«من رمان الثقافية» : فدوى طوقان وموشيه دايان

 لم تكن فدوى طوقان قبل العام 1967 تهتم بالسياسة ولذلك أسباب عديدة أهمها بنية المجتمع العربي التي تقسم الفضاء إلى قسمين: داخلي وخارجي؛ الأول يخص عالم المرأة والثاني من صميم عالم الرجل.

كل ما كانت فدوى تعرفه في السياسة، قبل العام 1948، كان يتأتى لها من خلال حديث الرجال في البيت والمذياع والصحيفة التي كان أبوها يحضرها معه، ومن خلال قصائد أخيها إبراهيم طوقان السياسية. ولهذا لم تكتب حتى العام المذكور قصائد سياسية، وحين توفي إبراهيم وطلب أبوها منها أن تكتب قصائد سياسية لتعوض غياب أخيها لم تلبّ طلب الأب وتساءلت وهي تكتب سيرتها الذاتية: “بأي حق يطلب أبي مني أن أكتب في السياسة وهو لا يسمح لي بالخروج من البيت والمشاركة في الشأن العام؟”(بتصرف).

ظلت الشاعرة حتى العام 1967 بعيدة عن عالم السياسة، وقد ذهبت إلى أكثر من هذا، فعبّرت حين طلب منها أن تكتب في الهم العام، عبرت عن بغضها لعالم السياسة والأحزاب وآثرت العزلة والوحدة.

إن دواوين الشاعرة التي صدرت ما بين 1948- 1967 («وحدي مع الأيام» و«أعطنا حباً» و«أمام الباب المغلق» و«وجدتها») تخلو من القصائد السياسية بشكل لافت.

بعد هزيمة حزيران 1967 سيختلف الأمر كلياً وستكتب قصائد سياسية وستصدر في ثمانينات القرن العشرين عن “دار الأسوار” في عكا ديواناً يضم قصائدها السياسية تحت عنوان «قصائد سياسية» وليس من ضمنها أية قصيدة كتبت قبل 1967. الشاعرة التي كرهت السياسة وبغضتها ستجد نفسها في غمار السياسة.

ما إن انتهت حرب حزيران وهدأت الأحوال في الضفة الغربية حتى استدعى وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان بعض رجالات نابلس إلى بيته في تل أبيب. كان المدعوون، كما أوردت فدوى في سيرتها «الرحلة الأصعب»، 1993، ثلاثة، هي وقدري طوقان ابن عمها وحمدي كنعان رئيس بلدية نابلس في حينه. ماذا سيقول الفلسطينيون لو علموا بهذه الزيارة السرية؟

خافت الشاعرة من ردود أفعال الفلسطينيين فطلبت من ابن عمها وحمدي كنعان إعلام الناس بالأمر وإشهاره. ستُجرّ فدوى إلى عالم السياسة غصباً عنها.

في اجتماعها مع دايان سيطلب هذا منها أن تبلغ رسالة إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر فحواها أن لديه استعداداً لعقد اتفاقية سلام مع العرب مقابل الانسحاب من المناطق المحتلة، فهو يسير على خطى رئيس وزراء إسرائيل السابق.

لم ينته الأمر عند هذا الطلب، فهي نسيت الأمر ولم ينسه دايان، وحين طلب منها الاجتماع معه ثانية سألها عما إذا كانت أوصلت رسالته إلى عبد الناصر، وتحايلت هي على الأمر، وكانت اجتمعت بعبد الناصر حين زارت القاهرة التي كانت تزورها بين فترة وأخرى في الخريف وتستقر فيها بعض الوقت. كانت فدوى التقت بجيهان السادات في بيت جيهان وتحادثت مع أنور السادات ورتب لها لقاء بعبد الناصر الذي سألها عن أحوال الفلسطينيين تحت الاحتلال وأعلمها أن ما يشغله هو تخليصهم مما ألم بهم فسيناء ليست همه الوحيد، فقد عُرض عليه الانسحاب منها مقابل اتفاقية سلام منفردة.

طلب دايان من فدوى إبلاغ رسالة إلى الرئيس المصري ليس الطلب الأخير. حين اشتدت المقاومة الفلسطينية وبزغ نجم ياسر عرفات تطلع دايان إلى اللقاء به ومفاوضته لعقد اتفاقية سلام معه. وطلب من الشاعرة، كما تكتب في سيرتها، أن تطلع عرفات على رغبته وكان دايان اقترح الاقتراح نفسه على فدائي فلسطيني أُسر في اشتباك كبير قرب أريحا في منطقة قرنطل. رفض الفدائي طلب دايان وآثر البقاء أسيراً وكان هذا الفدائي موضع إعجاب الوزير.

حين كان دايان يقرأ قصائد فدوى ومنها قصيدتها “آهات أمام شباك التصاريح” التي تمنت فيها أكل كبد جندي إسرائيلي كان يسألها: “لماذا تكرهين اليهود؟ وكانت تجيبه: “لا أكره اليهود وأكره الاحتلال. انسحبوا من المناطق المحتلة “.

مرة عرض دايان على الجمهور الإسرائيلي في تل أبيب في إحدى القاعات الرسمية أن يصغي الجمهور إلى الشاعرة في القاعة نفسها. اعترض الجمهور الإسرائيلي وسأل الوزير: كيف تسمح لشاعرة تدعو إلى قتل جنودنا وتتمنى أكل أكبادهم أن تلقي قصائدها في قاعة عظماء إسرائيل؟

دايان أوضح للجمهور أن فدوى طوقان شاعرة تعبر عن هموم شعبها وشعبها يقرأ قصائدها وعلينا أن نفهم هذا. لم تُدع فدوى إلى تل أبيب لتلقي قصائدها وإن زارت المدينة والتقت فيها بشاعرات يهوديات.

في علاقة الشاعرة بدايان ما يثير أسئلة كثيرة وما يذكر أيضاً بخصوماتها مع شعراء فلسطينيين هاجموها لأنها كانت تستاء من أيام السبت حيث يتبضع العمال الفلسطينيون الذين أخذوا يعملون في المصانع الإسرائيلية وفي شركات البناء (سوليل بونيه). مرة هاجمها الشاعر فوزي البكري لهذا ولأنها تمنت في إحدى قصائدها أن تلد النسوة الفلسطينيات من مقاتلين فيتناميين حتى يحرر الأولاد الأرض المحتلة من الاحتلال. ما الذي كان يشفع للشاعرة لقاءاتها بالآخر الإسرائيلي في الوقت الذي يهاجَم فيه غيرها لو قام بما قامت به؟

ألأنها شخصية اعتبارية؟ ألأنها أنثى؟…

عموماً، إن لقاءات فدوى بموشيه دايان تسهم في إضاءة بعض قصائدها وصورة الآخر فيها .

 بقلم الناقد الفلسطيني| عادل الأسطة
(نقلاً عن جريدة “رمان الثقافية“)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *