“روحاني محظوظ إن بقى بمنصبه حتى الخريف”.. التجار يقودون الاحتجاجات ويغلقون مئات المحلات في طهران

لليوم الرابع على التوالي، أغلق مئات التجار في الشوارع المقنطرة لبازار طهران محالهم؛ احتجاجاً على انخفاض سعر العملة المحلية، وارتفاع الأسعار، وتوقُّف عمليات البيع والشراء، والتي تحولت إلى مظاهرات مناهضة للنظام. وهو ما يقول عنه حلفاء حسن روحاني، الرئيس الإيراني المعتدل، إنها محاولة يُحرِّكها المُتشدِّدون للإطاحة به من منصبه.

ودعا المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، إلى التصدي لمن يحاولون تخريب أمن الاقتصاد في البلاد. جاء ذلك غداة اضطرابات شهدتها طهران جراءَ انهيار قيمة العملة المحلية مؤخراً. من جهته، قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف إن المهلةَ المتاحة للاتحاد الأوروبي لإعلان موقفه من الاتفاق النووي تنتهي الأسبوع المقبل.

الأمن الإيراني لم يكن بعيداً عن المحتجين، فقد هاجمت القوات المحتجين يوم الثلاثاء 26 يونيو /حزيران 2018، بالقرب من سوق الذهب في طهران، حيث أطلقت أعيرة مطاطية.

ونقلت صحيفة The Financial Times البريطانية، في معرض تغطيتها الاحتجاجات الإيرانية الجديدة، عن بعض التجار قولهم: « إننا مُجبَرون على إغلاق محالنا. أرسلت مراكز القوى المناهضة لروحاني عملاءها إلى البازار. يبدو أن هناك خطةً لجعل روحاني ضحيةً للأزمة الاقتصادية الحالية ».

موقف « الحرس الثوري » من الاحتجاجات

ونقلت وكالة أنباء فارس عن قائد كبير بالحرس الثوري الإيراني قوله، الأربعاء 27 يونيو/حزيران 2018، إن من الواجب على جميع الإيرانيين مساعدة الحكومة في التغلب على المشكلات الاقتصادية.

المشكلة الاقتصادية ليست جديدة بطبيعة الحال، لكن قرار الولايات المتحدة الأميركية الانسحاب من الاتفاق النووي، في مايو/أيار 2018، تسبب في تفاقم الأزمة الاقتصادية، خاصة بعد إبلاغ واشنطن حلفاءها وقف واردات النفط الإيراني.

 

وقال الجنرال يحيى رحيم صفوي، وهو أيضاً مستشار كبير للزعيم الأعلى الإيراني، الأربعاء 27 يونيو/حزيران 2018: « من واجبنا جميعاً أن نعمل معاً لمساعدة حكومتنا الموقرة وبقية الفروع الحكومية في حل المشكلات الاقتصادية »، وفقاً لوكالة الأنباء.

البازار ودوره الجوهري في الاحتجاجات الإيرانية

يُعتبر بازار طهران الكبير القلبَ التجاريَّ النابض للعاصمة، وهو أثر تاريخي يعود بناؤه إلى 4 قرون خلت، وقد كان -وما يزال- مركزاً هاماً لأي نشاط اقتصادي وسياسي وحتى ديني.

وهو الشريان الأساس للعمليات التجارية في إيران، ومَعلم أثري ولوبي اقتصادي، ينشط فيه نحو 400 ألف من تجار السوق والحرفيين، يسيطرون على ثلثي التجارة بالبلاد. سوق للذهب وآخر للسجاد والبزازين، وأكثر من 100 قسم تشكل جميعها القلب التجاري لإيران منذ العهد الصفوي، بقي في العصور الإيرانية المتوالية، قوةً اقتصاديةً تؤثر في السلطة والمجتمع.

سوف يكون روحاني محظوظاً إذا ظلَّ بمنصبه حتى الخريف

من خلال سيطرة البازار على التجارة في إيران، استطاع تجاره -المعروفون باسم « البازاريين »- التأسيس لشبكة قوية من الفعاليات الاقتصادية، حيث يعمل هؤلاء التجار بوصفهم طبقة اجتماعية مستقلة بحد ذاتها، ويسعون لترسيخ وجودهم في المجتمع المدني الإيراني، عن طريق الدعم الهائل للسلطة السياسية للشعب الإيراني، ومن خلال تمويلهم التحركات الجماهيرية مثل الثورة الدستورية في عام 1905، وحركة عام 1953 لتأميم صناعة النفط الإيرانية.

وسبق أن قدم البازاريون دعماً واسعاً للثورة الإسلامية، وعلى وجه الخصوص لقائد الثورة آية الله روح الله الخميني، وكانت مساعداتهم تهدف إلى تمويل الفرقاء بغية ثباتهم في حركتهم الثورية.

وفي العديد من الحالات، حشد البازاريون في جميع أنحاء البلاد الأموال والرجال، وموَّلوهم ليَثبتوا في احتجاجاته.، وفي عام 1977، على سبيل المثال، تكفَّل البازاريون بتغطية رواتب أساتذة جامعة أريامهر بحيث يستطيع المتظاهرون تحمُّل استمرارية عقوبة توقُّف دفع الرواتب.

يقول مُحلِّلون إنه في هذه الأثناء، يحتل البازار بؤرة الصراع الشديد على السلطة بين القوى المؤيدة للإصلاحيين -المتحالفين مع روحاني- والمُتشدِّدين المتمركزين بدرجةٍ كبيرة في صفوة قوات الحرس الثوري الإيراني وبالقضاء. وتنتشر شائعاتٌ تشير إلى تدخُّل الجيش للسيطرة على الحكومة، في حين تعهَّد روحاني، الأربعاء 27 يونيو/حزيران 2018، بالبقاء في منصبه.

أميركا العدوُ الجامعُ للإيرانيين، لكن الأوضاع الاقتصادية لا تعرف المحاباة

على الرغم من أن قادة إيران تظاهروا بإبداء وحدتهم ضد الولايات المتحدة -التي انسحبت في الشهر الماضي (مايو/أيار 2018) من الاتفاق النووي الدولي الذي وُقِّعَ في عام 2015- فإنه توجد اختلافاتٌ جوهرية حول مستقبل النظام الثيوقراطي وأي مفاوضات مستقبلية مع « خصمهم اللدود ».

هذا وطالب الرئيس دونالد ترمب إيران بوقف تدخُّلها في الشرق الأوسط والتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية الخاص بها. إلا أنه ترك الباب مفتوحاً أمام المحادثات ما دامت طهران تتوقَّف عن التدخُّل في شؤون المنطقة. تُظهِر إيران التحدي علانية، لكنَّ مُحلِّلين يشككون في قدرتها على مقاومة العقوبات الأقوى على المدى الطويل.

وفي 15 مايو/أيار 2018، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على إيران، تستهدف 4 أشخاص على علاقة بالحرس الثوري الإيراني و »حزب الله » اللبناني. ومن بين الأشخاص الذين استهدفتهم العقوبات الجديدة محافظ البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف.

وشملت العقوبات بنك « البلاد » الإسلامي، ومقره العراق، بحسب ما ذكرته وزارة الخزانة الأميركية على موقعها الإلكتروني بالإنترنت.

وقال مُحلِّلٌ سياسي ذو فكر إصلاحي: « يبدو أن المُتشدِّدين يعتقدون أنهم ربما ليس أمامهم خيارٌ سوى التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنهم لا يريدون أن يكون روحاني الشخص الذي يفعل ذلك. ومن الغريب أيضاً أن روحاني لا يفعل الكثير، كما لو أن الحكومة هي الأخرى تريد أن تُخرج الأزمة عن السيطرة؛ كي يُجبَر المُتشدِّدون على قبول تنازلاتٍ كبيرة ».

يشتري الناس السلع الأساسية فقط هذه الأيام أو يُحوِّلون مدخراتهم إلى عملاتٍ ذهبية

يُتوقَّع أن يتعرَّض الاقتصاد الإيراني لمزيدٍ من التدهور. وسوف تعيد الولايات المتحدة، في أغسطس/آب 2018، فرض قيود على قدرة إيران على شراء الدولار الأميركي، إضافة إلى القيود التي سوف تفرضها على أيِّ تبادلٍ تجاري عبر أيٍّ من الأصول الإيرانية من الذهب، والفحم، والصلب، والسيارات، والعملة، والديون.

في وقتٍ لاحق من العام الجاري (2018)، سوف تفرض الولايات المتحدة عقوباتٍ على صادرات النفط والطاقة للجمهورية الإسلامية، إضافة إلى الشحن والموانئ، وتعاملات البنك المركزي.

تسبَّبَت « الحرب التجارية » مع الولايات المتحدة -حسبما يُفضِّل المسؤولون الإيرانيون أن يصفوها- في هزةٍ للأشخاص العاديين ومجتمع الأعمال. يتوقَّع كثيرون مزيداً من الألم خلال الأشهر المقبلة عندما يبدأ سريان العقوبات الجديدة. انخفض سعر الريال الإيراني بالفعل 50 في المائة أمام الدولار في هذا العام (2018).

ورفعت تدابير الطوارئ التي انتهجتها الحكومة -من خلال تخصيص جزء كبير من العملة الصعبة لاستيراد السلع الأساسية وفرض حظر على مئات السلع المستوردة، وضمنها السيارات- أسعار العديد من المنتجات. على سبيل المثال، صُدِمت المراكز التجارية، التي تعتمد على السلع الاستهلاكية المستوردة ومن ضمنها الملابس والأحذية، عندما فُرِضَ حظر الاستيراد بين ليلة وضحاها خلال الأسبوع الماضي.

وفي غضون ذلك، يسحب العديد من الأشخاص مدخراتهم من العملة المحلية ويشترون الذهب والعملة الصعبة، والعقارات، والسيارات، في محاولةٍ منهم لحماية أصولهم.

قال صاحب متجرٍ يبيع أباريق الضغط الفرنسية لصناعة القهوة: « يشتري الناس السلع الأساسية فقط هذه الأيام أو يُحوِّلون مدخراتهم إلى عملاتٍ ذهبية. لا يوجد سببٌ لفتح محالنا بينما لا نستطيع بيع منتجات جديدة باهظة للغاية؛ بسبب أسعار الدولار، وليس لدينا زبائن لها ».

أين تقف المعارَضة من الأوضاع الاقتصادية؟

استغل المُتشدِّدون المعارضة الشعبية الناشئة لإلقاء اللوم على الرئيس. وفي مطلع الأسبوع الجاري، قال رحيم صفوي، الرئيس السابق للحرس الثوري الإيراني: « أحياناً، يبدو أن البلاد سوف تُدار بصورةٍ أفضل من دون حكومة (روحاني) ».

أعقبت تعليقات صفوي، وهو أيضاً مستشارٌ بارز للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، أصواتٌ أطلقها بعض أعضاء البرلمان المتشددين تطالب بتوجيه اتهامات إلى روحاني.

إذ قال النائب أمير خوجاسته، يوم الإثنين 25 يونيو/حزيران 2018: « إننا نعطي الحكومة 10 إلى 15 يوماً لتعطينا خطة لمواجهة مكائد العدو في الحرب الاقتصادية. وإلا… فسوف نبرز افتقار الرئيس إلى « الكفاءة » (عبر توجيه الاتهام). وهذا من أجل تلبية المطلب الشعبي، ولن نتراجع عن هذا حتى خطوة واحدة ».

ليس واضحاً إذا ما كان المُتشدِّدون -الذين يُقدِّمون ولاءهم التام للمرشد الأعلى- يحاولون في الواقع الضغط عليه للموافقة على تغييرٍ مُبَكِّرٍ للحكومة؛ إذ يبدو مرشدهم حتى هذه اللحظة، داعماً للرئيس وفريقه في الخطابات العامة.

وقال أحد المُطَّلِعين على مجريات الأمور داخل النظام، وهو قريبٌ أيضاً للمرشد الأعلى، إن « آية الله خامنئي لا يزال ضد إسقاط روحاني ».

في حين قال مُحلِّلٌ إصلاحي: « سوف يكون روحاني محظوظاً إذا ظلَّ في منصبه حتى الخريف. فالأزمة الحالية قائمة قبل سريان العقوبات الأميركية، فضلاً عن ذكر (ما سيحدث) عندما تبدأ في إلحاق الضرر ».

عن مركز القلم للأبحاث والدراسات

يهتم مركز القلم للأبحاث والدراسات بشؤون المستضعفين في العالم لا سيما المسلمين والتحذير من أعداء البشرية والإنسانية و تثقيف المسلمين وتعريفهم بحقائق دينهم وما خفى عنهم وعن وحضارتهم وماهم مقبلون عليه في ضوء علامات الساعة المقبلون عليها .

شاهد أيضاً

الخارجية الإيرانية : للشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة الحق القانوني بالرد على عدوان الكيان الصهيوني .. و أنصار الله تدين العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

المنار : دانت طهران بشدة “العدوان الوحشي لنظام الفصل العنصري الصهيوني على غزة واغتيال قادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.