الدين والسياسة في فكر الثورة الإسلامية الإيرانية .. قراءة في الخطاب والتجربة

بقلم : حسین خضر

“إن الاسلام العظيم هو دين التوحيد ومحطم الشرك والكفر وعبادة الاصنام وعبادة النفس (الشهوات)، وهو دين الفطرة والخلاص من قيود الطبيعة ودسائس الشيطان من الجن والانس، في العلن والخفاء ودين السياسة السلمية والهادي الى الصراط المستقيم … انه لا شرقية ولا غربية دين عبادته سياسة وسياسته عبادة”.

هكذا يقول الامام روح الله الخميني مفجر الثورة الاسلامية ومؤسس الجمهورية الاسلامية في ايران في بيان له في التاسع والعشرين من شهر ايلول ـ سبتمبر من عام 1979. وبقدر ما ينطوي هذا القول على نزعة ثورية كما يبدو للبعض سيما وان عمر الانتصار التأريخي لم يتجاوز حينذاك عشرة شهور، فانه يؤشر لحقيقة انطلقت منها الثورة منذ بواكيرها. الاولى: حينما واجه الامام الراحل النظام الشاهنشاهي المتسلط في عام 1963 عبر خطابه الشهير في باحة المدرسة الفيضية بمدينة قم المقدسة، وكانت تلك الحقيقة هي المحفز الاول.

والاخير: صناعة الحدث التأريخي في الثاني عشر من شباط 1979، وكانت المرتكز الذي ضمن استمرار مسيرة الثورة واحباط كل المؤامرات الاستكبارية التي سعت الى احتوائها وتهميشها واستيعابها في زوايا ضيقة بعدما تبين استحالة القضاء عليها بالكامل.

البعد الديني والانساني المشترك

وطبيعي ان لاي ثورة ابعاد ومعطيات او مرتكزات لابد ان تكون نابعة من الواقع المجتمعي ومتطلبات ذلك الواقع استحقاقاته وضروراته حتى تستطيع ترجمة شعاراتها الى ممارسات عملية على الارض اولاً؛ والتعبير عن طموحات وتطلعات كافة الشرائح والتيارات الاجتماعية ثانياً، ومن ثم وهذا ثالثاً لكي تكون صادقة مع نفسها ومع ابنائها ولا تتحول الي مشروع استبدادي يفضي الى تسلط الاقلية على الاكثرية. فالثورة الفرنسية باعتبارها مثلث نقطة تحول من مرحلة الى مرحلة اخري رفعت شعارات الحرية والاخاء والمساواة واعتبر زعماء الثورة انها ـ اي تلك الشعارات ـ تعكس المحتوي الحقيقي لمشروع التغيير الشامل، وتعبر عن اماني ورغبات الكثيرين ممن رزحوا تحت نير الاستبداد والتسلط عقوداً من الزمن.

وكذلك الحال مع الثورة البلشفية التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية والقضاء على التمايز الطبقي بين الفئات المختلفة فهي جاءت لتضع حداً لمظاهر سلبية طبعت واقع المجتمع طيلة الحقبة القيصرية في روسيا واستخدمت في ذلك خطاباً ثورياً نجحت من خلاله في استقطاب وتجنيد الملايين في داخل روسيا وخارجها لمواجهة الرأسمالية المتوحشة التي شطرت العالم الى جزئين الاول غني ومترف ومرفه، ويمسك بكل ادوات القوة والنفوذ والهيمنة، والاخر فقير ومعدم ومسلوب الارادة لايملك من امره شيئاً. ولكن كلا الثورتين الفرنسية والبلشفية اسقطتا الدين من اعتباراتهما، بل انهما كانت في حقيقة الامر بمثابة رده فعل قوية على الديانة المسيحية التي مثلتها في فترة من الزمن الكنيسة ووظفت من قبل السلطات السياسية الحاكمة لأحكام قبضتها على المجتمع والحفاظ على مصالحها وامتيازاتها. هذا الاسقاط للدين افرز نتائج خطيرة للغاية لانه احدث شرخاً واسعاً في مناهج التفكير وتجاوزاً على الثوابت وبالتالي افضي الى ازمات ـ تجاذبات ـ حادة في داخل الكيانات الاجتماعية فضلاً عن كون تلك الثورتين لم تلتزما بالشعارات التي جاءتا بها بحيث حصل انحراف في المسار التطبيقي للانتقال من مرحلة النظرية الى التطبيق.

المساحة الاوسع للمعنوي والاخروي

وهنا يبرز وجه الاختلاف بينهما وبين الثورة الاسلامية الايرانية التي فجرها الامام الخميني رضوان الله تعالي عليه التي حملت شعار نصرة المستضعفين ومقارعة الاستكبار وتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع وتحكيم دين الله (یعنی  الاسلام)، في كافة مناحي الحياة؛ فالامام يؤكد على ان الاسلام دين السياسة بشؤونها. ويظهر ذلك لمن له ادنی تدبر في احكامه الحكومية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية..

ومن توهم ان الدين منفك عن السياسة فهو جاهل لم يعرف الاسلام ولا السياسة. واذا كانت الفلسفات السياسية المختلفة الرأسمالية والاشتراكية والقومية وغيرها ركزت على الاعتبارات المادية الصرفة استناداً الى منطق الربح والخسارة مع اهمالها لمعظم الجوانب المعنوية ـ الانسانية، فإن المجال السياسي الذي تحرك الامام الخميني في اجوائه لم يكن ينطلق فيه بلا استناد الى رؤية واضحة لمتطلبات التغيير الاجتماعي، بل على العكس من ذلك فإن الممارسة السياسية التي تمثلها الامام الراحل تفصح بما لايقبل الشك عن اسس متينة ومباديء انسانية واسلامية شاملة ومستوعبة كانت تنطلق منها هذه الممارسة بمختلف صورها ومراحلها. بعبارة اخري يمكننا القول ان خطاب الثورة الاسلامية الذي امتاز بالعمق والموضوعية والشمولية على الصعيد الفكري والعملي ادي الى تعرية الخطاب ـ او الفهم ـ التقليدي للسياسة سواء باعتبارها واحدة من العلوم الانسانية او منظوراً اليها كجملة ممارسات لادارة وتنظيم شؤون المجتمع الانساني وتأمين مصالحه.

فلم يعد الدنيوي ـ المادي يحتل كل المساحات والزوايا مثلما هو حاصل في شتى بقاع العالم حيث تحكم الانظمة العلمانية قبضتها على مقدرات الشعوب، بل ان الاخروي ـ المعنوي بات يوازي الدنيوي ـ المادي في الواقع وحجم التاثير ونطاق الاهتمام، وفي هذا السياق يقول الشهيد مرتضي المطهري ان منطق الاسلام هو تطبيق المعنوية والعدالة معا في المجتمع، ففي المجتمع الذي يخلو من العدالة، نری الاف الالوف من المرضى النفسيين. ويضيف ان ثورتنا ـ في المستقبل ـ تحتاج بجانب العدالة الاجتماعية بمقياسها الاجتماعي، الى معنوية واسعة شاملة كتلك المعنوية التي رأينا نظائر منها في النبي والائمة الاطهار عليهم السلام.

ولعل ما منح الثورة الاسلامية الايرانية بعداً شمولياً عالمياً هو تمسكها بأصول الاسلام المحمدي الاصيل من جانب، واهتمامها بالانسان الفرد باعتباره محور التفاعلات الاجتماعية؛ حيث ان الانسان في الرؤية الفلسفية للامام الخميني مجلل بتصوير عرفاني متسام لهذه الحقيقة الوجودية التي يعتبرها الامام خلاصة كل موجودات العالم، والانسان ايضاً في التصور الذي يقدمه عنه الامام الخميني مشروع لتنازع الخير والشر وهو دائماً مخير في الاستجابة لكلمة الله او نداء الشيطان. وينطلق الامام رضوان الله تعالي عليه في تاكيده على ضرورة صبغ المجتمع الانساني بصبغة قائمة على الايمان بالله عزوجل والتسليم اليه من خلال اعتقاده الجازم بارتباط كل مشاكل وازمات الانسانية الدينية والدنيوية بأفتقاد الانسان البعد الاخلاقي في حياته وممارساته.

الثقة العالية بالأمة

ويری بعض المفكرين انه “اذا ما اردنا ان نفحص الخطاب الخميني تجاه الامة فاننا سنجد ان اهم ما يميز هذا الخطاب هو ثقته الكبيرة بالامة في شتي الظروف والمواقف، حتى انك تشعر بالمديونية العظمى التي لايتردد صاحب هذا الخطاب في الاعتراف بها للامة، فهي التي ينبغي ان يعترف لها بالفضل في كل ما تحقق من نجاحات وانجازات بقوله كل مالدينا هو من هذه الامة، غاية الامر انه من تلك الامة التي بنداء الله اكبر فعلت ذلك”.

وإزاء ذلك فانه ليس غريباً ان نجد ان كل القراءات الموضوعية ـ العلمية للثورة الاسلامية قد وصلت الى نتيجة مفادها ان تلك الثورة تجاوزت في سعتها وشموليتها واهتمامها بالانسان انطلاقاً من الدين كل ما سواها من الثورات في التاريخ الحديث والمعاصر، ونجحت ايما نجاح في بلورة خطابها الايديولوجي على ارض الواقع، واعتبرت بحق تجربة رائدة قل نظيرها. ومما يعزز هذا القول ويثبته هو ذلك التاثير الكبير الذي تركته على الكثير من الشعوب خلال فترة زمنية قصيرة حيث أقر به الاعداء قبل الاصدقاء رغم ان الثورة واجهت ومازالت مؤامرات ومخططات كبري تستهدف تحجيمها واحتوائها.

ليس هذا فحسب، بل ان حركة الصحوة الاسلامية التي اجتاحت العالم الاسلامي خلال عقدي الثمانينات و التسعينات وغدت ظاهرة مهمة للغاية وجديرة بالدراسة والتأمل لم يكن لها ان تتنامي وتتسع بهذه الصورة لولا خطاب الثورة الاسلامية العميق بمضامينه الانسانية والدينية الثرة وبتلك التجربة التاريخية الرائدة التي قادها الامام الخميني الراحل في فترة بدا للكثيرين فيها ان من الصعب احياء دور الاسلام مرة اخري في ظل سيطرة النزعات والاتجاهات المادية المختلفة والصراعات المستمرة فيما بينها.

فالواقع القائم حالياً يشير الى ان حركة الصحوة الاسلامية لم تعد مجرد مفهوم نظري، وانما خيار لابد منه لنصرة الاسلام واقامة حكم الله في الارض والعودة الى الاصول والمنطلقات السليمة للرسالة السماوية التي جاء بها الرسول الاكرم محمد بن عبدالله صلي الله عليه وآله وسلم. وهذا الواقع ذاته اكد بما لايقبل الشك ان الثورة الاسلامية اختزلت المسافة بين النظرية والتطبيق الى حد كبير وأزالت الحواجز بين الحكام والمحكومين كما كانت عليه الحال في عهد الرسول الاعظم صلي الله عليه وآله وسلم وجاءت بمفهوم وفهم جديد ـ قديم للسياسة وعلاقتها بالدين حطم الاطر التقليدية للنظريات والافكار التقليدية القائلة بفصل الدين عن السياسة او الاحتكام الى مقولة “مالله لله وما لقيصر لقيصر”، ومن ثم فإن الثورة الاسلامية اسست لبداية مرحلة تاريخية جديدة غدا الدين ـ الاسلام يحتل فيها مساحات واسعة من التأثير والفاعلية والقدرة على الاصلاح والتغيير ودعم جهاد المستضعفين في التحرر والخلاص من التسلط والاستبعاد والاستبداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *