كانت شبكة “الأمان” التي حالت دون وقوع كارثة جديدة في الشرق الأوسط بين عشية وضحاها دائما موجودة. لا تريد الولايات المتحدة ولا إيران الدخول في حرب مع بعضهما البعض. لكن هذه الطريقة فشلت، وتم اختبارها بشكل كبير جدا مرات عديدة، وليس هناك سبب يدعو إلى افتراض أنها ستستمر في الصمود إلى أجل غير مسمى.

قد تكون حقيقة عدم وجود تقارير مؤكدة عن سقوط ضحايا من الضربات الصاروخية الإيرانية على القواعد العسكرية في العراق بسبب أنظمة الإنذار المبكر أو حقيقة أن الحكومة العراقية قد أُبلغت بها، لذا كان لدى الأمريكيين والعراقيين ما يكفي من الوقت للاحتماء. لكن يبدو أن النية كانت إبقاء القصف محدودا ومتناسبا.

من وجهة نظر طهران، كان هناك مجموعة ضيقة من الخيارات. للحفاظ على شرعية الحكومة، كان الرد على مقتل أيقونة الثورة، “قاسم سليماني”، يجب أن يكون جريئا وأن يبدو مثيرا للإعجاب على شاشات التلفزيون. لحسن الحظ، نشرت وسائل الإعلام الإيرانية قصصا عن عشرات الضحايا الأمريكيين. لكن الضربات الإيرانية لا يمكن أن تكون واسعة النطاق لدرجة أن تتسبب في حرب لن تفوز بها إيران.

واشنطن لديها لوبي إنجيلي خاص بها والذي يمكن القول أنه أكثر نفوذا. يمثل كل من وزير الخارجية “مايك بومبيو” ونائب الرئيس “مايك بينس” نوعا من المسيحية الإنجيلية التي تنظر إلى الأحداث في الشرق الأوسط من خلال منظور النبوءة التوراتية؛ حيث تلعب إيران دور الشر المجسَّد في معركة رهيبة مع قوى الخير. وورد أن كل من “بومبيو” و”بينس” حثوا “ترامب” على سحب الزناد على “سليماني”.

وفي الدفع باتجاه الصراع مع إيران، لدى “بومبيو” و”بنس” حلفاء بين المحافظين التقليديين المتشددين. زعيم هذه المجموعة “جون بولتون” غادر البيت الأبيض، لكن تأثيره لا يزال قائما. لكن في الوقت الذي يمكنهم فيه إقناع “ترامب” بالعمل العسكري في بعض الأحيان من خلال اللعب على خوفه من أن يبدو ضعيفا، فإن الرئيس لا يزال يكره بشدة الحرب الشاملة، خاصة في عام الانتخابات. إنها واحدة من النقاط القليلة نسبيا الثابتة في نهجه الخاطئ للتعامل مع الأجانب.

لا شيء مما سبق هو ضمان ضد الحرب. عند النظر إلى صور الأقمار الصناعية للأضرار، يبدو أن الأمر لم يكن سوى حظ سعيد واحتياطات جيدة بأن الجنود في العراق لم يقتلوا. لو كانت هناك خسائر في صفوف القوات الأمريكية، لكان من شبه المؤكد أن ينتقم “ترامب”، وكان من الممكن أن تخرج دورة التصعيد عن السيطرة بسهولة.

على أي حال، يبدو من غير المرجح أن تكون هذه الجولة من الرد الانتقامي انتهت بالفعل. وقد قال المرشد الأعلى الإيراني “علي خامنئي” إن الصواريخ كانت مجرد “صفعة على الوجه” وغير كافية للرد على اغتيال “سليماني”.

هناك المزيد مما سيحدث على الأرجح من حلفاء إيران ووكلائها في العراق، الذين قُتل قادتهم في نفس غارة الطائرات بدون طيار التي قتلت الجنرال الإيراني.

إن الرغبة في الانتقام ستعزز المهمة المركزية للميليشيات العراقية: طرد القوات الأمريكية من العراق، وهو هدف سعى له “سليماني” في حياته، وقد اقترب من تحقيقه مع وفاته.

لدى إيران مجموعة واسعة من الجبهات الأخرى التي يمكنها التخطيط للانتقام من خلالها، بما في ذلك خطوط شحن النفط في الخليج والبنية التحتية السعودية والإماراتية والحرب الإلكترونية. وتشير التجربة السابقة إلى أن الانتقام الحقيقي سيتم طبخه على نار هادئة بطريقة توضح مصدره أجهزة الاستخبارات، لكن من المستحيل إثباته للجمهور وحلفاء الولايات المتحدة.

الأهم من ذلك، أن كلا الجانبين لا يزالان على نفس المسارات التي تؤدي مباشرة إلى حافة الهاوية. وحقيقة أنهم تمكنوا من منع أنفسهم من السقوط على حافة هذه المرة هي ليست مضمونة إذا كانوا في نفس المسار مرة أخرى.

من غير المرجح أن يمنع مقتل “سليماني” إيران من السعي لتوسيع نفوذها من خلال العنف في جميع أنحاء المنطقة، وتزويد الحوثيين في اليمن بالأسلحة، وشن حملة بالوكالة في العراق لإجبار القوات الأمريكية على الانسحاب، والأهم من ذلك كله في سوريا؛ حيث تدعم إيران حرب “بشار الأسد” على شعبه، وذلك في حد ذاته محرك للتطرف وعدم الاستقرار.

وبينما أصدر “ترامب” نبرة تصالحية في تصريحاته، الأربعاء، فقد أوضح أيضا أن قناعته ازدادت بأن حملته “الضغط الأقصى” قد نجحت، وأن إيران في نهاية المطاف ستلتزم بمطالبه.

وتشمل تلك المطالب، التي صاغها “بومبيو”، التراجع عن العمليات العسكرية في المنطقة، ووضع حد كامل لتخصيب اليورانيوم. ليست هناك فرصة لتوافق عليها إيران. إنها تتحرك حاليًا في الاتجاه الآخر؛ حيث زاد التخصيب إلى ما وراء الحدود المتفق عليها في صفقة 2015.

هذا لا يعني بالضرورة أن طهران اتخذت قرارا بامتلاك سلاح نووي، لكن الاحترام المزعج الذي يتعامل به “ترامب” مع الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونج أون”، مقارنة بشيطنته لرجال الدين في طهران، يعزز بلا شك الحوافز للقيام بذلك.

وبخصوص الحد الأقصى للضغط فهو يتسبب في انفجار الأشياء. والمفاجأة المتكررة هي أن إدارة “ترامب” تتوقع باستمرار شيئا مختلفا.

المصدر | الجارديان – ترجمة وتحرير الخليج الجديد