أولياء الله المجهولون.. مترو الدمرداش على اسم شيخ إيرانى أبهر قايتباى بقوته

اليوم الجديد :

«الشاطبى» حملت لقب إمام أندلسى «مبارك» عاش بالإسكندرية فى عهد المماليك
«أبو مسلم» هرب من العراق خوفا من المغول ليحارب الصليبيين فى مصر
فى كتابه «الطهر والكرامات: قداسة الأولياء»، يؤكد الدكتور شحاتة صيام، أستاذ الاجتماع السياسى بجامعة الفيوم، أن أعداد الأضرحة فى مصر يتجاوز الـ2225 أغلبها غير مسجل، وهو بهذا يقلل من الرقم الذى أعلنه فى 2009 مسؤول بالمجلس الأعلى للآثار، حين أكد فى تصريحات صحفية أن أرض الكنانة تؤوى بين دفتيها أكثر من 6 آلاف مقام.
وعلى الرغم من الجدل المصاحب دائمًا لهذه القضية بين أوهام التبرُّك والتدلُّك، وآراء الرافضين بالجملة والحالمين بنبوءات القدرات غير المحدودة، يظل الشغف المصرى بارتياد هذه المزارات واقعًا محتومًا، ربما كانت مدفوعة بجيناته الفرعونية التى لم تقدس شيئًا قدر طريقة ومكان الدفن.
فى هذا التحقيق نستعرض سريعًا سِيرا لمَن وصفتهم كتب الصوفية، بالأولياء، ورغم عظمة ما صنعوه، كما أرّختها الموسوعات، فإننا تقريبًا لا نعرف عنهم شيئًا..
◄ دمرداش المحمدى
قد يكون من الغريب أن يتفوق اسم الرجل على سيرته، بعد أن خُلد على أفضل ما يكون، فسُمى على اسمه مستشفى كبير تابع لجامعة عين شمس وجامع ضخم ومحطة مترو، كلها تحمل اسم الشيخ الزاهد الذى عاش فى المنطقة قديمًا حين كانت قاحلة لا يقطنها أحد، والآن صارت زحاما طاغيا.
هو الشيخ أبوعبد الله محمد شمس الدين المعروف بالمحمدى والملقب بالدمرداش، المولد بتبريز فى إيران عام 857هـ /1453م، تلقى علمه على يدى الشيخ أحمد بن عقبة الحضرمى فتعلق به ولازمه، وعقب وفاته سافر إلى تبريز حيث تتلمذ على يدى الشيخ عمر الروشنى، بعدها سافر لمصر، وانتقى منطقة خلاء استصلحها وقام على زراعتها، فغرس ألف نخلة، وقسّم ثلث إنتاجها للمحتاجين، وبدأ فى العناية بالفقراء، علاجًا وطعامًا دون مقابل، فذاع صيته وكثر التفاف الناس من حوله.
ترجع عالمة الآثار المصرية الدكتورة سعاد ماهر لقبه الدمرداش، إلى السلطان قايتباى الذى راقبه فى ليلة باردة فوجده يتعبد فى الخلاء، فوصفه بالفارسية بأنه «دميرطاش»، ومعناها «الصخر»، وصارت من حينها لقبًا، وبمرور الوقت حرفتها الألسنة إلى دمرداش.
أما لقب المحمدى فقد اكتسبه حين أرسله قايتباى للمساهمة فى ترميم المسجد النبوى بعدما ضربته صاعقة عظيمة عام 886هـ، وفقًا لما ذكره ابن إياس فى «بدائع الزهور»، ولما عاد من هذه المهمة أطلق الناس عليه اسم المحمدى.
يقول عنه المناوى مؤلف كتاب «الكواكب الدرية فى تراجم السادة الصوفية»: «لا تجده فى عمل غير صالح، إما ينجِّر السواقى بيده أو يعذق النخل أو يطحن أو يقرص العجين».
وتوفى عام 929هـ/ 1524م بعد انتهاء دولة المماليك، وخضوع مصر للحكم العثمانى.
◄ عبد العزيز الدرينى
هوعبد العزيز بن أحمد أبو محمد الدميرى الديرينى، وُلد عام 612 هـ، فى قرية درين مركز طلخا المنصورة، تلقى العلم عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، ونسب إلى الطريقة الرفاعية، عرف عنه العلم والزهد، وكان الناس يتبرّكون به. وكان من أبرز أقطاب الصوفية فى القرن الـ10 الميلادى، واعتاد الناس التبرك به، ويسألونه إجابة مشكلاتهم العويصة.
تنسب له كتب الصوفية عددًا من الخوارق عسيرة التصديق، والتى ترتقى به لمصاف «المؤيدين من السماء»، منها أنه عزم ضيفه على دجاجة مطهية، ولما لاحظ ضيق زوجته من الأمر، أمَرَه بالنهوض، فقامت الدجاجة من الصحن تجرى، وقال لضيفه: «يكفينا المرق!»
ذكره الإمام الشعرانى فى «طبقاته الكبرى»، فوصفه بأنه «الشيخ العابد الزاهد القدوة ذو الحالات الفاخرة، والأحوال الشريفة، والكرامات المشهورة، والمصنفات الكثيرة، كما وصفه المناوى بأنه جلى الكرامات، له الأحوال المذكورة، والخوارق المشهورة».
مات 697هـ، وله عشرات المؤلفات، منها: «طهارة القلوب»، و«الخضوع لعلام الغيوب»، و«نزهة المجالس»، و«منتخب النفائس».
وقبره لا يزال حتى الآن مزارًا يشد إليه الناس الرحال؛ ويتوسلون بشفاعاته لعلاج مشكلاتهم.
◄ أبو العباس الحضرمى
يقع قبره داخل جوار مقبرة السلطان برقوق فى الجامع الذى حمل اسمه، وهو الملقب بشيخ العباد والزهاد، و القطب الغوث، المتصوف صاحب الدائرة الكبرى، إمام الأئمة وغوث الأمة.
هو تاج الدين أبو العباس أحمد بن عقبة، وُلد فى حضرموت باليمن، وقدم إلى مصر ليلتحق بطريقة الشيخ أبو السيادات يحيى القادرى، وكان له قبول حسن عند الجميع، فذاع صيته وكثر مريدوه، وتروى عنه كتب الصوفية أن له كرامات عديدة و«مكاشفات غيبية»، وللأسف معظم كتبه ضائعة، ولا نعرف عنها إلا أشهرها وهو كتاب «بداية العقول ونهاية النقول» المفقود كغيره، ولا نعلم بدقة تاريخ وفاته، ولكن الأكيد أنه مدفون بمصر، داخل الضريح سالف الذكر.
◄ أبو الفضل الأحمدى
فى بولاق أبو العلا، يوجد شارع كبير اسمه الأحمدى، ربما فاقت شهرته المقام الكائن به، والذى حمل اسمه صاحبه، يقول عنه على باشا مبارك فى كتابه «الخطط التوفيقية»: «الشيخ أبو الفضل يعمل له مولد كل عام فى شهر ذى القعدة، ولعل هذا الجامع كان فى الأصل زاوية له كان يقيم بها، أنشأها الناس تبركًا به على الرغم من أنه دُفن بالحجاز».
هو من أهل المجاهدات وقيام الليل، يقول عنه الشعرانى «رأيت له من الخوارق ما لم أره لأحد ممن ذكرتهم»، ويضيف فى الطبقات و«كان يتحمل هموم الناس حتى صار ليس عليه أوقية لحم وكان متقشفًا فى المأكل والملبس»، ووصفه فى موضع آخر قائلاً «ما صحبت أحدًا مثل الشيخ أبى الفضل، ولن أصاحب مثله».
حجَّ العديد من المرات، حتى وافته المنية فى آخرها، ودُفن كما تمنى فى مقابر شهداء بدر.
◄ أحمد المتيم
فى منطقة الشلالات بالإسكندرية، يقع مسجد ومقامه، يُرجح أن نسبه يمتد إلى زين العابدين ابن الإمام الحسين عليه السلام.
وينسب له الشيخ جابر قاسم، وكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية بالإسكندرية فى تصريحات صحفية، معجزة خارقة جدا، مفادها أنه حين حاولت الحكومة نقل رفاته، مع عدد من الأولياء الآخرين، من مكانها إلى مسجد آخر فى منطقة بحرى، رفض جثمانه السير معهم، وبالتالى لم يتم نقله مع البقية، على حد قوله.
وتجرى حاليا أعمال صيانة وتطوير للضريح الكائن بشارع السلطان حسين، من المنتظر أن يتم الانتهاء منها الجمعة المقبلة.
◄ عز الرجال
يقع ضريحه داخل مسجده الكبير بمدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية، كما أن جمعية خيرية تحمل اسمه تقوم بمهام محمودة فى نواحى المحافظة مثل تكريم الأيتام والعناية بالمحتاجين.
لا تتوفر عنه معلومات كثيرة، فقط اسمه هو محمد بن عز الدين بن عبد السلام بن بشيش الذى ينتهى نسبه إلى الإمام الحسن سبط الرسول صلى الله عليه وسلم، والذى ورث كرامات أبيه عبد السلام ابن بشيش.
نال هذا اللقب، لأنه كان مشهورًا بنصرة الضعفاء وإغاثة الملهوفين.
أما مسجده فقد أُنشئ فى عصر خديو مصر عباس حلمى الثانى، عام 1321هـ كرامة للولى الصالح، ويعد من أعلام أبنية المدينة، وتحدث الدكتور مصطفى محمود فى مذكراته أنه كان يرتاد المسجد بصفة منتظمة لتلقى الدروس الدينية هناك، ومن دروس أحد الشيوخ بدأت رحلته فى التفقه بالدين.
◄ الإمام الشاطبى
هو محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الملك بن على بن يوسف الشاطبى، نسبة إلى مدينه شاطبة بالأندلس، التى ولد بها عام 585هـ .
ساح فى البلاد سعيًا وراء علوم الدين، فتعلم الحديث بدمشق والمدينة، وبعدها نزل مصر فى عصر المماليك البحرية، فصاحب الشيخ أبا الحسن الصباغ فى محافظة قنا، قبل أن يسافر إلى الإسكندرية ويعيش هناك معتكفًا للتعبد فى أحد أوقاف الصوفية التى كان أصحابها يؤون بها المنقطعين عن الدنيا لعبادة الله والتفكر فى ملكوته، وكان يُطلق عليها اسم «خانقاه»، وهى كلمة فارسية معناها بيت الأكل، تطور مفهومها بمرور الزمن لتطلق على أماكن العبادة.
يصفه أبو الفضل عبد السلام فى الكتاب الذى تناول فيه قصة حياة الإمام وحمل اسمه أنه «كان أحد الأولياء الذين جمعوا بين العلم والعمل، والتمسك بطريق السلف الصالح وقصده الناس للتبرك» .
وتروى كتب التاريخ أن السلطان بيبرس كان يحرص على زيارته كلما وفد إلى الإسكندرية، وأنه عاصر الشيخ القبارى والفقيه ابن أبى شامة.
مات عام 672هـ، ودُفن فى مسجد صغير حمل اسمه قبل أن يتمدد ليكون لقب المنطقة بأسرها.
◄ أبو مسلم
هو أبو مسلم بن يوسف الهمذانى العراقى الذى ينتهى نسبه إلى جعفر الصادق، له مسجد باسمه فى محافظة الشرقية، بالإضافة لعشرات القرى التى تلقبت بلقبه، وطريقة صوفية تنظم له مولدا سنويا قُرب مسجده، وذرية تنتشر شرق الدلتا، ومن قراهم كفر المسلمية وعزبة المسلمية مركز الزقازيق، وكفر أبو مسلم وخلوة أبو مسلم وجزيرة أبو مسلم مركز أبو حماد، وعزبة المسلمية وعزبة فتحى المسلمى مركز ههيا بالشرقية.
ضمن الكرامات التى تُنسب له، وعجلت بقدومه إلى القاهرة 610 هـ رؤيا بشأن نار اندلعت من المشرق أحرقت همذان -حيث نشأ- والعراق والشام حتى انطفأت فى جبل الطور بسيناء، وبالفعل سارع بالسفر إلى مصر، قبل أن يتضح له بعدها أن تفسير حلمه هو الخطر المغولى، الذى اجتاح بلاد الإسلام حتى توقف بمصر.
سافر الإمام بأهله وذريته إلى مصر، وفيهم 75 رجل من أصدقائه العلماء والفقهاء أمثال الوزواى والسنجرى، ونزل ضيفًا على ابن عمه بالقاهرة، الذى تولى خطابة جامع عمرو بن العاص من العهد الأيوبى، رفض أبو مسلم بعدها البقاء فى العاصمة وغادر إلى الشرقية، واتخذ له خلوة بمدينة بحطيط (مركز أبو حماد بالشرقية)، والتى سُميت فيما بعد باسمه «كفر أبو مسلم».
صحيح أنه نجا من المغول، ولكن بعد سنوات بدأ العالم فى الاكتواء بنار أخرى وهى الحملات الصليبية، والتى تؤكد سيرته أن حياته كانت سلسلة متصلة من الجهاد ضدها، حتى أنه شارك بنفسه فى القتال بصحبة عدد من أتباعه وأقاربه، وربما كان هذا سببًا فى انتشار العديد من الأضرحة التى حملت لقبه فى المناطق المحيطة به فى الدقهلية ودمياط.
مات عام 645هـ فى عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب فى محل خلوته القديمة، والتى تزعم بعض المرويات أنها المكان الذى ذبح فيه سيدنا موسى البقرة لبنى إسرائيل، وتكريمًا له، أقام له الملك قبة فوق قبره بشكل فنى بديع، وبنى له مسجدًا كبيرًا.
◄أبو المعاطى
قُرب مسجد عمرو بن العاص فى دمياط، يقع ضريح أبو المعاطى، القطب الصوفى المغربى فاتح الأسمر التكرورى الشهير بأبى المعاطى، والذى وفد إلى المدينة الساحلية قادمًا من مراكش، حيث وُلد، وكان له الفضل فى إعادة إعمار مسجد دمياط الكبير (عمرو بن العاص) حتى إنه سُمى باسمه لفترة من الزمن، أو بلقب منحوت منه وهو «فتح».
بعد انتهاء الحملة الصليبية بقيادة الملك لويس التاسع على دمياط، والتى تركوها مدمرة وقد أصبحت أثرًا بعد عين، يقول المقريزى «وقع الهدم فى أسوارها حتى خربت كلها ومحيت آثارها، ولم يبقَ منها سوى الجامع» .
وفى ذلك الوقت تأسى الرجل بكبار الصوفية فى المعيشة بالخلاء، فنزح إلى دمياط، التى أصبحت مهجورة، وبدأ فى إعمار المكان وترميم الجامع بنفسه فبلّط صحنه ورمّم سقفه، وأقام فى ركنا صغيرا أسفل المئذنة معتزلا الناس.
وبعدها بدأ الفقراء فى الإقامة حوله فى «عِشَش»، وراج المكان تدريجيا حتى أصبحت بلدة كبيرة فيها الأسواق والمحال والبيوت.
يصف المقريزى حاله قائلاً «كانت أبدًا اتصالاً فى انفصال (أى اتصالا بالله فى انفصال عن الناس)، وقُربا فى ابتعاد، وأنسًا فى نفار».
يُروى عنه أنه كان يمشى فى الأسواق يسقى العطشى، وكان يبالغ فى الترفع على الأغنياء، بينما كان يزور الفقراء ويقدم لهم الطعام، ولم يقدم لغنى أكلا أبدًا، وإذا اجتمع عنده الناس قدّم الفقير على الغنى، وكان يُكرم الأيتام ويُشفق على الضعفاء والأرامل، ويبذل شفاعته فى قضاء حوائج الناس، ويستكثر ما يُقدّم إليه مهما كان يسيرًا ويكافئ عليه بأحسن منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *