«المنصوراصورس».. قصة الديناصور المصري الذي غير وجه التاريخ الطبيعي

شفقنا- شكلت الديناصورات مرحلة زمنية طويلة في عمر الأرض، بأحجامها العملاقة، وسمعتها المخيفة كوحوش ضارية كان وجودها ليحول حياة البشر إلى كابوس حقيقي إذا سمحت الظروف لها بالبقاء، لكن لحسن حظ البشر فإن الديناصورات قد انقرضت إلى الأبد قبل ملايين السنين من وصول البشر، بل إن انقراض الديناصورات والكثير من الزواحف في العصر الطباشيري كان أحد الأسباب الرئيسية لازدهار الثدييات التي تطور من أحد فروعها أسلاف البشر الأوائل، بحسب النظريات العلمية.

الديناصورات.. لغز يحتل مخيلة البشر
دائمًا ما كان صعود الديناصورات وازدهارها لملايين السنين، ثم اختفاؤها المفاجئ، دافعًا لطرح الكثير من الأسئلة التي لم يكن الإجابة عنها مفيدًا فقط لمجالات الجيولوجيا وتاريخ الأرض، لكنها كانت كذلك عاملًا مهمًا في فهم تاريخ تطور الكائنات الحية بشكل أكثر وضوحًا وتفصيلًا.

مع ذلك، كانت هناك حلقات كثيرة مفقودة في قصة الكائنات الأضخم في تاريخ الكوكب، إحدى أهم تلك الحلقات كانت الفترة الزمنية ما بين 66 – 94 مليون سنة، التي مثلت في نهاية العصر الطباشيري في القارة الأفريقية، وقد فشلت كل الجهود التي بُذلت في العقود الأخيرة لحل هذا اللغز، إلى أن جاء فريق من الباحثين المصريين في جامعة المنصورة ليكتشفوا حلًا حظي باهتمام المجتمع العلمي في العالم.

نجح الفريق المصري، بقيادة الدكتور «هشام سلام»، في اكتشاف أول هيكل شبه مكتمل في مصر والقارة الأفريقية يوثق هذه الفترة الممتدة، ويكشف اللثام عن لغز حقيقي ظل يهدد معرفتنا عن هذه المخلوقات المهيبة لعقود متتالية. واكتشف الفريق هيكل الديناصور في الواحات الداخلة بالصحراء الغربية المصرية، وسُمي الديناصور باسم «منصوراصورس» (Mansourasaurus) ويحمل الرقم العلمي (MUVP-200) الذي يشير إلى الحروف الأولى لاسم «مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية» باللغة الإنجليزية، ونشر البحث الذي أعده الفريق في مجلة «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن» العلمية صاحبة السمعة العالمية.

ويعتبر «المنصوراصورس» من الديناصورات آكلة النباتات، وقد عاش هذا الديناصور قبل 80 مليون عام، وكان حجمه صغيرًا مقارنة بأنواع الديناصورات آكلة اللحوم العملاقة والتي عاشت من قبل، وبلغ طوله 10 أمتار وهو ما يوازي طول شاحنة نقل الركاب، بينما وزنه حوالي خمسة أطنان، وهو ما يعادل وزن فيل أفريقي. امتلك «المنصوراصورس» عنقًا طويلة مكنته من الحصول على الأوراق من الأشجار شاهقة الطول، بينما تزين جلده بزوائد عظمية كانت منتشرة بكثرة في أنواع الديناصورات في تلك الحقبة.

يحكي الدكتور هشام سلام عن لحظات اكتشاف «المنصوراصورس»، فيقول: «كان مثيرًا لطلابي كشف الرمال عن عظمة تلو الأخرى، حيث أخبرتنا كل قطعة استخرجناها عن هوية هذا العملاق»، بينما يقول الباحث المساعد، «مات لامانا»، الباحث في متحف كارنيجي للتاريخ القومي: «كانت هذه الكأس المقدسة. ديناصورًا محفوظًا بشكل جيد من نهاية عصر الديناصورات في أفريقيا هو ما كنا نبحث عنه لوقت طويل، وقت طويل للغاية».

بداية الحدث
عمل الدكتور «هشام سلام» مع طلابه أعضاء الفريق البحثي النسائي المكون من الدكتورة «إيمان الداوودي»، والدكتورة «سناء السيد» والدكتورة «سارة صابر»، الباحثات في جامعتي المنصورة وأسيوط. وقالت الدكتورة إيمان إنهم كانوا يعملون على اكتشاف بقايا الديناصورات في الصحراء الغربية منذ عام 2008، ولم ينجحوا في اكتشاف أي هياكل كاملة قبل اكتشاف «المنصوراصورس».

في المقابل، انحصرت اكتشافات الفريق في أجزاء مبعثرة من الهياكل العظمية، أو فقرات عظمية صغيرة، وقالت إيمان: «الديناصور المكتشَف عُثر عليه، بعد رحلة طويلة من البحث في المكاشف بالواحات الداخلة – طبقات من الصخور الرسوبية تحتفظ ببقايا الكائنات الحية -، وكان موجودًا في طبقة من صخور الطين تدعى (shale)».

إعادة بناء الهيكل العظمي للمنصوراصورس. العظام الملونة هي المكتشفة في الأحفورة، وباقي العظام بُنيت مقارنة بأقارب الديناصور التي وجدت هياكلها مكتملة في بقاع أخرى. المصدر:sciencedaily.com
كان على الفريق وقتها التخييم في الصحراء لمدة وصلت إلى ثلاثة أسابيع في نفس المكان الذي تم فيه الاكتشاف، مواجهين العواصف الرملية وبرودة الجو القارسة ليلًا، وأشعة الشمس الحارقة نهارًا. أحضر الفريق كذلك كل الأدوات اللازمة في عملية الحفر والتنقيب، وحفظ الحفريات من التدمير، كذلك أحضروا أنواعًا من الصمغ المعالج خصيصًا لحفظ العينات المستخرجة؛ ليتوج الفريق بعد جهد شاق باكتشاف حفرية كاملة لديناصور تكمل فراغًا زمنيًا يصل إلى 30 مليون سنة.

«المنصوراصورس» وتاريخ جديد للعلاقة بين قارات العالم القديم
يحكي الدكتور سلام عن بداية الشراكة في الجزء البحثي، مع باحثين من الولايات المتحدة الأمريكية هم: «إريك جورساك» من قسم العلوم البيولوجية في جامعة أوهايو، و«باتريك م. أوكونور» من متحف التاريخ الطبيعي بشيكاغو، و«جوزيف جيه. دبليو. سرتيش» من قسم علوم الأرض في متحف التاريخ الطبيعي في دنفر، و«إيريك ر. سيفرت» من قسم العلوم التشريحية التكاملي في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، إضافة إلى «ماثيو لامانا» من متحف كارنيجي للتاريخ الطبيعي.

اجتمع الطرفان عبر تطبيق «سكايب» (Skype) عبر الإنترنت؛ لتتضح الصورة ببطء كاشفة عن الاكتشاف التاريخي الذي يتعاملون معه. يقول الدكتور سلام: «أعتقد أن معظمنا توقعوا أن يكون المنصوراصورس عضوًا في عائلة سلف قديم للغاية في القارة الأفريقية، علمًا بأن القارة يفترض أن تكون قد انفصلت في العصر الطباشيري، لكنه تبين أنها كانت تنتمي، بشكل ما، إلى الصربوديات الأوروبية – وهي ديناصورات تتميز برقبة طويلة وعنق ممتد كانت منتشرة بأوروبا -، وهو الأمر الذي شكل أول دليل حاسم على تحرك الديناصورات بين أفريقيا وأوروبا في الفترة الأخيرة للعصر الطباشيري».

أعضاء الفريق من اليسار: سناء السيد، إيمان الداوودي، مي الأمير، سارة صابر، فرحات إبراهيم، يقومون بكشف أجزاء من الهيكل العظمي. المصدر: الصفحة الشخصية للدكتور سلام على فيس بوك.
فتح هذا الاستنتاج المذهل الكثير من الأسئلة التي لن يُجاب عنها سوى بالمزيد من البحث عن هذه النوعية من الحفريات في الأرض المصرية. أثبت هذا الاكتشاف مدى النقص الذي يعتري المعرفة البشرية عن الفترات الزمنية المتأخرة للعصر الطباشيري. يعتقد العلماء أنه في معظم فترات العصرين الترياسي والجوراسي، وهي السنوات الأولى لظهور الديناصورات، كانت قارات العالم متحدة في هيئة قارة واحدة كبيرة تسمى «بانجيا». بعد ذلك، وفي العصر الطباشيري، بدأت القارة بانجيا في الانقسام والتحرك للتشكل على الهيئة الجغرافية التي نعرفها الآن.

العالم القديم.. قارة واحدة يسكنها العمالقة
كانت حقيقة ارتباط القارة الأفريقية جغرافيًا بنصف الكرة الأرضية الجنوبي وأوروبا خلال تلك الفترة؛ مبهمة إلى درجة لا تسمح للعلماء بالتأكد مما إذا كانت الحيوانات الأفريقية قد عُزلت عن أقاربها لتأخذ مسارها التطوري الخاص، والذي سيختلف طبقًا لبيئتها الجديدة.

سمح الاكتشاف الجديد، عند فحص عظام «المنصوراصورس»، بتأكيد صلة قرابة الديناصور الجديد لديناصورات أوروبا وآسيا، أقرب من ديناصورات جنوب أفريقيا والقارة الأمريكية الجنوبية. أثبتت هذه الحقائق أن ديناصورات ذلك العصر استطاعت التحرك بين أفريقيا وأوروبا قبل انقراضها بفترات قريبة.

يقول الدكتور لامانا: «يثبت هذا أن أفريقيا لم تكن ذلك العالم الغريب لديناصورات عاشت فيه بشكل حصري. وأن هناك على الأقل بعض الديناصورات الأفريقية كانت لها صلات قرابة بقارات أخرى في ذلك الوقت».

الدكتور سلام في الوسط، عن يساره إيمان الداوودي، وسناء السيد عن يمينه، أثناء عملهم في الموقع. المصدر: الصفحة الشخصية للدكتور هشام سلام على موقع فيس بوك.
ينتمي «المنصوراصورس» إلى عائلة «تيتانورسوريا»، وهي عائلة من الديناصورات العاشبة  طويلة العنق التي كانت شائعة بشكل كبير في كل قارات العالم القديم أثناء العصر الطباشيري. كانت هذه العائلة تتميز بالأحجام العملاقة، والتي تعتبر أضخم الحيوانات التي عاشت على وجه الأرض يومًا، لكن هناك ثمة فارق بينها وبين «المنصوراصورس» المصري المكتشف مؤخرًا.

تكمن الأهمية القصوى للديناصور المصري في كونه الديناصور الأول المكتشف بشكل كامل لعائلته في القارة الأفريقية، فقد اكتشف الفريق الفك السفلي وأجزاء من الجمجمة، إضافة إلى الرقبة وفقرات الظهر، ومعظم عظام الكتف والصدر وأجزاء من القدم، وأجزاء من الألواح العظمية الجلدية محفوظة بشكل جيد. كانت كل البقايا الموجودة لهذه العائلة عبارة عن أسنان وعظام معزولة، وبفضل «المنصوراصورس» تغير هذا الواقع إلى الأبد.

ديناصورات مصر القديمة.. خطوات جديدة للباحث المصري
تمتلك الأراضي المصرية تاريخًا مبشرًا بشأن الحفريات الخاصة بالديناصورات، بدأت الإثارة عندما اكتشف العالم الألماني «إرنست سترومر» عام 1912 هيكل ديناصور، من الديناصورات آكلة اللحوم، من نوع «سبينوصور إيجيبتيكاس» في صحراء مصر الغربية، وتوالت بعدها اكتشافات الديناصورات في صحارى مصر التي وصلت إلى خمسة ديناصورات قبل «المنصوراصورس». لم يكن مصير تلك الحفريات موفقًا حيث نُقل معظمها إلى ألمانيا، ليتم تدميرها بشكل كامل مع حفريات أخرى، أثناء الحرب العالمية الثانية.

يرى الكثير من الباحثين أن ما اكتُشف لا يجب أبدًا النظر إليه على أنه نهاية المطاف بالنسبة للأبحاث في الصحارى المصرية، سواء بفرق مصرية أو أجنبية. يؤكد الدكتور، «فيليب مانيون»، الباحث في الجامعة الإمبريالية بلندن: «هذا الاكتشاف هو قمة جبل الجليد، يشير إلى حقيقة أن القارة الأفريقية لديها سجل أحفوري أغنى مما كنا نعتقد». هذا الاكتشاف التاريخي يعد بالكثير مما يمكن أن يُكشف لاحقًا، ما يشكل دافعًا كبيرًا لتوجيه المزيد من فرق البحث نحو الصحارى المصرية من قبل اليونسكو، وغيرها من المؤسسات العلمية المحلية والعالمية.

مصطفى عطا الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *