القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع
دراسة فقهية ، وأصولية في الحديث والرجال وعقائد أهل السنة
حول البخاري وكتابه الصحيح
الفقيه فتح الله بن محمد جواد الاصبهاني
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع – الأصبهاني –
بسم الله الرحمن الرحيم
( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) البقرة : 159
– ص ألف –
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم : آية الله جعفر السبحاني مع الإمام البخاري في صحيحه
صحيح البخاري أحد الصحاح الذي حاز على منزلة كبيرة لدى أهل السنة ، وقد نقلوا عن البخاري انه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر . ( 1 )
وقال ابن حجر الهيتمي بأن صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله وإجماع من يعتد به . ( 2 ) إلى غير ذلك من كلمات الإطراء المبثوثة في المعاجم وكتب التراجم ، ولسنا الآن في مقام البحث والنقاش في مدى صحة هذه الكلمات ، وكفانا في ذلك الكتاب الماثل بين يديك الذي يوقفك على حقيقة الأمر ، غير ان ثمة أمورا نقف عندها قليلا :
الأول : يوجد في صحيح البخاري روايات التجسيم والتشبيه بوفرة وإن حاول شراح الصحيح تأويلها غير انها فشلت جميعا ، لأن ظهورها بمكان يحد من تأويلها والتلاعب بها ، والسبب وراء هذه الكثرة من روايات التجسيم يعود
1 . ابن حجر العسقلاني : هدى الساري : ص 7 ; مقدمة صحيح البخاري : 1 / 10 . – 2 . الصواعق المحرقة : 18 .
– ص ب –
إلى أن البخاري عاش في عصر المتوكل العباسي الذي استخدم طبقة من المحدثين ومنحهم الجوائز في نقل الأحاديث التي تؤيد موقف المحدثين أمام أهل التنزيه من العدلية والمعتزلة .
يقول الذهبي : إن المتوكل أشخص الفقهاء والمحدثين ; وكان فيهم : مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي ، وعبد الله وعثمان ابني محمد بن أبي شيبة ; فقسمت بينهم الجوائز ، وأجريت عليهم الأرزاق ، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس ويحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية ، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية . فجلس عثمان بن محمد بن أبي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور ، ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألف من الناس ; وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة ، وكان أشد تقدما من أخيه عثمان ، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألف . ( 1 ) ولذلك فلا تعجب من كثرة روايات التجسيم والتشبيه في الصحيح ، لأن بعض هؤلاء من رجال صحيح البخاري .
الثاني : ان البخاري وإن ذكر شيئا من فضائل علي وأهل بيته إلا أن قلمه يرتعش عندما يصل إلى فضائلهم فيعبث بالحديث مهما أمكن ، وإليك نموذجا .
إن حديث الولاية يعني قول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في حق علي – عليه السلام – : « علي مني وأنا من علي ، وهو وليكم من بعدي » من الأحاديث المتضافرة الذي أخرجه غير واحد من أئمة الصحاح والسنن وحفاظ الحديث ، وقد نقله جم غفير من كبار
1 . تاريخ الإسلام ، وفيات عام 230 – 240 ; تاريخ بغداد : 10 / 66 .
– ص ج –
أئمة الحديث في كتبهم ، ربما يبلغ عددهم حسب ما استخرجه المحقق المتتبع السيد حامد حسين اللكهنوي ( المتوفى 1306 ه ) في كتابه « عبقات الأنوار » إلى 65 ، وعلى رأسهم :
1 . سليمان بن داود الطيالسي ( المتوفى 204 ه ) .
2 . أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ( المتوفى 239 ه ) .
3 . أحمد بن حنبل ( المتوفى 241 ه ) .
4 . محمد بن عيسى الترمذي ( المتوفى 279 ه ) .
5 . أحمد بن شعيب النسائي ( المتوفى 303 ه ) .
إلى غير ذلك من أئمة الحفاظ والمحدثين ( 1 ) ، وإليك نص الحديث :
1 . أخرج النسائي في سننه قائلا : حدثنا واصل بن عبد الأعلى ، عن ابن فضيل ، عن الأعرج ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : بعثنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى اليمن مع خالد بن الوليد وبعث عليا على آخر ، وقال : إن التقيتما فعلي على الناس ، وإن تفرقتما فكل واحد منكما على جنده ، فلقينا بني زبيد من أهل اليمن ، وظفر المسلمون على المشركين ، فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذرية ، فاصطفى علي جارية لنفسه من السبي ، فكتب بذلك خالد بن الوليد إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وأمرني أن أنال منه . قال : فدفعت الكتاب إليه ونلت من علي ، فتغير وجه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فقلت : هذا مكان العائذ ، بعثتني مع رجل وألزمتني بطاعته فبلغت ما أرسلت به . فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – لي : « لا تقعن يا بريدة في علي ، فإن عليا مني وأنا منه وهو وليكم بعدي » . ( 2 )
1 . لاحظ نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار : 15 / 51 – 54 . – 2 . خصائص علي بن أبي طالب : 75 .
– ص د –
2 . وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس ، عن بريدة ، قال : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة ، فلما قدمت على رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يتغير ، فقال : « يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ، قلت : بلى يا رسول الله ، قال : « من كنت مولاه فعلي مولاه » . ( 1 )
وما جاء في الحديث الذي أخرجه النسائي من قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – : « علي مني وأنا من علي وهو وليكم بعدي » لا ينافي المنقول في مسند أحمد ولعل الرسول جمع بين الكلمتين ، أو ان الراوي نقل بالمعنى فقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه .
وعلى كل حال فالحديث كان مذيلا بما يدل على ولايته بعد رحيل الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – . ويؤيد ذلك ان الإمام أحمد أخرج الحديث عن عمران بن حصين بالشكل التالي :
3 . قال : بعث رسول الله سرية وأمر عليهم علي بن أبي طالب – رضى الله عنه – فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره لرسول الله ، قال عمران : وكنا إذا قدمنا من سفرنا بدأنا برسول الله ، فسلمنا عليه ، قال : فدخلوا عليه ، فقام رجل منهم ، فقال يا رسول الله : إن عليا فعل كذا وكذا فأعرض عنه . ثم نقل قيام الثلاثة الباقين وتكرارهم ذلك القول وإعراض الرسول عنهم ، حتى انتهى إلى قوله : فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغير وجهه ، فقال : « دعوا
1 . مسند أحمد بن حنبل : 5 / 347 .
– ص هـ –
عليا ، إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي » . ( 1 )
4 . وأخرج الترمذي عن عمران بن حصين ونقل الحديث مثل ما نقل أحمد ابن حنبل إلى أن قال : فقام الرابع ، فقال مثل ما قالوا ، فأقبل إليه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – – والغضب يعرف في وجهه – فقال : « ما تريدون من علي ! ما تريدون من علي ! ما تريدون من علي ! إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي » . ( 2 )
ترى أن الرواية تنص على الولاية الدالة على أنه الإمام بعد رحيل الرسول لكن البخاري كعادته أخرج الحديث عن بريدة ، فذكر شيئا من الحديث وحذف بيت القصيد منه ، فأخرج الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بالنحو التالي : قال : بعث النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – عليا إلى خالد ليقبض الخمس وكنت أبغض عليا ، وقد اغتسل ، فقلت لخالد : ألا ترى إلى هذا ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ذكرت ذلك له . فقال : يا بريدة أتبغض عليا ، فقلت : نعم ، قال : « لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك » . ( 3 )
ترى أنه حذف الفقرة الأخيرة من الحديث التي هي بمنزلة بيت القصيد منه وهي : « ان عليا مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي » . هذان الأمران اللذين نوهنا إليهما يعربان عن موقف البخاري حيال
1 . مسند أحمد : 4 / 438 . – 2 . سنن الترمذي : 5 / 632 .
3 . صحيح البخاري : 5 / 163 ، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع .
– ص و –
روايات التجسيم والتشبيه ، كما يعربان عن مدى بخسه لأحاديث أهل البيت – عليهم السلام – وفضائلهم .
كيف لا وهو لم يرو حديث الغدير بتاتا ، كما لم يرو عن الإمام الصادق – عليه السلام – حديثا واحدا مع أنه نقل عن الخوارج والمجبرة والمشبهة ؟ ! !
فهذا الكتاب الذي يعد أصح الكتب عند أهل السنة بعد كتاب الله بحاجة إلى تنقيب وبحث ودراسة رجاله ودراسة مضمون الأحاديث الواردة فيه .
وقد قام بهذا الأمر المهم غير واحد من أعلام الفريقين .
فمن أهل السنة الحافظ ابن الجوزي ( 510 – 597 ه ) حيث ألف كتابا باسم « مشكل الحديثين أو مشكل الصحاح » ولم يزل مخطوطا في أربعة أجزاء .
وأما من الشيعة ، فقد قام فقيه الطائفة والمتتبع المتضلع الشيخ فتح الله النمازي الاصفهاني المشهور ب « شيخ الشريعة » ( 1266 – 1339 ه ) بدراسة صحيح البخاري في كتاب هو ماثل بين يديك وقد ألفه – قدس سره – ولم يسمه باسم ، غير ان تلميذه المتتبع الشيخ آقا بزرك الطهراني ( 1293 – 1389 ه ) استكتبه لنفسه وأسماه ب « القول الصراح في نقد الصحاح » ، وقد كانت النسخة منحصرة بما استكتب ، فاستدعيت من صديقنا العزيز المجاهد في سبيل الله آية الله الشهيد ميرزا علي الغروي – قدس سره – مؤلف الموسوعة الفقهية باسم « التنقيح في شرح العروة الوثقى » أن يرسل لي صورة من نسخة الشيخ آقا بزرك الطهراني المتوفرة في مكتبته ، وقد لبى – قدس سره – طلبي هذا .
وقد قام بتحقيق الكتاب والتعليق عليه وإخراج مصادره الباحث المحقق الشيخ حسين غيب غلامي الهرساوي ، فعلق عليه تعاليق ثمينة ، شكر الله مساعيه الجميلة ، وهو ممن قد خاض في عبارات هذه المباحث في غير واحد من تآليفه .
– ص ز –
ولعل هناك من يعيب على هذا النوع من التأليف بأنه يثير حفيظة البعض ، لأن كثيرا من أهل السنة تلقوا صحيح البخاري كتابا صحيحا برمته يسمو عن البحث والنقد ، ولكن الحق ان كل كتاب غير كتاب الله خاضع للبحث والنقاش .
إن السنة النبوية تراث خالد للأمة الإسلامية تعد المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم في مجالي العقيدة والشريعة .
فالسنة المحكية – أي قول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وفعله وتقريره – من الحجج القطعية التي لا تخضع للتمحيص ، كيف لا وهو كلام النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ؟ ! وإنما الخاضع للتحقيق والتنقيب هو السنة الحاكية عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ، فلا عتب على باحث أن يقوم بدراسة الحديث دراسة موضوعية قائمة على أسس علمية وبلغة هادئة .
فهذا النمط من البحث لجدير بالاهتمام والعناية من قبل الباحثين والمحققين لما فيه من تقرير للسنة النبوية ، وتمحيصها عما ليس منها .
وها نحن بحمد الله لم نختلف فيما جاء به النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ، ولو كان هناك اختلاف فإنما هو في ما روي عنه ، وهذا هو الذي أرشدنا إليه الإمام أمير المؤمنين علي – عليه السلام – ، عندما قال له بعض اليهود : ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه ! ! فقال – عليه السلام – له : « إنما اختلفنا عنه ، لا فيه ، ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم : « اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فقال : إنكم قوم تجهلون » . ( 1 )
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع – الأصبهاني – ص ح
ترجمة المؤلف ( 1 ) شيخ الشريعة الإصبهاني :
من كبار المجتهدين والزعماء ، الفقيه الأصولي الماهر ، الميرزا فتح الله بن محمد جواد الإصبهاني ، ولد بإصبهان في الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1266 ه وتوفي عام 1339 ه .
قال السيد الأمين : كان أحد أعلام علماء هذا العصر ، أصله من مدينة شيراز ، من أسرة كريمة تعرف بالنمازية نسبة إلى جدهم المعروف باسم الحاج محمد علي النمازي الذي كان معروفا بالورع والصلاح ، ولكثرة مداومته على النوافل والصلوات عرف بالنمازي ( 2 ) .
تلقى الشيخ مبادئ العلوم بأصبهان فحضر دروس المولى حيدر الإصبهاني ، والمولى عبد الجواد الخراساني ، من أعلام تلامذة الشيخ
1 . أنظر ترجمته : الأعلام للزركلي 5 : 135 ، معجم المؤلفين 8 : 52 – 53 ، أعيان الشيعة 8 : 391 – 392 ، أحسن الوديعة 1 : 171 ، مصفى المقال : 193 ، علماء معاصر : 122 ، مكارم الآثار 5 : 1816 ، الذريعة 22 : 283 رقم 7112 ، ريحانة الأدب 3 : 206 ، معجم ما كتب عن الرسول وأهل بيته 9 : 266 رقم 23180 ، معجم رجال الفكر في النجف خلال ألف عام 2 : 767 ، مقدمة نخبة الأزهار في أحكام الخيار : 6 – 12 ، والكتب التاريخية التي ألفت في تاريخ العراق وثورة العشرين .
2 . أعيان الشيعة 8 : 391 .
– ص ط –
محمد تقي الإصبهاني صاحب الحاشية ، ودروس المولى أحمد السبزواري ، والمولى محمد صادق التنكابني ، والمولى محمد تقي الهروي ، وعند الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي الإصبهاني في كثير من المباحث الفكرية والأصولية ، وسمع عليه إفاداته في حجية الظنون .
سافر إلى مشهد الرضا – عليه السلام – زائرا وأقام بها مدة قليلة ، جرت بينه وبين علمائها مباحث ، فظهر فضله في العلوم المتداولة ، ثم عاد إلى إصبهان واشتغل بالتدريس .
ثم هاجر إلى النجف الأشرف في سنة 1295 ه فاجتمع حوله طلاب العلم وتصدى للتدريس والبحث ، وفي أثناء ذلك حضر على الميرزا الرشتي وعلى الشيخ محمد حسين الكاظمي ، وكان يمتاز بمشاركته في فنون الفلسفة القديمة والحكمة الإلهية فضلا عن العلوم الدينية والكلام ، والحديث ، والرجال ، وخلافيات الفرق والمقالات ، وما لها وما عليها من الحجج والأدلة ، وكان يحضر مجالس محاضراته وإفاداته العلماء وتلمذ عليه المئات من فضلاء العرب والفرس ، وقد كان جمع كثير من الناس يرجعون إلى فتاواه ويقلدونه في أحكام مسائلهم ، وبعد السيد اليزدي أقبل إليه الجمهور ، وبعد وفاة الميرزا الشيرازي أصبح المرجع الوحيد للشيعة في أغلب الأقطار وهذا قلما يصادف مثله ( 1 ) .
وقد تصدى بجد لمواجهة الصراع الفكري فعقد المناظرات العميقة مع محمود شكري الآلوسي ببغداد في إثبات الحجة ووجود المهدي – عليه السلام – وإمامته في
1 . أعيان الشيعة 8 : 391 – 392 .
– ص ي –
ثلاث رسائل : صغير ، ووسيط ، وكبير ( 1 ) ، وأخرى عند ما نظر إلى الكتب المشتهرة بالصحاح والسنن لأهل السنة ولا سيما الصحيح لمحمد بن إسماعيل البخاري ، الذي يعتمد في كثير من رواياته على النواصب وأهل البدع وعلى الضعفاء ، مع أنه لم يروي عن الإمام جعفر الصادق – عليه السلام – ابن الإمام محمد بن علي الملقب على لسان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بباقر العلوم – عليه السلام – ! وأهمل الرواية عن أهل البيت ، لتأثره بأمثال يحيى بن سعيد الناصبي .
ذكر في مقدمة نخبة الأزهار : يمتاز الشيخ على كثير من الفقهاء المعاصرين له بالموسوعية والمطالعة الطويلة في العلوم التي لا تدخل في نطاق الفقه من قريب ، فقد كان كما ينقل قوي الحافظة ، مرهف الشعور ، سريع الإنتقال ، كثير القراءة ، ومداوم النظر في الكتب المتفرقة ، وتجمع هذه الصفات فيه خلقت منه عالما يلم بفروع العلوم المتداولة في بيئته وغير المتداولة . ففي الفقه وأصوله كان بارعا لم يشق له غبار ، وأذعن بتفوقه فيهما من أتى بعده من شيوخ العلم في حوزة النجف وغيرها ( 2 ) .
وقال أيضا : كان الشيخ أيام دراسته بأصبهان يمارس التدريس لحلقة من الطلاب ، ولما عاد من مشهد انقطع إلى التدريس كما ذكرنا ، وعندما هاجر إلى
1 . قال الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة : المناظرات مع ابن الآلوسي ، في اثبات وجود الحجة وامامته لشيخنا الحاج ميرزا فتح الله المشتهر بشيخ الشريعة بن الحاج ميرزا محمد جواد ، وهي ثلاث رسائل ، صغير ، ووسيط ، وكبير ، ومجموعها 3700 بيت في تحقيقات وتدقيقات رشيقة وجوابات كافية وافية ، استنسخه صدر الإسلام الخوئي . الذريعة إلى تصانيف الشيعة 22 : 383 رقم 7112 .
2 . نخبة الأزهار في أحكام الخيار : 8 ، تقرير لأبحاث الشيخ صاحب الترجمة – رحمه الله – ألفها العالم الرباني آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني – قدس سره – .
– ص يا –
النجف زاول التدريس أيضا ضمن تتلمذه على أساتذتها حتى سنة 1313 ه ، حيث رجع من الحج ، وفيها استقل بإلقاء محاضراته العالية في الفقه والأصول وغيرهما ، معنيا بتربية رجال العلم ومنصرفا إلى تنشئة العلماء والأفاضل ، ويتفق مترجموه على أنه ربى مئات من أهل العلم في حوزة أصبهان والنجف ، وكانت حلقة درسه مرغوبا فيها ، يتوافد عليها الطلاب والراغبون في الدراسات العالية ( 1 ) .
قال الزركلي في الأعلام : شيخ الشريعة فقيه إمامي من كبار المشاركين في ثورة العراق الأول على الإنكليز أصله من شيراز من أسرة تعرف بالنمازية ، ومنشأه بأصبهان ، تفقه وقرأ علوم العربية وانتقل إلى النجف فانتهت إليه رياسة علمائها ( 2 ) .
وفي معجم المؤلفين : فتح الله بن محمد جواد النمازي الشيرازي الإصبهاني الغروي الملقب بشريعة مدار ، فقيه أصولي شارك في بعض العلوم ، أصله من مدينة شيراز ، وولد بأصبهان في 12 ربيع الأول ، وساهم في ثورة العراق أيام الاحتلال البريطاني سنة 1339 ه ، ودعاه الحاكم المدني البريطاني للتفاوض لوقف الثورة ، فكتب المترجم إليه مشترطا : « منح العراق استقلاله التام » ( 2 ) .
وقد استمر الجهاد حتى دخل الجيش البريطاني النجف فعند ذلك تفرق الناس ، ولبث الشيخ في بيته ( 4 ) ، وحاولو بينه وبين من يريد إصلاح مجتمعه
1 . نفس المصدر السابق . 2 . الأعلام : 5 / 135 . 2 . معجم المؤلفين : 8 / 52 – 53 . 4 . معجم رجال الفكر : 2 / 767 .
– ص يب –
وأمته ، وقد نصبوا عليه العيون والمراصد على الداخل والخارج من بيته حتى خادمه وبعض حفدته ( 1 ) .
فأصيب الشيخ على أثر جهاده بمرض عضال في صدره ، فكان طريح الفراش ، واشتدت عليه الآلام إلى أن اختار الله تعالى له الدار الآخرة ، فتوفي في النجف الأشرف ليلة الأحد من شهر ربيع الثاني سنة 1339 ه ودفن في الصحن الغروي الشريف في أحد الغرف الشرقية .
شيخ الشريعة وثورة العشرين : عند ما يذكر تاريخ العراق المعاصر والحوادث التي جرت فيه منذ احتلال الانكليز للعراق ، وحتى اندلاع ثورة العشرين يبرز هذا الاسم الكريم في حركة الجهاد الإسلامي وقيادة الثورة بعد غياب الإمام محمد تقي الشيرازي .
تولى شيخ الشريعة في غمرة تلك الظروف العاصفة المرجعية الدينية وقيادة الثورة العراقية الكبرى وقد تم تشكيل قيادة عليا للثورة تضم رموزا من زعماء العشائر العراقية . وعندما عرض الانكليز فكرة التفاوض وحدث الانقسام بين قادة الثورة كان شيخ الشريعة زعيما للخط الذي رفض الفكرة وأصدر بيانه الشهير : « لا مفاوضة قبل الجلاء » وانه سيستخدم المگوار ( 2 ) إذا أعوزهم السلاح ( 3 ) .
1 . معارف الرجال : 2 / 154 رقم 281 .
2 . المگوار : عصا غليظة ينتهي أحد طرفيها بكتلة من القار الصلد ، وهو معروف جدا في جنوب العراق .
3 . أنظر : تاريخ الحركة الإسلامية في العراق الجذور الفكرية والواقع التاريخي ، لعبد الحليم الرهيمي .
– ص يج –
قال الزركلي في الأعلام : برز اسمه في ثورة العراق أيام الاحتلال البريطاني سنة 1920 م ، وتناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها ، وكان في بدئها عونا لآية الله محمد تقي الشيرازي سنة 1338 ه انتقلت إليه الزعامة وانتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف ( 1 ) .
شيخ الشريعة وكتبه العلمية ومن بين نشاطات الشيخ العلمية يبرز عدد من الكتب القيمة التي تتسم بالعمق في الموضوع وأحيانا الإبتكار ، وإليك أسماء ما وقفنا عليه من تلكم الدرر الغالية :
1 – إبانة المختار في ارث الزوجة من ثمن العقار ، ( مطبوع ) .
2 – ابرام القضاء في وسع القضاء .
3 – إفاضة القدير في أحكام العصير ، ( مطبوع ) .
4 – إنارة الحالك في قراءة « ملك » و « مالك » .
5 – رسالة في علم الباري .
6 – رسالة في التفصيل بين جلود السباع وغيرها .
7 – رسالة في المتمم كرا .
8 – رسالة في العصير العنبي .
9 – تعاليق على الفصول في الأصول .
10 – صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة .
1 . الأعلام 5 : 135 .
– ص يد –
11 – قاعدة لا ضرر ، ( مطبوع ) .
12 – قاعدة الواحد البسيط .
13 – قاعدة الطهارة .
14 – القول الصراح في نقد الصحاح ، ( وهي هذه الرسالة القيمة بين يديك ) .
15 – المناظرات مع الآلوسي ، وهي ثلاث رسائل ، الصغير ، والوسيط ، والكبير .
هذا ما عدا حواشيه على كثير من الكتب الدراسية ورسائله العملية الفتوائية لعمل مقلديه ، وغيرها ( 1 ) .
وقد ذكر المحقق منهجه في التحقيق وهو كما يلي : كلمة المحقق اعتمدنا في تحقيق هذا الأثر النفيس على النسخة التي كانت في مكتبة مؤسسة الأمام الصادق – عليه السلام – المعمورة بإشراف صاحب السماحة العلامة آية الله الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني دام ظله ، فإنه من علي بمخطوطها .
والنسخة كانت بخط نستعليق جيد ولكن فيها أخطاء كثيرة . ويظهر منها أيضا ; كما أشار إليها الشيخ صاحب الذريعة ، أنها كانت سقيمة ، فقد كتب على ظهر النسخة بخطه : « استكتبته عن نسخة بخط المؤلف وهي ناقصة الآخر ولم يسمها طاب ثراه باسم ولكن اخترت له هذا الاسم
1 . مقدمة نخبة الأزهار : 10 و 11 .
– ص يه –
الكاشف عن معناه ، وكانت النسخة كراريس ، ضاعت منها صفحات أردت إحياءها ولم تحصل لي فرصة المقابلة والتصحيح الكامل وعملت له فهرس مطالبه تسهيلا للتناول » .
ونحن بحمد الله وجدنا في أثناء التحقيق أكثر الموارد المفقودة التي أشار إليها الشيخ صاحب الذريعة من المصادر المأخوذة المشار إليها في المتن ، وأدرجناها بين [ ] .
وأما الصفحات الضائعة المتعلقة بآخر الكتاب فإنه قد ألحقنا تتمة ما في ترجمة سبط ابن الجوزي ، وأضفنا عليه ما بعدها تحت عنوان « التكملة » في تراجم بعض رجال الحديث لكي يكمل المقصود ويحصل المطلوب .
وأما المصادر والمآخذ المذكورة في الكتاب فكثيرة جدا ، فما وصلنا إليها أدرجناه في التخريجات ، وما لم نصل ، وكذا ما لم يكن له أهمية في التخريج سكتنا عنه » .
هذا نص شيخنا المحقق ونحن بدورنا نتقدم بالشكر والثناء له ونرجو منه سبحانه أن يوفقه لإخراج ما لعلمائنا من التراث الثمين . وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .
جعفر السبحاني مؤسسة الإمام الصادق – عليه السلام – 22 رجب المرجب 1421 ه
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع – الأصبهاني – ص15
تحميل الكتاب :