قصة الأوقاف المصرية في السعودية.. كيف نشأت ومن يملكها اليوم؟
Y
نقلت “جريدة المال الاقتصادية” عن مصادر حكومية “رفيعة المستوى” أن مصر ستتحرك دولياً خلال شهر فبراير/شباط المقبل “لإثبات ملكيتها لأوقاف بجوار الحرمين الشريفين”، مشيرة إلى أن وزارة الأوقاف المصرية لديها أصول في المملكة العربية السعودية، منها أراض ضمن توسعات الحرم المكي، بينها 20 ألف متر مربع يعود تاريخها لأحد الولاة المصريين على مكة.

وأعادت التصريحات للأذهان قضية الأوقاف المصرية في السعودية، التي قامت الحكومتان المصرية والسعودية بتسوية جزء منها لإدخالها ضمن توسعات الحرم المكي، وأودعت الحكومة السعودية -حسب مصادر رسمية مصرية- تعويضاً مادياً في أحد البنوك نظير تنازل الأوقاف المصرية عن ملكيتها للسلطات السعودية.

وكان رئيس مجلس إدارة جمعية مستحقي الوقف الأهلي في مصر اللواء أحمد الجلبي قد قال في حوار قبل ثلاث سنوات إن السلطات السعودية أبدت استعدادها لتعويض أصحاب بعض الأوقاف مثل وقف إبراهيم باشا بن عبد الله الرومي في مكة، الشهير بكاداغا الخاربوطري بمبلغ مائة ألف ريال سعودي للمتر، لكنه أضاف أن وزارة الأوقاف المصرية لم تهتم أو تبحث عن ورثة هذا الوقف رغم امتلاك ورثته للأوراق التي تثبت ملكيتهم، وهناك أيضاً وقف باسم “صالح باشا فريد” في المدينة المنورة.

واجتمع عدد ممن يدعون أن لهم حقوق ميراث في أوقاف مصرية في الخارج (أهمها في السعودية وتركيا) على مجموعات على فيسبوك بينها “رابطة مستحقي الأوقاف المصرية” وجمعية “مستحقي الوقف” للمطالبة بالحصول على “حقوقهم” من ملكية الأوقاف ويقول رئيس الجمعية أن هناك 600 عضو بالجمعية لهم حقوق في الأوقاف المصرية في الداخل والخارج، وتداولوا أسماء أكثر من مائتي اسم من الأوقاف منها أوقاف في بلاد الحرمين مثل وقف عمر مستحفظان ووقف كاداغا الخاربوطري بجوار الحرم المكي ووقف صالح باشا فريد في المدينة المنورة وادعى بعضهم امتلاكه “لوثائق وحجج تثبت كونهم ورثة الوقف”.

mekka old

ما هو الوقف؟

ونظام الوقف الموجود في مصر يدخل ضمن تطبيقات فكرة “الصدقة الجارية” الإسلامية، فبالوقف نشأت المعاهد ولمساجد والمدارس للتعليم والعبادة، والمستشفيات والصيدليات للعلاج المجاني، والحصون للحماية والتكايا والملاجئ للإيواء بلا مقابل، والمضايف والمنازل للمسافرين والضيوف وعابري السبيل، وكذلك سبل المياة والمقابر والصدقات.

والوقف يكون دائم وأبدي أي أنه لا يملكه أحد ولا يعود إلى ملك صاحبه مرة أخرى بعد أن أوقفه ولا إلى ورثته وهو كذلك مستقل عن سلطة الدولة رغم إمكانية مشاركة الدولة في إدارته للمنفعة العامة.

لكن الوقف يلتزم بالوثيقة التي يضعها الواقف وتعتبر شروطه ملزمة قانوناً ولا يجوز للسلطة التدخل في شؤون الوقف، وقد شهدت مصر في البداية العديد من الأوقاف الزراعية لكنها توسعت لتشمل خدمات العبادة والتعليم والصحة والضيافة وحتى المرافق العامة، وتطورت لتشمل عدداً كبيراً من المصارف لدرجة رعاية الحيوان والطيور.

ما هي الأوقاف المصرية في الحرمين؟

يحكي إبراهيم رفعت باشا صاحب الكتاب التاريخي المهم “مرآة الحرمين أو: الرحلات الحجازية والحج ومشاعره الدينية” عن زيارة أمير الحج المصري و”أمين الصرة” (الموازنة” لشريف مكة وواليها، إذ رفع ناصر باشا ابن الشريف عبد المطلب أمير مكة مطالب من الخديوية المصرية شملت مرتبات الأشراف من المالية والأوقاف المصرية، وملاحظات على نظّار التكية المصرية، وطلب تمويل بناء خزان لشرب الحجاج في مكة.

وقد بدأت المساهمة المصرية في كسوة الكعبة الشريفة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي أوصى بذلك، وكان المحمل يخرج في الشوارع في احتفالات ضخمة حاملاً الكسوة والهدايا ويمر عبر شوارع القاهرة ومدن مصر محملاً بالجنود والجمال والمؤن والرايات.

رابط:

youtube.com/watch?v=XRqxCFx5jbY

وبلغ حجم الأوقاف المصرية في بلاد الحرمين ذروته في العصرين الأيوبي والمملوكي فبخلاف الغلال والعطايا والرواتب والإشراف على عمارة مكة والمدينة، أوقف الأمير جهاركس الخليلي “وقف خان الخليلي” للإنفاق على مكة وأوقف الأشرف برسباي وقف على أغوات الحرم المكي الشريف، وأنشأت هذه الأوقاف مدارس وكتاتيب مثل كتاب يوسف المصري بالمسجد الحرام ومكتبة الشهاب التروجي المصري ومكتبة السلطان قايتباي ومدارسها للعلوم الشرعية، وأنشئت التكايا في المدينة ومكة لضيافة زوار الحرمين و”سحابات السلطان برقوق” والغوري والسلطان طومان باي آخر سلاطين المماليك التي اشتملت على جمال لحمل المشاة وتزويدهم باحتياجات السفر، وكذلك تكية الخاصكية بالمدينة المنورة والأربطة المملوكية لخدمة الحجاج والمعتمرين.
وكان أمير الحج المصري يشرف على طريق الحجاج واحتياجات البيت الحرام وفي زمن السلطان العثماني سليم الأول خصصت إيرادات أربع محافظات مصرية هي البحيرة والغربية والشرقية والقليوبية لإمارة الحج والإنفاق عليها بحيث تم نقل إدارتهم مباشرة لأمير الحج وكانت إيرادات الأوقاف تخرج بانتظام في كل عام من الحبوب والغلال والأموال النقدية.

وتعددت الهيئات المسؤولة عن ضبط الأوقاف المصرية زمن العثمانيين فشملت نظار الوقف والمتولين والكتبة والشهود، وأسندت نظارة أوقاف الحرمين إلى قاضي القضاة في مصر الذي كان يباشر الرقابة مع موظفين لهم سلطة رقابية ويراجع الحسابات المالية والإدارية بانتظام.

والتكيّة المصرية أو (المبرة) التي تعتبر أهم الأوقاف المصرية في بلاد الحرمين، هي المكان الذي تعد فيه الأطعمة وتقدم للحجاج من كل مكان كما تشتمل على استراحة ومأوى طوال العام وأعمال خيرية.

وكانت تخصص لها ميزانية سنوية تسمى “الصرة الشريفة” لخدمة فقراء الحجاج وحتى سكان مكة والمدينة والوافدين إليها، وبلغت مساحة الأراضي الموقوفة في عهد سعيد باشا 471 فداناً وغلالاً ومخصصات مالية كبيرة.

ماذا حدث للأوقاف المصرية في الحرمين؟

وقد اتخذت إجراءات التأميم أو الاستغناء من قبل سلطات البلاد التي تحتفظ بأوقاف في بلاد الحرمين ومنها تركيا التي ألغت الأوقاف كلياً وصارت ملكاً للدولة في أعقاب تأسيس الجمهورية، وسوريا وتونس التي اتخذت إجراءات مشابهة وفي أعقاب ثورة يوليو 52 قضت المادة الأولى من القانون 247 لسنة 1953 بحق وزير الأوقاف في صرف ريع الوقف كله أو بعضه للجهة التي يراها دون التقيد بشرط الواقف.

وأدى ذلك لعدم المتابعة والإشراف على أنشطة الأوقاف في الحرمين وعدم متابعة إيرادتها التي بلغت في عام 1345 ه (1925م) ما يزيد على سبعة وأربعين ألف جنيه مصري، ووصلت الإيرادات فقط لأكثر من مائة ألف جنيه في العام 52 بحسب آخر ميزانية لأوقاف الحرمين في السنة المالية 1952\1953
في بحثه “الأوقاف على الحرمين الشريفين” المنشور بجامعة الإمام بن سعود، يعزو محمد بشير الشريف أسباب تحول ملكية الوقف للسعودية بعد مفهوم السيادة الحديثة إذ جعل هذا المبدأ لكل دولة حرية التصرف في أراضيها بما تشمله من موارد وممتلكات، فأصبحت كل الأوقاف في الحرمين خاضعة لسيادة السعودية بالتراضي مع أصحاب الوقف

tekkia

هل تنازلت مصر عن أوقافها في الحرمين مقابل تعويض مالي؟

وصرح وزير الأوقاف المصري قبل عامين “إلى أن المملكة العربية السعودية عوضت مصر عن هذا الجزء الذي كان موجوداً داخل الحرم المكي.” لكنه لم يعط تفاصيل إضافية عن هذا التعويض ولا الجهة التي تلقته وكيف تم احتساب قيمة الوقف، مشيراً إلى أن الأوقاف المصرية دخلت في توسعة الحرم وصارت أو كانت داخل الحرم المكي.
وكانت صحيفة المال الاقتصادية أشارت لأن وزارة الأوقاف المصرية كان لديها أراضي كأصول دخلت ضمن توسعات الحرم المكى، تعود إلى وقف «باكير أغا الخربوطلي» الذى كان والياً مصرياً على مكة، واشترى 20 ألف متر مربع في حي «المسفلة» بمكة المكرمة.

كما تمتلك وقف كل من “آل جلبي”، و«صالح باشا فريد وزوجته”، و”محمد جلبي الخروطلي”، و”إبراهيم بك الكبير” ومساحته حوالي 20 ألف متر مربع، و”تكية الأغوات”، و”زين الدين القاضي”، و”عمر مستحفظان” في منطقة جبل عمر في مكة المكرمة، وقامت السعودية بتسوية الجبل بالأرض من أجل إجراء توسعات في الحرم المكي، حسب التقرير نفسه المنشور في صحيفة المال المصرية.

وهناك عدة أوقاف أخرى تخص ورثة عائشة هانم، صديقة حرم صالح باشا فريد، بالمدينة المنورة، وتمتلك نحو 25 فداناً بمنطقة كامل العنبرية، وقامت الحكومة السعودية بشراء بعض الممتلكات المصرية بقيمة 200 مليون ريال وأودعتها فى أحد بنوكها، بالإضافة إلى عدة أوقاف أخرى تخص ورثة الواقفين من الأشراف المصريين، وأيضاً وقف تكية الأتراك والآغاوات بمكة المكرمة، والمدينة المنورة، والذي يمتلكه مجموعة من المصريين، مثل خليل آغا وعثمان آغا وغيرهما.

News Reporter

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *