بينما كان العالم لا يزال منشغلا بآثار العملية الأمريكية التي أسفرت عن قتل “قاسم سليماني”، قائد “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، في بغداد، وقع هجوم في كينيا ضد القوات العسكرية الأمريكية والكينية.

وفي الساعات الأولى من يوم الأحد، اجتاح مقاتلون من جماعة الشباب الصومالية مطار “ماندا باي” الذي يعد المطار جزءا من معسكر “سيمبا”، وهو قاعدة عسكرية رئيسية في كينيا تتمركز فيها قوات من الولايات المتحدة الأمريكية متخصصة في عمليات مكافحة الإرهاب، وتقع في مقاطعة “لامو” بالقرب من الحدود مع الصومال.

وكان ذلك هو الهجوم الأول من قبل جماعة مرتبطة بتنظيم “القاعدة” على القوات الأمريكية في كينيا، واستمر عدة ساعات قبل صد المهاجمين. وقال المسؤولون الأمريكيون والكينيون إن الهجوم أسفر عن مقتل 3 أمريكيين (جندي واحد واثنين من المقاولين)، وتدمير 6 طائرات مدنية يديرها مقاولون.

وأشار تقرير للشرطة الكينية حصلت عليه وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن التدمير كان أكثر شمولا، قائلا إن المهاجمين دمروا طائرتين ثابتتي الأجنحة، وطائرة أمريكية من طراز “سيسنا”، وطائرة كينية من طراز “سيسنا”، إلى جانب طائرتي هليكوبتر أمريكية، وعدة مركبات أمريكية أخرى. ووفقا لحركة الشباب، كان هناك 17 ضحية أمريكية، فضلا عن 9 جنود كينيين، مع تدمير 7 طائرات.

وللوهلة الأولى، قد لا يكون الهجوم ذو أهمية كبيرة بالضرورة. فقد نفذت حركة الشباب هجمات متكررة في كينيا منذ عام 2011، عندما أرسلت كينيا قوات إلى الصومال للمساعدة في قتال الحركة.

وعلى مدار العامين الماضيين، صعدت الولايات المتحدة غاراتها الجوية ضد الحركة، وردت عليها حركة الشباب بتصعيد الهجمات ضد الأهداف العسكرية والمدنية الكينية. لكن حتى الآن، تجنبت المجموعة القوات الأمريكية. وتشير هذه الحقيقة، بالإضافة إلى التوقيت والسياق العالمي، إلى أن الهجوم قد يكون مرتبطا بأحداث أخرى أكثر أهمية في الشرق الأوسط المجاور، وبالتالي يستحق مزيدا من الاهتمام.

وقالت حركة الشباب إن الهجوم في كينيا كان جزءا من حملة جهادية مؤيدة للفلسطينيين انضمت إليها الجماعة في عام 2019، ولكن هناك أسباب للاعتقاد بأنه ربما كان عقابا على قتل “سليماني”.

وفي هذه المرحلة، يبقى الدليل ضعيفا، لكن يبدو أن الهجوم كان منظما على نحو سيء وشابه سوء التنفيذ. ولم تكن الأسلحة المستخدمة متطورة بشكل خاص، ولن تؤثر المعدات التي لحقت بها أضرار، وفق تقرير الولايات المتحدة الأكثر تفصيلا، على قدرة الولايات المتحدة على القيام بعمليات مكافحة الإرهاب.

ويبدو أن الهدف الرئيسي هو جذب الانتباه. وفشل المهاجمون في شق طريقهم إلى القاعدة، وتم قتل 5 منهم. وتسببت نيران الهاون غير المباشرة في إصابات في صفوف القوات الأمريكية والكينية، وتفيد التقارير أن الطائرات تعرضت لأضرار بسبب حرائق خزانات الوقود. وانتهت العملية بأكملها في غضون ساعتين.

كما قد لا يكون من قبيل الصدفة أن يأتي الهجوم بعد أيام قليلة من مقتل “سليماني”. وصحيح أن هجمات الشباب في كينيا متكررة، لكن هذه هي المرة الأولى التي يستهدف فيها تنظيم “القاعدة” قاعدة أمريكية في البلاد.

ولم توفر وفاة “سليماني” دافعا محتملا لهجوم معادٍ للولايات المتحدة فحسب، بل وفرت أيضا الفرصة لضرب هدف أمريكي في الوقت الذي كان الجيش الأمريكي يركز فيه على تهديد هجمات انتقامية أقرب إلى إيران، في العراق أو المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال.

وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن حركة الشباب قد ادعت أنها هاجمت القاعدة العسكرية من أجل “القدس”، وهو خطاب مماثل للخطاب الذي استخدمه الإيرانيون لإضفاء الشرعية على العمليات السابقة لـ “سليماني”، الذي قاد قوات النخبة الإيرانية، “فيلق القدس”.

وعلى الرغم من أن الحرس الثوري الإيراني وحركة الشباب ينتميان إلى طائفتين مختلفتين، إلا أن الفجوة السنية الشيعية التقليدية بين المجموعتين لا تمنع التعاون، بل إن التنظيمين يربطهما علاقات اقتصادية.

وتصدر حركة الشباب الفحم الصومالي، المشهور بجودته، على متن القوارب إلى إيران، حيث يتم إعادة تعبئته وبيعه كمنتج إيراني. وتحتاج حركة الشباب إلى أموال لتغطية نفقاتها، وكان الإيرانيون دائما متحمسون للتعاون، رغم أن حركة الشباب سنية.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يعبر فيها الحرس الثوري الإيراني الفجوة الدينية مع وضع أهداف أخرى في الاعتبار. وتعمل “حماس” مع الإيرانيين، على الرغم من خلافاتهم الأيديولوجية الواضحة، والتي أصبحت أكثر وضوحا بعد بداية الانتفاضة السورية عام 2011. لذا يتضح أن المعاملات التجارية لا يعيقها اختلافات الأيديولوجية السياسية.

ولم تنته الآثار المترتبة على مقتل “سليماني” بالكامل بعد. وفي حالة الهجوم الكيني، يعد توقيت الهدف، وخطاب حركة الشباب، والعلاقات الاقتصادية مع الحرس الثوري الإيراني، أمورا كافية لإثارة مسألة وجود صلة محتملة بين الاثنين، مما يشير إلى مستوى أوسع من تدويل النزاع.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز – ترجمة الخليج الجديد