مقدمة في بيان سورة الإسراء

بقلم : خالد محيي الدين الحليبي

المقدمة

هذا الكتاب الذي بين يديك أخي الكريم لا يخرج عن كونه تفسيراً للقرآن بطريقة جديدة وشرعية أصيلة في نفس الوقت ألا وهى بيان القرآن بالقرآن.

قال بن  كثير وكثير من المفسرين أن خير التفاسير ” بيان القرآن بالقرآن”  فإن لم تجد ف بالسنة النبوية المطهرة  ثم باللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم وقد ندرت التفاسير التي تبين القرآن بالقرآن فإن التزموا بما ألزموا به أنفسهم عجزوا عن بيان بعض الآيات التي لم يجدوا لها مرادف يبينها .

فلجأوا إلى حيلة و هى الإعتماد على آراء وأقوال لعلماء آخرين من السلف ليوهموا الناس أنه من عند الله وما هو من عند الله   وليس امامك مثال أوضح من تفسير الشنقيطي ” أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ”  لما عجز عن  بيان الكثير من  الآيات لجأ إلى أقوال زيد وعمر من الناس في الآيات لستر هذه الثغرة وذلك لأن مثل هذا النهج ليس قرآن بقرآن بل بآراء علماء آخرين وذلك لأنه التزم بالآيات وليس كلمات القرآن فنقل آراء من لم يكلفهم الله تعالى ببيان القرآن الكريم  فلما عجزوا منع منهم إكمال ما بتدأوه وجزاهم الله خيراً على جهدهم ولكننا نقول بأن كتب الله ودين الله له أناس اصطفاهم الله تعالى لهذه المهمة قال فيها نبي الله إبراهيم لبنيه .

{ يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } و آخر هؤلاء الموكول لهم هذه المهمة أئمة أهل بيت النبي عليهم السلام ذلك لأن بيان الكتاب موكول به ملك يوحي بفهمه و بيانه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله و الموكول بذلك الوحي على النبي هو  جبريل عليه السلام يبينه له ويلهمه فهمه بإذن الله ثم يلهم الله تعالى فهمه وبيانه  لأهل بيت النبي عليهم السلام ورثة القرآن الشرعيين بطريقين الأول :

بالميراث الطبيعي الشرعي لنبي الله صلى الله عليه وآله كما قلنا من قبل

والثاني : بالإصطفاء الإلهي لأهل البيت الإبراهيمي وآخرهم أهل بيت النبي ورثة الوحي عليهم السلام حيث يلهمهم الله تعالى فهمه كما قال تعالى { ففهمناها سليمان}

فما أشكل على الأمه في فهمه  بينه للصحابة أمير المؤمنين علي عليه السلام  وذلك معروف للجميع فهو باب مدينة العلم كما قال النبي صلى الله عليه وآله ” انا مدينة العلم وعلي بابها” …. الحديث .

و لأن القرآن كلام الله  و ليس كتاباً أرضياً ليفهمه كل على طريقته كما قال الخليفة عمر { حسبنا كتاب الله } أي مجرداً بغير بيان من رسول الله صلى الله عليه وآله عليه ليقول فيه كل بهواه ما يشتهي فتتفرق الأمة في فهمه كما ترى الآن كثير من التفاسير ومازدادت الأمة من الله إلا بعداَ على عكس ما كان في عصر الصحابة تفسيراً واحداً اجتمعت عليه الأمة وبفقدان العلم وذلك بتدوين السنة بعد أكثر من مائة عام في زمن عمر بن عبد العزيز فقدت الأمة الكثير وتم تبديل أحاديث ووضع أحاديث ومن هنا نشأ علم الحديث لبيان الصحيح من الموضوع  هذا مع ملاحظة أن السنة وحي من الله محفوظ قال تعالى فيه { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى} وهذا الوحي تم خلطه بمكذوبات وأفهام مغلوطة لأحاديث صحيحة ومن هنا تحتاج السنة النبوية لمجهود مضني لجمع من العلماء كي يتم رص ووضع الأحاديث إلى جوار الآيات كي تعلم الأمة ماذا قال النبي في كل آية وفي كل مناسبة بالترتيب

لنعلم مراد الله الحقيقي من قرآنه وآياته وأحكامه .

وبناءاً عليه فإن كتاب الله تعالى كأي كتاب أرضي فيه جزء كسبي يكتسبه العلماء بجهودهم واطلاعهم وقراءاتهم الواسعة و لأنه كتاب الله السماوي فيه جزء وهبي يحرم منه كل العالم إلا أهل بيت النبي عليهم السلام يلهمه الله تعالى لهم وللعلماء الأتقياء الفضلاء من ذريتهم ولذلك قال تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون} أي لا يدرك غور معناه إلا من مسه الطهر ولم يمسه الطهر إلا أهل بيت النبي الذي قال تعالى فيهم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا} ولذلك قال تعالى من قبل في نبي الله سليمان عليه السلام لما قذف الله تعالى في قلبه البيان : { ففهمناها سليمان} , وقال أيضاً صلى الله عليه وآله ” واتقوا الله ويعلمكم الله ” .

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام محذراً من اعتمد على هواه وسلفه من مجاهيل النسب : [( ” القرآن أبعد عن فهم الرجال “)  وهو يقول ذلك لأن الله تعالى كما بينا أوكل له من يفهمه للناس و يبينه لهم ويفصل لهم غوامضة وهم أهل بيت النبي عليهم السلام وذريتهم الوعاء الذي يلقي فيه الفهم والمراد الألهي من كتاب الله تعالى وأحكامه .

وبالتالي سلكنا مسلك بيان القرآن بالقرآن  وبحديث رسول الله صلى الله عليه وآله ووفق بيان أهل بيت النبي عليه السلام والذي تبين أن بيان القرآن بالقرآن هو نفس فهم أهل بيت النبي لكتاب الله تعالى كما سنبينه في حينه ,  وفي هذا البيان جعلنا القرآن حاكماً علي القرآن ولكن ليس بالأيه كما فعل الشنقيطي و غيره بل بالكلمة ومشتقاتها وأين وردت لبيان مراد الله تعالى منها وترابط الكلمة مع التي قبلها و بعدها في تسلسل عجيب جميل منظم بالفعل حبل مترابط الآيات والسور على ترتيب النزول كما قال تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا} وتقطيعه وتفريقا وتمزيقاً لأحكام الله تعالى ولن يصل أحد فعل ذلك إلى مراد الله تعالى من آياته وهذا هو العلم الذي فقده المسلمون وضاعوا بين الأمم وكادوزا أن يهلكوا بعد أن ابتعدوا عن نهج وعلم وفهم أهل بيت نبيهم لكتاب الله تعالى وهو تأويل أهل البيت الي قال فيه صلى الله عليه وآلهلأمير المؤمنين علي : [ ” ياعلي تقاتلهم على التأويل كما قاتلتهم على التنزيل ” ] .

فأخرجنا من بواطنه أسراراً وعجائب قال فيها سيد الخلق (” وهو الذي لا تنقضي عجائبه “) .

وحيث أن القرآن نزل إلى سماء الدنيا جملة واحدة  كما في قوله تعالى { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ثم نزل إلى لأرض منجماً على أسباب نزول كانت معلومة قبل بدأ الخلق فيمن ستنزل هذه الآيات فإن القرآن قد إكتمل وفيه كل شرائع من قبلنا ومهيمناً عليها  لذلك كل كلمة في كتاب الله تعالى وردت في موضع فقد وردت في موضع آخر تبين معناها ولا يتطابق هذا المعنى بين موارد الألفاظ المختلفة أبداً فالقرآن تدرجي البيان لكلماته و مثال على ذلك  الكذب في القرآن فهناك الكذب والإفك والإفتراء  والخرص  كلهم كذابون ولكن كل لفظ له معنى يوضح تدريجاً مراد الله منه فإذا قال عالم الإفك هو الكذب وسكت فلم يفهم مراد الله تعالى من اللفظ  فالكذب مادة أخرى وإن كانت من الكذب إيضاً  .

– فإن كانت قلب حقائق على الظن فهو إفك .

– وإن كان على سبيل  التخمين و الإختراع والتخليق للكذبة  فهو خراص .

– وإن كانت رجماً بالغيب وبلا علم يقيني  فهو مفتري . وكلهم كذابون يجتمعون على الكذب و هكذا كل ألفاظ القرآن من قال أن قاتل في حديث ” أمرت أن أقاتل الناس ” وجعلها كالقتل في كتاب الله  لم يفهم مراد الله تعالى و الفارق بينهما كبير ومختلف إذ قتل غير قاتل غير اقتتل . ومثال آخر في قوله تعالى {وإليه ترجعون } تختلف عن معنى إليه تقلبون فمن قال إليه تقلبون بمعني ترجعون وتوقف فهو معنى منقوص لم يصل فيه إلى مراد الله تعالى من الآية .

وبالتالي  :

لبيان معني هذه الكلمات لكي نستدل من خلالها  على مراد الله  تعالى منها تأتي مثلا  كلمة  إفك تأتي على حادث الإفك زمن الرسول صلى الله عليه وآله ثم تأت في موضع آخر لبيان معناها مثلاً في قول المفترين الذين افتروا على الله تعالى الكذب قائلين أن لله ولد سبحانه و تعالى عما يشركون { ألا إنهم من إفكهم ليقولون  ولد الله- الصافات 151}  أي من شدة كذبهم وترويجهم لهذه الكذبة .

كما أن قصص القرآن كله وما ورد في شأن أهل الكتاب لم يأتنا الله تعالى به إلا لنفهم مقصوده تعالى من الألفاظ الشرعية العقائدية ولنعلم مراد الله تعالى منها فمثلا  لا يجوز القول بأن قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون – المائدة } أنها نزلت في أهل الكتاب ولا شأن لنا بها وهذا لا يمكن أن يعتقده مسلم يؤمن بالله تعالى و بهذا الكتاب أن يقول هذا القول وهذا خطئ فاحش لأن القرآن لا يبينه إلا قرآن مثلة ثم حديث رول الله صلى الله عليه و آله والذي لن يختلف مع كتاب الله

وما نزل قصص القرآن إلا لبيان مترادفات القرآن وأحكامه ومن لم يلتزم بهذا القول فيكون قد فرق القرآن ووزعه على العالم ولن يبقى للمسلمين إلا عدة سور نؤمن بها مادام باقي القرآن لا يجب الالتزام به في البيان والعمل لأنه خاص بأهل الكتاب ويكون قد فرق القرآن وجعله عضين كما في قوله تعالى { كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهمأجمعين عما كانوا يعملون}

وهذا لا يقول به إلا كافر ببعض الكتاب مؤمنا ببعضه كما في قوله عز وجل  { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض- البقرة } ولأن كل القصص القرآني جاءنا  الله تعالى به للاعتبار وللبيان .

وقد خرج معنا في هذه السورة نفي نسب اليهود الآن القطعي إلى نبي الله يعقوب عليه السلام ويثبت القرآن أنهم أولاد قابيل الملعون قاتل أخيه وبينت السورة قصة الصراع بين المسلمين و بني إسرائيل علي بيت المقدس والمقدسات وانتزاعهم لها  ثم رد بيت المقدس إلى المسلمين بقيادةأهل بيت نبيهم (عليهم السلام) ومن تولاهم مرة أخري بعد أن يهدموا كل ما علا على الأرض وليتبروا ما علوا تتبيرا .

وبينت هذه السورة أن سبب هذه الإبتلاآت على المسلمين كانت أولها وسببها المباشر حكم المترفين وطرد آل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) من الخلافة والشوري منذ السقيفة ونحن نعاقب إلى الآن على هذه الجريمة حتى أصبحنا أمة مهددة بالزوال الفعلي و الحقيقي من على وجه البسيطة ومع ذلك يخرج علينا طائفة من الناس ليقولوا نحن خير أمة كما قالت بنو إسرائيل من قبل { نحن أبناء الله وأحبائه }  الموحدون  بعد أن  قتلوا أهل بيت نبيهم ووهدموا المساجد و قتلوا المسلمين بالسيف كقطاع طرق والآن أصبح قطع الطريق بالطائرات و وهدم مساجد أهل البيت بالصواريخ والمتفجرات وخطف الدول العربية  المستضعفة بأحدث التقنيات وفقاً لنفس فكرة {نحن ابناء الله وأحباؤه}  وكادوا يزولوا من على وجه الدنيا { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}  و ما زالوا يقولون نحن خير أمة وخير أمة جهلوا و نسوا بأن خير أمة هم أهل بيت النبي ومن تولاهم (عليهم السلام)  .

ويعدهم الشيطان ويمنهيم وما يعدهم الشيطان ألا غرورا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا بأنهم الخالدون وأنهم المنتصرون ونسوا أنه لانصر بغير ولاية الله الحق وهى ولاية لا تقوم على تقليد أباء وأجداد ولا آراء وأهواء في بيان الآيات يموهون فيها بالسلف الصالح  بعد أن فرقوا الأمة فهذا نقض لولاية الله الحق القائمة أولاً على كتاب الله تعالى ثم ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ولاية وإمامة أهل بيت النبي (عليهم السلام) وإن م يتوبوا إلى الله تعالى فالهلاك حتمي واقع بهم .

وعلو هذه الأمة الإسراع و الفرار إلى الله تعالى بالتوبة النصوح مما نعلمه ومما لا نعلمه قال تعالى { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين } .

وبينت كيفية النجاة عند مواجهة هؤلاء الظالمين. وهذه السورة جزء من تفسير ” النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ” أو ” تابوت السكينة ”  الذي شرعنا فيه منذ سنوات طويلة وهو مبين علي ترتيب النزول ببيان القرآن للقرآن الكريم بالكلمة كما بينا وعلى أسباب النزول وهذا أخرج لنا من القرآن العجائب والتي قال فيها سيد الخلق صلى الله عليه وآله (وهو الذي لا تنقضي عجائبه ) وقال فيه أيضاً صلى الله عليه وآله ( ” فيه نبأ من  كان قبلكم وخبر من سيأتي بعدكم”  ) وهنا قد بينا الخبر والنبأ فلا يتعجب متعجب قائلاً بأن هذا القول لم يقل به أحد من قبل خاصة في أمر بني إسرائيل وصراعهم على بيت المقدس مع المسلمين وأهل بيت النبي عليهم السلام وشيعتهم  وبيان السورة لهذا الأمر  بالتفصيل . يقول تعالى { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } و الحجة في الكتاب والسنة النبوية المطهرة ولا حجة لقول أحد أو فعله بعد قول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وأهل بيته (عليهم السلام) .

وجاء ترتيب هذه السورة السابع والأربعين في التنزيل . وبعد هذه المقدمة البسيطة الميسرة أهدي هذا العمل إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من محبي الله تعالى ورسوله و  آل بيته الكرام (عليهم الصلاة والسلام) وصحابته الأطهار الكرام الذين ضحوا بدمائهم وأموالهم وأنفسهم في سبيل هذا الدين القويم وأقدمه بين يدي الله تعالى و رسوله صلي الله عليه وآله مستشفعاً به إلي الله عز وجل لعله تعالي يكشف الغمة عن الإسلام والمسلمين المستضعفين في العالم أجمعين .

 

هذا

 وبالله التوفيق وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

الشريف   خالد محيي الدين الحليبي

مدير

مركز القلم للأبحاث والدراسات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين في العالم لا سيما المسلمين والتحذير من أعداء البشرية والإنسانية و تثقيف المسلمين وتعريفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم وماهم مقبلون عليه في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها .

شاهد أيضاً

المجلد (2) من تفسير البينة (النبأ العظيم)

الجزء الثاني  الفهرس : 4- سورة المزمل 5- سورة المدثر 6- سورة الفاتحة 7- سورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *