أنوع التفاسير في مذهب السنة وعند أهل البيت (عليهم السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

ينقسم التفسير باعتبار طرق الوصول إليه إلى قسمين: التفسير بالمأثور وهو ما أثر عن النبي عليه السلام إة أحد من الصحابة والتابعين.. أما التفسير بالرأي فهو التفسير الذي يعتمد على العقل والاجتهاد..

ـ 1ـ التفسير بالمأثور:

وهو تفسير القرآن بما أثر ونقل عن رسول الله ، ثم عن الصحابة وعن التابعين، أي أن الأثر المروي عن رسول الله أو الصحابة أو التابعين هو الوسيلة الموصلة إلى تفسير القرآن وبيان معناه. وهو أعلى طرق التفسير منزلة لأن الرسول هو الذي كلفه الله – عز وجل – ببيان هذا القرآن ومعانيه، وهو أعلم الأمة بتفسير القرآن. أما الصحابة فلأنهم تلقوا عن النبي عليه السلام مباشرة ومعايشتهم لأحوال التنزيل ومعرفتهم بأسباب نزول القرآن، ولأنهم أهل اللغة والفصاحة والدراية. لهذه الاعتبارات عد التفسير بالمأثور لدى العلماء من أهم وآكد التفاسير التي يحتاج إليها المسلم؛ لأنها ترجع إلى أصول راسخة يعتمد عليها .

– أهم المؤلفات في التفسير بالمأثور :

– “جامع البيان في تفسير القرآن” لابن جرير الطبري (تـ 310 هـ): ويقع تفسير ابن جرير الطبري في 30 جزءا من الحجم الكبير، ويعتبر أقدم مصنف في التفسير، وما سبقه من محاولات التصنيف. لم يصل منها شيء، اللهم ما هو مبثوث في ثنايا الكتب.
تميز هذا التفسير بكونه جامعا لروايات متعددة في هذا الشأن، وأنه مسند بالأسانيد فتعرف الصحيح من الضعيف. ثم إنه جال بعلمه ونظره فاستنبط ورجح في بعض المواضع..

– معالم التنزيل للإمام البغوي (تـ 516 هـ): هذا التفسير متوسط الحجم، ويتناول التفسير بأسلوب سهل، مقتصرا على ما يفيده من الروايات في إيضاح المعنى . وينقل ما جاء عن السلف في تفسير الآية الواحدة. كما أنه عقد فصولا في بعض المسائل مثل “الإسراء والمعراج”، ويتحرى في انتقاء الروايات فتجده يعرض عن رواية المناكير. وتحاشى في تفسيره ما ولع به كثير من المفسرين من مباحث الإعراب ونكت البلاغة…

– المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي (تـ 546 هـ). يقع هذا التفسير في 16جزء، وقد طبعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب. وهو قد انتخب تفسيره من التفاسير التي سبقته – وخاصة ابن جرير – وكان يورد الآثار ويكثر من الاستشهاد بالشعر، كثير الاهتمام بالصناعة النحوية.. ويغلب على تفسيره العبارة السهلة المرنة.. وله صياغة أدبية رائعة.

– زاد المسير في علم التفسير للإمام ابن الجوزي: ومن مزايا هذا التفسير أنه كان يفرع في المعاني ويقول في هذه الآية عدة معانٍ منها، وكان يذكر الاشتقاقات اللغوية والمسائل الفقهية، ولا يرجح في غالب الأحوال بين الأقوال على غير عادته في كتبه الأخرى..

– تفسير القرآن العظيم: للحافظ ابن كثير (تـ 774 هـ): هذا التفسير من أشهر التفاسير وذلك لمزايا التفسير العلمية؛ إذ أكثر ابن كثير من ذكر الأحاديث وأوردها بالأسانيد المختصرة إلى أصحاب الكتب المعروفة، وعلق على كثير من تلك الأحاديث بالنقد تصحيحاً وتضعيفاً.

كما خلا تفسيره من ذكر الروايات الإسرائيليات التي كثرت في كثير من كتب التفسير، كما أنه قلل من الإكثار من التفريعات في العلوم الأخرى من علوم اللغة والخلافات الفقهية.
هذا المنهج سهل على المطلع على هذا التفسير الوقوف على المعنى الإجمالي للآية مع معرفة ما يتعلق بها من بعض الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين وعلماء السلف.
وقد أكثر ابن كثير من النقل عن كل من الإمام الطبري وابن أبي حاتم.

– الدر المنثور في التفسير بالمأثور : للإمام السيوطي: (تـ 911 هـ): وفي هذا يورد السيوطي الآية التي بصدد تفسيرها ثم يقول أخرج البخاري وغيره في هذه الآية كذا وكذا ، ويذكر كل ما ذكر في هذه الآية من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين. لذلك قيل إن هذا الكتاب دون فيه صاحبه نحو بضعة عشر ألف حديث مرفوع وموقوف فيما يتعلق بتفسير القرآن..
إلى غيرها من التفاسير بالمأثور.

2- معنى التفسير بالرأي:

تفسير القرآن بالرأي هو إعمال العقل والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم والوقوف على دلالته ومقاصده. أي بالاجتهاد من خلال معرفة المفسر من كلام العرب ومعرفة دلالات الألفاظ والاستعانة بالشعر واللغة ومعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وما يتعلق أيضاً أصول الفقه ودلالاته..
ولهذا النوع من التفسير شروط وضوابط علمية وضعها علماء هذا الشأن لمن يتصدى لهذا النوع من التفسير.

3ـ التفسير بالرأي بين القبول والرفض:

اختلف العلماء في التفسير بالرأي على أقوال أهمها:
-الرافضون لتفسير القرآن بالرأي معتبرين ذلك نوعا من القول على الله بغير علم، وأنه مهما ما بلغ إليه من نتائج يبقى ذلك في حدود الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، وهو منهي عنه في الكتاب والسنة . واستدلوا بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) سورة الإسراء الآية 36. وقوله عز وجل: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) سورة البقرة، الآية 169 ذ
أما السنة فقد استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: “من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ”(1).
كما استدلوا بمسلك الصحابة والتابعين في تعاملهم مع القرآن الكريم، حيث عرف عنهم تمسكهم الشديد بمنهج التحري والتثبت في إحجامهم القول في القرآن بغير علم.. وقد ساقوا عدة مرويات عن الصحابة والتابعين تدعم موقفهم هذا، من ذلك ما يروى عن أبي بكر الصديق عندما سئل عن حرف من القرآن فقال: “أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم؟”.
ثم ما ورد عن سعيد بن المسيب: “أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا”(2) إلى غيرها من الحجج التي استند عليها هؤلاء.
وقد رد المجيزون لهذا النوع من التفسير على هذه الأدلة. واستدل على جواز التفسير بالرأي من القرآن والسنة.
المجوزون للتفسير بالرأي بما ورد في القرآن من آيات كريمات تحث على التدبر وإعمال الرأي كقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟) سورة محمد، الآية 24
وقوله عز وجل: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) سورة ص، الآية 29.
ثم إن الاجتهاد بالرأي هو الطريق الذي يفسح المجال لتحقق استمرارية الأحكام القرآنية، ويمنحها نوعا من المرونة والتكيف مع مختلف المستجدات والنوازل.
كما استدلوا باجتهادات الصحابة في التعامل مع القرآن الكريم، والدليل على ذلك ما أثر عنهم من اختلاف في بيان المسألة الواحدة.
ويبقى أن من التفسير بالمأثور ما هو مقبول وهو الذي توفرت فيه الضوابط العلمية. أما المرفوض فهو المبني عن مجرد الرأي والهوى..

4- الضوابط العلمية للتفسير بالرأي :

لقد وضع العلماء ضوابط وشروطا لمن يتصدى للتفسير بالرأي، ومن تلك الشروط والضوابط أن يكون ملما بجملة من العلوم: كعلوم اللغة العربية (كعلم النحو والصرف والبلاغة..) وقد قال مجاهد: “لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب” لأن اللغة هي الوسيلة الوحيدة لتفسير مفردات الألفاظ ومدلولاتها، وعلم أسباب النزول، وعلم القصص، وعلم القراءات، وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، وعلم الناسخ والمنسوخ، والمعرفة بالأحاديث المبينة لمجمل القرآن، والعلم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم..
ويبقى التفسير بالرأي كغيره من أقسام التفاسير الأخرى، بحاجة إلى من يجلي فيه حدوده وأبعاده..

5- نماذج من التفاسير بالرأي :

– “مفاتيح الغيب” لفخر الدين الرازي ( ت 606هـ ): وهو كتاب ضخم كبير، قال بعض أهل العلم: أن فيه كل شيء إلا التفسير؛ لأنه طوّل النفس في كل علم يمر به، فإذا جاء في اللغة طول فيها وسرد أيضاً حتى في مسائل علم الكلام كثيراً وذكر بعض العلوم الرياضية والفلكية، وتكلم مقرراً لمذهب الأشاعرة ويرد على الفرق المخالفة كالمعتزلة وغيرها..

– “أنوار التنزيل وأسرار التأويل” لناصر الدين البيضاوي (ت 691 هـ): وهو يعتبر التفسير الزمخشري، لكنه ترك ما فيه من الاعتزال في أكثر المواضع، وتابعه مع ذلك في ذكر للأحاديث الموضوعة في فضائل سور القرآن وأضاف إليه مزيجاً من الرازي والراغب الأصفهاني وبعض آثار السلف. ويتميز هذا التفسير بعباراته الموجزة والمحكمة، وذلك راجع إلى أن البيضاوي كان أصولياً غلبت عليه أصوليته وميله إلى الدقة والاختصار مع الجمع الجيد والمحكم…

– “مدارك التنزيل وحقائق التأويل” لنجم الدين النسفي ( ت 691هـ): يتميز هذا التفسير بوضوح معانيه وشموليتها. وانتصاره للمذهب الحنفي واضح، وكان يستشهد ببعض الإسرائيليات وبعض الروايات الموضوعة.

– “تفسير الجلالين” لجلال الدين المحلي (ت864هـ) وجلال الدين السيوطي (ت911هـ): يركز هذا التفسير على المعاني الإجمالية، ويذكر أسباب النزول، وبعض الإعراب والقراءات، ويذكر مرجع الضمائر إلى المذكورات. ومن خصائص هذا التفسير سهولة معانيه.. إلى غيرها من أنواع التفاسير..

الهوامش:
(1) – سنن الترمذي، ج2/ ص 157
(2)- التفسير والمفسرون :ج1 ص:260 .

التفسير – أنواعه وأهم المؤلفات فيه

القرآن الكريم هو مصدر التشريع الأول للأمة المحمدية ، وعلى فقه معناه ومعرفة أسراره والعمل بما فيه تتوقف سعادتها ، ولا يستوي الناس جميعاً في فهم ألفاظه وعباراته مع وضوح بيانه وتفصيل آياته . 

تعريف التفسير:

التفسير في اللغة : تفعيل من التفسير من الفسر بمعنى الإبانة والكشف وإظهار المعنى المعقول ، والتفسير : كشف المراد عن اللفظ المشكل . 

والتفسير في الاصطلاح : هو علم يُفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد r وبيان معانيه ، واستخراج أحكامه وحكمه . 

والتفسير إما بالمأثور وإما بالرأي :

فالتفسير بالمأثور : هو الذي يعتمد على صحيح المنقول من تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنة أو بما روى عن الصحابة أو بما قاله كبار التابعين . 

والتفسير بالمأثور هو الذي يجب إتباعه والأخذ به ، لأنه طريق المعرفة الصحيحة . 

أهم الكتب المؤلفة في التفسير بالمأثور : 

1 – التفسير المنسوب إلى ابن عباس . 2– تفسير ابن جرير الطبري . 

3 – تفسير ابن عيينيه . 4 – تفسير أبي الليث السمرقندي . 

5 – تفسير ابن أبي حاتم . 6– تفسير البغوي.

7 – تفسير ابن حبان . 8 – تفسير ابن كثير(تفسير القرآن العظيم).
9 – تفسير ابن عطيه . 10 – تفسير الشوكاني ( فتح القدير )
والتفسير بالرأي : هو ما يعتمد فيه المفسر في بيان المعنى على فهمه الخاص واستنباطه بالرأي المجرد ، فالرأي المجرد الذي لا شاهد له مراعاة للشطط في كتاب الله ، وأكثر الذين تناولوا التفسير بهذه الروح كانوا من أهل البدع .
وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم ، كتفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم ، والجبائي وعبد الجبار الرماني ، والزمخشري وأمثالهم .
وتفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل حرام لا يجوز تعاطيه هذا, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

 منهج أئمة أهل البيت عليهم السلام في تفسير القران الكريم

عرفت ظاهرة تفسير القران الكريم عدة انواع من المفسرين عبر التاريخ فكانت هناك عدة مدارس متواجدة في مكة والمدينة والكوفة فهناك من فسر بالماثور من الاحاديث والاخر فسر بالرأي غالبا وهناك من جمع بينهما ، فكان من بين هذه المدارس من يحاول جاهدا في ابداء رأيه في بعض الايات نظرا لعدم وصول الاحاديث اليه وهم اهل الكوفة وتلامذتهم من بعدهم ، وكذلك من حكم بعض النصوص واعطائها معان تتماشى واوضاع الامور السياسية انذاك وكلهم لم يسلم من التاويل المنحرف بالرأي والتقيد الجامد بالنقل .

لكن ظهرت مدرسة بنت اسسها على نص النبي صلى الله عليه واله وسلم الذي قال فيه :” تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعثرتي ال بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ” او كما قال وهذا الحديث سفينة النجاة ، يطمئن جميع المؤمنين وينجيهم من التحريفات والتزيفات التي نقلت ودست لاغراض لاتنفك ان تكون من الدعاية والاعلام الاموي والعباسي الحاقد على أهل البيت عليهم السلام ، فالائمة عليهم السلام لهم منهج متميز في التفسير،وفهم القرآن الكريم يفهمه من مارس أحاديثهم وكلماتهم وحواراتهم في تفسير القرآن . والحديث عن هذا المنهج والتفصيل عنه يطول ، فهم يبدأون بتحرير الاصول التي يعتقدونها والتي تزيل اي شبهة عن المتلقي ثم يشرعون من خلالها الى تفسير القران حسب مقتضى ما عندهم من روايات عن الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم ومن بين هذه الاصول :

1-تنزيه الله تعالى عن التجسيم:

فقد دعا اهل البيت عليهم السلام إلى نفي التشبيه والتجسيم والتعطيل،جميعاً وتفسير آيات القرآن المباركة المتعلقة بهذا الموضوع على هذا المنهج فقد قال باب مدينة علم رسول الله امام المتقين وقائد الغر المحجلين ويعسوب الدين علي بن أبي طالب عليه السلام: الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون, ولا يحصي نُعماءه العادّون, ولا يؤدّي حقّهُ المجتهدون , الذي لا يُدركهُ بُعد الهممْ, ولا ينالهُ غوصُ الفطنْ, الذي ليس لصفته حدّ محدود ولا نعتُ موجود ولا وقتُ معدودْ ولا أجلُ ممدودْ فمنْ وصف الله سبحانه فقدْ قرنه, ومن قرنه فقد ثنّاه ومنْ ثنّاه فقدْ جزّأه , ومن جزّأه فقد جهله, ومن جهله فقد أشار اليه , ومن أشار اليه فقد حدّهُ, ومن حدّهُ فقد عدّهُ , ومن قال فيم فقد ضمّنهُ, ومن قال علام فقد أخلى منه كائن لا عن حدث, موجود لا عن عدم , فاعل لا بمعنى الحركات والآله بصير اذ لا منظور اليه من خلقه ” ، فحده كما قال الائمة عليهم السلام بين التشبيه والتعطيل.

2-تنزيه الأنبياء عن المعاصي:

إنّ الرأي في مدرسة اهل البيت عليهم السلام هو عصمة الأنبياء عليهم السلام جميعاً عن المعاصي الكبيرة والصغيرة

قبل النبوة وبعدها ومن السهو والخطأ في التبليغ.

وعلى أساس الرأي في عصمة الأنبياء عليهم السلام فسر أهل البيت عليهم السلام كل آيات القرآن المتعلقة بحياة الأنبياء عليهم السلام وهو إتجاه معروف لأهل البيت في تفسير القرآن.

3-إستحالة رؤية الله تعالى:

أكّد أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله على إستحالة رؤية الله تعالى،وفسروا الروايات

والآيات التي إستظهر منها أهل الحديث والأشاعرة إمكانية الرؤية،بمعان مناسبة لجو الآيات والروايا ، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما سأله ذعلب اليماني، فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟

فقال (عليه السلام ): أفأعبد ما لا أرى؟

فقال: وكيف تراه؟

فقال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. ” لانه” لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير”

4-رأي أهل البيت عليهم السلام في الهداية والضلالة:

يقول أهل البيت عليهم السلام إن الله تعالى هو مصدر الهداية في حياة الإنسان،وأمّا الضلالة فمن الإنسان نفسه، وعلى كل حال فإنّ الهداية والضلالة تجري في حياة الإنسان بإختياره وإرادته.ونفوا بشكل قاطع حتمية الهداية والضلالة في حياة الإنسان بإرادة الله سبحانه وتعالى.

5-رأي أهل البيت عليهم السلام في الجبر والتفويض:

ذهب أهل البيت عليهم السلام مذهباً وسطاً بين الجبر والتفويض،لا يتصل بالجبر ولا بالتفويض،وسموا ذلك الأمر بين أمرين

الجبر: هو الاعتقاد بأن الله تعالى يجبر عباده علي الفعل خيراً كان الفعل أو شراً، حسناً كان أو قبيحاً، دون أن يكون للعبد إرادة واختيار في الامتناع.

التفويض: هو الاعتقاد بأن الله تعالى فوض أفعال العبـاد إليهم يفعلون ما يشاءون علي وجه الاستقلال، دون أن يكون لله سلطان على أفعالهم.

الأمر بين الأمرين: هو الاعتقاد بأن الله تعالى كلف عباده ببعض الأفعال ونهاهم عن أخري وأمرهم بالطاعة، بعد أن هداهم إلى ما يريد فعله وما يريد تركه، وبعد أن منحهم القوة في الفعل والترك دون أن يجبر أحداً على الفعل أو الترك. فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها.

6- تفسير القرآن بالقرآن:

من يتبع طريقة أهل البيت عليهم السلام في تفسير القرآن يلمس عندهم طريقة متميزة ومبتكرة في تفسير القرآن بالقرآن،وهذه الطريقة من أفضل الطرق لفهم القرآن،لأنّ القرآن خير دليل على القرآن.

وقد جرى على هذه الطريقة العلامة المرحوم الطباطبائي وأخرج تفسيره القيم(الميزان) على هذا الأساس المتين.

كما فسر القرآن بالقرآن والسنة الدكتور الشيخ محمد الصادقي سنة1394 ،1974م، فقال في المدخل من الجزء الثلاثين القسم الأول:

إنّ كلمة الله هي إله الكلمات،فلا تفسر إلا بكلمات الله (والقرآن يفسر بعضه بعضاً) والتمسك بالكتاب في الأمور المشتبهة إصلاح لها ووصول للرشد فيها،والقرآن أحق وأولى أن يمسّك في تفسيره بنفسه قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ )الشورى آية10.وقال تعالى أيضاً ( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) الأعراف آية170.

وقال الدكتور الصادقي : {وقد يُفسر بالسنة القطعية الصادرة عن النبي الأقدس صلى الله عليه وآله إطلاقاً، أو عن خلفائه المعصومين الإثني عشر دون تقية،والميزة الصالحة لتمييز الغث عن السمين هو كتاب الله يُرد إليه ويقاس عليه كل حديث،فيُصدق ما وافقه ويرد ما خالفه ولم يوافقه،كما نجد في أحاديت العرض المتواترة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) النساء آية 59.

والرد إلى الله يعني الأخذ بحكم كتابه،والرد إلى الرسول يعني الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة} وليس لأحد أن يضرب القرآن بعضه ببعض،وينثر آياته دون رعاية لرباطها،وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله قوماً يتدارؤن،فقال صلى الله عليه وآله ((هلك من كان قبلكم،بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض،وإنّما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً،فلا تكذبوا بعضه ببعض،فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكِلوه إلى عالمه)) ثم خرج صلى الله عليه وآله على قوم يتراجعون القرآن وهو مغضب فقال((بهذا ضلت الأمم بإختلافهم على أنبيائهم وضرب الكتاب بعضه ببعض)) فعلى المفسر التدبر التام في آي الذكر الحكيم،أو يستنطق كل آية بنظائرها في المغزى،ويستفسر عنها من أشباهها،وحينئذٍ لا يجد أي إختلاف في القرآن:

قال تعالى(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) النساء آية82.

فإختلاف الروايات في تفسير الآيات،وإختلاف؛المفسرين في أفهامهم ترد هذه الإختلافات ترد على القرآن نفسه،فلا يصدق عليه إلا ما يصدقه،فإذا إحتملت اللفظة والآية وجوهاً عدة متلائمة فلتصدق كلها وإذا كانت متنافرة فأوجهها دلالياً ومعنوياً.

نماذج تطبيقية :

إنّ عمر بن الخطّاب أُتي بامرأة وضعت لستّة أشهر فهمّ برجمها، فبلغ ذلك عليّاً فقال: ليس عليها رجم. فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه يسأله، فقال علي عليه السلام: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة : 233) وقال: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} (الأحقاف: 15) فستّة أشهر حمله، وحولان تمام الرضاعة، لا حدّ عليها ولا رجم عليها. قال: فخلّى عنها.

عن زُرقان (لعلّه محمّد بن عبد الله بن سفيان المعروف بزرقان الزيّات) صاحب ابن أبي داود قال: «رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتمّ ، فقلت له في ذلك، فقال: وددتُ اليوم أنّي قد متُّ منذ عشرين سنة. قال: قلت له: ولِمَ ذاك؟

قال: لِما كان من أبي جعفر محمّد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين المعتصم. قال: قلتُ له: وكيف كان ذلك؟

قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمّد بن علي، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يُقطع؟

قال: فقلتُ من: الكُرسوع (وهو طرف الزند الذي يلي الخنصر). قال: وما الحجّة في ذلك؟

قال: قلت: لأنّ اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع؛ لقول الله تعالى في التيمّم: {فَامْسَحُوا بـِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} (النساء: 43) واتّفق معي على ذلك قوم.

وقال آخرون: بل يجب القطع من المِرفق. قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله لمّا قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة: 6) في الغَسل، دلّ ذلك على أنّ حدّ اليد هو المِرفق.

قال: فالتفت إلى محمّد بن علي، فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟

فقال: قد تكلّم القوم فيه. قال: دعني ممّا تكلّموا به، أيّ شيء عندك؟

قال: أعفني عن هذا. قال: أقسمت عليك بالله لمّا أخبرت بما عندك فيه. فقال: أمّا إذا أقسمت عليَّ بالله إنّي أقول إنّهم اخطأوا فيه السُنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مَفصل أُصول الأصابع، فيُترك الكفّ. قال: وما الحجّة في ذلك؟

قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «السجود على سبعة أعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين» فإذا قطعت يده من الكُرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِِ} يعنـي به هذه الأعضاء السبعة التـي يسجد عليها {فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً} (الجنّ: 18) وما كان لله لم يُقطع.

قال: فأعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ. قال ابن أبي داود: قامت قيامتي وتمنّيتُ أنّي لم أكُ حيّاً».

عن زرارة ومحمّد بن مسلم أنّهما قالا: «قلنا لأبي جعفر الباقر عليه السلام: ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ وكم هي؟  فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: {وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} (النساء: 101) فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا له: إنّما قال الله عزّ وجلّ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} ولم يقل: افعلوا فكيف أوجب ذلك؟ فقال عليه السلام: أوليس قد قال الله عزّ وجلّ في الصفا والمروة: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بـِهِمَا} (البقرة: 158) ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض لأنّ الله عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه صلى الله عليه وآله، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبـي صلى الله عليه وآله وذكره في كتابه».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات