موقع بريطاني: لماذا اقترحت الرياض أبو ديس عاصمة فلسطين؟
لندن- عربي21- ميدل إيست آي: معظم الفلسطينيين يعارضون فكرة أن تكون أبو ديس عاصمة فلسطين- أ ف ب

نشر موقع “ميدل إيست آي” تقريرا للصحافي مصطفى أبو سنينة، حول ما قال إنها كانت يوما قرية نائية، اشتهرت بحقول الزيتون والمناظر الخلابة وإشرافها على مدينة القدس القديمة، التي تقع في جنوبها الغربي، وإشرافها على وادي الأردن إلى الشرق.

ويستدرك التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، بأن “أبو ديس اليوم هي اسم يذكره ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بصفتها عاصمة محتملة لدولة فلسطينية في المستقبل، كما ذكرت صحيفة (نيويورك تايمز) في 2 كانون الأول/ ديسمبر”.

ويشير أبو سنينة إلى أن الأضواء على هذه القرية الصغيرة، التي تشكل جزءا من القدس الشرقية، سلطت بعد أيام من خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال فيه إنه يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لافتا إلى أن ذلك القرار صدم السلطة الفلسطينية، حيث كانت السلطة تأمل أنه إن قررت واشنطن اتخاذ مثل هذا القرار أن تعد القدس الشرقية أيضا عاصمة لدولة فلسطين، خاصة بعد عقود من مفاوضات السلام التي تدعمها أمريكا.

ويعلق الموقع قائلا إن “اقتراح أبو ديس بدلا من ذلك هو بمثابة صفعة لاتفاقية أوسلو عام 1993، التي كان الحديث فيها عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية”.

ويتساءل الكاتب: “لماذا تطرح أبو ديس اليوم؟ هناك سببان يجعلان من أبو ديس مقرا محتملا للحكومة الفلسطينية: الأول جغرافي، فأبو ديس هي الأقرب للبلدة القديمة، التي يوجد فيها بعض أقدس المواقع الإسلامية، بما في ذلك المسجد الأقصى، الذي تديره الأوقاف الاسلامية، ولهذا كان يخطط أن تستضيف أبو ديس المجلس التشريعي الفلسطيني، وبدأت السلطة بالفعل بإنشاء مقر للمجلس الذي تم إيجاده بعد اتفاق أوسلو ليقوم بوضع الدستور والقوانين الفلسطينية، ويدير مؤسسات السلطة الأخرى في أبو ديس عام 1995، وشغلت البناية المؤلفة من 5 طوابق مساحة 1300 متر مربع، وكلف ما يقدر بـ4 ملايين دولار في وقتها، ويحتوي على قاعة اجتماعات يمكن منها رؤية قبة الصخرة”.

ويستدرك التقرير بأن مشروع المجلس توقف عام 2000، عندما رفض أعضاء المجلس قبول أي مقر للمجلس خارج البلدة القديمة، وفضلوا بدلا من ذلك مؤسسة مؤقتة في رام الله، على الأقل حتى يتم التوصل إلى تسوية سلمية مع الإسرائيليين، مشيرا إلى أن المفاوضات بين الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في كامب ديفيد تعطلت في العام ذاته، وتبعت ذلك انتفاضة الأقصى في أيلول/ سبتمبر.

ويلفت الموقع إلى أن صحيفة “الغارديان” ذكرت في وقتها أن أبو ديس، التي كانت تحت السيطرة الفلسطينية، شكلت جزءا من المفاوضات، وإن لم يكن واضحا إن كانت عرضت في وقتها على عرفات لتكون عاصمة للفلسطينيين، حيث نظر إلى أبو ديس على أنها مكان يمكن لعرفات أن “يطل منه على منظر قبة الصخرة الخلاب”، لكن كما ذكرت “الغارديان”، فإن اليمين الإسرائيلي لم يوافق على الفكرة؛ لأنهم يريدون القدس كلها “غير مقسمة وأبدية”.

ويفيد أبو سنينة بأن السبب الآخر لطرح أبو ديس هو السعودية، ففي 3 كانون الأول/ ديسمبر، قبل أيام من إعلان ترامب، نشرت “نيويورك تايمز” خبرا يفيد بأن محمد بن سلمان اقترح على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس القبول بأبو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية، وقالت الصحيفة إن ابن سلمان يريد أن “يفرض تسوية على الفلسطينيين لتحسين العلاقة مع إسرائيل للتعاون ضد إيران”، حيث ترى الرياض في طهران منافسا إقليميا في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وهي حريصة على الدعم الإسرائيلي ضدها.

ويورد التقرير نقلا عن “نيويورك تايمز”، قولها إن الخطة السعودية ستضمن “حصول الفلسطينيين على دولة خاصة بهم في مناطق مقطعة من الضفة الغربية، وسيادة محدودة على مناطقهم، وستبقى غالبية المستوطنات في الضفة الغربية، التي يعدها العالم غير شرعية  قائمة، ولن يعطى الفلسطينيون القدس الشرقية عاصمة لهم، ولن يكون هناك حق عودة للاجئين الفلسطينيين ولا لأحفادهم”.

ويبين الموقع أن هذا كله سيتم “تحليته” بمساعدات مادية طائلة من الرياض للسلطة الفلسطينية، مشيرا إلى أن عباس لم يعلق على الفكرة حتى الآن، لكنه من المفترض أن يزور السعودية الأربعاء للقاء الملك سلمان وولي عهده بخصوص الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ويعلق الكاتب قائلا إنه “بالنسبة للمراقب العادي فإن الاهتمام كبير بأبو ديس، التي يصل عدد سكانها إلى 12600 نسمة، وتقع على بعد 3.8 كم من الأسوار الشرقية للبلدة القديمة، ويعتقد أن الاسم جاء من جملة يونانية تعني (أم القرى العشر)، وكانت ابو ديس على مدى قرون مركز نزاع، فعلى هضابها خيّم صلاح الدين الأيوبي عام 1187م قبل أن يحرر القدس من الصليبيين”.

ويبين التقرير أنه في الوقت الذي كانت فيه أبو ديس في وقت ما مدخل جيش صلاح الدين الشرقي للمدينة المقدسة، فإنها أصبحت اليوم محاطة بالمناطق الفلسطينية الأخرى، مثل الطور ورأس العامود والعيزرية، التي بدأت كلها قرى قبل أن تصبح ضواحي القدس الشرقية.

ويصف الموقع المناظر من شرق أبو ديس وغربها، التي ترتفع 628 مترا عن سطح البحر بأنها “مناظر ساحرة، ففي صباح يوم صاف، ليس فيه ضباب أو غيوم، فإنك تستطيع رؤية البحر الميت وهضاب أريحا وغربا حائط البلدة القديمة وقبة الصخرة الذهبية”.

وينوه أبو سنينة إلى أن التوسع بدأ في أبو ديس منذ عام 1967، عندما بدأ الاحتلال بمصادرة الأراضي الفلسطينية، ما اضطر أهالي أبو ديس للقيام ببناء بيوت في أراض كانت تستخدم سابقا للزراعة فقط، ولعدم منح الإسرائيليين تراخيص بناء في القدس، فإن بعض أهالي القدس بدأوا بالبناء في أبو ديس، وكذلك نمت قرى الطور ورأس العامود وأبو ديس والعيزرية حتى تواصلت جميعها مشكلة مدينة واحدة.

ويذكرالتقرير إلى أنه عندما أنشئت جامعة القدس في أبو ديس توافد الطلاب من القدس ومن قرى ومدن فلسطين الأخرى إليها، مستدركا بأن ما غير شكل المنطقة بعد أوسلو هو بناء جدار العزل الذي شرع فيه عام 2002، مقطعا الضفة الغربية ألى جزر شبه معزولة.

ويشير الموقع إلى أن قرية أبو ديس أصبحت مكتظة بالأبراج السكنية وشارع واحد يمر من العيزرية الى الشمال، وأصبحت كل من القريتين مكانا لإقامة الأعراس الفلسطينية، خاصة من أهالي الخليل الذين يحملون هوية السلطة ولا يسمح لهم بدخول القدس فيلتقون هناك مع أقاربهم الذين يعيشون في القدس.

ويقول الكاتب إن “الحديث عن أبو ديس بصفتها عاصمة لفلسطين يبدو متفائلا على الورق أكثر من الواقع، وذلك بسبب طبيعة المكان المقسم، فهي كغيرها من مناطق الضفة الغربية مقسمة إلى مناطق، حيث الحقوق الفلسطينية فيها غير ثابتة، أو غير موجودة، فملكية الأرض تآكلت لصالح الأولويات الإسرائيلية على مدى السنوات”.

ويلفت التقرير إلى أن أبو ديس وقعت تحت الاحتلال عام 1967، كبقية الضفة الغربية، ومنذ ذلك الحين كانت هناك سلسلة من مصادرة الأراضي الفلسطينية لبناء مستوطنات إسرائيلية وقواعد عسكرية وجدار عازل، فصادرت إسرائيل عام 1975 كيلومترا مربعا واحدا لبناء مستوطنة معاليه أدوميم، ثم صادرت 0.4 كم مربع عام 1980 لبناء مستوطنة مزبي يدود.

ويفيد الموقع بأن إسرائيل قامت بعد ذلك ببناء الجدار العازل عام 2002، ففصلت أبو ديس عن القدس، حيث يمتد الجدار 8 كيلومترات حول القرية، كما جعل الجدار الوصول الى القدس صعبا جدا، فيضطر المسافر إلى السفر بالاتجاه المعاكس ثم التوجه شمالا في منطقة “ج”، التي تقع تحت السيطرة الكاملة لجيش الاحتلال، ثم اتباع الطريق الواصل بين أريحا والقدس قبل المرور عبر حاجز الزعيم، وهو أحد أكبر الحواجز في الضفة الغربية، وكانت الرحلة قبل بناء الجدار عبارة عن 4 كيلومترات، وتأخذ 15 دقيقة، لكن الرحلة الآن تصل إلى 18 كم، وتأخذ حوالي 40 دقيقة.

ويقول أبو سنينة إن اتفاقية أوسلو 2 الانتقالية عام 1995 قسمت الضفة الغربية إلى مناطق “أ” (تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بالسيطرة الأمنية المدنية الكاملة)، ومناطق “ب” (حيث تشارك السلطة السيطرة الأمنية والمدنية مع سلطات الاحتلال)، ومناطق “ج” (حيث تسيطر سلطات الاحتلال بشكل كامل على النواحي الأمنية والمدنية).

وبحسب التقرير، فإن هناك حوالي 3.5 كم مربع في أبو ديس (14.8%) مصنفة على أنها منطقة “ب”، لكن معظم الضاحية، أي حوالي 20 كم مربع (85%) منها مصنفة على أنها منطقة “ج”، أي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، وهو ما ترك القليل من الفرص أمام سكانها لتطوير السكن والبنية الخاصة بهم، حيث يمنع الفلسطينيون الذين يعيشون في مناطق “ج” من البناء إلا بالحصول على تصريح من الإدارة المدنية الإسرائيلية، التي يرأسها قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وينوه الموقع إلى أن تقريرا لمعهد البحث التطبيقي ذكر عام 2012 بأنه مع بناء الجدار العازل سيتم عزل

حوالي 11.1 كم مربع (حوالي 47%) من أبو ديس، بما في ذلك مناطق مدنية وأراض زراعية ومناطق مفتوحة، وأشار التقرير إلى أن جزءا من الجدار في الغرب سيعزل الضاحية عن القدس، والجزء الشمالي منه سيعزل الضاحية عن مستوطنة معالي أدوميم.

ويجد الكاتب أن “هذه التجزئة جعلت من الصعب تطوير أي من ضروريات عاصمة فيها، بما في ذلك مستشفى وقوات شرطة وبنايات ووزارات ومطار، ومثلا في مجال الصحة يمنع الجدار الفلسطينيين من الوصول إلى مستشفى المقاصد في القدس خلال 10 دقائق، ما يضطرهم للسفر إلى رام الله وبيت لحم للحصول على العلاج”.

ويختم “ميدل إيست آي” تقريره بالإشارة إلى أن معظم الفلسطينيين يعارضون فكرة أن تكون أبو ديس هي عاصمة فلسطين، ولذلك عندما رشحت الأخبار عن العرض السعودي فإن ردة الفعل كانت سريعة وحادة، وأعاد الكثيرون تغريدة هاشتاغ القدس عاصمة فلسطين.

News Reporter

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *