تتصاعد الخسائر في صفوف المدنيين في ليبيا، بالتزامن مع توسع طرفي النزاع في ليبيا في استخدام الطائرات المسيرة رخيصة الثمن القادمة من الصين وتركيا ودول أخري، لحسم الصراع الممتد منذ 2011 والذي تحول لحرب دولية بالوكالة.

وبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة، فقد تسبب استخدام طرفي الصراع للطائرات المسيرة والنفاثة في القتال الدائر حول العاصمة طرابلس منذ أبريل/نيسان الماضي، في مقتل أكثر من 280 مدنيا وإصابة 363 آخرين ونزوح أكثر من 140 ألف شخص.

ووفق التقرير الصادر من مكتب الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، الثلاثاء، نفذت قوات شرق ليبيا بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، 850 غارة جوية بطائرات مسيرة، وكذلك 170 غارة بطائرات نفاثة منها 60 غارة دقيقة التوجيه تم تنفيذها بواسطة طائرات مقاتلة أجنبية.

وفى المقابل نفذت القوات التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة “فايز السراج” في طرابلس 250 غارة جوية بواسطة طائرات مسيرة خلال الفترة نفسها.

فما هو تأثير الطائرات بدون طيار على الحرب الدائرة في ليبيا؟ وما هي أسباب توسع طرفي النزاع في البلد المغاربي في الاعتماد عليها؟ وماهي الجهات الممولة والمشرفة على إدارة مثل هذه الطائرات في الصراع الذي تحول لحرب دولية بالوكالة؟

سلاح نوعي رخيص

تعد الطائرات المسيرة الاختيار المفضل لطرفي النزاع في ليبيا أو الداعمين لهما على حد سواء، لعدة أسباب في مقدمتها أنها رخيصة السعر، ويتساوى في ذلك المصنعة في الصين والتي تسيرها الإمارات (التي تدعم حفتر) أو التركية (توفرها أنقرة لحكومة السراج).

كما يُجنب استخدام الطائرات المسيرة وقوع المزيد من الخسائر العسكرية، ويعطي ميزة تكتيكية للمتحاربين عبر السيطرة على السماء والحصول على التفوق الجوي.

وبالإضافة لذلك، أوضح “كريس كول”، الذي يدير مجموعة أبحاث حول حروب الطائرات المسيرة، أنه من خلال استخدام الطائرات المسيرة في شن الهجمات، لا يمكن بسهولة تحديد هوية الأطراف التي تقوم بتلك العمليات في ظل شبكة تورط شبكة معقدة من البلدان في الحرب الدائرة هناك.

وخلال الأشهر الأخيرة، كثف “حفتر” على وجه الخصوص اعتماده على الطائرات المسيّرة عقب عجزه في تحقيق أي نجاح من خلال هجومه العسكري التقليدي على طرابلس، حيث تعتبر هذه الطائرات سلاحا مثاليا في تحقيق أهدافها بسهولة وتكبد الخصوم خسائر تعمل على تقويض معنوياتهم في نهاية المطاف.

وبتكلفة تقديرية تتراوح ما بين مليون دولار إلى مليوني دولار تشرف الإمارات على إدارة طائرات “وينغ لونغ” المسيّرة صينية الصنع دعما لـ”حفتر”، وتعد هذه التكلفة منخفضة بشكل كبير عن إذا ما قورنت بقيمة طائرة “ريبر” أمريكية الصنع التي يبلغ سعرها حوالي 15 مليون دولار.

وفي المقابل، زودت تركيا حكومة الوفاق بطائرات مسيّرة من طراز “بيرقدار تي بي 2” في ثلاث مناسبات على الأقل خلال السنة الماضية.

خبرة تركية

وخلال معركة أنقرة الطويلة مع حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا والتي امتدت إلى مناطق كردية في العراق وسوريا، أثبتت الطائرات المسيرة من طراز “بيرقدار تي بي 2” فعالية كبيرة.

ودفع هذا النجاح أنقرة لأن تصبح أحد المصدرين الرئيسيين لهذا النوع من الطائرات متوسطة المدى، وتلبية الطلب في ظل رفض الولايات المتحدة السماح لبلدان الشرق الأوسط الذي مزقته الصراعات بشراء طائرات “ريبر”.

والصيف الماضي”، اقتنت حكومة الوفاق الوطني 20 طائرة بدون طيار من تركيا، لكن بعض هذه الطائرات التي ساهمت بشكل كبير في قلب معركة طرابلس الأولي لصالح الوفاق ودمرت مركز قيادة حفتر في غريان في يونيو/ حزيران الماضي، جري إسقاطها في وقت لاحق من قبل الجيش الوطني الليبي بمساعدة من المرتزقة الروس هناك، وبعد ذلك لجأ الاتراك إلى إرسال أنظمة تشويش لحماية الطائرات من الاستهداف.

وكانت قوات حفتر قد سيطرت على غريان التي تعتبر المدخل الجنوبي للعاصمة مع بداية الهجوم طرابلس في 4 أبريل/نيسان الماضي. وبعد السيطرة على المدينة، تم اتخاذها كمركز قيادة ميداني متقدم، حيث يتم تجميع الإمدادات من الأسلحة والمؤن والرجال من شرقي البلاد، ثم توزيعها على محاور القتال في جنوب طرابلس، قبل أن يفقط حفتر المدينة بعد أقل من شهرين ما سبب انتكاسة كبيرة لحملته البرية.

انخراط إماراتي

منذ بدء حفتر حملته العسكرية المسماة “عملية الكرامة” في بنغازي في مايو/أيار 2014 تواترت الأدلة عن حصول ميليشيات “حفتر” على أسلحة من الإمارات ودول أخرى رغم الحظر الأممي.

غير أن هجومه على طرابلس التي بدأه في 4 أبريل/نيسان 2019 وما تلاه من محاولات متتالية لاقتحام العاصمة آخرها في 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري كشف عن دعم هائل وترسانة كبيرة من الأسلحة التي حازها حفتر بفضل دعم الإمارات ومصر، ومن ورائهما فرنسا وروسيا.

وفى مقابلة مع قناة الجزيرة هذا الأسبوع، وجه رئيس الحكومة الشرعية في ليبيا “فايز السراج”، اتهامات صريحة الإمارات بتورطها في الحرب في بلاده عبر دعم “حفتر”.

وقال “السراج” إنه لا يفهم “لماذا تتدخل الإمارات في شؤون بلاده وتنشئ قاعدة عسكرية لها في شرقي ليبيا وتقصف المدنيين في طرابلس، رغم أنه لا توجد حدود مشتركة بين البلدين”.

ومنذ عام 2016، كان هناك تراكم تدريجي للبنية التحتية والطائرات الإماراتية، بما في ذلك الطائرات بدون طيار في قاعدة الخادم الجوية الليبية، على بعد 105 كيلومترا من بنغازي.

وتبلغ مساجة قاعدة الخادم نحو 15 كيلو مترا مربعا، وهي تضم عددا من الطائرات الروسية والإماراتية والفرنسية، وتوفر حماية لمعسكر الرجمة، معقل اللواء المتقاعد “خليفة حفتر”، في ضواحي بنغازي.

وتوجد القاعدة داخل مطار الخروبة العسكري، وتربض فيها طائرات مسيرة من نوع “سكيبل كامكوبتر إس 100” التي توجه قذائفها عبر الليزر.

وتعد قاعدة الجفرة التي تبعد عن طرابلس 600 كيلومتر شرقا، من أهم القواعد في ليبيا، حيث تمثل نقطة وصل بين مناطق شرقي ليبيا، وبالأخص مدينة بنغازي، وبين محاور القتال في الغرب الليبي.

وتعرضت القاعدة لقصف من طيران حكومة الوفاق، مما أسفر عن تدمير حظيرة طائرات لدول عدة، أبرزها الإمارات، ومقتل جنود تابعين لها.

وعلى الرغم من الحظر المفروض على توريد السلاح لليبيا، اتهمت الإمارات بنقل الاسلحة لـ”حفتر”، ما أدي إلى تصاعد حدة النزاع. وفى وقت سابق هذه الشهر اتهمت حكومة الوفاق الإمارات بالوقوف وراء هجوم المدرسة العسكرية والذي تسبب في مقتل 30 طالبا، وتم تنفيذ الهجوم بطائرة مسيرة صينية من طراز “وينج لونج 2” تشرف أبوظبي على إدارتها.

المصدر | الخليج الجديد+ متابعات