُرر كثيراً في كتب المسلمين وخاصة السلفيين. والناظر فيه يجده متهالك سنداً ومتناً.
بالنسبة للسند
رواه مالك في موطأ، وابن هشام في سيرته بدون إسناد.
ورواه الحاكم في المستدرك : ج 1 ص 93 بسند فيه ابن أبي أويس، وهذه بعض أقوال علماء الرجال فيه. قال النسائي: ضعيف. قال ابن معين: هو وأبوه يسرقان الحديث.
وقال ابن عدي: روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليهما أحد.. [راجع ميزان الاعتدال وتهذيب التهذيب في ترجمته]. ووجود هذا الرجل في السند كفيل بأن لا تقوم لهذه الرواية قائمة!
ورواه الحاكم : ج 1 ص 93 بسند آخر فيه: صالح بن موسى الطلحي قال ابن معين فيه: ليس بشيماء. وقال الجوزجاني: ضعيف الحديث على حسنة.وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث. وقال أبو نعيم: متروك يروي المناكير.[راجع ترجمته في تهذيب التهذيب]. هذه أسانيد الحديث المتوفرة تدل على أنّ الحديث ضعيف لا يمكن ولا يصح الاحتجاج به.
والملاحظ:
إنّ الحديث بالرغم من أهميته لم يروه أصحاب الصحاح الستة بما فيهم البخاري ومسلم وهم أهل الكتب المعتمدة. – كيف يجوز أن يرجع النبي (صلى الله عليه وآله) الناس إلى سنته وهي غير مدوّنة – كما يروى -؟!وهل التمسك بالكتاب والسنة كافٍ ليعصم الناس من الضلال؟ إنّ المسلمين الآن طوائف متناحرة ولا أحد ينكر رفضه الكتاب والسنة والكل يزعم أن منهجه يؤدي للكتاب والسنة ومع هذا فهم مختلفون!! – إن الكتاب والسنة فيهما الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمفيد والمطلق وإرجاع الناس إليهم دون حل هذه الأمور – كوضع مبين لها – أمر غير حكيم لا يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) واعتقد أن حديث الثقلين (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) الذي رواه مسلم والترمذي وأحمد والطبراني والحاكم… هو الحل لهذه الأزمة.

2- حديث: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء

عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)… – إلى أن قال – فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عظوا عليها بالنواجذ) [سنن أبو داوود: حديث رقم4443]. هذا الحديث شائع جداً ويستند إليه كثيراً في الاستدلال من قبل العلماء، فما مدى صحته؟!يلاحظ أن الحديث قيل في آخر حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وبعد صلاة جماعة وهو يعني وفرة عدد الحاضرين من الصحابة إلا أنه لم يروه منهم إلا العرباض بن سارية، وهذا يجعلنا نضع علامة استفهام على الحديث من البداية!ثمّ لم يروه عن العرباض إلا راوٍ واحد هو عبد الرحمن بن عمرو السلمي وهذا الرجل لم يذكروا له تعديلاً أو تجريحاً وعلى هذا فهو مجهول.
أسانيد الحديث
أجل لقد روى الحديث الترمذي بسندين ورواه أبو داوود بسند واحد، ورواه ابن ماجة بثلاثة أسانيد وأحمد بن حنبل بخمسة أسانيد والحاكم بسندين والطبراني بأسانيد عدة. وهذه الأسانيد كلها تنتهي إلى العرباض وهو الوحيد راوي الحديث، ولم يروه عنه إلا عبد الرحمن السلمي كما في الأسانيد. والرجل مجهول كما ذكرنا، وقد ذهب بجهالته الحافظ القطان الفاسي [تهذيب التهذيب: ج 6 ص 216]. لهذا لم يصحح الحديث. هذا بالنسبة لأسانيد الحديث.
في متن الحديث
– إن مصطلح الخلفاء الراشدين لم يكن معروفاً زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، وحين ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) – على افتراض صحته – لم يثر الصحابة أي تساؤل حول هويتهم أسمائهم! وليس من شأن النبي (صلى الله عليه وآله) أن يقدم العلاجات الناقصة والمبتورة، فكيف لا يبين أسماءهم ويعينهم حتى لا تضل الأمة في معرفتهم. – لقد رفض الإمام علي (عليه السلام) العمل بسيرة الشيخين في قصة الشورى التي صنعها عمر بن الخطاب وهذا يضع الحديث السالف في زاوية حرجة! – إن الاختلاف بين الخلفاء الأربعة أمر مشهور فكيف يُرجع النبي أمته لإتباع سنن مختلفة؟!!- إنّ النص يأمر بإطاعتهم على الإطلاق وهذا يعني عصمتهم وهو مرفوض.تبين مما سلف أن أسانيد الحديث ضعيفة لجهالة السلمي والمتن تحوطه إشكالات كثيرة لا يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله).

3- حديث خير القرون

أخرج البخاري عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم…) [صحيح البخاري: كتاب المناقب].هذا الحديث من الأعمدة التي اتكئ عليها البعض لإضفاء الشرعية على كل ما حدث في القرون ولأجل تعديل الصحابة، فهل يصح الاستدلال به؟!إن هناك أحاديث تعارض هذا النص وتبين أفضلية من يؤمن بالنبي غيباً.
قال (صلى الله عليه وآله): (ليدركنَّ المسيح أقواماً إنهم لمثلكم أو خير، ثلاث مرات) [فتح الباري: ج 7 ص 5]. وقال (صلى الله عليه وآله): (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوّله خير أم آخره) [سنن الترمذي، حديث رقم 2869].وعن أبي جمعة قال: (تغدينا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، قال: فقلنا: يا رسول الله أحد خير منّا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: نعم! قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني) [مستدرك الحاكم: ج 4 ص 85 وصححه وكذا الذهبي]. إن الذي يبدو إن الأحاديث المعارضة للحديث الأول هي الصحيحة، لأن الإيمان بالإسلام والنبي بعد قرون عدة والتضحية من أجل هذا الاعتقاد أفضل من إيمان من رأى النبي (صلى الله عليه وآله) ورأى أنوار النبوة عياناً أمامه، فأهل آخر الزمان مؤمنون بالغيب، وهو أمر مدحه الله في قرآنه. ولو فرضنا صحة حديث (خير أمتي قرني) فهو لا يعني الاستقامة لكل أفراد ذلك القرن، وهذا واضح لكل من له أدنى إطلاع على أحداث القرن الأول!

4-حديث (ما أنا عليه وأصحابي)

روى الترمذي بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (… وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة. كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟قال: (ما أنا عليه وأصحابي) [سنن الترمذي، كتاب الإيمان]. إن هذا الحديث الذي استدل به ابن تيمية وأتباعه كثيراً لا يصح أصلاً. لقد روى الحديث الترمذي بسند فيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وهذه ترجمته: عن أحمد بن حنبل: ليس بشيء. وقال: منكر الحديث. وعن يحيى بن معين: ضعيف.وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره [راجع تهذيب الكمال: ج 17 ص 102 – 110 باختصار].وضعّفه ابن حجر في تهذيب التهذيب: ج 6 ص 160. وروى الحاكم الحديث بسند فيه الأفريقي [المستدرك: ج 1 ص 128]. وأخر في الحديث الطبراني في المعجم الكبير بسند فيه كثير بن مروان وقد ضعّفه أئمة الحديث [راجع ميزان الاعتدال: ج 5 ص 496]. ورواه الطبراني في المعجم الصغير بسند فيه عبد الله بن سفيان، وقد ذكر العقيلي في الضعفاء الكبير وانظر كلام الذهبي فيه في (ميزان الاعتدال) في ترجمته. ولا يصح أن يكون الصحابة دليلاً للنجاة لاختلافهم الكثير وقتال بعضهم بعضاً ولذهاب قسم كبير منهم إلى النار كما ذكر البخاري هذا في صحيحه في كتاب الرقاق.

5- حديث: أصحابي كالنجوم

التحقيق:
رد هذا الحديث( أصحابي كالنجوم) المخدوش السند والمتن كلاً من:
1)أبو بكر أحمد بن حسين البيهقي حيث قال : على الرغم من شهرة الحديث إلا أن سنده ضعيف.
2)القاضي عياض في شرح الشفا قال: إن هذا الحديث عده الدارقطني في الفضائل فاقد لشرائط الحجية لوجود الحارث بن غضين المجهول في إسناده .
3)ابن حزم الظاهري قال إن هذا الحديث موضوع ومدلس وباطل .كما قال إنه موضوع سنداً ومتناً ولو كان الواضع يفهم الحديث لقال أصحابي كالنجوم بهم اقتديتم اهتديتم إذ أن الشعري يهدي لطريق والجدي يهدي لطريق آخر .
4) إبن عدي عده ضعيف لوجود حمزة في إسناده وهو متهم بالكذب والتدليس .
5)عبد بن حميد في مسنده روى عن عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن سيد بن المسيب عن البزار قال: أين صحة هذا الحديث.أهـ

كثيراً ما يحتج الخطباء وبعض المشتغلين بالعلم بحديث يروى وهو (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم). وهذا الحديث ضعيف باعتراف العلماء، فلا يصح نسبته للنبي (صلى الله عليه وآله).
يقول ابن تيمية: (وحديث أصحابي كالنجوم، ضعفه أئمة الحديث، فلا حجة فيه) [راجع المنتقى: للذهبي: ص 551]. وقال الألباني في سلسلته الضعيفة عنه: (موضوع) وقال ابن عبد البر عن إسناده: (هذا إسناد لا تقوم به حجة) وقال ابن حزم: (هذه رواية ساقطة…) وقال أحمد: (لا يصح هذا الحديث) كما في (المنتخب لابن قدامة: ج10 ص 199 ح2). [راجع سلسلة الأحاديث الضعيفة: ج 1 ص 78 – 79 ح 61]. وقال الألباني فيه في موضع آخر عنه بل هو حديث باطل. [شرح العقيدة الطحاوية: ص 530]. يقول ابن حزم: (فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلاً، بلا شك إنّها مكذوبة) [الإحكام في أصول الأحكام: ج 6 ص 244]. وقال الشوكاني فيه، (فهذا ما لم يثبت قط). [إرشاد الفعول: ص 243]. إن متن الحديث يدل على وضعه، فكيف يقول النبي (صلى الله عليه وآله): أصحابي كالنجوم… فيأمر أصحابه بالإقتداء بأصحابه؟!

6- حديث: اختلاف أمتي رحمة

هذا حديث مشهور بين أتباع المذاهب، حتى ألّف أحدهم كتاباً أخذ عنوانه من الحديث السابق حيث أسماه (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة). يقول الألباني فيه: (لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا… ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: (وليس بمعروف عن المحدِّثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، وأقرّه زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي (ق 92/2) [راجع سلسلة الأحاديث الضعيفة: ج 1 ص 76 ح 57]. وقال ابن حزم في هذا الحديث: (وهذا من أفسد قول يكون، لأنّه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنّه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب). [الإحكام: ج 5 ص 61]. لاشك إن الحديث إذا أخذ بمعناه الظاهري باطل لأنه يوسع بحر الخلاف ويزيد المسلمين تمزقاً.
رسالةُ
في حديث
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين…
وبعد،
فهذه رسالة أخرى كتبتها حول حديث آخر…
أنه حديث في وجوب إطاعة الأمراء واتباع سنة الخلفاء الراشدين وإن كانت السنة والإمارة على خلاف الموازين…
أخرجوه في غير واحدٍ من أهم أسفارهم، وجعله غير واحد منهم من أصحّ أخبارهم…
ثمّ اتخذوه مستنداً لتبرير أُمورٍ وأحكامٍ سابقة، ومستمسكاً لأعمالٍ وقضايا لاحقة…
لقد بحثت عن هذا الحديث بحثاً شاملاً، وحققته تحقيقاً كاملاً، فجاء ت رسالة نافعة للمحققين، لا تخفى فوائدها على الباحثين… فإليهم أقدّم هذا الجهد، والله من وراء القصد.

(1)
مخرّجو الحديث وأسانيده
رواية الترمذي
أخرج الترمذي قائلاً:
«(1) حدّثنا علي بن حجر، حدّثنا بقيّة بن الوليد، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: إن هذه موعظة مودّعٍ، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنواجذ.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقد روى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم نحو هذا، حدثنا بذلك:
(2) الحسن بن علي الخلاّل وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم، نحوه.
والعرباض بن سارية يكنى: أبا نجيح.
(3) وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر، عن عرباض بن سارية، عن
إلنبي صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، نحوه- صحيح الترمذي 5|44 ـ 45 باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.
رواية أبي داود
وأخرج أبو داود قائلاً:
«حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، قال: حدثني خالد بن معدان، قال: حدثني عبدالرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ـ فسلّمنا وقلنا: اتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال العرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنّ هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا ؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان عبدّ حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وايّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة- سنن ابي داود 2|261 باب في لزوم السُنّة ».
رواية ابن ماجة
وأخرج ابن ماجة قائلاً:
«(1) حدثنا عبدالله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبدالله بن العلاء ـ يعني ابن زبر ـ، حدثني يحيى بن أبي المطاع،
قال: سمعت العرباض بن سارية يقول:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلّم ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقيل: يا رسول الله، وعظتنا موعظة مودّع فاعهد إلينا بعهد.
فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وان عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وايّاكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة.
(2) حدّثنا إسماعيل بن بشر بن منصور واسحاق بن إبراهيم السواق، قالا: ثنا عبدالرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، انه سمع العرباض بن سارية يقول:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا ؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حينما قيد انقاد.
(3) حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا عبدالملك بن الصباح المسمعي، ثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو، عن العرباض بن سارية، قال:
صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة. فذكر نحوه لا- سنن ابن ماجة 1|15 ـ 17 باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديّين.
رواية أحمد
وجاء في مسند أحمد:
«(1) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا عبدالرحمن بن مهدي، ثنا معاوية ـ يعني ابن صالح ـ، عن ضمرة بن حبيب، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض بن سارية، قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد إنقاد»
(2) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا الضحاك بن مخلد، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن عرباض بن سارية، قال:
صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الفجر، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب. قلنا ـ أو قالوا ـ: يا رسول الله، كأنّ هذه موعظة مودع فأوصنا.
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة.
(3) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد ابن معدان، قال: ثنا عبدالرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك
لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ـ فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم الصبح ذات يومٍ ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
(4) حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا حياة بن شريح، ثنا بقية، حدثني بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة. فذكره
(5) حدّثنا عبدالله، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن العرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة. فذكره – مسند أحمد بن حنبل 4|126. »
رواية الحاكم
وأخرج الحاكم قائلاً:
«(1) حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا أبو عاصم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال:
صلى لنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع فأوصنا.
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن أُمّر عليكم عبد حبشي. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة.
هذا حديث صحيح ليس له علّة.
وقد احتجّ البخاري بعبد الرحمن بن عمرو وثور بن يزيد، وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة.
والّذي عندي أنهما ـ رحمهما الله ـ توهّما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان.
(2) حدثنا أبو عبدالله الحسين بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، ثنا عبدالله بن يوسف التنيسي، ثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم. عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو، عن العرباض بن سارية ـ من بني سليم، من أهل الصفة ـ قال:
خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوماً فقام فوعظ الناس ورغبهم وحذرهم وقال ما شاء الله أن يقول.
ثم قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأطيعوا من ولاه الله أمركم، ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبداً أسود، وعليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا على نواجذكم بالحقّ.
هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعاً، ولا أعرف له علّةً.
وقد تابع ضمرة بن حبيب خالد بن معدان على رواية هذا الحديث عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي.
(3) حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنبري، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي. وأخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل، ثنا الفضل بن محمد، قالا: ثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح.
وأخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا عبدالرحمن ـ يعني ابن مهدي ـ، عن معاوية بن صالح.
عن ضمرة بن حبيب، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض ابن سارية قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقلنا يا رسول الله، إن هذا لموعظة مودّعٍ فماذا تعهد إلينا؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديّين الراشدين من بعدي، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ.
فكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: فإن المؤمن كالجمل الأنف حيث ما قيد انقاد.
وقد تابع عبدالرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض بن سارية ثلاثة من الثقات الأثبات من أئمة أهل الشام:
منهم: حجر بن حجر الكلاعي:
(4) حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبدالله محمد بن إبرإهيم العبدي، ثنا موسى بن أيوب النصيبي وصفوان بن صالح الدمشقي، قالا: ثنا الوليد ابن مسلم الدمشقي، ثنا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن معدان، حدّثني عبدالرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر الكلاعي، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألاّ
يجدوا ما يننقون) ـ فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين ومقتبسين.
فقال العرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودعٍ فما تعهد إلينا؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ومنهم: يحيى بن أبي المطاع القرشي:
(5) حدثنا أبوالعباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عيسى بن زيد التنيسي، ثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أنبأ عبدالله بن العلاء بن زيد(كذا والصحيح: زبر) ، عن يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض بن سارية السلمي يقول:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها الأعين. قال: فقلنا: يا رسول الله، قد وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا.
قال: عليكم بتقوى الله ـ أظنه قال: والسمع والطاعة ـ، وسترى من بعدي اختلافاً شديداً ـ أو: كثيراً ـ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم والمحدثات، فإن كل بدعة ضلالة.
ومنهم: معبد بن عبدالله بن هشام القرشي:
وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب، فتركته.
وقد استقصيت في تصحيح هذا الحديث بعض الاستقصاء على ما أدّى إليه
اجتهادي، وكنت فيه كما قال إمام أئمة الحديث شعبة ـ في حديث عبدالله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، لمّا طلبه بالبصرة والكوفة والمدينة ومكّة، ثمّ عاد الحديث إلى شهر ابن حوشب فتركه، ثم قال شعبةـ:
لئن يصحّ لي مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كان أحب إلي من والديّ وولدي والناس أجمعين.
وقد صح هذا الحديث، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله أجمعين – المستدرك على الصحيحين 1|96.» .
***
(2)
نظرات في أسانيده
نقاط حول السند والدلالة
كانت تلك أسانيد هذا الحديث وطرقه في أهم كتب الحديث وجوامعه، ولا بدّ قبل الورود في النظر في أحوال رجال الأسانيد والرواة أن نشير بإيجاز إلى نكاتٍ جديرة بالانتباه إليها…
1 ـ إن هذا الحديث يكذبه واقع الحال بين الصحابة أنفسهم، فلقد وجدناهم كثيراً مّا يخالفون سنة أبي بكر وعمر، والمفروض أنهما من الخلفاء الراشدين، بل لقد خالف الثاني منهما الاول في أكثر من مورد !! فلو كان هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حقاً لما وقعت تلك الخلافات والمخالفات…
هذا ما ذكره جماعة… وعل أساسه أوّلوا الحديث، وقد نص بعضهم كشارح مسلم الثبوت – فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت 2|231 (1) على ضرورة تأويله…
قلت: لكن هذا إنما يضطر إليه فيما لو كان الأصحاب ملتزمين بإطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنقادين لأوامره ونواهيه.. ولكن…
2 ـ إن هذا الحديث بجميع طرقه وأسانيده ينتهي إلى «العرباض بن سارية السلمي» فهو الراوي الوحيد له… وهذا مّما يورث الشك في صدوره… لأن الحديث كان في المسجد… وكان بعد الصلاة.. وكان موعظة بليغة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب… ثم طلب منه أن يعهد إلى الأمة.. فقال..
فكيف لم يروه إلآ العرباض ؟! ولم لم يرووه إلا عن العرباض ؟!
3 ـ إن هذا الحديث إنما حدّث به في الشام، وإنما تناقله وروجه أهل الشام ! وأكثر رواته من أهل حمص بالخصوص، وهم من أنصار معاوية وأشد أعداء علي أمير المؤمنين عليه السلام – أنظر كلمة ياقوت عن أهل حمص في معجم البلدان 2|304 .
فبالنظر إلى هذه الناحية، لا سيما مع ضمّ النظر في متن الحديث إليه، لا يبقى وثوق بصدور هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كيف يوثق بحديث يرويه حمصي عن حمصي عن حمصي !!.. ولا يوجد عند غيرهم من حملة الحديث والاثر علم به ؟! وأهل الشام قاطبة غير متحرجين من الافتعال لما ينتهي إلى تشييد سلطان معاوية أو الحطّ مّمن خالفه !
4 ـ إن هذا الحديث مما أعرض عنه البخاري ومسلم، وكذا النسائي من أصحاب السنن… وقد بنى غير واحد من العلماء الكبار من أهل السنة على عدم الاعتناء بحديث اتفق الشيخان على الإعراض عنه، وإن اتفق أرباب السنن على إخراجه والعناية به…
قال ابن تيمية بجواب حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة:
«هذا الحديث ليس في الصحيحين، بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم وغيره، ولكن قد أورده أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجة، ورواه أهل المسانيد كالإمام أحمد – منهاج السنة 2|102».
قلت:
ومن عجيب الاتفاق أن حديث «عليكم بسنتي…» كذلك تماماً، فإنه «ليس في الصحيحين، بل قدطعن فيه بعض أهل الحديث ـ كأبن القطّان ـ ولكن قد أورده أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجة، ورواه أهل المسانيد كالإمام أحمد»
بل إنهم بنوا على طرح الخبر إن أعرض عنه البخاري وإن أخرجه مسلم..
وهذا ما نصّ عليه ابن القيّم.. وسننقل عبارته… في الفصل اللاحق. وقد جاء في آخرها: «ولو صحّ عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به».
قلت:
فكذا حديثنا.. فلو مح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به… كيف وقد تبعه مسلم.. وهو بمرأى ومشهد منهما؟!
ثم جاء الحاكم النيسابوري… فأراد توجيه إعراضهما عنه بأنهما «توهّما…»، أي: إن إعراضهما موهن، ولكنهما توهما… ولولا ذلك لأخرجاه…
وسنرى أن الحاكم هو المتوهم…
5 ـ «ثم إن المخرجين له… منهم من صححه كالترمذي والحاكم، ومنهم من سكت عنه كأبي داود، ومنهم من عده في الحسان كالبغوي – مصابيح السنة 1|159 . ومنهم من حكم عليه بالبطلان كابن القطّان…
ترجمة العرباض بن سارية الحمصي- تاريخ دمشق 11| 531
وبعد، فلننظر في ترجمة الراوي الوحيد لهذا الحديث، وهو الصحابي «العرباض ابن سارية»:
كان من أهل الصفة، سكن الشام الاستيعا ب 3|1238 ، ونزل حمص – الإصابة 2|447، تحفة الاحوذي 7|438 . لم يرو عنه الشيخان، وإنما ورد حديثه في السنن الأربعة الإصابة -2|4474، تهذيب التهذيب 7|157 ، مات سنة75 -الإصابة 2|447، تهذيب التهذيب 7|158.
كان يدعى أنه ربع الإسلام، وهو كذب بلا ريب.. وكان عمرو بن عتبة أيضاً يدعي ذلك، قال محمد بن عوف: «كل واحد من العرباض بن سارية وعمرو بن عتبة
يقول: أنا ربع الإسلام، لا ندري إيهما اسلم قبل صاحبه- تاريخ دمشق 11|532، تهذيب التهذيب 7|174؟!».
وكان يقول: «عتبة خير مني سبقني إلى النبي بسنة».
وهذا كذب كذلك، وقد رواه أبناء عساكر والأثير وحجر… بالإسناد عن عبدالله بن أحمد، عن أبيه، بسنده عن شريح بن عبد، قال:
«كان عتبة يقول: عرباض خير مني وعرباض يقول: عتبة خير مني سبقني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بسنة – تاريخ دمشق 11|534، أسد الغابة 3|362، الإصابة 2|447 ».
والذي يبين كذبه بوضوح ما رواه ابن الاثير بترجمة عتبة بسنده إلى شريح، قال:
«قال عتبة بن عبد السلمي: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه رجل وله الأسم لا يحبه حوّله. ولقد أتيناه وإنا لسبعة من بني سليم أكبرنا العرباض بن سارية، فبايعناه جميعا – اُسد الغابة 3|362».
ومن جملة أكاذيبه ما أخرجه أحمد، قال:
«ثنا عبدالرحمن بن مهدي، عن معاوية ـ يعني ابن صالح ـ، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رهم، عن العرباض بن سارية السلمي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلمّوا إلى الغذاء المبارك. ثم سمعته يقول: اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب وته العذاب مسند أحمد 4|127 ».
فإنه ـ وإن اكتفى ابن القطّان بتضعيفه في المغنى عن حمل الأسفارـ هامش إحياء العلوم ـ 1|37 ـ كذب بلا ارتياب… وإلأ لأخرج في الصحاح وغيرها وعقد به لمناقب معاوية باب… إنه حديث تكذبه الوقائع والحقائق،
والبراهين والوثائق… إنه حديث تكذبه الأدلة المحكمة من الكتاب والسنة المتقنة، القائمة بتحريم ما استباحه معاوية من قتل للنفوس، وتبديل للأحكام، وارتكاب للمحرمات القطعية كبيع الخمر والأصنام، وشرب للخمر وأكل للربا… وغير ذلك مما لايحصى…
لكن الرجل سكن بلاد الشام، ونزل حمص بلد النواصب اللئام… وفي ظروف راجت فيها الأكاذيب والافتراءات… فجعل يتقوّل على الله والرسول التقولات، تزلّفاً إلى الحكام، وطمعاً في الحطام.
* ثم إن رواة هذا الحديث عن «العرباض بن سارية» هم:
1 ـ عبدالرحمن بن عمرو السلمي.
2 ـ حجر بن حجر.
3 ـ يحيى بن أبي المطاع.
4 ـ معبد بن عبدالله بن هشام.
أمّا الرابع فلم أجده إلآ عند الحاكم حيث قال: «ومنهم: معبد بن عبدالله بن هشام القرشي» ثّم قال: «وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب فتركته».
ترجمة يحيى بن أبي المطاع الشامي
وأمّا الثالث: «يحيى بن أبي المطاع»:
فأولاً: لم يرو عنه إلا ابن ماجة – تهذيب التهذيب 11|245 .
وثانياً: قال ابن القطّان: «لا أعرف حاله – تهذيب التهذيب 11|245».
وثالثاً: إنه كان يروي عن العرباض ولم يلقه.. وهذه الرواية من ذلك…
قال الذهبي: «قد استبعد دحيم لقيه العرباض، فلعله أرسل عنه، فهذا في
الشاميّين كثير الوقوع، يروون عمّن لم يلقوهم – ميزان الاعتدال 4|410».
وقال ابن حجر: «أشار دحيم إلى أن روايته عن عرباض بن سارية مرسلة- تقريب التهذيب 2|463 ».
وقال ابن عساكر والذهبي: «قال أبو زرعة لدحيم تعجباً من حديث الوليد بن سليمان، قال: صحبت يحيى بن أبي المطاع، كيف يحدّث عبدالله بن العلاء بن زبر عنه أنه سمع العرباض مع قرب عهد يحيى؟! قال: أنا من أنكر الناس لهذا، والعرباض قديم الموت – تاريخ دمشق 18|186، ميزان الاعتدال 4|410، تهذيب التهذيب 11|245» .
ترجمة حجر بن حجر الحمصي
وأما الثاني: «حجر بن حجر»:
فأوّلاً: هو من أهل حمص.
وثانياً: لم يرو عنه إلأ أبو داود.
قال ابن حجر: «روى عن العرباض بن سارية. وعنه خالد بن معدان. روى له أبو داود حديثاً واحداً في طاعة الأمير. قلت: أخرج الحاكم حديثه – تهذيب التهذيب 2|188» .
قلت:
وهو هذا الحديث الذي نحن بصدد تكذيبه، وإليه أشار الذهبي بقوله: «ما حدّث عنه سوى خالد بن معدان بحديث العرباض مقروناً بآخر – ميزان الاعتدال 1|466»يعني بالآخر: عبدالرحمن بن عمرو السلمي حيث جاء فيه عنهما قالا: «أتينا العرباض…».
وثالثاً: قال ابن القطان: «لا يعرف – تهذيب التهذيب 2|188» .
ترجمة عبدالرحمن بن عمروالشامي
وأمّا الاول: «عبدالرحمن بن عمرو»:
فهو المعروف في رواية هذا الحديث عن «العرباض بن سارية»، وإليه تنتهي أكثر طرقه في السنن وغيرها… وليس له فيها إلآ هذا الحديث، قال ابن حجر:
«له في الكتب حديث واحد في الموعظة، صحّحه الترمذي. قلت: وابن حبّان والحاكم في المستدرك.
وزعم القطّان الفاسي أنّه لا يصحّ لجهالة حاله – تهذيب التهذيب 6|215».
فهذا حال رواة هذا الحديث عن «العرباض».
*ثم ان رواته عن هؤلاء هم:
1 ـ خالد بن معدان.
2 ـ ضمرة بن حبيب.
3 ـ عبدالله بن العلاء بن زبر.
ترجمة عبدالله بن العلاء الدمشقي
امّا «عبدالله بن العلاء بن زبر»:
فاولاً: كان من أهل الشام، بل وصفه الذهبي بـ «رئيس دمشق – سيرأعلام النبلاء 7|350».
وثانياً: أورده الذهبي في (ميزانه) وقال: «قال ابن حزم: ضعفه يحيى وغيره – ميزان الاعتدال 2|463»
ترجمة ضمرة بن حبيب الحمصي
وأمّا «ضمرة بن حبيب»:
فأولاً:
كان من أهل حمص – تهذيب التهذيب 4|402، تقريب التهذيب 4|459 .
وثانياً:
كان مؤذن المسجد الجامع – تقريب التهذيب 2|459 .
ترجمة خالد بن معدان الحمصي
وأما «خالد بن معدان» العمدة في رواية هذا الحديث، لكونه الراوي له عن «عبدالرحمن بن عمرو» و«حجر بن حجر» وجميع الأسانيد تنتهي إليه فهو:
أولا:
من أهل حمص – تاريخ دمشق 5|516، تهذيب التهذيب 3|102، سير إعلام النبلاء 4|536 .
وثانياً:
شيخ أهل الشام- سير أعلام النبلاء 4|536 .
وثالثاً:
كان صاحب شرطة يزيد بن معاوية: روى الطبري في (ذيل تاريخه) قائلاً:
«حدّثني الحارث، عن الحجّاج، قال: حدّثني أبو جعفر الهمداني، عن محمد بن داود، قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: كان خالد بن معدان صاحب شرطة يزيد ابن معاوية».
وعنونه ابن عساكر في (تاريخه) بقوله: «كان يتولى شرطة يزيد بن معاوية» ثم روى الخبر المذكرر بسنده عن عيسى بن يونس كذلك – تاريخ دمشق 5|519 .
* ثم إن رواة هذا الحديث عن هؤلاء هم:
1 ـ محمد بن إبراهيم بن الحارث.
2 ـ معاوية بن صالح.
3 ـ الم الشام» .
4 ـ بحير بن سعيد.
5 ـ ثور بن يزيد.
6 ـ عمرو بن أبي سلمة التنيسي.
ترجمة محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي الدمشقي
تاريخ دمشق 14|752.
أما «محمد بن إبراهيم» الراوي له عن «خالد» عند أحمد والحاكم، فقد ذكر العقيلي عن عبدالله بن أحمد عن أبيه: «في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة – تهذيب التهذيب 9|6» .
ترجمة بحير بن سعيد الحمصي
وأما «بحير بن سعيد» الراوي عن «خالد» عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة فهو من أهل حمص.
قال ابن حجر: «بحير بن سعيد السحولي أبو خالد الحمصي روى عن خالد ابن معدان ومكحول، وعنه إسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، وثور بن يزيد ـ وهو من أقرانه ـ ومعاوية بن صالح، وغيرهم – تهذيب التهذيب 1|368» .
ترجمة الوليد بن مسلم الدمشقي
وأما «الوليد بن مسلم» مولى بني أُمية – تاريخ دمشق 17|
897 «الدمشقي – تاريخ دمشق 17|900»
«عالم الشام- تهذيب التهذيب 11|133» .
الراوي له عن «عبدالله بن العلاء» عند ابن ماجة، فقد ذكروا بترجمته:
«مدلّس، وربّما دلّس عن الكذّابين».
«روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل».
«كان يأخذ من ابن السفر حديث الأوزاعي، وكان ابن السفر كذاباً وهو يقول فيها: قال الأوزاعي».
«وكانت له منكرات».
«وكان رفاعاً».
«يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخٍ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي، عن نافع، وعن عطاء»(1).
ترجمة معاوية بن صالح الحمصي من
الضعفاء والمتروكين للدارقطني (أنظر: المجموع في الضعفاء والمتروكين: 398) تاريخ دمشق 17|906، ميزان الاعتدال 4|347، تهذيب التهذيب 11|133.
وأما «معاوية بن صالح» الراوي له عن «ضمرة بن حبيب» عند أحمد وابن ماجة فهو:
أولاً:
من أهل حمص – تاريخ دمشق 16|666، الكامل لابن عديّ 6|2400 .
وثانياً:
كان قاضي الأندلس في الدولة الأموية – تاريخ دمشق 16|666، الكامل 6|2400 .
وثالثاً:
كان يلعب بالملاهي، ولأجل ذلك ترك بعض المحدّثين الكتابة عنه – الضعفاء الكبير للعقيلي 4|287 .
ورابعاً:
قال ابن أبي حاتم: «لا يحتج به» و«لم يخرج له البخاري» و«لينه ابن معين».
و«وقال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زجره يحيى بن سعيد، وكان ابن مهدي لا يبالي(وهذا الحديث أيضاً مّما رواه ابن مهدي عنه) ».
و«عن أبي إسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يروى عنه».
و«قال ابن عمار: زعموا أنه لم يكن يدري أيّ شيء في الحديث».
و«منهم من يضعفه»، بل أورده كل من العقيلي وابن عدي والذهبي في «الضعفاء».
ترجمة ثور بن يزيد الحمصي
واما «ثور بن يزيد» العمدة في رواية هذا الحديث عن خالد، حتى قال الحاكم في توجيه إعراض البخاري ومسلم عنه:
«والذي عندي أنهما توهّما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد».
فهو: أولاً:
من أهل حمص، بل وصفه الذهبي بـ «عالم حمص – ميزان ألاعتدال 1|374، سير أعلام النبلاء 6|344».
وثانياً:
كان لا يحب علياً عليه السلام: «وكان جده قتل يوم صفين مع معاوية، فكان ثور إذا ذكر علياً قال: لا اُحبّ رجلاً قتل جدّي – تهذيب الكمال 4|421. تاريخ دمشق 3|604».
وثالثاً:
كان يجالس السابين علياً عليه السلام، فقد ذكروا أن «أزهر الحرازي وأسد بن وداعة وجماعة كانوا يجلسون ويسبون عليّ بن أبي طالب، وكان ثورلا يسبه، فإذا لم يسبّ جروا برجليه تهذيب الكمال 4|421. تهذيب التهذيب 2|30».
ورابعاً:
كان مبدعاً.
قال الذهبي: «كان من أوعية العلم لولا بدعته- سير أعلام النبلاء 6|344».
«وكان أهل حمص نفوه وأخرجوه تاريخ دمشق 3|608» .
و«تكلّم فيه جماعة بسبب ذلك خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 1|154».
وأورده ابن عديّ في «الضعفاء الكامل في الضعفاء 2|529».
وخامساً: كان مالك يذمّه وينهى عن مجالسته وليس له عنه رواية – تهذيب التهذيب 2|30 ، وكان الأوزاعي سيّئ القول فيه، يتكلّم فيه ويهجوه – تاريخ دمشق 3|607، تهذيب الكمال 4|425 ، وكذا كان ابن المبارك – تهذيب التهذيب 2|30 .
وعن يحيى القطان: «ثور إذا حدثني عن رجل لا أعرفه قلت: أنت أكبر أم هذا؟! فإذا قال: هو أكبر مني، كتبته، وإذا قال: هو أصغر مني، لم أكتبه – تهذبب التهذيب 2|30» .
ترجمة عمرو بن أبي سلمة الدمشقي
من تاريخ دمشق 13|467
وأما «عمرو بن أبي سلمة الدمشقي نزيل«تنبيس» الراوي له عن «عبدالله ابن العلاء عند الحاكم، فقد:
ضعفه الساجي وابن معين. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال العقيلي: في حديثه وهم. وقال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل – تاريخ دمشق 13|469»
* ثم إن رواة الحديث عن هؤلاء هم:
1 ـ بقيّة بن الوليد.
2 ـ الضحاك بن مخلد وهو أبو عاصم النبيل.
3 ـ الوليد بن مسلم.
4 ـ عبدالله بن أحمد بن بشير.
5 ـ عبدالرحمن بن مهدي.
6 ـ عبدالملك بن الصباح المسمعي.
7 ـ يحيى بن أبي كثير.
8 ـ أحمد بن عيسى بن زيد التنيسي.
أمّا «الوليد بن مسلم» الراوي له عن «ثور» عند أبي داود فقد عرفته.
وأمّا «عبدالرحمن بن مهدي» الراوي له عن «معاوية بن صالح» عند أحمد وابن ماجة، فقد عرفت أنه كان يزجر عن الرواية عن «معاوية» ولا يبالي.
وأما «أبو عاصم» الراوي له عن «ثور» عند الترمذي وأحمد والحاكم فقد كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه، فلا ذكر له ذلك قال: «لست بحيٍ ولا ميت إذا لم أذكر ميزان الاعتدال 2|325» ! .
وأورده العقيلي في «الضعفاء» وحكى ما ذكرناه – الضعفاء الكبير 2|222 .
وأمّا «يحيى بن أبي كثير» الراوي له عن «محمد بن إبراهيم» عند أحمد، فقد «كان يدلّس» تهذيب التهذيب 11|236 .
وروى العقيلي عن همام قوله: «ما رأيت أصلب وجهاً من يحيى بن أبي كثير، كنا نحدّثه بالغداة فيروح بالعشي فيحدثناه – الضعفاء الكبير 4|423».
وأما «عبدالملك بن الصباح المسمعي» الراوي له عن «ثور» عند ابن ماجة،
فقد ذكره الذهبي في (ميزانه) وقال: «متّهم بسرقة الحديث – ميزان الاعتدال 2|656» ..
وأمّا «عبدالله بن أحمد بن بشير الدمشقي» شيخ ابن ماجة، فقد كان إمام الجامع بدمشق – تهذيب التهذيب 5|123 .
وامّا «أحمد بن عيسى» الراوي له عن «عمرو بن أبي سلمة» عند الحاكم، فليس من رجال الكتب الستة، وإنما ذكره ابن حجر للتمييز- تهذيب التهذيب 1|57 .
وقال ابن عدي: له مناكير. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وكذبه ابن طاهر. وذكره ابن حبّان في الضعفاء – تهذيب التهذيب 1|57 .
ترجمة بقيّة بن الوليد الحمصي
وأمّا «بقية بن الوليد» الراوي له عن «بحير بن سعيد» عند الترمذي وأحمد، فهذه كلماتهم فيه باختصار:
قال ابن حبان: لا يحتجّ ببقيّة.
وقال أبو مسهر: أحاديث بقية ليست نقيّة، فكن منها على تقيّة.
وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به.
وقال ابن عيينة ـ وقد سئل عن حديث من هذه الملح ـ: أنا أبو العجب، أنا بقية بن الوليد.
وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ ببقية.
وقال أحمد: توهمّت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذ هو يحدّث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أتى.
وقال وكيع: ما سمعت أحداً أجرأ على أن يقول: قال رسول الله، من بقية.
وقال شعبة: بقيّة ذو غرائب وعجائب ومناكير.
وقال ابن القطّان: يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك وهذا مفسد لعدالته.
وقال الفيروزآبادي: بقيّة محدّث ضعيف.
قال الزبيدي: محدّث ضعيف يروي عن الكذابين ويدلّسهم، قاله الذهبي في الميزان.
وقال الذهبي: قال غير واحد: كان مدلّساً، فإذا قال: عن، فليس بحجّة- الموضوعات 1|109 و 151 و218، ميزان الاعتدال 1|33، تهذيب التهذيب 1|416. تقريب التهذيب 1|104، فيض القدير 1|109، القاموس المحيط، وتاج العروس (بقي).
وقفة مع الحاكم
وهنا كان من المناسب أن نقف وقفة قصيرة مع الحاكم، الذي أتعب نفسه وأصر على تصحيح هذا الحديث، وأكد على أن ليس له علّة، وتوهم أن البخاري ومسلماً، اللذين لم يخرجاه ـ «توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد» أي: ولولا هذا التوهّم لأخرجاه !!
ثم قال بالتالي: «قد استقصيت في تصحيح هذا الحديث و… كان أحب إلي من والدي وولدي والناس أجمعين».
فنقول:
أوّلاً:
قد أوقفناك عل بعض علل هذا الحديث، في أسانيده وطرقه، وكيف تخفى هذه العلل على مثل البخاري ومسلم ومن تبعهما كالنسائي حتى يوجّه إعراضهم
بالتوهّم الذي ذكرت، لا سيّما وأن الراوي الآخر عن خالد ـ وهو محمد بن إبراهيم ـ قد خرّج حديثه في الصحيحين كما قلت ؟!
وثانياً:
ما نسبته إلى البخاري من الاحتجاج بـ «عبدالرحمن بن عمرو السلمي» لم نستوثقه إلى هذا الحين… فآسم هذا الرجل غير وارد في كتاب ابن القيسراني المقدسي (الجمع بين رجال الصحيحين).
وثالثاً:
قولك: «وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة».
إن كنت تقصد البخاري وحديث العرباض بن سارية ـ كما هو ظاهر العبارة ـ فإنا لم نجده.
ورابعاً:
قولك «وقد تابع عبدالرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض بن سارية ثلاثة» فيه:
أن الثالث منهم تركته أنت لعدم كون الطريق إليه من شرط الكتاب.
والثاني منهم لم يلق العرباض بن سارية حتى يروي عنه.
والأول لم يرو عنه إلاّ أبو داود، وقال ابن القطّان: لا يعرف.
هذه نتيجة الجهد الذي بذله الحاكم في تصحيح هذا الحديث، وهذا شأن الحديث الذي كان تصحيحه أحب إليه من والديه وولده والناس أجمعين !!
ومن هنا تعرف شأن الحاكم ومستدركه وتصحيحاته، وتعطي الحق لمن قال: «اعتنى الحاكم بضبط الزائد عليهما وهو متساهل – هذه عبارة النوري في التقريب 1|80 بشرح السيوطي ».
بل قال بعضهم: «طالعت المستدرك الذي صنفه الحاكم من أوله إلى اخره فلم أر فيه حديثاً على شرطهما – نقله السيوطي عن أبي سعيد الماليني في تدريب الراوي 1|81!».
بل عن بعضهم أنه «جمع جزءً فيه الأحاديث التي فيه وهي موضوعة ذكره السيوطي في تدريب الراوي 1|81.!».
بطلان الحديث سنداً
ومن هنا يظهر بطلان الحديث وأن الحق مع من قال في هذا الحديث بأنه «لا يصحّ».
ومن هؤلاء الحافظ ابن القطّان الفاسي… فقد ذكر ابن حجر بترجمة «عبدالرحمن بن عمرو السلمي» بعد أن أشار الى هذا الحديث: «وزعم القطان الفاسي أنه لا يصح -تهذيب التهذيب 6|215».
ترجمة ابن القطّان
والحافظ الكبير: أبو الحسن الكبير، بن محمد، المعروف بآبن القطان الفاسي، المتوفى سنة 628، من كبار منتقدي الحديث والرجال، ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ وأثنى عليه، وذكره السيوطي في طبقاته فقال:
«ابن القطان، الحافظ العلامة، قاضي الجماعة، أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالملك بن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي، سمع أبا ذر الخشني وطبقته.
وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية في الرواية، معروفاً بالحفظ والإتقان.
صنف: الوهم والإبهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق.
مات في ربيع الأول سنة 628 طبقات الحفّاظ: 498».
* وقال ابن العربي المالكي بشرح الترمذي:
«حكم أبو عيسى بصحته، وفيه بقية بن الوليد، وقد تكلم فيه – عارضة الاحوذي 10|145. ».
وهذا طعن صريح في سند الحديث، وان كان غير شديد، إذ اكتفى بهذه الكلمة
رواية الترمذي
أخرج الترمذي قائلاً:
«(1) حدّثنا علي بن حجر، حدّثنا بقيّة بن الوليد، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: إن هذه موعظة مودّعٍ، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنواجذ.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقد روى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم نحو هذا، حدثنا بذلك:
(2) الحسن بن علي الخلاّل وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم، نحوه.
والعرباض بن سارية يكنى: أبا نجيح.
(3) وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر، عن عرباض بن سارية، عن
إلنبي صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، نحوه – صحيح الترمذي 5|44 ـ 45 باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ».
رواية أبي داود
وأخرج أبو داود قائلاً:
«حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، قال: حدثني خالد بن معدان، قال: حدثني عبدالرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ـ فسلّمنا وقلنا: اتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال العرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنّ هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا ؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان عبدّ حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وايّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة – سنن ابي داود 2|261 باب في لزوم السُنّة ».
رواية ابن ماجة
وأخرج ابن ماجة قائلاً:
«(1) حدثنا عبدالله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبدالله بن العلاء ـ يعني ابن زبر ـ، حدثني يحيى بن أبي المطاع،
قال: سمعت العرباض بن سارية يقول:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلّم ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقيل: يا رسول الله، وعظتنا موعظة مودّع فاعهد إلينا بعهد.
فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وان عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وايّاكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة.
(2) حدّثنا إسماعيل بن بشر بن منصور واسحاق بن إبراهيم السواق، قالا: ثنا عبدالرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، انه سمع العرباض بن سارية يقول:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا ؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حينما قيد انقاد.
(3) حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا عبدالملك بن الصباح المسمعي، ثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو، عن العرباض بن سارية، قال:
صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة. فذكر نحوه لا – سنن ابن ماجة 1|15 ـ 17 باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديّين .
رواية أحمد
وجاء في مسند أحمد:
«(1) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا عبدالرحمن بن مهدي، ثنا معاوية ـ يعني ابن صالح ـ، عن ضمرة بن حبيب، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض بن سارية، قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد إنقاد»
(2) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا الضحاك بن مخلد، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن عرباض بن سارية، قال:
صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الفجر، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب. قلنا ـ أو قالوا ـ: يا رسول الله، كأنّ هذه موعظة مودع فأوصنا.
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة.
(3) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد ابن معدان، قال: ثنا عبدالرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك
لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ـ فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم الصبح ذات يومٍ ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
(4) حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا حياة بن شريح، ثنا بقية، حدثني بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة. فذكره
(5) حدّثنا عبدالله، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن العرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة. فذكره – مسند أحمد بن حنبل 4|126».
رواية الحاكم
وأخرج الحاكم قائلاً:
«(1) حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا أبو عاصم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال:
صلى لنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع فأوصنا.
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن أُمّر عليكم عبد حبشي. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة.
هذا حديث صحيح ليس له علّة.
وقد احتجّ البخاري بعبد الرحمن بن عمرو وثور بن يزيد، وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة.
والّذي عندي أنهما ـ رحمهما الله ـ توهّما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان.
(2) حدثنا أبو عبدالله الحسين بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، ثنا عبدالله بن يوسف التنيسي، ثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم. عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو، عن العرباض بن سارية ـ من بني سليم، من أهل الصفة ـ قال:
خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوماً فقام فوعظ الناس ورغبهم وحذرهم وقال ما شاء الله أن يقول.
ثم قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأطيعوا من ولاه الله أمركم، ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبداً أسود، وعليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا على نواجذكم بالحقّ.
هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعاً، ولا أعرف له علّةً.
وقد تابع ضمرة بن حبيب خالد بن معدان على رواية هذا الحديث عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي.
(3) حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنبري، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي. وأخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل، ثنا الفضل بن محمد، قالا: ثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح.
وأخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا عبدالرحمن ـ يعني ابن مهدي ـ، عن معاوية بن صالح.
عن ضمرة بن حبيب، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض ابن سارية قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقلنا يا رسول الله، إن هذا لموعظة مودّعٍ فماذا تعهد إلينا؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديّين الراشدين من بعدي، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ.
فكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: فإن المؤمن كالجمل الأنف حيث ما قيد انقاد.
وقد تابع عبدالرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض بن سارية ثلاثة من الثقات الأثبات من أئمة أهل الشام:
منهم: حجر بن حجر الكلاعي:
(4) حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبدالله محمد بن إبرإهيم العبدي، ثنا موسى بن أيوب النصيبي وصفوان بن صالح الدمشقي، قالا: ثنا الوليد ابن مسلم الدمشقي، ثنا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن معدان، حدّثني عبدالرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر الكلاعي، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألاّ
يجدوا ما يننقون) ـ فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين ومقتبسين.
فقال العرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودعٍ فما تعهد إلينا؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ومنهم: يحيى بن أبي المطاع القرشي:
(5) حدثنا أبوالعباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عيسى بن زيد التنيسي، ثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أنبأ عبدالله بن العلاء بن زيد – كذا والصحيح: زبر ، عن يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض بن سارية السلمي يقول:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها الأعين. قال: فقلنا: يا رسول الله، قد وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا.
قال: عليكم بتقوى الله ـ أظنه قال: والسمع والطاعة ـ، وسترى من بعدي اختلافاً شديداً ـ أو: كثيراً ـ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم والمحدثات، فإن كل بدعة ضلالة.
ومنهم: معبد بن عبدالله بن هشام القرشي:
وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب، فتركته.
وقد استقصيت في تصحيح هذا الحديث بعض الاستقصاء على ما أدّى إليه
اجتهادي، وكنت فيه كما قال إمام أئمة الحديث شعبة ـ في حديث عبدالله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، لمّا طلبه بالبصرة والكوفة والمدينة ومكّة، ثمّ عاد الحديث إلى شهر ابن حوشب فتركه، ثم قال شعبةـ:
لئن يصحّ لي مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كان أحب إلي من والديّ وولدي والناس أجمعين.
وقد صح هذا الحديث، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله أجمعين – المستدرك على الصحيحين 1|96» .
***
(2)
نظرات في أسانيده
نقاط حول السند والدلالة
كانت تلك أسانيد هذا الحديث وطرقه في أهم كتب الحديث وجوامعه، ولا بدّ قبل الورود في النظر في أحوال رجال الأسانيد والرواة أن نشير بإيجاز إلى نكاتٍ جديرة بالانتباه إليها…
1 ـ إن هذا الحديث يكذبه واقع الحال بين الصحابة أنفسهم، فلقد وجدناهم كثيراً مّا يخالفون سنة أبي بكر وعمر، والمفروض أنهما من الخلفاء الراشدين، بل لقد خالف الثاني منهما الاول في أكثر من مورد !! فلو كان هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حقاً لما وقعت تلك الخلافات والمخالفات…
هذا ما ذكره جماعة… وعل أساسه أوّلوا الحديث، وقد نص بعضهم كشارح مسلم الثبوت- فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت 2|231 على ضرورة تأويله…
قلت: لكن هذا إنما يضطر إليه فيما لو كان الأصحاب ملتزمين بإطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنقادين لأوامره ونواهيه.. ولكن…
2 ـ إن هذا الحديث بجميع طرقه وأسانيده ينتهي إلى «العرباض بن سارية السلمي» فهو الراوي الوحيد له… وهذا مّما يورث الشك في صدوره… لأن الحديث كان في المسجد… وكان بعد الصلاة.. وكان موعظة بليغة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب… ثم طلب منه أن يعهد إلى الأمة.. فقال..
فكيف لم يروه إلآ العرباض ؟! ولم لم يرووه إلا عن العرباض ؟!
3 ـ إن هذا الحديث إنما حدّث به في الشام، وإنما تناقله وروجه أهل الشام ! وأكثر رواته من أهل حمص بالخصوص، وهم من أنصار معاوية وأشد أعداء علي أمير المؤمنين عليه السلام – أنظر كلمة ياقوت عن أهل حمص في معجم البلدان 2|304 .
فبالنظر إلى هذه الناحية، لا سيما مع ضمّ النظر في متن الحديث إليه، لا يبقى وثوق بصدور هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كيف يوثق بحديث يرويه حمصي عن حمصي عن حمصي !!.. ولا يوجد عند غيرهم من حملة الحديث والاثر علم به ؟! وأهل الشام قاطبة غير متحرجين من الافتعال لما ينتهي إلى تشييد سلطان معاوية أو الحطّ مّمن خالفه !
4 ـ إن هذا الحديث مما أعرض عنه البخاري ومسلم، وكذا النسائي من أصحاب السنن… وقد بنى غير واحد من العلماء الكبار من أهل السنة على عدم الاعتناء بحديث اتفق الشيخان على الإعراض عنه، وإن اتفق أرباب السنن على إخراجه والعناية به…
قال ابن تيمية بجواب حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة:
«هذا الحديث ليس في الصحيحين، بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم وغيره، ولكن قد أورده أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجة، ورواه أهل المسانيد كالإمام أحمد منهاج السنة 2|102».
قلت:
ومن عجيب الاتفاق أن حديث «عليكم بسنتي…» كذلك تماماً، فإنه «ليس في الصحيحين، بل قدطعن فيه بعض أهل الحديث ـ كأبن القطّان ـ ولكن قد أورده أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجة، ورواه أهل المسانيد كالإمام أحمد»
بل إنهم بنوا على طرح الخبر إن أعرض عنه البخاري وإن أخرجه مسلم..
وهذا ما نصّ عليه ابن القيّم.. وسننقل عبارته… في الفصل اللاحق. وقد جاء في آخرها: «ولو صحّ عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به».
قلت:
فكذا حديثنا.. فلو مح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به… كيف وقد تبعه مسلم.. وهو بمرأى ومشهد منهما؟!
ثم جاء الحاكم النيسابوري… فأراد توجيه إعراضهما عنه بأنهما «توهّما…»، أي: إن إعراضهما موهن، ولكنهما توهما… ولولا ذلك لأخرجاه…
وسنرى أن الحاكم هو المتوهم…
5 ـ «ثم إن المخرجين له… منهم من صححه كالترمذي والحاكم، ومنهم من سكت عنه كأبي داود، ومنهم من عده في الحسان كالبغوي – مصابيح السنة 1|159 ومنهم من حكم عليه بالبطلان كابن القطّان…
ترجمة العرباض بن سارية الحمصي
تاريخ دمشق 11| 531
وبعد، فلننظر في ترجمة الراوي الوحيد لهذا الحديث، وهو الصحابي «العرباض ابن سارية»:
كان من أهل الصفة، سكن الشام – الاستيعا ب 3|1238 , ونزل حمص – الإصابة 2|447، تحفة الاحوذي 7|438 . لم يرو عنه الشيخان، وإنما ورد حديثه في السنن الأربعة – الإصابة 2|4474، تهذيب التهذيب 7|157، مات سنة75 – الإصابة 2|447، تهذيب التهذيب 7|158.
كان يدعى أنه ربع الإسلام، وهو كذب بلا ريب.. وكان عمرو بن عتبة أيضاً يدعي ذلك، قال محمد بن عوف: «كل واحد من العرباض بن سارية وعمرو بن عتبة
يقول: أنا ربع الإسلام، لا ندري إيهما اسلم قبل صاحبه – تاريخ دمشق 11|532، تهذيب التهذيب 7|174؟!».
وكان يقول: «عتبة خير مني سبقني إلى النبي بسنة».
وهذا كذب كذلك، وقد رواه أبناء عساكر والأثير وحجر… بالإسناد عن عبدالله بن أحمد، عن أبيه، بسنده عن شريح بن عبد، قال:
«كان عتبة يقول: عرباض خير مني وعرباض يقول: عتبة خير مني سبقني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بسنة- تاريخ دمشق 11|534، أسد الغابة 3|362، الإصابة 2|447».
والذي يبين كذبه بوضوح ما رواه ابن الاثير بترجمة عتبة بسنده إلى شريح، قال:
«قال عتبة بن عبد السلمي: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه رجل وله الأسم لا يحبه حوّله. ولقد أتيناه وإنا لسبعة من بني سليم أكبرنا العرباض بن سارية، فبايعناه جميعا -اُسد الغابة 3|362».
ومن جملة أكاذيبه ما أخرجه أحمد، قال:
«ثنا عبدالرحمن بن مهدي، عن معاوية ـ يعني ابن صالح ـ، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رهم، عن العرباض بن سارية السلمي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلمّوا إلى الغذاء المبارك. ثم سمعته يقول: اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب وته العذاب – مسند أحمد 4|127».
فإنه ـ وإن اكتفى ابن القطّان بتضعيفه -المغنى عن حمل الأسفارـ هامش إحياء العلوم ـ 1|37 ـ كذب بلا ارتياب… وإلأ لأخرج في الصحاح وغيرها وعقد به لمناقب معاوية باب… إنه حديث تكذبه الوقائع والحقائق،
والبراهين والوثائق… إنه حديث تكذبه الأدلة المحكمة من الكتاب والسنة المتقنة، القائمة بتحريم ما استباحه معاوية من قتل للنفوس، وتبديل للأحكام، وارتكاب للمحرمات القطعية كبيع الخمر والأصنام، وشرب للخمر وأكل للربا… وغير ذلك مما لايحصى…
لكن الرجل سكن بلاد الشام، ونزل حمص بلد النواصب اللئام… وفي ظروف راجت فيها الأكاذيب والافتراءات… فجعل يتقوّل على الله والرسول التقولات، تزلّفاً إلى الحكام، وطمعاً في الحطام.
* ثم إن رواة هذا الحديث عن «العرباض بن سارية» هم:
1 ـ عبدالرحمن بن عمرو السلمي.
2 ـ حجر بن حجر.
3 ـ يحيى بن أبي المطاع.
4 ـ معبد بن عبدالله بن هشام.
أمّا الرابع فلم أجده إلآ عند الحاكم حيث قال: «ومنهم: معبد بن عبدالله بن هشام القرشي» ثّم قال: «وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب فتركته».
ترجمة يحيى بن أبي المطاع الشامي
وأمّا الثالث: «يحيى بن أبي المطاع»:
فأولاً: لم يرو عنه إلا ابن ماجة – تهذيب التهذيب 11|245 .
وثانياً: قال ابن القطّان: «لا أعرف حاله – تهذيب التهذيب 11|245».
وثالثاً: إنه كان يروي عن العرباض ولم يلقه.. وهذه الرواية من ذلك…
قال الذهبي: «قد استبعد دحيم لقيه العرباض، فلعله أرسل عنه، فهذا في
الشاميّين كثير الوقوع، يروون عمّن لم يلقوهم – ميزان الاعتدال 4|410».
وقال ابن حجر: «أشار دحيم إلى أن روايته عن عرباض بن سارية مرسلة تقريب التهذيب 2|463».
وقال ابن عساكر والذهبي: «قال أبو زرعة لدحيم تعجباً من حديث الوليد بن سليمان، قال: صحبت يحيى بن أبي المطاع، كيف يحدّث عبدالله بن العلاء بن زبر عنه أنه سمع العرباض مع قرب عهد يحيى؟! قال: أنا من أنكر الناس لهذا، والعرباض قديم الموت – تاريخ دمشق 18|186، ميزان الاعتدال 4|410، تهذيب التهذيب 11|245».
ترجمة حجر بن حجر الحمصي
وأما الثاني: «حجر بن حجر»:
فأوّلاً: هو من أهل حمص.
وثانياً: لم يرو عنه إلأ أبو داود.
قال ابن حجر: «روى عن العرباض بن سارية. وعنه خالد بن معدان. روى له أبو داود حديثاً واحداً في طاعة الأمير. قلت: أخرج الحاكم حديثه -تهذيب التهذيب 2|188» .
قلت:
وهو هذا الحديث الذي نحن بصدد تكذيبه، وإليه أشار الذهبي بقوله: «ما حدّث عنه سوى خالد بن معدان بحديث العرباض مقروناً بآخر- ميزان الاعتدال 1|466»(5) يعني بالآخر: عبدالرحمن بن عمرو السلمي حيث جاء فيه عنهما قالا: «أتينا العرباض…».
وثالثاً: قال ابن القطان: «لا يعرف -تهذيب التهذيب 2|188» .
ترجمة عبدالرحمن بن عمروالشامي
وأمّا الاول: «عبدالرحمن بن عمرو»:
فهو المعروف في رواية هذا الحديث عن «العرباض بن سارية»، وإليه تنتهي أكثر طرقه في السنن وغيرها… وليس له فيها إلآ هذا الحديث، قال ابن حجر:
«له في الكتب حديث واحد في الموعظة، صحّحه الترمذي. قلت: وابن حبّان والحاكم في المستدرك.
وزعم القطّان الفاسي أنّه لا يصحّ لجهالة حاله تهذيب التهذيب 6|215».
فهذا حال رواة هذا الحديث عن «العرباض».
*ثم ان رواته عن هؤلاء هم:
1 ـ خالد بن معدان.
2 ـ ضمرة بن حبيب.
3 ـ عبدالله بن العلاء بن زبر.
ترجمة عبدالله بن العلاء الدمشقي
امّا «عبدالله بن العلاء بن زبر»:
فاولاً: كان من أهل الشام، بل وصفه الذهبي بـ «رئيس دمشق سيرأعلام النبلاء 7|350».
وثانياً: أورده الذهبي في (ميزانه) وقال: «قال ابن حزم: ضعفه يحيى وغيره ميزان الاعتدال 2|463».
ترجمة ضمرة بن حبيب الحمصي
وأمّا «ضمرة بن حبيب»:
فأولاً:
كان من أهل حمص – تهذيب التهذيب 4|402، تقريب التهذيب 4|459 .
وثانياً:
كان مؤذن المسجد الجامع تقريب التهذيب 2|459 .
ترجمة خالد بن معدان الحمصي
وأما «خالد بن معدان» العمدة في رواية هذا الحديث، لكونه الراوي له عن «عبدالرحمن بن عمرو» و«حجر بن حجر» وجميع الأسانيد تنتهي إليه فهو:
أولا:
من أهل حمص – تاريخ دمشق 5|516، تهذيب التهذيب 3|102، سير إعلام النبلاء 4|536 .
وثانياً:
شيخ أهل الشام – سير أعلام النبلاء 4|536 .
وثالثاً:
كان صاحب شرطة يزيد بن معاوية: روى الطبري في (ذيل تاريخه) قائلاً:
«حدّثني الحارث، عن الحجّاج، قال: حدّثني أبو جعفر الهمداني، عن محمد بن داود، قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: كان خالد بن معدان صاحب شرطة يزيد ابن معاوية».
وعنونه ابن عساكر في (تاريخه) بقوله: «كان يتولى شرطة يزيد بن معاوية» ثم روى الخبر المذكرر بسنده عن عيسى بن يونس كذلك تاريخ دمشق 5|519 .
* ثم إن رواة هذا الحديث عن هؤلاء هم:
1 ـ محمد بن إبراهيم بن الحارث.
2 ـ معاوية بن صالح.
3 ـ الم الشام»
4 ـ بحير بن سعيد.
5 ـ ثور بن يزيد.
6 ـ عمرو بن أبي سلمة التنيسي.
ترجمة محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي الدمشقي
تاريخ دمشق 14|752
أما «محمد بن إبراهيم» الراوي له عن «خالد» عند أحمد والحاكم، فقد ذكر العقيلي عن عبدالله بن أحمد عن أبيه: «في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة -تهذيب التهذيب 9|6» .
ترجمة بحير بن سعيد الحمصي
وأما «بحير بن سعيد» الراوي عن «خالد» عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة فهو من أهل حمص.
قال ابن حجر: «بحير بن سعيد السحولي أبو خالد الحمصي روى عن خالد ابن معدان ومكحول، وعنه إسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، وثور بن يزيد ـ وهو من أقرانه ـ ومعاوية بن صالح، وغيرهم تهذيب التهذيب 1|368» .
ترجمة الوليد بن مسلم الدمشقي
وأما «الوليد بن مسلم» مولى بني أُمية – تاريخ دمشق 17|897
«الدمشقي – تاريخ دمشق 17|900»
«عالم الشام – تهذيب التهذيب 11|133»
الراوي له عن «عبدالله بن العلاء» عند ابن ماجة، فقد ذكروا بترجمته:
«مدلّس، وربّما دلّس عن الكذّابين».
«روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل».
«كان يأخذ من ابن السفر حديث الأوزاعي، وكان ابن السفر كذاباً وهو يقول فيها: قال الأوزاعي».
«وكانت له منكرات».
«وكان رفاعاً».
«يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخٍ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي، عن نافع، وعن عطاء -الضعفاء والمتروكين للدارقطني (أنظر: المجموع في الضعفاء والمتروكين: 398) تاريخ دمشق 17|906، ميزان الاعتدال 4|347، تهذيب التهذيب 11|133».
ترجمة معاوية بن صالح الحمصي
تاريخ دمشق 16|666
وأما «معاوية بن صالح» الراوي له عن «ضمرة بن حبيب» عند أحمد وابن ماجة فهو:
أولاً:
من أهل حمص – تاريخ دمشق 16|666، الكامل لابن عديّ 6|2400 .
وثانياً:
كان قاضي الأندلس في الدولة الأموية – تاريخ دمشق 16|666، الكامل 6|2400 .
وثالثاً:
كان يلعب بالملاهي، ولأجل ذلك ترك بعض المحدّثين الكتابة عنه- الضعفاء الكبير للعقيلي 4|287 .
ورابعاً:
قال ابن أبي حاتم: «لا يحتج به» و«لم يخرج له البخاري» و«لينه ابن معين».
و«وقال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زجره يحيى بن سعيد، وكان ابن مهدي لا يبالي- وهذا الحديث أيضاً مّما رواه ابن مهدي عنه ! ».
و«عن أبي إسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يروى عنه».
و«قال ابن عمار: زعموا أنه لم يكن يدري أيّ شيء في الحديث».
و«منهم من يضعفه»، بل أورده كل من العقيلي وابن عدي والذهبي في «الضعفاء».
ترجمة ثور بن يزيد الحمصي
واما «ثور بن يزيد» العمدة في رواية هذا الحديث عن خالد، حتى قال الحاكم في توجيه إعراض البخاري ومسلم عنه:
«والذي عندي أنهما توهّما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد».
فهو: أولاً:
من أهل حمص، بل وصفه الذهبي بـ «عالم حمص- ميزان ألاعتدال 1|374، سير أعلام النبلاء 6|344».
وثانياً:
كان لا يحب علياً عليه السلام: «وكان جده قتل يوم صفين مع معاوية، فكان ثور إذا ذكر علياً قال: لا اُحبّ رجلاً قتل جدّي – تهذيب الكمال 4|421. تاريخ دمشق 3|604».
وثالثاً:
كان يجالس السابين علياً عليه السلام، فقد ذكروا أن «أزهر الحرازي وأسد بن وداعة وجماعة كانوا يجلسون ويسبون عليّ بن أبي طالب، وكان ثورلا يسبه، فإذا لم يسبّ جروا برجليه تهذيب الكمال 4|421. تهذيب التهذيب 2|30».
ورابعاً:
كان مبدعاً.
قال الذهبي: «كان من أوعية العلم لولا بدعته سير أعلام النبلاء 6|344».
«وكان أهل حمص نفوه وأخرجوه تاريخ دمشق 3|608» .
و«تكلّم فيه جماعة بسبب ذلك خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 1|154».
وأورده ابن عديّ في «الضعفاء الكامل في الضعفاء 2|529.
وخامساً: كان مالك يذمّه وينهى عن مجالسته وليس له عنه رواية – تهذيب التهذيب 2|30 , وكان الأوزاعي سيّئ القول فيه، يتكلّم فيه ويهجوه – تاريخ دمشق 3|607، تهذيب الكمال 4|425 , وكذا كان ابن المبارك – تهذيب التهذيب 2|30 .
وعن يحيى القطان: «ثور إذا حدثني عن رجل لا أعرفه قلت: أنت أكبر أم هذا؟! فإذا قال: هو أكبر مني، كتبته، وإذا قال: هو أصغر مني، لم أكتبه – تهذبب التهذيب 2|30» .
ترجمة عمرو بن أبي سلمة الدمشقي
تاريخ دمشق 13|467
وأما «عمرو بن أبي سلمة الدمشقي نزيل«تنبيس» الراوي له عن «عبدالله ابن العلاء عند الحاكم، فقد:
ضعفه الساجي وابن معين. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال العقيلي: في حديثه وهم. وقال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل- تاريخ دمشق 13|469».
* ثم إن رواة الحديث عن هؤلاء هم:
1 ـ بقيّة بن الوليد.
2 ـ الضحاك بن مخلد وهو أبو عاصم النبيل.
3 ـ الوليد بن مسلم.
4 ـ عبدالله بن أحمد بن بشير.
5 ـ عبدالرحمن بن مهدي.
6 ـ عبدالملك بن الصباح المسمعي.
7 ـ يحيى بن أبي كثير.
8 ـ أحمد بن عيسى بن زيد التنيسي.
أمّا «الوليد بن مسلم» الراوي له عن «ثور» عند أبي داود فقد عرفته.
وأمّا «عبدالرحمن بن مهدي» الراوي له عن «معاوية بن صالح» عند أحمد وابن ماجة، فقد عرفت أنه كان يزجر عن الرواية عن «معاوية» ولا يبالي.
وأما «أبو عاصم» الراوي له عن «ثور» عند الترمذي وأحمد والحاكم فقد كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه، فلا ذكر له ذلك قال: «لست بحيٍ ولا ميت إذا لم أذكر- ميزان الاعتدال 2|325» ! .
وأورده العقيلي في «الضعفاء» وحكى ما ذكرناه الضعفاء الكبير 2|222 .
وأمّا «يحيى بن أبي كثير» الراوي له عن «محمد بن إبراهيم» عند أحمد، فقد «كان يدلّس- تهذيب التهذيب 11|236» .
وروى العقيلي عن همام قوله: «ما رأيت أصلب وجهاً من يحيى بن أبي كثير، كنا نحدّثه بالغداة فيروح بالعشي فيحدثناه -الضعفاء الكبير 4|423».
وأما «عبدالملك بن الصباح المسمعي» الراوي له عن «ثور» عند ابن ماجة،
فقد ذكره الذهبي في (ميزانه) وقال: «متّهم بسرقة الحديث-ميزان الاعتدال 2|656» .
وأمّا «عبدالله بن أحمد بن بشير الدمشقي» شيخ ابن ماجة، فقد كان إمام الجامع بدمشق- تهذيب التهذيب 5|123 .
وامّا «أحمد بن عيسى» الراوي له عن «عمرو بن أبي سلمة» عند الحاكم، فليس من رجال الكتب الستة، وإنما ذكره ابن حجر للتمييز- تهذيب التهذيب 1|57 .
وقال ابن عدي: له مناكير. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وكذبه ابن طاهر. وذكره ابن حبّان في الضعفاء – تهذيب التهذيب 1|57 .
ترجمة بقيّة بن الوليد الحمصي
وأمّا «بقية بن الوليد» الراوي له عن «بحير بن سعيد» عند الترمذي وأحمد، فهذه كلماتهم فيه باختصار:
قال ابن حبان: لا يحتجّ ببقيّة.
وقال أبو مسهر: أحاديث بقية ليست نقيّة، فكن منها على تقيّة.
وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به.
وقال ابن عيينة ـ وقد سئل عن حديث من هذه الملح ـ: أنا أبو العجب، أنا بقية بن الوليد.
وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ ببقية.
وقال أحمد: توهمّت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذ هو يحدّث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أتى.
وقال وكيع: ما سمعت أحداً أجرأ على أن يقول: قال رسول الله، من بقية.
وقال شعبة: بقيّة ذو غرائب وعجائب ومناكير.
وقال ابن القطّان: يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك وهذا مفسد لعدالته.
وقال الفيروزآبادي: بقيّة محدّث ضعيف.
قال الزبيدي: محدّث ضعيف يروي عن الكذابين ويدلّسهم، قاله الذهبي في الميزان.
وقال الذهبي: قال غير واحد: كان مدلّساً، فإذا قال: عن، فليس بحجّة – الموضوعات 1|109 و 151 و218، ميزان الاعتدال 1|33، تهذيب التهذيب 1|416. تقريب التهذيب 1|104، فيض القدير 1|109، القاموس المحيط، وتاج العروس (بقي).
وقفة مع الحاكم
وهنا كان من المناسب أن نقف وقفة قصيرة مع الحاكم، الذي أتعب نفسه وأصر على تصحيح هذا الحديث، وأكد على أن ليس له علّة، وتوهم أن البخاري ومسلماً، اللذين لم يخرجاه ـ «توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد» أي: ولولا هذا التوهّم لأخرجاه !!
ثم قال بالتالي: «قد استقصيت في تصحيح هذا الحديث و… كان أحب إلي من والدي وولدي والناس أجمعين».
فنقول:
أوّلاً:
قد أوقفناك عل بعض علل هذا الحديث، في أسانيده وطرقه، وكيف تخفى هذه العلل على مثل البخاري ومسلم ومن تبعهما كالنسائي حتى يوجّه إعراضهم
بالتوهّم الذي ذكرت، لا سيّما وأن الراوي الآخر عن خالد ـ وهو محمد بن إبراهيم ـ قد خرّج حديثه في الصحيحين كما قلت ؟!
وثانياً:
ما نسبته إلى البخاري من الاحتجاج بـ «عبدالرحمن بن عمرو السلمي» لم نستوثقه إلى هذا الحين… فآسم هذا الرجل غير وارد في كتاب ابن القيسراني المقدسي (الجمع بين رجال الصحيحين).
وثالثاً:
قولك: «وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة».
إن كنت تقصد البخاري وحديث العرباض بن سارية ـ كما هو ظاهر العبارة ـ فإنا لم نجده.
ورابعاً:
قولك «وقد تابع عبدالرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض بن سارية ثلاثة» فيه:
أن الثالث منهم تركته أنت لعدم كون الطريق إليه من شرط الكتاب.
والثاني منهم لم يلق العرباض بن سارية حتى يروي عنه.
والأول لم يرو عنه إلاّ أبو داود، وقال ابن القطّان: لا يعرف.
هذه نتيجة الجهد الذي بذله الحاكم في تصحيح هذا الحديث، وهذا شأن الحديث الذي كان تصحيحه أحب إليه من والديه وولده والناس أجمعين !!
ومن هنا تعرف شأن الحاكم ومستدركه وتصحيحاته، وتعطي الحق لمن قال: «اعتنى الحاكم بضبط الزائد عليهما وهو متساهل- هذه عبارة النوري في التقريب 1|80 بشرح السيوطي ».
بل قال بعضهم: «طالعت المستدرك الذي صنفه الحاكم من أوله إلى اخره فلم أر فيه حديثاً على شرطهما- نقله السيوطي عن أبي سعيد الماليني في تدريب الراوي 1|81!».
بل عن بعضهم أنه «جمع جزءً فيه الأحاديث التي فيه وهي موضوعة – ذكره السيوطي في تدريب الراوي 1|81.!».

بطلان الحديث سنداً
ومن هنا يظهر بطلان الحديث وأن الحق مع من قال في هذا الحديث بأنه «لا يصحّ».
ومن هؤلاء الحافظ ابن القطّان الفاسي… فقد ذكر ابن حجر بترجمة «عبدالرحمن بن عمرو السلمي» بعد أن أشار الى هذا الحديث: «وزعم القطان الفاسي أنه لا يصح – تهذيب التهذيب 6|215».
ترجمة ابن القطّان
والحافظ الكبير: أبو الحسن الكبير، بن محمد، المعروف بآبن القطان الفاسي، المتوفى سنة 628، من كبار منتقدي الحديث والرجال، ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ وأثنى عليه، وذكره السيوطي في طبقاته فقال:
«ابن القطان، الحافظ العلامة، قاضي الجماعة، أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالملك بن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي، سمع أبا ذر الخشني وطبقته.
وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية في الرواية، معروفاً بالحفظ والإتقان.
صنف: الوهم والإبهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق.
مات في ربيع الأول سنة 628 طبقات الحفّاظ: 498».
* وقال ابن العربي المالكي بشرح الترمذي:
«حكم أبو عيسى بصحته، وفيه بقية بن الوليد، وقد تكلم فيه عارضة الاحوذي 10|145 ».
وهذا طعن صريح في سند الحديث، وان كان غير شديد، إذ اكتفى بهذه الكلمة
رواية أبي داود
وأخرج أبو داود قائلاً:
«حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، قال: حدثني خالد بن معدان، قال: حدثني عبدالرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ـ فسلّمنا وقلنا: اتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال العرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنّ هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا ؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان عبدّ حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وايّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة – سنن ابي داود 2|261 باب في لزوم السُنّة ».
رواية ابن ماجة
وأخرج ابن ماجة قائلاً:
«حدثنا عبدالله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبدالله بن العلاء ـ يعني ابن زبر ـ، حدثني يحيى بن أبي المطاع، – صحيح الترمذي 5|44 ـ 45 باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.
قال: سمعت العرباض بن سارية يقول:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلّم ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقيل: يا رسول الله، وعظتنا موعظة مودّع فاعهد إلينا بعهد.
فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وان عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وايّاكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة.
(2) حدّثنا إسماعيل بن بشر بن منصور واسحاق بن إبراهيم السواق، قالا: ثنا عبدالرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، انه سمع العرباض بن سارية يقول:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا ؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حينما قيد انقاد.
(3) حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا عبدالملك بن الصباح المسمعي، ثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو، عن العرباض بن سارية، قال:
صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة. فذكر نحوه لا – سنن ابن ماجة 1|15 ـ 17 باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديّين .
رواية أحمد
وجاء في مسند أحمد:
«(1) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا عبدالرحمن بن مهدي، ثنا معاوية ـ يعني ابن صالح ـ، عن ضمرة بن حبيب، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض بن سارية، قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد إنقاد»
(2) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا الضحاك بن مخلد، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن عرباض بن سارية، قال:
صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الفجر، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب. قلنا ـ أو قالوا ـ: يا رسول الله، كأنّ هذه موعظة مودع فأوصنا.
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة.
(3) حدثنا عبدالله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد ابن معدان، قال: ثنا عبدالرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك
لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ـ فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم الصبح ذات يومٍ ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
(4) حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا حياة بن شريح، ثنا بقية، حدثني بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة. فذكره
(5) حدّثنا عبدالله، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن العرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة. فذكره – مسند أحمد بن حنبل 4|126»
رواية الحاكم
وأخرج الحاكم قائلاً:
«(1) حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا أبو عاصم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع فأوصنا.
قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن أُمّر عليكم عبد حبشي. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة.
هذا حديث صحيح ليس له علّة.
وقد احتجّ البخاري بعبد الرحمن بن عمرو وثور بن يزيد، وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة.
والّذي عندي أنهما ـ رحمهما الله ـ توهّما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان.
(2) حدثنا أبو عبدالله الحسين بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، ثنا عبدالله بن يوسف التنيسي، ثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم. عن خالد بن معدان، عن عبدالرحمن بن عمرو، عن العرباض بن سارية ـ من بني سليم، من أهل الصفة ـ قال:
خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوماً فقام فوعظ الناس ورغبهم وحذرهم وقال ما شاء الله أن يقول.
ثم قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأطيعوا من ولاه الله أمركم، ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبداً أسود، وعليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا على نواجذكم بالحقّ.
هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعاً، ولا أعرف له علّةً.
وقد تابع ضمرة بن حبيب خالد بن معدان على رواية هذا الحديث عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي.
(3) حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنبري، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي. وأخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل، ثنا الفضل بن محمد، قالا: ثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح.
وأخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا عبدالرحمن ـ يعني ابن مهدي ـ، عن معاوية بن صالح.
عن ضمرة بن حبيب، عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض ابن سارية قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقلنا يا رسول الله، إن هذا لموعظة مودّعٍ فماذا تعهد إلينا؟
قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديّين الراشدين من بعدي، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ.
فكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: فإن المؤمن كالجمل الأنف حيث ما قيد انقاد.
وقد تابع عبدالرحمن بن عمرو على روايته عن العرباض بن سارية ثلاثة من الثقات الأثبات من أئمة أهل الشام:
منهم: حجر بن حجر الكلاعي:
(4) حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبدالله محمد بن إبرإهيم العبدي، ثنا موسى بن أيوب النصيبي وصفوان بن صالح الدمشقي، قالا: ثنا الوليد ابن مسلم الدمشقي، ثنا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن معدان، حدّثني عبدالرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر الكلاعي، قالا:
أتينا العرباض بن سارية ـ وهو ممن نزل فيه: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألاّ
يجدوا ما يننقون) ـ فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين ومقتبسين.
فقال العرباض:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودعٍ فما تعهد إلينا؟
فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ومنهم: يحيى بن أبي المطاع القرشي:
(5) حدثنا أبوالعباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عيسى بن زيد التنيسي، ثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أنبأ عبدالله بن العلاء بن زيد – كذا والصحيح: زبر ، عن يحيى بن أبي المطاع، قال: سمعت العرباض بن سارية السلمي يقول:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها الأعين. قال: فقلنا: يا رسول الله، قد وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا.
قال: عليكم بتقوى الله ـ أظنه قال: والسمع والطاعة ـ، وسترى من بعدي اختلافاً شديداً ـ أو: كثيراً ـ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم والمحدثات، فإن كل بدعة ضلالة.
ومنهم: معبد بن عبدالله بن هشام القرشي:
وليس الطريق إليه من شرط هذا الكتاب، فتركته.
وقد استقصيت في تصحيح هذا الحديث بعض الاستقصاء على ما أدّى إليه
اجتهادي، وكنت فيه كما قال إمام أئمة الحديث شعبة ـ في حديث عبدالله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، لمّا طلبه بالبصرة والكوفة والمدينة ومكّة، ثمّ عاد الحديث إلى شهر ابن حوشب فتركه، ثم قال شعبةـ:
لئن يصحّ لي مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كان أحب إلي من والديّ وولدي والناس أجمعين.
وقد صح هذا الحديث، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله أجمعين – المستدرك على الصحيحين 1|96.» .
***
(2)
نظرات في أسانيده
نقاط حول السند والدلالة
كانت تلك أسانيد هذا الحديث وطرقه في أهم كتب الحديث وجوامعه، ولا بدّ قبل الورود في النظر في أحوال رجال الأسانيد والرواة أن نشير بإيجاز إلى نكاتٍ جديرة بالانتباه إليها…
1 ـ إن هذا الحديث يكذبه واقع الحال بين الصحابة أنفسهم، فلقد وجدناهم كثيراً مّا يخالفون سنة أبي بكر وعمر، والمفروض أنهما من الخلفاء الراشدين، بل لقد خالف الثاني منهما الاول في أكثر من مورد !! فلو كان هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حقاً لما وقعت تلك الخلافات والمخالفات…
هذا ما ذكره جماعة… وعل أساسه أوّلوا الحديث، وقد نص بعضهم كشارح مسلم الثبوت على ضرورة تأويله – فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت 2|231.
قلت: لكن هذا إنما يضطر إليه فيما لو كان الأصحاب ملتزمين بإطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنقادين لأوامره ونواهيه.. ولكن…
2 ـ إن هذا الحديث بجميع طرقه وأسانيده ينتهي إلى «العرباض بن سارية السلمي» فهو الراوي الوحيد له… وهذا مّما يورث الشك في صدوره… لأن الحديث كان في المسجد… وكان بعد الصلاة.. وكان موعظة بليغة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب… ثم طلب منه أن يعهد إلى الأمة.. فقال..
فكيف لم يروه إلآ العرباض ؟! ولم لم يرووه إلا عن العرباض ؟!
3 ـ إن هذا الحديث إنما حدّث به في الشام، وإنما تناقله وروجه أهل الشام ! وأكثر رواته من أهل حمص بالخصوص، وهم من أنصار معاوية وأشد أعداء علي أمير المؤمنين عليه السلام – أنظر كلمة ياقوت عن أهل حمص في معجم البلدان 2|304 .
فبالنظر إلى هذه الناحية، لا سيما مع ضمّ النظر في متن الحديث إليه، لا يبقى وثوق بصدور هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كيف يوثق بحديث يرويه حمصي عن حمصي عن حمصي !!.. ولا يوجد عند غيرهم من حملة الحديث والاثر علم به ؟! وأهل الشام قاطبة غير متحرجين من الافتعال لما ينتهي إلى تشييد سلطان معاوية أو الحطّ مّمن خالفه !
4 ـ إن هذا الحديث مما أعرض عنه البخاري ومسلم، وكذا النسائي من أصحاب السنن… وقد بنى غير واحد من العلماء الكبار من أهل السنة على عدم الاعتناء بحديث اتفق الشيخان على الإعراض عنه، وإن اتفق أرباب السنن على إخراجه والعناية به…
قال ابن تيمية بجواب حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة:
«هذا الحديث ليس في الصحيحين، بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم وغيره، ولكن قد أورده أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجة، ورواه أهل المسانيد كالإمام أحمد -منهاج السنة 2|102».
قلت:
ومن عجيب الاتفاق أن حديث «عليكم بسنتي…» كذلك تماماً، فإنه «ليس في الصحيحين، بل قدطعن فيه بعض أهل الحديث ـ كأبن القطّان ـ ولكن قد أورده أهل الس

هذا وبالله التوفيق وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

خالد محيي الدين

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين في العالم لا سيما المسلمين والتحذير من أعداء البشرية والإنسانية و تثقيف المسلمين وتعريفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم وماهم مقبلون عليه في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها.

شاهد أيضاً

بيان ( وإنا لجميع حاذرون ) من الشعراء الآية 56 تفسير البينة

(56) وإنا لجميع حاذرون (56)  وهنا : (وإنا)  وهذا اللفظ ووروده على نبي الله شعيب …

اترك تعليقاً